مَنْ يملك أن تكون الدنيا في يده لا في قلبه؟

مَنْ يملك أن تكون الدنيا في يده لا في قلبه؟
د. يوسف القاسم 19/7/1429
22/07/2008
لو كانت الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا, لشعرنا بطعم السعادة على حقيقتها, ولحلّت البركة في أموالنا, ولَكُنَّا ملوكاً للدنيا, لا خُدَّاماً لها.
أما وقد كانت في قلوبنا, فقد ملكتنا ولم نملكها, وصرنا نخدمها, ولا تخدمنا, وأصبح للسعادة طعم آخر مزيّف, نتذوقه بألسنتنا, ونتطعمه بحلوقنا, ولكن لا يتسلّل إلى نفوسنا وقلوبنا, ونُزعت البركة من أموالنا!!
لا تقولوا إنها ليست في قلوبنا...كلاّ...كلاّ...!!
إنها في قلوبنا؛ لأننا نحب في الدنيا ونعادي فيها, فنحب للمصلحة وفيها ومن أجلها, وما إن تزول إلاّ ويزول الحب, وما إن ترحل إلاّ ويرحل الوصل والإخاء, ويحلّ محله القطيعة والهجران..., وربما مع أقرب قريب...!! حتى أصبحنا أرقّاء للمصلحة, عبيداً للدرهم والدينار, ونسينا أنه قد "تعس عبد الدينار والدرهم, وتعس عبد الخميصة والخميلة..."!
إنها في قلوبنا؛ لأننا نبحث عن المال بأي طريق, ولو بطريق الحرام..., ونسينا أن " كل جسد نبت من سحت, فالنار أولى به"!
إنها في قلوبنا؛ لأننا نتظاهر بالدين, ونغرُّ الناس بمظاهرنا وأشكالنا؛ لنأخذ أموالهم باسم تشغيلها في مساهمة هنا أو هناك..., ثم نشغلها في تسويق هرمي, أو في سوق مالي, أو نختصر الطريق فنلتهم أموال الناس باسم فشل المساهمة...أو تعثّرها.., ونسينا أو تناسينا أن هذا من أكل أموال الناس بالباطل ( لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ).[النساء: من الآية 29].
إنها في قلوبنا؛ لأننا نأكل الربا جهاراً نهاراً.., ونعلنه في قوائمنا المالية..., ونسينا أن هذا جزء من إعلان الحرب على الله تعالى(اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ).[البقرة: من الآيتين278-279].

إنها في قلوبنا؛ لأننا نتحايل على الربا بأنواع المسميات, باسم الفائدة, أو باسم التورّق المنظم, أو باسم التورّق المقلوب..., ونسينا أو تناسينا أن"الحلال بيِّن, والحرام بيِّن..", وأن من صفات اليهود أنهم يستحلون محارم الله بأدنى الحيل!
إنها في قلوبنا؛ لأننا نمارس الغش في كل شيء, حتى أصبح الغش عندنا شطارة, بل ثقافة!! فنغش في مجال المقاولات, والمناقصات, والمزايدات, والمبايعات..., نغش بإخفاء عيوب المنتجات, أو بتقليد الماركات, أو بتغيير المواصفات. في السيارات, أو في المأكولات, أو الملبوسات..., بل تفاقم الغش في سلوكنا حتى أصبحنا نغش بتزوير الشهادات, أو بشرائها من محلات الخردوات...!! ونسينا أن الله قد عذب قوم شعيب؛ لأسباب, منها أنهم كانوا يمارسون الغش, فيطفّفون في الكيل والميزان, ويقولون:(يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء).[هود:79]. فأرادوا أن تكون لهم الحرية الكاملة فيما يصنعون في أموالهم, فأهلكهم الله تعالى بالصيحة, وحذّرنا نبينا من صنيعهم, وقال: " مَن غشنا فليس منا".
الدنيا في قلوبنا؛ لأننا نمارس في سوق الأسهم أنواع الكذب والتضليل والشائعات, ونغشّ فيه عبر أسلوب التكتلات, أو ما يُسمّى بـ(القروبات)..., ونفتقد الشفافية والإفصاح على مستوى مجالس الإدارات..., وننسى أننا أمة الصدق(اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ).[التوبة: 119].
إنها في قلوبنا؛ لأننا نفضِّل الأبعدين على الأقربين, فنبيع منتجاتنا في الخارج, وبلادنا تئن من قلة المعروض؛ لنحقق أرباحاً إضافية على حساب وطننا وشعبنا..., وننسى أن الشارع الحكيم قد أوصى بالقريب خيراً, وقال: (...وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ).[البقرة:180].
, هذا فيما هو من باب الإحسان, فكيف إذا حُرم القريب من منتجات بلده, وهو سيشتريها بحُرّ ماله, من أجل أن تُباع خارج حدود وطنه؟!
الدنيا في قلوبنا؛ لأننا نستغل موجة الغلاء, وتهيّؤ الناس لزيادة الأسعار, فنرفع الأسعار, وندّعي كذباً وزوراً أن الغلاء مستورد من الخارج, والواقع أن المنتج محلي 100%, أو ربما كان مستورداً, ولكنه في الحقيقة لم يتأثر بموجة الغلاء, ولكنّا نأبى إلاّ أن نركب هذه الموجة؛ لتهيُّؤ الناس لها..., ونحلف أيماناً مغلظة أن ارتفاع الأسعار جاء قسراً, لا اختياراً..., وننسى أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قد توعّد بالعذاب الأليم " المنفق سلعته بالحلف الكاذب", وأن "البيِّعان إذا كتما وكذبا, مُحِقت بركة بيعهما".
إنها في قلوبنا؛ لأننا نسجل العقود, ونقبل بالشروط, ثم لا نفي بها, ويكون تسجيلنا لها آخر العهد بها..., وننسى أننا أمة ( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ).[المائدة: من الآية1].
إنها في قلوبنا؛ لأننا نـتزوج النساء الموظفات, ونأخذهن من بيوت آبائهن معزّزاتٍ مكرّماتٍ, فنتزوجهن لا لنكرمهن, ونحسن إليهن, ولكن لنبتزّهن, ونسطو على رواتبهن, وإذا لم يستجبن لمطالبنا, نساوم عليهن آباءهن, لنسترد المهر، وربما تكاليف الزيجات, فيخضعن ويستسلمن..., وننسى أن الشارع قد أوصانا بالنساء خيراً, ونهانا أن نساوم بهن, فقال: (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ).[النساء: من الآية19].
إنها في قلوبنا؛ لأننا نعلمّ وندرس لنقبض آخر الشهر, لا لنخرِّج الأشبال, ونربي الأجيال, وننسى أننا أمة التربية والتعليم, فتركنا الأول, وفرّطنا في الثاني.
إنها في قلوبنا؛ لأننا نبيع ضمائرنا, لنقبض المال, وما أرخص الضمائر في سوق النفاق! وما أقبح البيع والشراء حين يكون على حساب الدين أو الوطن!! وتزداد هذه المعاوضة قبحاً حين تغيب الصفقة، ويظهر أثرها باسم الوطنية أو الحرية أو الإنسانية...الخ, وأنّى لشريف وأبيّ أن يبيع ضميره بثمن بخس دراهم معدودة!! وللأسف, فقد قلَّ الشرف, وانحسر الإباء, فرخص الضمير, نتيجة لكثرة العرض, وقلة الطلب!
فظهر فينا من يوظف قلمه ليهدم شعائر دينه, ويقوِّض أركان وطنه, ليبني على أنقاضه دولة علمانية غربية, بلباس عربي, وكوفية عربية, وقد يكون ذلك بمقابل حفنة من المال!
وظهر فينا من يوظف لسانه؛ للتقرب من فلان أو علاّن, ولو كان ذلك بالكذب والبهتان!
وظهر فينا من يتخذ من مركزه أو مقر عمله أداة للإضرار بشريحة من الناس؛ لإرضاء هذا أو ذاك, كل ذلك من أجل دنيا فانية..!
فهل بعد هذا كله, نقول: إنها في أيدينا, وليست في قلوبنا؟!! أين نحن من نبي الهدى والرحمة محمد -صلى الله عليه وسلم- والذي أتته الدنيا وهي راغمة, فحكم الدولة الإسلامية, فما ملكت عليه قلبه, بل كان يكسب المعدوم, ويحمل الكلّ, ويقري الضيف, ويعين على نوائب الحق, وهكذا كان سلفنا الصالح, ومن سار على نهجهم إبّان القرون المتعاقبة..., يملكون الدنيا, وما تملكهم, ويأخذون منها ما أباح الله تعالى, ويتقلّبون في نعمه, ويشكرون ولا يكفرون...
وفي عصرنا الحاضر نماذج حيّة, ضربت بسهم في كل هذه المعاني الأخلاقية, والآداب الإنسانية, فامتدّ حبل الحاضر, ليصل بحبل الماضي, وضرب المسلمون مثالاً للمثل العليا, والأخلاق الفاضلة, والتخفّف من الدنيا, والتزوّد للدار الآخرة.
فأين منا من يسير على هذه الخطا النبوية, فيمسك المال بيده؛ ليكسب المعدوم, ويحمل الكلّ, ويقري الضيف, ويعين على نوائب الحق؟
أين منا التاجر الذي يشمِّر عن ساعده, ويفتح دفتر شيكاته, ليسجل عشرة ملايين أو أقل أو أكثر؛ لصالح إخواننا المحاصرين في غزة؛ ليساعد على كسر الحصار, ويسهم في إبطال مفعول الجدار, من أجل أن يطعم الجوعى, ويعالج المرضى؟
أين منا الثريّ الذي يغيث الملهوف, ويطعم الجائع - في إفريقية وغيرها من البقاع المنكوبة- من أجل أن يحيل جوعهم شبعاً, وعطشهم ريَّا؟
لنستشعر جميعا بأوضاع مَن حولنا, ولنعش آلامهم وأوجاعهم, ولنفق قبل أن تدنو ساعة الأجل, ويباغتنا الموت, ونقول بحسرة وألم: (رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ).[المنافقون:10]. فيكون الجواب الإلهي: ( وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا )!![المنافقون: من الآية11]. ثم يعقب ذلك الندم, ولات ساعة مندم.
نسأل الله تعالى أن يحسن لنا جميعاً الختام.
آمين, آمين...
 
أعلى