نحو إعادة صياغة المفهوم الأمن القومي ومرتكزاته

الجزء الأول - ضبط المصطلح والحالة
1) مدخل وتمهيد
لا يحتاج المرء توسل البحث في حاسوب متفوق (Super Computer) ليكتشف طغيان استخدام بعض المصطلحات في الخطاب السياسي والفكري والإعلامي المتداول كونيا، تبرز في المقدمة مصطلحات مثل الأمن، الارهاب، الحرب، والاستراتيجية، فلا تخلو الصحافة المكتوبة أو المسموعة أو المرئية يومياً من الاشارة إليها، ورغم ترابطها مع غيرها من المصطلحات الشائعة يبقى مصطلح الأمن محتلاً صدارة وأهمية خاصة كونه الهدف أو المرتجى الذي يتم توظيف المصطلحات الأخرى لخدمته تفسيراً وبحثا أو تبريراً. فالحرب تشن من أجل الأمن أو هكذا يزعم من يشنها، وتصاغ الاستراتيجية توخياً لتحقيق الأمن، أما "الارهاب" فيتم إدراجه كتهديد دائم للأمن القومي.
أن كل دولة ـ أمة تحاول صياغة مفهومها واستراتيجيتها للأمن وفق ما تعتبره مجالها أو حقلها الحيوي ـ الأمني في الدائرة المحيطة التي تملك قدرات التأثير فيها، أو التي يمكن ان يصدر عنها تهديداً خطيراً لمصالحها وأحيانا لوجودها، وتتقاطع أو تتشابك بعض الدول والأمم في حقولها الحيوية ـ الأمنية لتجاورها الجغرافي أو لامتلاكها قدرات نشر القوة العابرة لحدودها اقتصادياً ، وثقافياً أو حيث يصل مدى صواريخها وطائراتها أو سفنها الحربية
. في الحالة العربية الراهنة يكاد المرء يفتش عن وجود المجال أو الحقل الحيوي ـ الأمني لكل كيان، فما بالك إلتماس رؤية "هلال" الحقل الحيوي ـ الأمني العربي أو ما نطلق عليه الأمن القومي العربي. لن أسوق الامثلة الصارخة على الغياب والتغييب هنا ولكن يستوقفني مؤخراً مستوى التطّبع على تعبير "دول الجوار" للقاء الذي أسست له ورعته الإدارة الأمريكية المحتلة للعراق، فدول الجوار وصفة كرستها إدارة بوش في محاولة مستميته لانتزاع تعاون أمني منظم يخدم احتلالها من قبل الدول المجاورة للعراق، ولكنها وصفة كانت ولا تزال يقصد منها تجاوز وتجاهل أي إطار أقليمي عربي منظم ، أو الاعتراف بوجود بعد عربي أو حقل حيوي ـ أمني عربي. واقع الأمر ان لقاء الجوار المذكور هو لقاء ثلاثي الاطراف (تركية ، إيرانية وعربية)، والعراق ليس بلداً هبط من المريخ فجأة رغم الاحتلال الأمريكي له والتعامل معه كساحة نفوذ حيوي لأمريكا، ونكران اعتباره وطناً للعراقيين حيث يتم استبدال هويتهم القطرية العراقية وهويتهم العربية بوصفات عرقية ومذهبية ويتم إبراز هذه الإنتماءات وايقاظها بهدف التفتيت والإلغاء لحقيقة ان العراق بلد عربي وجزء عضوي في الأمة العربية .
ورغم التنوع الذي يشهده فالغالبية الساحقة 80% تقريباً من السكان تسبغ على العراق هويته العربية. ويعتبر لقاء دول الجوار بدلاً من اعتباره لقاءاً عربيا، تركيا، إيرانيا حول العراق له دلالاته المتعلقة بمحاولة تكريس أمر واقع مفاده أن لتركيا الحق في أن تمارس دورها كدولة أقليمية رئيسية ذات حقل أمني ـ حيوي خاص بها، وكذلك الامر بالنسبة لإيران، أما العراق وبقية الدول العربية الأخرى المجاورة والبعيدة (والمفارقة أن واشنطن تختار الجغرافيا والتاريخ على هواها حيث تدعو دول عربية غير مجاورة لمثل هذه اللقاءات الجوارية الإنتقائية) لا يحق لها مجرد التفكير بحقلها القطري الأمني ـ الحيوي، ما بالك بمجمل الأمن القومي العربي الذي يشمل الأمن العراقي أصلاً.
تفيدنا هذه الحالة أننا نعيش وضعاً يتوفر فيه للقوى الاقليمية الرئيسية حقلها الحيوي لأمنها القومي كما ترغب، دون ان ننسى الكيان الصهيوني الذي تباهي بعض قادته بالزعم أن أمنهم يصل إلى باكستان، بينما يبقى الأمن القومي العربي مجرد مشروع إفتراضي مؤجل، يتعامل المنافسين أو المعادين له على أساس أنه خطر قائم وداهم بقوة الفكرة القابلة للتجسد. ولكنه ينتظر من أصحاب الحق العربي من يتجرأ ويقدم على إعادة صياغته وتفعيله كحق طبيعي وحاجة ملحة... والملفت أن بعض من يتولون المسؤولية في بعض الاقطار العربية يبدون تذمرهم وامتعاضهم ، وأحيانا غيظهم (حمانا الله من غيظهم) على ما يعتبرونه تمدد الحقول الأمنية الحيوية لكل من الجارين المسلمين للوطن العربي (إيران وتركيا) ، متناسين أنهم يتحملون مسؤولية التفريط بالأمن القومي العربي ، عندما ارتضوا تجاوز أبسط مقوماته ومفاعيله في منعطفات حاسمة مثل غزو واحتلال العراق ومشاركتهم المباشرة وغير المباشرة فيه، فبدلا من الشكوى واستعداء الجارين ، الأجدى والأنفع ان يتم العمل على بناء وتعزيز تخوم الحقل الحيوي للأمن القومي العربي، عند ذاك لن يكون بمقدور الجار وغير الجار تجاوزها أو إنتهاكها.
2) استخدام المصطلح
شاع استخدام مصطلح الأمن القومي بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن جذوره تعود إلى القرن السابع عشر وخاصة بعد إبرام معاهدة وستفاليا عام 1648 التي أسست لولادة الدولة القومية أو الدولة ـ الأمة ((Nation- State وشكلت الحقبة الموصوفة بالحرب الباردة، الإطار أو المناخ الذي تحركت فيه محاولات صياغة مقاربات نظرية وبنُى مؤسساتية وصولاً إلى طغيان استخدام تعبير "استراتيجية الأمن القومي" منذ تسعينات القرن المنصرم وبدمغة أمريكية خالصة يتم استنساخها عالمياً.
يمكن اعتبار عام 1947 ، المحطة أو المنصة لانطلاق مصطلح الأمن القومي في المسرح الأمريكي، وبداية التشكيل التنظيمي المؤسساتي له بصدور "قانون الأمن القومي لعام 1947" عن الكونغرس الأمريكي، لكن بقية العالم تأخر في استخدام هذا المصطلح منطلقاً من الإهتمام بـ "الدراسات الاستراتيجية" كوسيلة لصياغة اجتهادات في التخطيط السياسي النشط حول رؤى مستقبلية، دون التركيز على تقديم مقاربات لصياغة اجوبة على ما يمكن ان يهدد السيادة، أو وضعها في قوالب مستقلة ضمن الهيكل البيروقراطي للدولة. فكل ما أتفق على تعريفه لاحقاً بالأمن القومي اندرج تحت إطار بنية الدفاع أو الأمن الداخلي وأجهزتهما.
3) محاولات لإعادة الصياغة
الأمن القومي كأي مفهوم أو مصطلح لا يمكن التوصل إلى تحديد دقيق له خارج نطاق المكان والزمان الذي يتحرك في مداره ، مع التنبه لخضوعه الدائم للتعديل والتطوير ، انسجاماً مع المتغيرات والعوامل التي أثرت ولا تزال في بروزه إلى ميدان التداول والتطبيق.
لو راجعنا تعريف الأمن في القواميس لوجدنا تقاطعاً يشير إلى "تحقيق حالة من انعدام الشعور بالخوف" وإحلال شعور بالأمان ببعديه النفسي/المعنوي، والمادي/الجسدي مكانها، والشعور بالأمان قيمة مرغوبة للبشر على مستوى الكون، ولا تقتصر على فئة اجتماعية معينة أو مرتبطة بمكانة وموقع الفرد في المجتمع، فالفقير مثل الغني يحتاج إلى الشعور بالأمان ويسعى إلى تحقيقه وإن اختلفت درجات التمتع به، ولا حاجة للتذكير بأننا نعيش في عالم أكثر تعقيداً واضطراباً، لا يمكن أن يتحقق الأمان الكلي فيه مما يجعله مسألة نسبية مرهونة بنجاح السعي الدائم لتعزيز أفضل الشروط لتوافره.
لا يزال مناخ ومنطق الحرب الباردة يلقي بثقله لدى التعامل مع مصطلح أو مفهوم الأمن القومي ، رغم الآنطباع السائد بأننا دخلنا مرحلة جديدة لم ترسو بعد على وصف دقيق لطبيعتها الإنتقالية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في أواخر الثمانينات من القرن المنصرم. لكن إدارة الرئيس بوش الآن (الذي أعلن نفسه رئيس "الحرب الطويلة والمفتوحة" بعد هجمات ايلول/سبتمبر عام 2001 على الولايات المتحدة)، تعيدنا إلى تلك الحقبة التي سادت فيها اعتبارات استخدام القوة العسكرية، التوازن العسكري، توازن الرعب، ردعية التدمير الشامل المتبادل والمؤكد، بعد امتلاك الترسانات النووية ووضع سيناريوهات التعامل مع الضربة النووية الأولى، وصولاً إلى إقامة الخطوط الساخنة للتحذير خلال الأزمات بين واشنطن وموسكو ... وضمان معالجة سريعة للانذارات الكاذبة ذات المصدر البشري أو التقني لتفادي نشوب الحرب....
ما تقدم يقودنا إلى حقيقة أننا لا نستطيع لدى تناولنا لمهفوم الأمن القومي أن نتجاوز طغيان الإستخدام الأمريكي له، مما جعله نتاجاً لمركزية أمريكية ويتم إسقاطه على الواقع المحلي ـ الاقليمي والوطني عالمياً ، دون مراعاة لمخاطر وأخطاء الاسقاط التعسفي الذي يقارب الاستنساخ المشوه لتجربة وخبرة تكاد تكون فريدة لدولة كانت ولا تزال منذ الحرب العالمية الثانية ، ترعى مشروعاً امبراطوريا للهيمنة على المستوى الكوني. أحياناً يتجلي هذا الإسقاط ومحاولة التماهي بنماذج كاريكاتورية متبذلة كأن يتم إبتداع منصب مستشار للأمن القومي في بعض كيانات الدول العربية، وخاصة الكيانات الخاضعة للاحتلالين الأمريكي والصهيوني في العراق وفلسطين. وللتوضيح، الاعتراض ليس على استحداث منصب أمني جديد من قبل أي حكومة عربية لكن تسمية مستشاراً للأمن القومي يشكل مفارقة غريبة ... فكيف يتساوى نكرانها للاعتراف والالتزام بالإنتماء القومي والمؤسسات القومية العربية ، و قبولها بتنصيب مستشارها القومي... إلا اذا كانت تعتبر كيانها المنفرد قومية خاصة وبديلة!؟
في الفترة الأخيرة نشهد محاولات لإعادة صياغة مفهوم الأمن القومي من موقع ونظرة المركزية الغربية والأمريكية خاصة، أنعكاساً لتقاطع التطورات الداخلية الأمريكية مع التطورات على المسرح الدولي، في مناخ يتحول فيه الأمن إلى صناعة قائمة بذاتها بحجة مكافحة الأرهاب، حيث شهدنا تشكيل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية بعد دمج عدة مؤسسات فيها وتتم خصخصة (أوخوصصة) الاستخبارات والأمن والاستشارات، وحتى الحروب تصبح بالتعاقد لدرجة يفوق فيها عدد المتعاقدين للشركات الأمنية وغيرها من المتواجدين في العراق لخدمة الاحتلال الأمريكي وأعوانه، عن عدد قوات الاحتلال. وتتعزز صناعة الأمن القومي الأميركي التي تشمل النواحي العسكرية، الأمنية، الاستخبارات ومتفرعاتها في ظل تضخم اسطوري للميزانية المخصصة لها والتي تتجاوز عملياً 750 مليار دولار سنوياً.
4) مقاربة أكاديمية للتعريف
فيما يلي نورد عينة لإبرز ما قدمه بعض الأكاديمين المعنيين بدراسة الأمن القومي:
يقول الأكاديمي الاميركي باري بوزان المهتم بدراسة شؤون الأمن القومي "يبقى هذا المفهوم عصياً على الصياغة الدقيقة، يكتنفه الغموض لدى محاولة تعريفه، لكنه يبقى بالغ الدلالة، لأن غياب التحديد الدقيق يوفر للنخبة السياسية والعسكرية هامشاً واسعاً للتنظير الاستراتيجي ولاستخدام القوة"
بالفعل تفتقت عبقرية منظري البنتاغون بعد جهد بإطلاق عبارة "الحرب الطويلة" على الحرب التي تخوضها إدارة بوش عالمياً ضد ما تسميه الأرهاب ومضت سنوات منذ هجمات 11 سبتمبر/ايلول وإدارة بوش تتخبط في محاولة اصطياد توصيف يلائمها للحرب التي تشنها، ولا بد للمرء من أن يبدي اعجاباً ـ بعيداً عن السخرية طبعاً- بمن ابتدع وصفة "الحرب الطويلة"... لاحظوا السهل الممتنع هنا ... لماذا التعقيد ... وبنفس الوقت لماذا تحشر نفسك في محطات ومواعيد زمنية ؟ "فالحرب الطويلة" قد تعني حرباً أبدية ... وبدون حدود زمنية وجغرافية ـ وهذا لب ما يحتاجه المنتفعين من صناعة الأمن والإرهاب لتبقى الاموال تتدفق إلى حساباتهم وجيوبهم.
بينما يحد كولوزيدج (Kolodgeij) ضرورة توسيع نطاق مهوم الأمن القومي للتعامل مع التحديات المتنوعة لعصرنا "مؤيدو هذا الموقف يختارون إدخاله في حقل دراسات العلوم الاجتماعية وفي ميدان أرحب للأمن القومي يشمل الاقتصاد، علم النفس، علم الاجتماع، والآنتروبولوجيا (علم دراسة أصول الأنسان) ، أو يدخلونه في رزمة واسعة من المشكلات العالمية الطابع تحت عنوان: الدراسات الأمنية، بما فيها العنف المحلي، الاخطار والصراعات الداخلية أو العابرة للدول، مرض نقص المناعة، تهريب المخدرات، الديون العالمية، الكساد الاقتصادي، الإنفجار السكاني، التلوث البيئي واتساع الهوة بين الفقراء والاغنياء" .
أما تراجر (Trager) فيعتقد أن "أهداف الأمن القومي ترمي إلى إيجاد الشروط السياسية المحلية والعالمية الملائمة لحماية وتعزيز القيم الوطنية الحيوية" .
بينما يرى وولفرز (Wolfers) أن "الأمن القومي من ناحية موضوعية هو انعدام التهديد الموجه ضد القيم المكتسبة والراسخة، ومن ناحية ذاتية، هو انعدام الخوف من إمكانية تعرض هذه القيم للتهديد أو الخطر" . ويعتمد كل من بترسون (Peterson) وسيبنيٍوس (Sepenious) على التعريف المعتمد من قبل مجلس الأمن القومي" "الحفاظ التام على المؤسسات والقيم الجوهرية للمجتمع" .
5) مقاربات من حقل التجربة
تفيدنا دائرة المعارف البريطانية بأن تعريف الأمن هو "حماية الدولة ـ الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية"، بينما يقدم هنري كسنيجر الذي احتل منصبي الأمن القومي والخارجية في السبعينات رأيه بالأمن القومي على النحو التالي: "الإجرات المتخذة من قبل المجتمع توخياً الحفاظ على حقه في البقاء" أما روبرت مكنمارا وزير الدفاع خلال حرب فيتنام فيقول "أن الأمن يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية والاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة .. والأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة بالمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها ، لمنح الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في مختلف المجالات سواء في الحاضر أو في المستقبل".
6) مساهمة في التعريف
باعتقادي أدق مفهوم للأمن القومي هو ما ورد في القرآن الكريم بقوله تعإلى: "فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف" (6) سورة قريش من الآيتان 3،4. وفي قوله تعالى تأكيد أن الأمن هو نقيض الخوف، ونرى في لسان العرب المرادف نفسه أيضاً.
ولو حاولنا نقل وتطبيق هذا المفهوم من "مملكة السماء" إلى "مملكة الأرض" حيث يناط بمن يتولى شؤون الناس تأمين الغذاء والمأوى الآمن لهم. ومع تطـور المجتمعات البشرية إلى تكوين الـدولة ـ الأمة تطورت وتشعبت الحاجات والمستلزمات التي تضمن بقاءها وأمنها بما يتجاوز النواحي المادية الأساسية، ولكن جوهر مفهوم الأمن بأبعاه النفسية والمادية للبشر يبقى راسخاً. وفي حالة الدولة ـ الأمة المستقرة يمكن التوصل إلى التعريف المجرد والعام للأمن القومي الذي يصلح لها ويستجيب لحاجاتها بقطع النظر عن حجمها ووزنها في تركيبة النظام الدولي الراهن، خاصة إذا لم تتعرض في تاريخها المعاصر للتجزئة بفعل القوى الاجنبية المستعمرة ، أو تم سلخ أجزاء منها ، أو لا تزال ترزح أجزاء منها أخرى تحت الاحتلال الأجنبي، وفي حالة الأمة العربية نواجه استثناءاً خاصاً لاجتماع الاحوال السالفة الذكر، إضافة إلى الاحتلال الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، لذلك لا يمكن ولا يجوز لدى مقاربتنا لتعريف الأمن القومي العربي ان نكتفي بالصيغة المجردة العادية المتمثلة بالتعريف التالي حسب اعتقادي واجتهادي: "السعى الدؤوب لتحقيق الأمن النفسي والجسدي لمواطني الأمة، عبر استخدام عناصر ومقومات القوة المتنوعة التي تملكها الأمة للحيلولة دون تعرضها لمخاطر خارجية أو داخلية تهدد وجودها ونمط عيشها أو حياة مواطنيها، وضمان التطوير والتنمية لعناصر القوة والمقومات التي تملكها". وأكرر أنه في الحالة العربية يبقى هذا التعريف ناقصاً ويتوجب إضافة .... "والعمل بكل الوسائل المتاحة وتوظيف جميع عناصر القوة والمقدرات ،لاسترداد الأجزاء المغتصبة والمحتلة من اراضي الأمة ،وتأمين عودة المشردين والنازحين إلى ديارهم الاصلية".
هذه الإضافة ليست مسألة شكلية في ظل الوضع القائم في الوطن العربي، حيث نواجه احتلالاً واغتصاباً لوطن وتشريداً لشعبه في فلسطين، تنفيذاً لمشروع استيطاني عنصري، يشكل قاعدة متقدمة لمشروع هيمنة وتفتيت لأوصال الوطن العربي ، تقوده الولايات المتحدة التي اضحت باحتلالها للعراق رأس الحربة للمشروع الصهيوني ـ الأمريكي المشترك على امتداد الارض العربية ، بعد أن كانت تكلف الكيان الصهيوني بوظيفة التوسع والتمدد وقضم المزيد من اراض فلسطين التاريخية ، بالإضافة إلى الاراضي المحتلة في كل من مصر وسوريا والاردن ولبنان، وتشجيع ودعم الاحتلال الاثيوبي للصومال. وبناء عليه لا يمكن القفز عن حقيقة أن المشروع الصهيوني الاصلي للاستيطان ، والمشروع الأمريكي للاحتلال والهيمنة والتفتيت ، يشكلان معاً التهديد الوجودي والاختراق الأخطر على الأمن القومي العربي . لذا يشكل موقف كل دولة أو حزب أو منظمة أو فرد في الوطن العربي من هذا التهديد المقياس الأولي الحقيقي للحرص والالتزام والدفاع عن الأمن القومي العربي.

الجزء الثاني:

الأمن القومي العربي أولاً
7) غياب الوحدة السياسية للاقطار العربية لا يعني غياب وحدة الأمن الفعلية
ـ من الشروط الأساسية لمقاربة موضوع الأمن القومي تحديد مكونات وعناصر القوة المتوفرة للأمة أولا، ويكاد يجمع الخبراء في قياس ثروة وقوة الأمم بثلاثة أنواع من الموارد أو المصادر: الطبيعية، المنتجة، والمعنوية. ولا حاجة لتوضيح الموردين الطبيعي والمنتج ولكن الموارد المعنوية بموجب دراسات وتقارير البنك الدولي تشمل قوة العمل الخام (غير المدربة)، الرأسمال البشري والاجتماعي، نوعية المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ودرجة كفاءتها وملاءمتها. وثانيا، التركيز على صيانة وتعزيز هذه المكونات، وثالثاً، التعامل بوعي ومرونة وجرأة في فحص دوري ومراجعة لقياس قوة وتفاعل هذه المكونات في البيئة الاقليمية والدولية.
ـ ولدى صياغة الأمة استراتيجيتها لصيانة الأمن القومي يتوجب ان تأخذ في الاعتبار التحديد الدقيق للمخاطر والتهديدات القائمة والمحتملة التي يتوجب التعامل معها. ومن المؤسف اعتبار البعض أن الحديث عن أمن قومي عربي هو نوع من الهلوسة أو الرضوخ للاوهام والافتراضات، لو دققنا في أصحاب مثل هذه الاحكام لوجدنا هم من نفس المجموعة التي سبقت لها ان أعلنت بزهو وعجرفة واحتقار عن موت فكرة القومية العربية ، أو الشعور القومي العربي والدعوة للوحدة العربية منذ اكثر من ثلاثة عقود، ولم تترك مناسبة عبر السنين ذاتها إلا واستغلتها لإعادة إعلان الوفاة . ويبدو أن أفضل رد على زيف هذه الدعوات والاحكام هو استمرار أصحابها بترديد ببغاوي لها مما يشكل إثباتاً على رسوخ الشعور القومي في وجدان أبناء الأمة ... اليس غريباً أن يحتاج هؤلاء الحاقدين المتنكرين والمكابرين إلى توزيع أوراق النعي لنفس الميت مئات لا بل آلاف المرات؟ اليس ذلك مدعاة للخجل والفضيحة ؟؟!!! يبدو أن هذا الميت متمرد على حراس القبور يرفض ان يهال عليه التراب والنسيان، لأنه في الواقع حي يرزق بقلب نابض وجسد يأبى الاستسلام لسكرات الموت رغم أنه مثخن بطعناة من الاعداء والعملاء.
ـ ويعتقد البعض أن غياب الوحدة السياسية والإدارية للأمة العربية دليل على عدم واقعية الحديث عن الأمن القومي العربي وينظرون إليه باعتباره قضية مؤجلة في احسن الاحوال.
ـ إن دعاة مثل هذا التفكير المغلف بالواقعية، هم أبعد الأشخاص عن الواقع أو الاعتراف بالحقائق التي تجسدت عبر التجربة، فغياب الوحدة السياسية والإدارية حتى الآن على مستوى الحكومات لا يعني غيابها (أي الوحدة) على مستوى الشعوب، ونجد تعبيراتها في المشاعر المعلنة والتحركات الشعبية العربية تأييداً للحق العربي من فلسطين إلى العراق، مروراً بلبنان، السودان والصومال ...الخ بوصفها النقاط الساخنة التي تشهد احتدام الصراع والمواجهة بين أبناء الأمة وأعدائها. كما أن فشل الحركات والأحزاب التي حملت لواء الفكر القومي في تحقيق الوحدة العربية، لا يعنى أن القومية العربية قد أنتهت كحافز ومحرك ، أو قاعدة انطلاق دائمة يسعى كل جيل عربي إلى تجسيدها في صياغة متجددة على مستوى الفكرة والحركة والمشروع، هذه الصياغة تأخذ في الاعتبار محاكاة التجارب الوحدوية بروح نقدية، ودراسة أسباب فشلها وعجز وتعثر الأحزاب المحسوبة على التيار القومي ، في تحقيق المشروع الوحدوي رغم وصولها إلى السلطة في بعض الاقطار العربية. ولا يزال بعض الكتاب يقتفون آثار فؤاد عجمى الذي كان كما اسلفنا قد تماهى مع بعض المعلقين الغربين والصهاينة ، في نعي القومية العربية ومشروع الوحدة العربية، لا يزال البعض مثل عضيد دويشة ، يروج لنفس المقولة في كتابه الأخير بعنوان "القومية العربية في القرن العشرين من الإنتصار إلى اليأس"، ويربط مصير القومية العربية ومستقبلها بقيادة عبدالناصر ويستنتج أن غياب عبدالناصر في عام 1970 قد غيّب معه الوحدة العربية. لا شك أن حركة القومية العربية لم تعرف في تاريخها المعاصر شخصية فذة وكاريزمية مثل عبدالناصر ، مجسدأً بفكره وخطابه وسلوكه آمال وأحلام الملايين بتحقيق الوحدة العربية، وشكلت هزيمة الـ 67 ضربة قاصمة لحلمه الوحدودي ولزعامته سعى بكل قواه لازالة آثارها، ولم يسعفه القدر ليقطف ثمار مسعاه. لكن ربط مصير القومية العربية ومشروعها الوحدودي بفرد مهما كانت مكانته وتأثيره ،لا يستقيم أمام التحليل المنطقي والوقائع التاريخية، فلا أحد يستطيع انكار الدور الأساسي الذي يمكن ان يلعبه الفرد القائد الموثوق والمحبوب من شعبه في توجيه مسيرة شعبه ومصيره، ولا شك ان هناك الملايين من أبناء الأمة العربية "يتمتمون في قرارة أنفسهم" أمام كل منعطف حاد واجهته الأمة بعد رحيل عبدالناصر: "في الليلة الظلماء يفتقد البدر". فبعد 37 عام على رحيله المفاجئ - وربما المريب -لا يزال الشخصية الأكثر إحتراماً ونيلاً للتأييد والاعجاب في استطلاعات الرأي العام العربي من المحيط إلى الخليج حول القيادات العربية الاحياء منهم أم الاموات، (الاستفتاءات التي جرت قبل حرب تموز 2006 حيث تألق السيد حسن نصرالله كقائد فذ حقق نصراً قومياً وتاريخياً) هذه الحقيقة الساطعة هي شهادة على عظمة الرجل ،ولكنها شهادة على أن القومية العربية فكرة حّية وراسخة في وجدان الأنسان العربي، تنتظر من يحمل رايتها بجدارة ويتقدم الصفوف، ودليل على أنها ظاهرة موجودة موضوعياً في مجرى الحياة العربية وبصورة مستقلة عن نجاح أو فشل محاولات الزعماء والأحزاب والمنظمات ، التي تسعى لتجسيدها في إطار سياسي وحقوقي عربي جامع.
8) إشارات عن الأمن القومي العربي وثائق الجامعة العربية
ـ بغياب صيغة إتحادية أو وحدوية لأجزاء الوطن العربي، بقيت الجامعة العربية الإطار العربي المعبر عن الطموح والأمل بالارتقاء بصيغة العمل المشترك، وانبثقت الجامعة العربية من اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام، وأصدرت ما عرف ببروتوكول الاسكندريـة بتاريـخ 25سبتمبر/أيلول عام 1944، أقتصرت اللجنة على تمثيل 5 دول عربية ولكن رغم تواضع التسمية التي تشير إلى هيئة تعليمية مشتركة أكثر منها سياسية، إلا أنها حملت منذ البداية الرغبة في التطور إلى صيغة أكثر تماسكاً وتوحداً.
- من المفيد استرجاع تلك التجربة/النواة التي شكلت نقطة الإنطلاق في المحاولات الجدية لتشكيل إطار وحدوي رسمي حيث ورد في البند الاول النص التالي الجدير بذكر أهم فقراته هنا:
- "أولا ـ جامعة الدول العربية"
ـ تؤلف "جامعة الدول العربية" من الدول العربية المستقلة التي تقبل الآنضمام إليها ، ويكون لهذه الجامعة مجلس يسمى "مجلس جامعة الدول العربية، تمثل فيه الدول المشتركة في الجامعة على قدم المساواة". وتكون مهتمه مراعاة تنفيذ ما تبرمه هذه الدول فيما بينها من الاتفاقات وعقد اجتماعات دورية بتوثيق الصلات بينها وتنسيق خططها السياسية تحقيقاً للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها من كل اعتداء بالوسائل الممكنة وللنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها.
- وتكون قرارات هذا المجلس ملزمة لمن يقبلها فما عدا الاحوال التي يقع فيها خلاف بين دولتين من أعضاء الجامعة، ويلجأ فيها الطرفان إلى المجلس لفض الخلاف، ففي هذه الاحوال تكون قرارات "مجلس الجامعة" نافذة وملزمة. ولا يجوز على كل حال الالتجاء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين من دول الجامعة، ولكل دولة ان تعقد مع دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها اتفاقات خاصة لا تتعارض مع نصوص هذه الاحكام وروحها.
- ولايجوز في أية حال إتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية أو أية دولة منها. (بروتوكول الاسكندرية).
ـ وجاء لاحقاً في معاهدة الدفاع المشترك الموافق عليها بتاريخ 13 ابريل/نيسان 1950 في المادة الثانية ما يلي:
- "تعتبر الدول المتعاقدة كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها، أو على قواتها، اعتداء عليها جميعاً. ولذلك فإنها، عملاً بحق الدفاع الشرعي ـ الفردي والجماعي عن كيانها تلتزم بأن تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المعتدي عليها، وبأن تتخذ على الفور، منفردة أو مجتمعة جميع التدابير وتستخدم ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما...".

- المادة الثالثة
- "تتشاور الدول المتعاقدة فيما بينها، بناء على طلب احداها كلما هددت سلامة اراض اية واحدة منها أو استقلالها أو أمنها. وفي حالة خطر حرب داهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يمس خطرها تبادر الدول المتعاقدة على الفور إلى توحيد خططها ومساعيها في إتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف".
- أما المادة العاشرة فتفيدنا
- "تتعهد كل الدول المتعاقدة بألا تعقد أي اتفاق دولي يناقض هذه المعاهدة وبألا تسلك في علاقاتها الدولية مع الدول الأخرى مسلكا يتنافي مع أغراض هذه المعاهدة".
- لقد كان الغرض من الأشارة إلى المواد السالفة ، التذكير بوجود أسس ومبادئ لها علاقة بالأمن القومي العربي ، منصوص عليها في معاهدات تحفظها الجامعة العربية تحتاج أن ينفض عنها الغبار، ولا أزعم أني تمكنت في هذه العجالة من الاحاطة بكل البنود المتراكمة ، عبر العقود الستة التي انقضت على إنشاء الجامعة العربية والتي تشير في جوهرها أو في صياغتها إلى موضوع الأمن القومي ، حيث لا بد من القيام بهذه الجردة في وقت لاحق .... ولكني أود إضافة ما ورد في هذا الخصوص من إشارة في ميثاق العمل الاقتصادي القومي ، الذي إبرم في مؤتمر القمة الحادي عشر بتاريخ 27/11/1980 حيث ذكرت الديباجة:
- "وتعبيراً عن المسؤولية القومية لتحقيق التنمية المتوازنة والأمن القومي والتحرر والوحدة والاصالة في كامل الوطن العربي .... واعترافاً بأن العمل الاقتصادي يمثل عنصراً رئيسيا في العمل العربي المشترك وقاعدة راسخة ومنطلقاَ ماديا له، وبأنه يشكل الارضية الصلبة للأمن القومي الذي يتعزز بالتنمية المستقلة الشاملة وبأن جدوى العمل المشترك يتجاوز الجمع الإلى للعمل القطري". ونجد في استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك التي ابرمت في نفس القمة بنداً يتعلق بالأهداف ينص على ما يلي: "الأمن القومي بما فيه الأمن الفكري والأمن العسكري والأمن الغذائي والأمن التكنولوجي".
9) انتهاكات عربية للمواثيق والمعاهدات
ـ لو اكتفينا بهذا القدر من البنود والصياغات المتعلقة بموضوع الأمن القومي ، لوجدنا أن غياب أي أهتمام أو التزام بالأمن القومي ، ليس انعكاساً لغياب في المعاهدات التي ابرمتها الدول العربية فيما بينها تحت سقف الجامعة العربية ومؤسسة القمة العربية ، وكأن الامر يحتاج إلى صياغة معاهدات واتفاقات جديدة ، رغم أنه من المفيد والمرغوب والضروري أن يتم مراجعتها من حين لآخر، للتأكد من صلاحية انسجامها مع المصالح العربية العليا، وإجراء التعديلات الضرورية عليها. ولا نحتاج إلى عناء كبير لدى المقارنة بين الممارسة الرسمية لبعض الحكومات العربية (أن لم يكن أغلبها)مع تلك البنود إلى اكتشاف ليس مدى التجاهـل بل التجاوز أو الإنتهاك الصارخ لها ... إن لجوء بعض الحكومات العربية للدخول في اتفاقات ثنائية دولية أو اقليمية ، وخاصة المتعلقة بالصراع العربي ـ الصهيوني من اتفاقات كامب دايفيد، طابا، وادي عربة، وأوسلو اقدمت عليها كل من الحكومات العربية ( المصرية الاردنية والسلطة الفلسطينية ) دون العودة إلى الجامعة العربية لمناقشتها واقرارها ، يشكل انتهاكاً واضحاً للبنود المرعية الاجراء التي تم الأشارة إليها أعلاه. وهناك شرط آخر لم يتم استيفاءه لدى إبرام مثل هذه الاتفاقات التفريطية بالحق العربي ، ويتمثل بعدم العودة إلى شعوب هذه الحكومات ، لإجراء استفتاء عليها قبل التوقيع عليه وإبرامها. ولا يستطيع المرء هنا إلا أن يتذكر المواقف الصهيونية المتكررة لزعماء الكيان الصهيوني بأنها لن تقدم على انسحاب من أرض عربية اغتصبتها بالقوة ، إلا بعد أجراء استفتاء شعبي عليها ، رغم أنها بذلك تنتهك قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية العزيزة جداً حالياً على قلوب أدوات مشروع الهمنية الأمريكي في الوطن العربي.
10) المراجعة ضرورية للتصحيح والتصويب
ـ نقطة الإنطلاق في تصحيح وضعية الاستباحة للأمن القومي العربي تكمن في إعادة الاعتبار لمفهوم عربي مشترك يتجاوز المصلحة القطرية الضيقة وتكريس صياغته مجدداً، ويمكن لمؤسسة بحثية عربية تحظى بالمصداقية ، أن ترعى مشروعاً خاصاً لهذه الصياغة عبر الدعوة إلى مؤتمر خاص ، يعقد كورشة عمل لخبراء واختصاصين في شؤون الأمن القومي ، يتم اعداد اوراق خاصة وفقاً لمخطط دراسي يتناول مراجعة وثائق الجامعة العربية المتعلقة بالموضوع ، للإستناد إليها في تقييم المرحلة المنصرمة ، إضافة إلى دراسات حول منطلقات، أهداف، أولويات، وبرامج وآليات تنفيذ استراتيجية عربية للأمن القومي. ويمكن ان تؤدي حصيلة النقاشات في ورشة العمل إلى اطلاق مشروع للأمن القومي العربي، يمكن مناقشته شعبياً وتبنيه كوثيقة تشكل مرجعية لما يمكن إعتباره إستراتيجية الأمن القومي العربي، وقد تخدم في ممارسة الضغط الشعبي على الحكومات للإلتزام بالحد الأدنىً من موجباته .
ـ تفيدنا تجربة العقود الثلاثة المنصرمة أن الأمن القومي العربي كل لا يمكنه تجزئته ، فعندما تتصرف أي حكومة عربية بما تعتقده خدمة لمصالحها الوطنية ، دون الأخذ في الاعتبار انسجامها مع مصالح الأمن القومي العربي ، ستكتشف لاحقاً أنها عرّضت أمنها الوطني للخطر مثلما عرضت الأمن القومي العربي. وعندما تتصرف قطرياً بما تمليه عليها مصالح الأمن القومي العربي يتعزز أمنها الوطني ويترسخ.
11) المصلحة العربية أولا...
ـ إن نغمة الاردن أولاً، لبنان أولاً، والكويت أولاً أو مصر أولاً أو أي بلد عربي آخر بمفرده أولاً ، طغت على خطاب البعض بتشجيع الإدارة الأمريكية لأوهام غذتها ، بأن إتباع سياسة استرضاء واشنطن والولاء المطلق لها ، وترويح مشروعها في الوطن العربي بعد احتلالها للعراق ، سيجلب الأزدهار والغنائم عبر الاتفاقيات الثنائية التي تقدم المنافع الاقتصادية، بالإضافة إلى المساعدات والمكافأت على تعاونها الأمني والعسكري. وتبدو هذه التوجهات وكأن شرط التقدم والتنمية والاستقرار لأي بلد عربي ، مرهون بتنكره لهويته وبانسلاخه وإنسحابه عن محيطه العربي، والتصرف كجزيرة معزولة ، والخروج من أية مؤسسات وهيئات للعمل العربي المشترك ، إلا ما يأمر به السيد الأمريكي من صيغ أمنية وظيفية لصالحه. ونلاحظ كيف أن تمادي بعض الحكومات العربية في التصرف على أساس قطري يمنحها شعوراً مخادعاً بإمكانية تحقيق الأمن والاستقرار عبر الاستعانة بالأجنبي ، وإبرام اتفاقيات أمنية وعسكرية ثنائية سرية وعلنية مع الولايات المتحدة خاصة، وغالباً ما تصادر هذه الاتفاقيات السيادة الوطنية وتحول البلد إلى قاعدة عسكرية أو منصة انطلاق في خدمة الاستراتيجية الاقليمية والكونية الأمريكية.
- الخطوة الثانية الضرورية هي إجراء مراجعة هادئة وفاحصة لكل المحطات البارزة في التاريخ العربي المعاصر، منذ انطلاقة فكرة مشاريع النهضة والوحدة العربية ، وتحديد الخطايا التي ارتكبت من بعض القيادات العربية الحاكمة ، أو مسؤوليتها في تكريس ضياع فرص ثمينة الحقت ضرراً فادحاً بالأمن القومي العربي، حالت دون تراكم الآنجازات الضرورية لتثبيت ركائزه. ولو سألنا انفسنا ما هو العنصر الحاسم والمقرر في غياب القدرة على تفعيل مستلزمات الأمن القومي العربي لما وجدنا عناءً في الأجابة الفورية بأنه غياب الارادة السياسية العربية المستقلة والفاعلة وآليات التعبير عنها.

الجزء الثالث:

ضرورة تجاوز الخطايا والفرص الضائعة وإنجاز التحولات الخمسة
12) بعض من خطايا وفرص ضائعة
وإذ نترك جانبا الآن المعالجة التفصيلية والتاريخية لإبرز الخطايا والفرص الضائعة لأنها تحتاج إلى دراسة خاصة بها نأمل التفرغ لها لاحقاً، فإننا سنشير هنا إلى ما يمكن وصفه بالتنويعات أو الأشكال المختلفة التي الحقت وتلحق الضرر بالأمن القومي العربي ، رغم الترابط والتقاطع في العديد منها ويمكن تصنيفها بإثني عشر حالة ، دون ترتيب في الأولوية أو الاهمية وسنكتفى بالأشارة إلى مثال واحد فقط من الأمثلة العديدة التي تندرج تحت كل منها:
1) عدم القدرة على ضمان استمرار ونجاح المحاولات الوحدودية أو الاتحادية العربية وخير مثال على ذلك ما جرى في الآنفصال للوحدة المصرية ـ السورية.
2) عدم القدرة على انجاز مشاريع وحدوية أخرى ثنائية أو ثلاثية وأكثر ويحضرني هنا عدم تبلور محاولة تنفيد مشروع الوحدة الثلاثية المصرية ـ السورية ـ العراقية.
3) الإنفراد من قبل حكومات عربية زمن الحرب أو في زمن السلم بإجراء مفاوضات ذات الصلة بالصراع العربي ـ الصهيوني وابلغ الأمثلة على زمن الحرب (خلال حرب تشرين 73) وزمن السلم (زيارة السادات للقدس وإبرام معاهدة كامب دايفيد).
4) التنصل الرسمي العربي التدريجي من قضية الشعب الفلسطيني وجوهر الصراع العربي ـ الصهيوني ، واتخاذ قرارات يمكن وصفها بأنها على طريقة حق يراد به باطل ، مثل قرار مؤتمر الرباط باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
5) عدم حل النزاعات الحدودية والتاريخية بين الدول العربية بالطرق السلمية ومثال غزو العراق للكويت والعجز عن إيجاد حل عربي للازمة مما سهل عملية تدمير البلدين وخاصة العراق بشن حرب عام 1991 وبعدها الغزو الأمريكي عام 2003 .
6) العجز عن حل النزاعات الحدودية والخلافات مع الدول الأسلامية المجاورة بالطرق السلمية والحرب العراقية ـ الايرانية لحوالي 8 سنوات خير دليل على السياسة الكارثية التي الحقت الضرر بالبلدين وبالعلاقات العربية الإسلامية.
7) تقديم بعض الحكومات العربية لتسهيلات عسكرية والتواطؤ مع دول إجنبية لشن حرب عدوانية انتقامية ضد بلد عربي وغزو العراق عام 2003 أبرز الادلة.
8) تهميش دور المؤسسات العربية مثل الجامعة العربية وعدم احترام المعاهدات المبرمة بين الدول العربية وخاصة معاهدة الدفاع المشترك ... العجز عن التدخل عام 1982 لمساندة لبنان ضد الغزو الاسرائيلي، وكما سبق ذكره أعلاه بدل العمل للدفاع عن العراق ضد العدوان قامت حكومات عربية بتسهيلة وتشجيعه بينما امتنعت تركيا العضو في الحلف الاطلسي عن السماح باستخدام اراضيها لغزو العراق عام 2003.
9) إذكاء النعرات التقسيمية على أساس عرقي أو مذهبي وأثارة المشاعر الطائفية ، ومساندة تأجيج وأشعال الحروب الأهلية في بعض الدول العربية ، ولبنان خير مثال على ذلك دون ان ننسى دعم انفصال الاكراد في الشمال العراقي.
10) التفريط بالثروات القومية عبر رفع مستويات إنتاج النفط بناء على أوامر خارجية ، أو مراكمة مديونية وتبعية اقتصادية مدمرة للتنمية والاقتصاد الوطني ، عدا عن مراكمة الودائع العربية في الخارج بعيدة عن الاستثمار التنموي في الوطن العربي ، وإفشال كل مشاريع التصنيع الحربي والتقني المشترك ، والأمثلة هنا عديدة لا حاجة لذكرها.
11) انعدام الصيغ العربية المشتركة للتعامل مع المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، والتكتلات السياسية والاقتصادية الدولية المختلفة) وحتى لدى اطلاق المبادرات العربية السياسية فضلا عن انعدام توفر آليات المتابعة والتنسيق.
12) استباحة الوطن العربي في عمليات تدمير منهجية للبيئة والموارد المائية وتحول العديد من مناطقه إلى مكبات للمواد السامة والمشعة والملوثة مع غياب لأي شكل من أشكال التنسيق في مجابهة أخطار الامراض المعدية وتفشي مرض نقض المناعة. والأمثلة على الشحنات للمواد السامة التي تجد طريقها إلى أرجاء الوطن العربي كثيرة والمخفى أعظم.
13) شروط وتحولات ضرورية للأمن العربي:
يتضح لنا مما تقدم أن المقاربة الواقعية للأمن القومي العربي لا ينحصر في الاعتبارات العسكرية البحتة المتصلة بردع الخطر الخارجي ، أو الاعتبارات الأمنية الداخلية المنفصلة لكل بلد عربي على حدة بالرغم من أهميتها. وتفيدنا التجربة ان حرص الأنظمة الشديد على بقائها جعلها تسخّر القوات المسلحة والأحهزة الأمنية على مختلف أنواعها ، لمهات حفظ النظام واستقراره على حساب حماية الأمن الوطني وتعزيز السلم الأهلي. ورغم معاناة الميزانيات الوطنية المزمن من العجز، نجد الحكومات تمعن في تضخيم المجمع البروقراطي، والأمني والعسكري المشغول والمهووس بحماية النظام، وتخصص معظم ميزانيتها على الشؤون الأمنية ـ العسكرية، ويواكب هذا التضخم في الإنفاق، إتباع اجراءات واعتماد قوانين تعسفية مثل قوانين الطوارئ التي تحد من الحريات السياسية والمدنية وتقلص هامش الحراك السياسي البعيد عن وصاية السلطات ورقابتها، وتعطل هذه الممارسات انطلاق المبادرات لتشكيل تعددية نشطة للحياة السياسية ، توفر مشاركة شعبية حقيقية في صناعة القرار الوطني. هذه المشاركة لن تتأمن شروط السير في انجازها بدون توفر حرية تشكيل الأحزاب، وحق التنظيم في مؤسسات ونقابات واتحادات ونوادي أهلية بصورة مستقلة عن تدخل السلطات، بالإضافة إلى توسيع هامش حرية التعبير والحريات الصحفية ... لانها جميعها تشكل المدخل الطبيعي لإرساء ثقافة تعزز السلم الأهلي والتداول السلمي للسلطة وفقاً لآليات دستورية. إن توفر هذه الشروط سيساعد في سد أية منافذ خطرة يمكن ان تتسلل عبرها تهديدات للأمن الوطني والقومي العربي معاً.

كما ان تحصين الجبهة الداخلية لكل بلد عربي بما يضمن أمنه واستقراره وإسهامه في خدمة الأمن القومي العربي يستوجب السعي لانجاز تحولات رئيسية خمسة:
1) تكريس مشروعية دستورية ـ شعبية للحكم وإقامة المؤسسات الضرورية التي تكفل ذلك.
2) تكريس ملكية شعبية وطنية عامة للثروات الطبيعية ووضع آلية رقابة ومحاسبة فعالة على طرق استغلالها وانفاقها ، وتطال هذه الملكية كافة الموارد والودائع والاستثمارات الخارجية.
3) تكريس تنمية داخلية (وطنية) متوازنة تطال كامل الرقعة الجغرافية ـ السكانية وتستجيب للحاجات الاقتصادية والاجتماعية، المعيشية، الثقافية والفنية للشعب وتأخذ في الاعتبار حرصها على التكامل التنموي الاقتصادي مع البيئة العربية المحيطة مباشرة والأبعد، والتنبه إلى مخاطر توسيع الفجوة التنموية مع الدول العربية الأخرى المجاورة والأبعد.
4) معالجة جديدة وحازمة لمخاطر الاعتماد المفرط على العمالة الأجنبية غير العربية وما تحمله من آثار مدمرة على الهوية والقيم المكتسبة والتكوين النفسي والثقافي العربي إضافة إلى التماسك الاجتماعي ... ووضع الخطط الضرورية التي تكفل تقليص معدلات البطالة على المستويين الوطني والقومي.
5) التوقف بجدية وحزم أمام مخاطر الاعتماد المفرط على الحماية العسكرية والأمنية الأجنبية، وما يرافقها من منح تسهيلات وقواعد دائمة تصل إلى حدود تقويض السيادة الوطنية وتسليم مصير البلد ومستقبله .... لقد حان الوقت لوضع خطط بديلة تكفل التخلي التدريجي عن هذه الحماية ، لصالح السعي لإقامة وتعزيز ترتبيات واقعية لنظام أمني عربي مستقر.
14) ضرروة تشكيل منظومة أمن عربي ـ اقليمي.
اذا كان هناك عدة مستويات للأمن تطال الفرد، الوطن، الأمة، المنطقة والعالم، فإن واسطة العقد بالنسبة للوطن العربي هو الأمن القومي العربي ، فالإتفاق على تحديد مفهوم ومنطلقات له على المستوى العربي ، والتوصل إلى قناعة مشتركة حول الاضرار الجسيمة التي لحقت به من جراء الخطايا والفرص الضائعة التي أشير إلى بعضها آنفاً، سيشكل بداية جدية لإمساك الحلقة الأولى في مشروع حماية الأمن الفردي والوطني، كما سيؤمن فرصاً افضل للانخراط في حوار جدي حول تشكيل منظومة أمن أقليمي تدخل فيها الدول الرئيسية المجاورة، وخاصة دول الجوار الأسلامي إيران وتركيا. وتهدف هذه المنظومة إلى وضع العلاقات العربية ـ الايرانية والعربية ـ التركية على سكة التفاهم وتعزيز المصالح المشتركة وإزالة المخاوف المتبادلة على قاعدة التعاون وحسن الجوار والإحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد منه، وتوفير آلية فاعلة للنظر في الخلافات وتسويتها، بما يضمن عدم انتقالها إلى مستوى النزاعات. إن مجرد التوصل إلى تفاهمات أقليمية ستشيع أجواءاً إيجابية تخدم السلام العالمي وتزيل مبررات التدخل الخارجي بذرائع أمنية لحماية أي بلد من خطر مزعوم يشكله بلد آخر في الأقليم.
 
أعلى