وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ


مقال في البرمجة البوذية

إن البحث العلمي أثبت اشتمالها على أمرين مهمين:

- الأول : برنامج انتقائي (eclectic) يضم مجموعة منتقاة من الفلسفات والنظريات والفرضيات من علوم شتى إدارية ونفسية ولغوية ودينية مع بعض الممارسات والتقنيات لمجموعة من الناجحين بمنظور غربي (منهم ناجحين في السحر والشعوذة والنفاق اللغوي). فمن هذه المجموعة المنتقاة تطبيقات مأخوذة (ومنتحلة) من فروع العلم الأخرى، كعلم النفس السلوكي والمعرفي وشيءٌ من الإدارة والعلاج النفسي وغيرها. وعلى هذا فالبرمجة تشمل بعض التقنيات السلوكية الصحيحة لابد منها لإكمال البرنامج ليست من أصلها ولا من ابتكارها وإبداعها، وإن ظن ذلك كثير من المفتونين بها !
صرّح بهذا في الغرب كبار روادها وذكره المدرب (ودسمول) فقال: "ليس في البرمجة شيء جديد". بينما تجد - للأسف - في واقع المتدربين والمدربين من يظن أن كل مهارات الإيحاء برمجة عصبية، وكل نجاحات التربية والتواصل برمجة عصبية، وكل علاج نفسي صحيح برمجة عصبية، وكل مهارة في حل المشكلات برمجة عصبية، وكل مهارات التحفيز برمجة عصبية، وكل فنون الإقناع والتأثير برمجة عصبية، وكل تفكير تفاؤلي إيجابي برمجة عصبية!!!
بل وكل خير جاء به أحد من البشر برمجة عصبية، حتى ادعى بعضهم أن رسالة خير المرسلين إنما هي برمجة باندلر اللغوية العصبية!!!.

الأمر الثاني: فلسفة "الوعي الجمعي"، وهي صورة مطوّرة لفلسفة "العقل الكلي" وتطبيق جديد لعقيدة "وحدة الوجود"، والظاهر الذي تعرض به هذه الفلسفة ملخّصه: أن مجال التطوير والنجاح للإنسان يتم بفاعلية أكثر عن طريق بوابة واسعة تتعدى العقل وإمكاناته المحدودة، وتتجاوز سيطرته على الجسد وقدراته إلى قدرات اللاواعي، حيث يمثل اللاواعي في معتقدهم 93 % من العقل بينما الوعي المنتبه "العقل " لا يتجاوز 7% بزعمهم، لذا يرون أهمية الدخول في حالات الوعي المغيرة بالتنويم أو التركيز وقوة التخيل أو التنفس العميق للاتصال بـ"اللاواعي" بهدف إطلاق قوى النفس الكامنة، ومخاطبة العقل الباطن، والاتصال من خلاله بالوعي الجمعي ليصل الإنسان إلى النجاح والتميز، ويستطيع تغيير واقعه ومستقبله حسبما يريد.
مع أن ما يسمى العقل الباطن أو ”اللاواعي” لا يعدو كونه فرضية، وهذا لا يعني أنه غير موجود، وإنما يعني أن هناك عدة ظواهر لم يستطع العلم حتى الآن تفسيرها تفسيراً دقيقاً وقد يكون وراءها أكثر من أمر، وجمعها كلها وإطلاق لفظ "عقل باطن" أو" لاواعي" عليها مغالطة علمية مرفوضة عند العلماء، وعند المسلمين منهم هي فرضية مرفوضة بشدة بهذا التجميع حيث يحتوي القاموس الإسلامي على مصطلحات كثيرة منها (العقل، القلب، الفؤاد، النفس بأنواعها، قرين الجن وقرين الملائكة، الشيطان...) وغيرها مما يجعل عزو الأمور كلها إما إلى عقل "واعي" أو "لاواعي" فقط، جهل ومغالطة يرفضها الذي يتربى على قول الله تعالى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }. ولعل من الطريف إيراد هذه التساؤل الذي أوردته الأستاذة غادة الفارسي من الكويت - مدربة سابقاً على البرمجة والطاقة - في كتابها (علوم العقل الباطن تحت المجهر) فتقول: " هل العقل الباطن هو خنـزب؟". والباعث على تساؤلها موقف تدريبي تحكيه فتقول: "قال لنا المدرب المسلم المتبنّي لهذا العلم في أحد الدورات: إن الصلاة هي مرحلة استرخاء يعمل فيها العقل الباطن بقوة، لذلك يستطيع الإنسان خلال الصلاة أن يتذكر أموراً كان قد نسيها!! بينما المصطفى صلى الله عليه وسلم يفسر هذه الظاهرة بأنها من فعل "خنـزب"، الشيطان الذي يأتي للإنسان ليشغله عن الصلاة.فهل العقل الباطن هو خنـزب؟".
ومن هنا فنقد مضمون برنامج البرمجة اللغوية العصبية نقداً تفصيلياً ليس مقصوداً عند من يعرف كونها برنامجاً انتقائياً يضم تقنيات صحيحة لتشكل غطاء لأصله وحقيقته، وقد أكّد هذا فضيلة الدكتور عبدالعزيز النغيمشي أستاذ علم النفس والمهتم بالتأصيل الإسلامي في معرض تقييمه للبرمجة اللغوية العصبية: "ومن المخاطر: كون النقد الموجه للبرمجة اللغوية العصبية ليس للمحتوى، وليس نقداً تفصيلياً فقط، فلو كان كذا؛ لأمكن تصفيتها، وإنما الخطورة في كونها برنامجاًًً متكاملا "، فهي برنامج متكامل وراءه أهدافه ومقاصده البعيدة ليس تجاه الإسلام فقط بل تجاه جميع الأديان السماوية.
وإذا أردنا أن ننظر للبرمجة من زاوية بحثية أخرى، فنفحص الادعاءات الكثيرة التي تملأ (بروشورات) الدعاية لها ويرددها كثير من المدربين في دوراتهم، وننظر في واقع المخرجات لدى أكثر المدربين والمتدربين سنتبين بوضوح أنه لا صحة لتلك الوعود الكثيرة، التي محصلتها أن البرمجة بتقنياتها المطورة قادرة على تغيير البشر إلى نسخ (منمذجة) من المتميزين والعظماء!
ولهذا كان تقويم "البرمجة اللغوية العصبية" بالتأكد من صحة الادعاءات مهمة جادة قام بها عدد من العلماء والجهات المسؤولة في الغرب. وأكّدوا في تقاريرهم عنها على كذب ادعاءاتها والإشارة إلى أن غاية ماتفعله البرمجة إنما هو بيع الوهم بالصحة للمريض، والوهم بالتميز للأصحاء، ووجهوا انتقادهم لها ولغيرها من البرامج "النيو ايجيية" من منطلق العقل فقط، ومن تصريحاتهم في زيف البرمجة ما ذكره الدكتور (مايكل هيب) عالم النفس السريري بجامعة شفيلد البريطانية، الذي قام في عام 1988م بتقييم سبعة وستين بحثاً علمياً مقدم في مفردات البرمجة اللغوية العصبية، وختم جهده بقوله: إن البرمجة اللغوية العصبية تفتقد إلى الأدلة الموضوعية لإثبات ادعاءاتها، وأن البحث التجريبـي المقدم في هذه البحوث فشل في دعم فرضياتها.
وكذلك الدكتور (رشلي كرابو ) أستاذ علم النفس بجامعة "يوتا" بأمريكا، الذي صرّح بأنه كان من أوائل المهتمين بالبرمجة اللغوية العصبية نظراً للادعاءات الكبيرة التي صاحبت ظهورها، وأنه أجرى العديد من البحوث في مجال تقييم ادعاءات البرمجة اللغوية العصبية، وكان متحمساً لها ثم تركها تماماً سنة 1986م، وأعلن فيها رأيه الأخير سنة 2003م فقال: "لقد وجهنا لذلك الوليد "البرمجة اللغوية العصبية" غاية الاهتمام حتى سنة 1986م عندما حوكم مؤسس هذا العلم باندلر "أبو الوليد" في قضايا القتل وترويج المخدرات والقوادة، عندها ألقينا بالوليد مع المغطس".


بقلم الشيخ عبدالرزاق الأسمر
مفتش التعليم الديني في دائرة الأوقاف الاسلامية
أمين المكتبة في جامعة طرابلس
بكالوريوس جدارة في الدراسات الاسلامية
دبلوم في الفقه الاسلامي
دبلوم في أصول الفقه
دبلوم في التربية
دبلوم في الارشاد النفسي
 
أعلى