يوم الطالب في الأمس واليوم؟

يحتفل الطلاب كل عام، في التاسع عشر مايو، بذكرى يوم الطالب، وككل الذكريات التي تسجلها رزنامة الأعياد الوطنية فإن طقوسا تقام في كل سنة تتراوح بين هدر إمكانيات وقيم، وبين هروب من واقع فرض نفسه، فهل سيأتي يوم يعود فيه المغزى الحضاري من الاحتفال بهذا اليوم إلى المحتفلين؟
خليفة بن قارة

تعود القيم الجميلة ترفرف على الحرم الجامعي بل وتسدل أنوارها على جنبات المجتمع ككل مع حلول يوم الطالب الموافق للتاسع عشر مايو من كل عام، ويتساءل الجزائريون دائما: "هل جيل جامعة ما بعد استرجاع الاستقلال كان في مستوى تلك النخبة القليلة ممن رفضوا طواعية وعن طيب خاطر شهادة الجامعة وفضلوا عليها شهادة الجبل ؟"، وقبل ذلك "هل استطاع هؤلاء أن يسلموا الأمانة بصدق ووفاء إلى من أتى بعدهم ؟ أم أن سُعاة البريد عبثوا بالرسالة وغيروا عناوين المرسل إليهم، فكان انحسار دور الجامعة التي كبر جسمها كثيرا وخفّ عقلها – لحسن الحظ - قليلا ؟".
الطلبة الجزائريون قبل اثنين وخمسين عاما تركوا – على قلتهم – مقاعد الدراسة، وراحوا من جهة يرافعون أمام زملائهم والرأي العام الفرنسي والعالمي ضد أطروحات دعاة الانهزام والاندماج ضمن المشروع الاستدماري الذي طرحته المؤسسة السياسية الفرنسية لقطع الطريق على الأمة وخنق ثورتها في المهد، ومن جهة أخرى يحملون السلاح كما حمله إخوانهم ممن أعلنوا اندلاع الثورة الكبرى بعد طول سبات ضرب الشعب الجزائري، وقد استطاع هؤلاء الذين أطروا مختلف مرافق الثورة أن ينقلوها من الغرف الخلفية المظلمة التي حشرتنا فيها فرنسا إلى أرقى المحافل الإقليمية والدولية، بل وجعلوها قضية أثارت – بشكل ملفت للانتباه – الرأي العام العالمي على المناكر والمجازر التي تقوم بها إدارة الاحتلال الفرنسية، وتكونت منهم النواة الإيجابية الأولى للدبلوماسية الجزائرية الفاعلة، كما كان منهم المفاوضون النوعيون العنيدون من أجل المسألة الوطنية في مفاوضات تقرير المصير وإعادة الاستقلال.
جيل آخر أتى بعد هؤلاء ورث الجرأة والحماس من أجل الجزائر أيضا، فوقف بعضهم في وجه الرئيس الراحل هواري بومدين – فيما أسماه تصحيح مسار الثورة – عن إزاحة أول رئيس للجزائر التي كافحت وضحت حتى استردت سيادتها الرئيس أحمد بن بل ، واختار بعضهم الآخر الوقوف إلى جانب صاحب التصحيح بقوة وراح يروج لشعاراته الاشتراكية التي رفعها في ذلك الوقت كالثورة الزراعية وغيرها، وامتشق البعض الثالث مطالب وطنية ثورية رأى أن الدولة قد تخلت عنها كقضية التعريب مثلا التي سار طلاب الجامعة الجزائرية ومعهم كثير من الثانويين في مسيرات تحدت قوات الأمن للمطالبة بتعميمه باعتباره إحدى مواد البناء الصلبة للمجتمع الجزائري، وكانت الجامعة الأرض الخصبة المناسبة للمشاتل السياسية التي ظهرت بقوة في فترة الثمانينيات من القرن الماضي، وقد تكون لبعضها أيادي في أحداث الخامس أكتوبر من عام 1988، بدليل أنه وسط ركام تلك الأحداث الدامية خرج طلبة زعماء سيحتلون المشهد السياسي بجمعيات تحولت في لمح البصر إلى أحزاب سياسية أثرت التأثير الذي نراه في جزائر الألفية الثالثة.
الطلبة الجزائريون الذين كانوا ضمن اتحاد واحد انشطروا على أنفسهم وانقسمت قوتهم فزاد ضعفهم، ولم يعد لهم تأثير يذكر على مجريات الشارع السياسي، واكتفوا بتقمص الأدوار الباهتة في الصفقات الحزبية البائسة التي زادت الأمة إغراقا في المستنقعات التي أدخلها فيها سوء السياسة والتدبير والتسيير، ولم يستطع الجيل الجامعي والطلابي الحالي أن يترك بصمته على الأحداث، فهو لم يخرج محتجا - داخل أسوار الجامعة - إلا على أمور تنتقص من قيمة الطالب وتقزّم دور الجامعة، كالتظاهر من أجل الاختلاط - لا من أجل رفضه – في الأحياء الجامعية، أو الثورة على أية هبّة يريد أن يقوم بها أستاذ ما في مواجهة التخاذل والتكاسل الذي انتشر بين طلاب الجامعة، أو التمرد على وجبة لم تتماش ومزاج مجموعة محدودة من الطلاب.
إذا كان العلم والتحصيل قد تقهقر – بفعل عوامل متداخلة – إلى مراتب متأخرة، وعزف الناس عنه بشكل مثير وخطير على تطور المجتمع واستمرارية الدولة، بعد أن أصبح سلاحا تراه الأغلبية المتحركة غير ذي فائدة في تحقيق الربح السريع، فإن طلاب جامعة اليوم - الذين تخلوا عن صهوة فرس العلم وامتطوا ظهور السلاحف وهم يريدون ربح السباق – عليهم أن يخرجوا من طقوس احتفالاتهم بهذا التاريخ، إلى جعله منبرا يعيد للطالب دوره الطلائعي والريادي في تحريك الحياة السياسية وتثويرها، لتكملة النهضة الاقتصادية وتصويبها طبقا لمتطلبات العصر، وأن التغني بأمجاد ستة وخمسين لا ينفع في حل مشاكل ألفين وثمانية، وما يأتي بعدها، ولا يجب أن يعتبر هؤلاء انحيازهم إلى السلبية والابتعاد عن التأثير في الواقع السياسي، جزءا من المحافظة على إرث أولئك الذين استطاعوا – وهم لا يتعدون المئات- أن يغيّروا طرفيْ معادلة الاحتلال لصالح شعبهم في أحلك الظروف، وتلك معجزة طلاب الأمس، فهل لنا من معجزة ننتظرها منكم يا طلاب اليوم وأنتم بمئات الآلاف..؟
 
التعديل الأخير:
أعلى