مقدمة في علم السياسة

الموضوع في 'منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية' بواسطة دومي إبراهيم, بتاريخ ‏9 ابريل 2010.

  1. دومي إبراهيم

    دومي إبراهيم عضو مميز

    مقــــدمــــة
    أهمية علم السياسة
    تعتبر دراسة السياسة مهمة هائلة لكنها أيضاً ممتعة. فالسياسة عالم من التعقيدات الواسعة، والأسئلة ألا محدودة والتحديات التي لا نهاية لها. ولنتأمل الأحداث السياسية خلال العشرين سنة الماضية فقد سقط الاتحاد السوفيتي وتفكك في نفس الوقت الذي اقتربت فيه أوروبا من تحقيق وحدتها. كذلك فإن نفس الجيل الذي شهد نهاية عصر التمييز العنصري في جنوب أفريقيا قد شهد أيضاً التطهير العرقي يجتاح يوغسلافيا السابقة. ويعيش البعض اليوم عصر تقنية شرائح ورقائق الكمبيوتر الدقيقة بينما لا يزال البعض الآخر من قبائل البدو الرحل والسكان البدائيين يعيشون بنفس الطريقة التي عاشها أسلافهم منذ عشرات القرون. كما أن فكرة القومية التي كانت أساس الفاشية والعنصرية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية أصبحت اليوم ملهماً للحركات الليبرالية المعاصرة في أنحاء مختلفة من العالم.
    وحقيقة فإن التنوع السياسي العالمي يبدو بلا نهاية، فكما يساور القلق كثير من مواطني الولايات المتحدة حول الميزانية والإنفاق الحكومي نجد أن كثيراً من نظرائهم العراقيين يحاولون مجرد البقاء على قيد الحياة على أمل إعادة بناء ما دمرته الحرب الأخيرة. وبينما تهتم الصين بتحديث اقتصادها للإيفاء باحتياجات شعبها الأكبر في العالم، نجد أن دولة ديموقراطية صغيرة مثل نيوزلندا يتركز اهتمامها في متابعة وتقليص الآثار البيئية والصحية الناتجة عن التجارب النووية التي أجرتها فرنسا أخيراً قريباً منها.
    كيف يمكننا البدء بتحليل هذه الأحداث السياسية المتنوعة؟ أن صعوبة هذه الأسئلة كادت في بعض الأحيان أن تحبط أبرز علماء السياسة، وبينما نواجه ضخامة هذه المهمة ونتبصر فيها فإنه من المفيد أن نأخذ في الاعتبار ما لاحظه عالم السياسة الأمريكي ديفيد إيستن من أن السياسة مرتبطة إلى حد كبير بالتغيير. فالسياسة هي عالم من التقلبات المتواصلة، والتوترات والتحولات. وهذا التغير يمكن أن يكون عالمياً في تبعاته كما هو الحال في صعود وسقوط القوى العالمية كالإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، كما يمكن أن يكون محلياً بدرجة كبيرة كما هو الحال عندما يتغلب حزب سياسي على آخر في انتخابات إحدى البلدان، إلا أنه وفي عالم يتسم بتنامي الاعتماد المتبادل فإن حتى تلك التغيرات التي تبدو أساساً ذات طابع محلي يمكن أن يتردد صداها وتصبح ذات أهمية عالمية.
    كذلك فإن السياسة تتعلق أيضاً بصناعة القرار حول موارد العالم فبينما يمكننا النظر إلى تعليقات ايستن لتقدير مفهوم التغير كمفهوم محوري للسياسة يمكننا أيضاً الاستفادة من مقترحات عالم السياسة الأمريكي الآخر هارولد لازويل التي تنظر للسياسة على أنها تقرير من يحصل على الموارد المتاحة في العالم ومن لا يستطيع ذلك. وتعتبر أفكار لازويل هامة لنا عندما نبدأ في دراسة السياسة لأنها توجهنا نحو تساؤلات خادعة ومثيرة في تعقيداتها من مثل لماذا يحتمل أن يعمر المواطن الأوربي أطول من المواطن الأفريقي جنوب الصحراء الكبرى؟ فالسياسة، كما تخبرنا أفكار لازويل، تلعب دوراً كبيراً في هذا المجال. فتوقعات الحياة، وتوفر مصادر مياه آمنة وفرص الحصول على عمل ذي مردود كاف – كل هذه الجوانب من حياتنا تتأثر بشكل كبير بالقرارات السياسية لحكومات العالم عندما تتخذ هذه الحكومات قرارات حول كيفية توزيع موارد هذا العالم. فالطب والمياه والغذاء والسكن والعمل ليست ظواهر لا يستطيع الإنسان السيطرة عليها، بل على العكس من ذلك فإن عالم السياسة المكون من قرارات تلك الحكومات هو الذي يؤثر سلباً أو إيجاباً على حياة الأفراد ويعزز فرص حصولهم على الخدمات الأساسية تلك أو يحرمهم منها. بمعنى آخر أن السياسة تتضمن خيارات الحكومات والمواطنين وخاصة (في المجتمعات التي تتمتع بقدر من الحرية) فيما يتعلق بالطريقة التي من خلالها تقدم الخدمات الطبية والمياه والغذاء والسكن والعمل لشعوب العالم أو تحرم منها.
    ولذلك فقد كان أرسطو واضع أسس علم السياسة محقا عندما أطلق على علم السياسة سيد العلوم، وهو كان يعني بذلك أن كل شيء تقريباً يحدث ضمن إطار سياسي. وذلك لأن قرارات دولة مدينة أثينا (التي عاش فيها) كانت تتحكم في معظم جوانب الحياة. إما علم السياسة من وجهة نظر عالم السياسة الأمريكي هارولد لازويل فهو دراسة "من يحصل على ماذا". ولكن ألا يحدد النظام الاقتصادي من يحصل على ماذا؟ ومع أن ذلك ممكنا في الدول ذات الأسواق الحرة ولكن من يقرر، ما إذا كان ينبغي أن يكون هناك نظام لسوق حرة؟ من الذي يبلغ بيل جيت Bill Gate مثلاً بأنه ينبغي عليه أو لا ينبغي أن يضّمن برامجه لتصفح الإنترنت مع آخر إصدار من نوافذ ******s التي ينتجها أيضاً وهو قرار يساوي بلايين الدولارات. أن السياسة متعلقة بالاقتصاد بشكل وثيق.
    ولنفترض أن كارثة طبيعية كالفيضان حدثت، فإن النظام السياسي هو الذي يقرر ماذا كان ينبغي أن نبني مصدّات وأين تبنى وأي من ضحايا الفيضان ينبغي مساعدته، نعم الفيضان حدث طبيعي ولكن تأثيره على المجتمع يسيطر عليه بدرجة كبيرة النظام السياسي. وماذا عن العلم؟ وعن عالم الأحياء الذي يتابع البكتيريا من خلال مجهره؟ هذا ليس سياسة ولكن من الذي يدعم ويمول تعليم أولئك العلماء ومؤسساتهم البحثية؟ ألا تلعب الحكومة دوراً بارزاً في ذلك؟ إذن فالبكتيريا والفيروسات تعتبر أحياء طبيعية ولكن دراستها تعتبر في الغالب شأناً سياسياً.
    وحقاً فإن السياسة تشمل كل تلك القرارات التي تتعلق بكيفية صنع القوانين التي تحكم الحياة المشتركة، هذه القوانين يمكن أن تتخذ بطريقة ديموقراطية أو استبدادية، ويمكن أن تدعم السلام أو تشجع العنف ويمكن أن تفّعل وتمكن عامل الدول وحتى العوامل غير الدولية (مثل النقابات العمالية، ووسائل الإعلام، الشركات عبر القومية...إلخ). ومهما كانت تلك القوانين فإن السياسة ترتكز على الاعتراف بأن حياتنا مشتركة طالما أننا نعيش في أماكن عامة مشتركة مثل أقاليم الدولة. فإذا سافر أحدنا على الطريق العام أو توقف عند إشارة مرورية أو التحق بجامعة حكومية فإنه بلا شك قد أشترك في مكان وموارد تحكمها القوانين المتخذة سياسياً والمطبقة من قبل الدولة. ولذا فبغض النظر عما إذا كنا واعين ومدركين لهذه الحقيقة أم لا فإننا في حياتنا العامة جزءاً من السياسة. فنحن كما كان الفيلسوف الإغريقي أرسطو يقول حيوانات سياسية بطبعنا نعيش في عالم من المشاكل والإمكانيات المشتركة وفعلاً وكما أكد أرسطو فإن محاولة إخراج أنفسنا من السياسة سيعني إخراج أنفسنا من عالم إنسانيتنا المشتركة. باختصار فعندما ندرس السياسة سنرى أنها تمس كل شيء كما يقول عالم السياسة روبرت دال.
    ومع أن كثير من الناس يمقتون السياسة وربما كانوا على حق، فالممارسة السياسية ربما تكون لا أخلاقية، فإساءة استخدام السلطة والتأثير والفساد الفاضح تعتبر سمات ملازمة للممارسة السياسة، إلا إنه مع ذلك لا يجب علينا أن نحب الشيء الذي ندرسه. فعالم الأحياء مثلاً يمكن أن يلاحظ بكتيريا مسببة للأمراض تحت مجهره، ومع ذلك فهو لا يحب البكتيريا لذاتها لكنه مهتم في معرفة كيف تنمو وكيف تؤثر على صحة الإنسان وكيف يمكن القضاء عليها. وكما أن عالم الأحياء لا يغضب من البكتيريا ويكسر بالتالي أنبوب الاختبار الذي يحتويها، لأنه يهتم أولاً بمعرفة تلك الأحياء الدقيقة ومن ثم يحاول التوصل إلى طريقة لتحسين صحة وحياة الإنسان فكذلك عالم السياسة يحاول أن يفعل الشيء نفسه مع السياسة.

    مفاهيم أساسية في علم السياسة
    1- السياسة
    ما هي السياسة؟ من وجهة نظرنا فإن السياسة هي العملية التي من خلالها تصنع الجماعة قرارات جماعية مشتركة. ويتفاوت حجم الجماعة ابتداء من الأسرة الواحدة إلى الأسرة الدولية. كذلك يتم التوصل إلى القرارات بطرق مختلفة منها : العنف، النقاش، الأعراف، المقايضة والتصويت. والشيء الذي يجعل من تلك القرارات سياسية هو طبيعتها المشتركة التي تؤثر على أولئك المنتمين للجماعة.
    والسياسة ليست دائماً قائمة على الخلاف، إذ أن أحد الأسباب التي تدعو لدراسة السياسة يتمثل في البحث عن الظروف التي تستطيع في ظلها الجماعة تحقيق أهدافها سلمياً وبكفاءة. ومن هذا المنظور فإن السياسة تعتبر بناءة وعملية. ومع ذلك فإن كثيراً من نكهة السياسية تنبع من حقيقة أن أعضاء الجماعة نادراً ما يتفقون، منذ البداية على الأقل، على الوجهة التي يسيرون عليها. وحتى لو كان هناك اتفاقاً على الأهداف فإنه يمكن أن يظل هناك اختلافاً حول الوسائل.
    وينبع الاختلاف في جزء منه من الندرة. فمهما كانت قطعة الكيك كبيرة فإنه سيظل بالتأكيد بعض المساومة على حجم القطع. وعندما تكون المصادر محدودة فإن هذا يعني أن بعض الأهداف يمكن أن تعطى أولوية على غيرها. لكن الخلاف يمكن أن يبرز أيضاً بسبب الاختلافات الطبيعية في الآراء ووجهات النظر. فكما يتوجب على قبيلة بدوية ، على سبيل المثال، أن تقرر بشكل جماعي عندما تعزم على الرحيل فكذلك الحال مع الدولة القومية الحديثة التي يتوجب عليها أن تعزز بشكل مشترك (جماعي) فيما إذا كان ينبغي لها أن تذهب إلى الحرب. وعندما تكون الجماعة بكاملها مشتركة في اتخاذ القرار فإنه لا يكون هناك إلا قراراً واحداً. ومن ثم فإن مضمون السياسة يشمل رسم الأهداف واتخاذ القرارات للجماعة بالإضافة إلى تقرير الكيفية التي ينبغي من خلالها توزيع الموارد ضمن تلك الجماعة.
    ولا يعتبر مجرد وجود مشكلة جماعية كافياً في حد ذاته لتوليد الرغبة السياسية اللازمة لإيجاد حل جماعي. بل يبدو في الغالب أنه كلما كبر حجم الجماعة كلما أصبح التوصل إلى حل أكثر أشكالاً. ولنأخذ موضوع البيئة، على سبيل المثال، الذي يعتبر في الأساس موضوعاً يهم الجميع، وفي مثل هذه الحالة يصبح العالم بأجمعه معنياً بالأمر. فبغض النظر عن من تكون أو أين تعيش إلا أنك تشترك مع الآخرين في الاهتمام بمنع حدوث الدفء الكوني ونفاذ طبقة الأوزون. ومع ذلك فإن بلدان العالم تجد أنه من الصعب، على الرغم من أننا نتمنى ألا يكون مستحيلاً، عليها القضاء على تلك المشاكل. ويعود هذا في جانب منه إلى حقيقة أن المتسببين الرئيسين في التلوث (مثل الولايات المتحدة) هم في الغالب الأبطأ من غيرهم في تبني سياسات غير ضارة بالبيئة. ولذلك فإن إحدى مشاكل السياسة تتعلق بإيجاد تفسير لسبب وجود مثل تلك الفجوة الكبيرة بين الاعتراف بالمشكلة الجماعية من جهة والاتفاق على حل جماعي لها من جهة أخرى.
    وبالتالي فإن تعريف السياسة على أنها العملية التي تستطيع من خلالها الجماعة اتخاذ قرارات جماعية يعتبر تعريفاً محايداً نسبياً. أما التعريفات الأخرى فتعتبر أكثر تخميناً، فعلى سبيل المثال، تستخدم السياسة في الخطاب الشعبي في الغالب من منظور انتقادي للإشارة إلى السعي اللاأخلاقي لتحقيق مصلحة خاصة. وعلى النقيض من الجهة الأخرى يتمنى بعض المفكرين أن يقصروا استخدام مصطلح السياسة على الأنماط الأكثر تحضراً لصناعة القرار. ولذلك يتساءل كريك (1982) لماذا نطلق على الصراع على السلطة سياسة بينما هو ببساطة صراع على السلطة؟ حيث يفضل كريك، أن يعرف السياسة بشكل أكثر إيجابية على أنها "النشاط الذي من خلاله يتم التوفيق بين المصالح المختلفة ضمن جماعة ما وذلك بإعطاء تلك المصالح نصيباً من السلطة يتوازى مع أهميتها فيما يتعلق برفاه وبقاء مجتمعها". لكن المشكلة في هذا التعريف أنه يجرد أو يعزل الخلاف عن السياسة، إذ أنه يرى أن السياسة مثالاً ينبغي الوصول إليه بدلاً من أن تكون حقيقية حتى يمكن وصفها.
    2-الحكومة
    يشار إلى أن هناك جانباً سياسياً لكثير من نشاطنا اليومي، ومع ذلك فإنه كلما تطورت الجماعات والمنظمات الاجتماعية وازدادت تعقيداً كلما أصبح النشاط السياسي أكثر تكراراً وبرزت أنماط مستقرة لصناعة القرار الجماعي. ويطلق على النمط المستقر والمنتظم لصناعة القرار بالحكومة. فالحكومة، إذن، هي مؤسسة إي منظمة مستمرة بحياة منفصلة عن حياة الأفراد المكونين لها في إي وقت. ومن ثم يمكن تعريف الحكومة على أنها المؤسسة التي من خلالها تصنع القرارات لحل المشاكل أو توزيع المنافع والامتيازات. ولذلك فإن لدى كل من الجامعات والشركات والأندية، ونقابات العمال حكومة نظراً لأن لديها إجراءات منتظمة لاتخاذ القرارات وفرض تطبيقها. وبمنظورها الأعم فإن الحكومات تشير ببساطة إلى هذا الشرط المتعلق بالقاعدة أو السلطة المنتظمة.
    ومع ذلك فإن اهتمامنا سيكون بالقرارات التي تكون جماعية بطبيعتها وتؤثر على المجتمع بكامله. أي الحكومة في المحيط العام بدلاً من الحكومة في المحيط الخاص أو التنظيمات الأدنى. فنحن مهتمين أساساً بالتوجه السياسي للحكومة على المستوى القومي وفي الحقيقة فإن مصطلح الحكومة يستخدم في الغالب وفق هذا المنظور، للإشارة إلى الوزراء الذين يتولون مسئولية الوزارات الرئيسية. ويشار هنا إلى أن عملية صنع القرار السياسي في المحيط العام تتميز بثلاث خصائص أساسية هي:
    1- صنع القرار السياسي عملية سلطوية. فالقرارات ليست بطبيعتها استشارية أو مجرد اقتراحات ، فالقوة أو التهديد باستخدامها تقف وراء تلك القرارات فضلا عن وجود مشاعر محددة بأنها ينبغي أن تطاع . وحتى في حالة مخالفه الفرد للقرارات فإنه سيشعر في داخله بأنه ينبغي ألا يفعل ذلك بل أن بحثه عن أعذار لتبرير فعله ( تجاوز حد السرعة المسموح به مثلا) يعتبر في حد ذاته إقرارا من الفرد بضرورة اتباع القرارات . هذه المشاعر هي ما يسميها علماء السياسة (الشرعية) أي قبول الشعب واعترافهم بقوانين النظام السياسي .
    2- تتميز عملية صنع القرار السياسي بتوزيع الإيجابيات والسلبيات . فالقرارات التي يتخذها النظام السياسي ليست محايدة في نتائجها ,حيث يستفيد منها البعض ويتضرر منها البعض الأخر. فعندما يقرر النظام السياسي مثلا ماذا كان ينبغي رفع أو خفض مقدار الضرائب فانه سيكون هناك حتما جماعات مستفيدة من ذلك القرار وأخرى متضررة، وكذلك الحال مع تحديد نطاق السرعة على الطرقات.
    3- القرارات السياسية في المحيط العام تصنع لمجتمع بكامله وليس لجماعة أو فئة بحالها . فالجامعة أو الشركة مثلا تستطيع أن تصنع قرارات سلطوية توزع بموجبها الإيجابيات والسلبيات إلا أن قرارها ينطبق فقط على المنتمين إليها ولا يتجاوزه لجماعات أو منظمات أخرى أما سلطة القرار السياسي في المحيط العام فتشمل كل المجتمع فلابد أن يخضع كل الأفراد و المؤسسات والجماعات لسلطته.
    باختصار يمكن القول بأن الحكومة تتخذ قرارات لتحديد من يحصل على الأشياء القيمة في المجتمع وذلك لحل الخلافات بين الافراد والجماعات. وفي هذا السياق كتب ديفيد وفي هذا السياق كتب ديفيد إيستن:
    حتى في اصغر وابسط المجتمعات يجب أن يتدخل شخص ما باسم المجتمع ومدعوما بسلطة ذلك المجتمع ليقرر كيف تحل الخلافات حول الأشياء القيمة ، ويمثل هذا التوزيع السلطوي للقيم الحد الأدنى من متطلبات أي مجتمع...... وكل مجتمع يوفر بعض الآليات مهما كانت بدائية لإيجاد حل سلطوي للخلافات حول الأهداف التي يسعى للوصول إليها، أي، من يحصل على ما هو متوفر من الأشياء المرغوبة .
    لماذا تعتبر الحكومة ضرورية؟
    إن أفضل طريقة لتقييم الحاجة إلى الحكومة هي النظر إلى الحالات اللاتي تختفي فيها الحكومة بحالتها التي نعرفها. ماذا يحدث عندما تتنافس جماعات متعددة مع بعضها على القوة في المجتمع . وهناك حالات حول العالم حدث فيها مثل هذا الفراغ. وأحد أبرز الأمثلة يتمثل في الصومال التي اختفت فيها الحكومة المركزية منذ بداية التسعينات. حيث أصبحت العاصمة مقديشو نفسها مقسمة بين عدد من زعماء الحرب يسيطر كل منهم على جزء منها.
    فعندما تنافس زعماء الحرب الصوماليين على السيطرة على مناطق معينة كانت الحرب هي النتيجة ، التي نشرت الخراب والمجاعة . وبشكل عام فإن تنافس قوى مسلحة معقدة باستخدام السلاح وغياب الحكومة الموحدة يعني أو يساوي حربأً أهلية .
    وكما يشير مثال الصومال فإن أحد الأهداف الأساسية للحكومة هي حفظ الأمن والنظام. من خلال حفظ السلام تحمي الحكومة الشعب من العنف على أيدي الجيوش الخاصة أو الأجنبية. كذلك تهدف الحكومة إلى تحقيق العدالة وحماية الناس من عنف المجرمين. فإذا غاب الأمن والنظام فليس ممكناً تقديم أي منافع أخرى يتوقعها الناس من الحكومة.
    إلا أن النظام ليس هو القيمة السياسية الأهم فقط. فالعراق تحت حكم صدام حسين شهد قدراً من النظام. إلا أن ذلك الأمن بالنسبة لعدد من العراقيين اتخذ شكل (سلام القبور) حيث قتل عدد كبير من الناس من قبل قوات الأمن لأتفه الأسباب في بعض الأحيان. ولذلك فإن توفير الحماية من عنف المجرمين المحليين أو الجيوش الأجنبية ليس لوحده كافياً. فالمواطنون يحتاجون أيضاً إلى حماية من إساءة استخدام السلطة من قبل الحكومة.
    وتمثل الحرية هدفاً مهماً آخر يمكن تحقيقه في ظل الحكومة. ولذلك فإن الحرية تمثل قيمة مهمة يمكن للحكومة تعزيزها لكنها يمكن أيضاً أن تستخدم ضد الحكومة.
    3- الدولة
    يتم استخدام مصطلحي الدولة والحكومة في الغالب للإشارة إلى شيء واحد لكن الأكثر دقة هو أن ننظر إلى الدولة على أنها أكثر شمولاً من مؤسسات الحكومة. فالدولة هي النظام السياسي بكامله وبهذا فهي تتضمن السلوك والمواقف السياسية التي تعتبر خارج إطار الحكومة. وضمن حدود جغرافية معينة فإن الدولة تجسد الثقافة السياسية لمواطنيها والتي بدورها يمكن أن تكون نتاج لقوة صناعة القانون التي بأيدي المسئولين في المناصب العامة. ولذلك فإن الوحدة الجغرافية ، والثقافة السياسية والعمليات السياسية التي تشملها الدولة تجعلها أكثر قابلية للاستمرار والبقاء بين أية ترتيبات محددة للبناءات الحكومية. وبهذه النظرة فإن الحكومة يعبر عنها في العادة بأدوات صياغة وتنفيذ السياسة ضمن حدود الدولة.
    ومن ثم فإن مصطلح الدولة يعتبر أوسع نطاقاً من مصطلح الحكومة ويشمل كل المناصب التي تصنع قرارات جماعية وتقوم على تنفيذها للمجتمع بكامله. ووفقاً لهذا المصطلح فإن الوزراء، القضاة والشرعيين، والبيروقراطيين وجنرالات الجيش والشرطة يشكلون جميعاً جزءاً من شبكة واحدة من المناصب العامة وتعرف تلك الشبكة بمصطلح الدولة. ومع أن مصطلح الدولة يشير إلى فكرة مجردة لكنه مصطلح قوي جداً ، فالدولة يمكن أن تكون مصدراً للنفع أو مصدر للتهديد. فمع أن الدولة تعبر عن فكرة مجردة إلا أنه باسم الدولة يسجن أناس ويصبح آخرون أغنياء عن طريق عقود التسليح ويقتل آخرون في الحروب دفاعاً عنها (Edelman, 1964,P.1).
    أننا نعيش اليوم في عالم الدول، فمعظم سطح الأرض مقسم في الوقت الحاضر بين دول يدعى كل منها الحق وحدها في حكم إقليمها الخاص بها. وفي الحقيقة فإن كل الدول تتأثر بالطبع بالتطورات التي تحدث خارج حدودها فكل دولة تتاجر أو تتورط في حروب كما أن الأفكار لا تعترف بالحدود. ومن ثم فليس هناك ما يمكن أن يسمى بدولة منعزلة عن العالم الخارجي. ومع ذلك فإن أي دولة مهما كانت صغيرة وضعيفة لا تزال ، من الناحية النظرية، تتمتع بالسيادة على إقليمها. ومن ثم فماذا نعني بالدولة على وجه التحديد؟
    تشير الدولة إلى مؤسسات صنع القرار السلطوي لمجتمع بكامله، بحيث تصبح كل الجماعات والمؤسسات والأفراد فيها خاضعة لها من الناحية القانونية. بمعنى آخر أن لها المكانة الأعلى قانونياً وأن سلطتها إجبارية. والدولة كما يقول دال (1984) هي المنظم الأساسي للاستخدام الشرعي للقوة ضمن الأقاليم.
    وهذا لا يعني أن الدولة هي المؤسسة الوحيدة في المجتمع التي تستخدم القوة. فهناك بالطبع العنف الإجرامي، والعنف الرياضي والعنف الأسري، كما أن هذا التعريف لا يعني أن القوة هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على وجود الدولة. فالعنف يمثل مصدراً غير مستقر للسلطة والقوة على الأقل على الأمد الطويل. ولذلك فإن هذا التعريف يعني ضمناً أن الدولة يجب عليها أن تدعم وبنجاح ادعاءها بتنظيم اللجوء إلى القوة. فهناك قلة من الناس يمكن أن يزعموا بأن من حق المجرمين إطلاق النار على رجال الشرطة إلا أن معظم الناس يتفقون على أن هناك ظروفاً تبرر إقدام رجال الشرطة على إطلاق النار على المجرمين – على سبيل المثال في حالة التعامل مع السارقين المسلحين أو الخاطفين والارهابيين.
    وعندما يصبح احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة مهدداً فإن استمرار تواجدها يصبح معرضاً للخطر. فالحروب الأهلية على سبيل المثال تعتبر في حقيقتها خلافاً حول من ينبغي أن يحكم الدولة في إقليم معين. وعندما يستمر ذلك الخلاف لا يصبح هناك سلطة شرعية وربما تختفي الدولة ذاتها.
    *الدولة القومية
    يعتبر مفهوم الدولة القومية ذا أصول أوروبية حيث تمت المصادقة رسمياً على نظام الدولة القومية في معاهدة السلام في وستفاليا 1648م التي رسخت السلام بين الفرقاء الأوروبيين بعد حرب الثلاثين عاماً .ومنذ ذلك الوقت تم تقسيم معظم أرجاء الكرة الأرضية إلى دول قومية بحدود جغرافية محددة .
    إلا أن المشاكل تبرز عندما تحتوي حدود الدولة قوميات مختلفة. بل و أن كثيراً من تلك الحدود وخاصة في العالم غير الأوروبي قد رسمت بطريقة عشوائية من خلال قوى الاحتلال الأوروبية كما هو الحال في معظم أنحاء إفريقيا وكثير من أصقاع آسيا وأمريكا اللاتينية . وفي مثل هذه الحالة يمكن أن يتسبب افتقاد التجانس القومي في إثارة مشاكل سياسية خطيرة. وفي العصر الحاضر شهد العالم تفكك دول كانت تعتبر مستقرة نسبياً وصناعية كالاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا إلى دول قومية اصغر حجماً وأكثر تجانساًً. ويشير هذين المثالين إلى هشاشة الدول التي تحاول ضم قوميات عديدة ومختلفة. وبدورها شجعت مؤسسة الدولة القومية نمو فكرة القومية ، التي يمكن تعريفها على أنها الشعور العاطفي بأولوية الولاء للوطن من قبل المواطنين.
    ومع أن الماركسية تؤكد على أن الولاء الرئيس للعمال ينبغي أن يكون لطبقتهم الاجتماعية إلا أن الأحزاب الماركسية وجدت بشكل مستمر أن العمال قد استبدلوا الولاء الطبقي بالوطنية القومية عندما تتعرض بلدانهم للتهديد. ويمكن للحماس القومي أن يمّكن الحكومة من العمل بكفاءة أكثر لكنه أيضا يمكن أن يتسبب في تشجيع الحكومات كي تسلك نهجاً أكثر عدوانية ويجعلها اقل تقبلاً لإيجاد حلول لخلافاتها مع الدول الأخرى.
    ويمكن تصنيف الدول إلى ديمقراطية، استبدادية وشمولية. وهناك تنوعات في كل من تلك الأصناف، إلا أن النماذج الثلاث تلك توفر إطارا أساسيا للأغراض التنظيرية ،ويمكن التمييز بين كل من الأصناف الثلاثة من خلال مدى السماح بالممارسة السياسية الحرة لمواطنيها.
    4- السيادة
    للدولة وجهان يكون الجانب القاسي منها مختفياً عن الأنظار وهو يمثل الرغبة في استخدام القوة لتنفيذ رغباتها. أما الجانب اللين، الذي لا يقل أهمية، فيستند على قدرة الدولة على إقناع مواطنيها بالطبيعة القانونية والشرعية لسلطتها. وترتبط فكرة السيادة بوجه الدولة اللين، فالسيادة تشير إلى مصدر السلطة في المجتمع حيث أن المفهوم يعتبر قانونياً بدلاً من أين يكون فعلياً.
    والسيادة تكون للهيئة التي تتمتع بحق صناعة القوانين للبلاد ففي بريطانيا على سبيل المثال تتمثل هذه الهيئة في البرلمان. وتعتبر بريطانيا مثالاً للسيادة الواضحة والمركزة حيث بإمكان البرلمان إصدار أية قوانين دون أن يقيد البرلمانات التي تعقبه، ولا يستطيع القضاة إبطال تشريعاته كما أنه ليس هناك هيئة أخرى تستطيع إصدار قوانين تطبق في تلك البلاد، باستثناء المجموعة الأوروبية التي تعتبر تشريعاتها ملزمة بشكل مباشر لبريطانيا كما هو الحال مع الدول الأعضاء الأخرى في المجموعة حتى لو لم يتم الموافقة على تلك التشريعات من قبل البرلمانات الوطنية.
    ومع أن الهيئة المخولة إصدار القانون تمتلك سيادة داخلية – أي الحق في صنع قوانين ملزمة ضمن حدود الدولة. إلا أن للسيادة بعداً خارجياً أيضاً. والسيادة الخارجية تشير هنا إلى اعتراف القانون الدولي بأن للدولة سلطاناً قضائياً على الإقليم. وهذا يعني أن الدولة مسئولة عن ذلك السلطان القضائي في القانون الدولي. وتعتبر السيادة الخارجية موضوعاً مهماً لأن جميع الدول تدعي الحق في تنظيم العلاقات بين بلادها وبقية العالم. وفي الحقيقة فإن السيادة الخارجية تزداد أهمية بعدما أصبح العالم أكثر اعتماداً على بعضه البعض. ومن ثم فإن ادعاء السيادة يعني وضع إشارة تحذير للدول الأخرى تطالبها بالابتعاد، ومع أنه ليس هناك في الواقع دولة واحدة تستطيع أن تفرض سيطرتها الكاملة على الأحداث ضمن حدودها إلا أن ذلك لا يعني إلغاء لحق الدولة في السيادة.
    وتؤكد النظرية التقليدية للسيادة على الحاجة لوجود هيئة سيادية واحدة ضمن إقليم معين. وفي هذا السياق لاحظ وليام بلاكستون في تعليقاته على قوانين بريطانيا أن "لابد أن يكون في كل دولة سلطة سامية مطلقة لا يمكن مقاومتها أو السيطرة عليها وهي التي لها الحق في السيادة، وهنا يلخص بلاكستون تفسيراً للسيادة كان قد قدمه أولاً الفيلسوف الفرنسي جان بودين الذي عرف السيادة على أنها السلطة غير المقيدة أو غير المقسمة لصناعة القوانين. وقد كان هدف بودين يتمثل في الحفاظ على امتيازات الملكية الفرنسية حيث عزز عمله هذا التطورات اللاحقة للملكية المطلقة في فرنسا.
    أما في عالم اليوم الأكثر ديموقراطية واعتمادية فإن التعرف على موقع السيادة لا يعتبر سهلاً كما كانت تفترض ذلك النظرية التقليدية. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال تتوزع السيادة بين الكونجرس والرئيس والمحكمة العليا والولايات الخمسين المكونة للاتحاد. ولدى الولايات المتحدة حكومة دستورية أكثر مما هو الحال في بريطانيا إلا أن لديها نظاماً يشتت السلطة بدلاً من تركيزها، ومن ثم فإن الولايات المتحدة تمثل حالة للسيادة بدون سيد.
    وحتى في البلدان ذات الحكومة البرلمانية يمكننا الزعم بأن الشعب يجب على الأقل أن يتقاسم السيادة مع البرلمان نظراً لأن سلطة البرلمان تنبع جزئياً من دوره التمثيلي، ومن ثم فإن تحديد موقع السيادة في الواقع ليس بنفس السهولة التي تقول بها فكرة سمو البرلمان.
    كما يؤدي الاعتماد المتبادل بين الدول إلى جعل موضوع السيادة أكثر غموضاً حيث أن المجال المتنامي للالتزامات الدولية للدولة القومية يقلص مجال المناورة المتاح للحكومات. كذلك فإن ظهور العوامل فوق القومية مثل الاتحاد الأوروبي الذي لديه القدرة على تجاوز البرلمانات القومية في بعض الموضوعات يهدد أيضاً الأفكار التقليدية للسيادة. وتعمل هذه التغيرات تدريجياً على أضعاف فكرة السيادة مع تنامي الفجوة بين خيالية السيادة ذات المصدر الوحيد وحقيقة الاعتماد المتبادل، مما يعني أن أفكار بودين وبلاكستون قد عفى عليها الزمن.
    5- القوة
    لقد حاول الناس منذ أقدم العصور فهم قواعد القوة، ولماذا توجد وكيف يمكن الحصول عليها. وتعتبر القوة موضوعاً أساسياً في السياسة فهي إحدى لبنات البناء لعلم السياسة وهي مفهوماً محورياً لهذا العلم بنفس أهمية النقود للاقتصاد. وبينما يتقبل كل علماء السياسة أهمية القوة إلا أنهم يختلفون حول ماهيتها وتحديدها وكيفية قياسها. وهناك بشكل عام وجهتا نظر رئيستان حول تعرف القوة.
    الأولى، القائمة على فكرة الإجماع، تعّرف القوة بشكل عام على أنها نتاج التأثيرات المقصودة، وبأنها المقدرة على الحصول على ما نريد. ولنأخذ مثالاً واضحاً هنا فالرؤساء لديهم قوة أكثر مما لدى الفلاحين نظراً لأن الرؤساء يمارسون تأثيراً أكبر على مسيرة الأحداث. ونلاحظ هنا أن التأكيد هو على القوة، بمعنى القدرة على تحقيق الأهداف، بدلاً من القوة بمعنى، ممارسة السيطرة على الآخرين، ويرتبط هذا الاقتراب للقوة بعالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز (1967) الذي أعتبر أن القوة السياسية تشير إلى مقدرة الحكومة على الاعتماد على التزام مواطنيها لتحقيق أهداف مشتركة مثل القانون والنظام والحماية من الاعتداء والنمو الاقتصادي، وكلما كانت الحكومة أكثر قوة كلما كانت أكثر كفاءة على تحقيق أهداف المجتمع. وبذلك فإن القوة السياسية بالنسبة لبارسونز ليست فقط مجرد تنافس جماعة اجتماعية واحدة أو حزب سياسي مع الآخرين للفوز بالسيطرة على الدولة وإنما القوة في نظره هي الأداة التي تمكن الحكام من تحقيق أهداف المجتمع. ومع ذلك يعتبر عدد من علماء السياسة وجهة نظر بارسونز هذه ضيقة جداً "ومحافظة أكثر مما ينبغي". ويعتقدون بأن السياسة أكثر من مجرد عملية تقنية لتطبيق رؤية يعتنقها جميع أفراد المجتمع.
    أما الثانية فتنظر في مقابل ذلك إلى السياسة كحلبة صراع حول ماهية الأهداف التي ينبغي تحقيقها. ولذا فإن أنصارها يميلون إلى تعريف القوة من منظور ما هي الرؤية التي تنتصر. وما يهم هنا هو تحديد من يدير الدفة. على سبيل المثال هل يسيطر على الحكومة حزب محافظ هدفه الرئيس حماية مصالح رجال الأعمال والشركات؟ أو حزب اشتراكي مهتم بمصلحة الاتحادات العمالية؟
    وهنا فإن وجهة النظر الضمنية للقوة تقوم على فكرة الخلاف بدلاً من الإجماع ووفق هذا المنظور فإن القوة ،كما يقول روبرت دال، تعني القدرة على تحقيق المراد في مواجهة المعارضة في العادة وأنها تتمثل في دفع الناس إلى القيام بعمل أشياء لم يكونوا ليقوموا بها بمحض اختيارهم (Dahl-1957). وهذا يعني القوة بمعنى التغلب والسيطرة بدلاً من القدرة على تحقيق أهداف مشتركة.
    ومن وجهة نظرنا فإن كلا النظرتين السابقتين للقوة تعتبران مهمتان. إذ أن السؤال عن ما مقدار القوة التي تتمتع بها حكومة ما هو بنفس أهمية السؤال عن من يمارس تلك القوة. فالسؤال الأول يتعلق بمقدار القوة بينما الآخر يتعلق بكيفية توزيعها. ويوازي السؤال المتعلق بمقدار القوة المتاحة لحكومة ما السؤال الاقتصادي عن ما هو عدد السلع التي ينتجها اقتصاد ما ومن الجهة الأخرى فإن السؤال المتعلق بتوزيع القوة "من يمارس القوة؟" يماثل في علم الاقتصاد السؤال المتعلق بمن هو الغني ومن هو الفقير؟
    ولتوضيح هذا الفارق بين المعنيين ننظر إلى حالة الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات. ففي ذلك الوقت ركز معظم المراقبون على المناورات السياسية المعقدة التي كانت تدور في موسكو. هل فقد جورباتشوف ثقته في الاصلاحيين ومن ثم أتجه إلى الاتجاه المحافظ؟ وهو تساؤل ممتع بلا شك لكنه يتجاهل تضاؤل كمية القوة المتوفرة لدى موسكو آنذاك. حيث كانت أكثر التطورات أهمية في الاتحاد السوفيتي أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينات تتمثل في انهيار السلطة المركزية. فالجمهوريات كانت تتجاهل وغالباً ما تناقض الأوامر الصادرة من السلطة المركزية في موسكو. وتوقفت الحكومة المركزية عن القيام بوظيفتها. وكانت السفينة السوفيتية تغرق بينما كان القادة وكثيراً من الصحافيين يتشاجرون حول من كانت بيده عجلة القيادة. ومع ذلك فعندما لا يحكم أحد فماذا يهم من يكون الحاكم؟ وقد كان الاتحاد السوفيتي في حالة احتضاره يعطي مثالاً لكيف يمكن لكمية القوة المتوفرة للحكومة المركزية أن تتضاءل إلى الحد الذي يصبح معه موضوع توزيعها هامشياً.
    ويمكن ممارسة القوة بطرق مختلفة. وإذا ما سئل شخص للتعبير عن القوة من خلال إيماءه رمزية، فإنه ربما يعبر عن ذلك برفع قبضته. وتعتبر هذه الصورة مقبولة من بعض الوجوه، فالعنف يعتبر بدون شكل شكلاً من أشكال القوة. فتكرار الحروب بين الدول وداخلها تؤكد أهميتها في التاريخ. ولكن إذا كان التاريخ يهتم بما هو أكثر من الحروب فإن القوة أيضاً تتضمن ما هو أكثر من القسر. وفي هذا السياق فقد وضع (Boulding 1989) تصنيفاً دقيقاً لأشكال القوة، عندما قال بأن الناس يحصلون على ما يريدون باستخدام القوة أو التوصل إلى اتفاق أو خلق أو إنشاء التزامات (أنظر جدول 1.1) أي أننا يمكن أن نميز بين العصا والاتفاق والحب.
    ويرتبط التهديد باستخدام العنف (العصا) بالمؤسسات القسرية مثل الجيش والشرطة. ويبرز هذا الخيار عندما يقول أ لـ ب أما أن تفعل هذا الأمر لي أو..... ويعتبر استخدام هذا الشكل أساساً لقوة الدولة وعلى الرغم من أنها تعتبر حلاً أخيراً في السياسة المدنية العادية، إلا أن وجودها يظل داعماً لعدد من العلاقات السياسية. فعلى سبيل المثال قد تهدد الدولة بحرماننا من حرياتنا إذا لم ندفع الضرائب أو نحارب في صفها أو نطيع قوانينها. وغالباً ما يكون التهديد ضمنياً إلا أن ذلك يدل على كفاءته وليس عدم أهميته. ولذا يقال بأن العصا التي تبقى قابعة في الخزانة هي أكبر العصي الموجودة.
    أما التبادلية أو (المقايضة) فهي أكثر شيوعاً وأكثر كفاءة من الخيار السابق "العصا"، ويبرز هذا الخيار عندما يقول أ لـ ب أفعل شيء ما لي وفي المقابل أعطيك شيء تريده. فبينما يقوم خيار العصا على التهديد بالعقوبات السلبية فإن خيار الاتفاق يقوم على توقع الفائدة. ومع ذلك فإن كلا الخيارين السابقين يمثلان شكلان للقوة لأنهما يعبران عن وسيلتين يحاول بهما الفرد أن يغير سلوك فرد آخر.
    وتعتبر المقايضة قاعدة العلاقات الاقتصادية لكنها مع ذلك تعتبر مهمة جداً في السياسة. فعلى سبيل المثال فإن العلاقات بين الدولة ومواطنيها يتم تحليلها في الغالب وفقاً لفكرة التعاقد بين الجانبين. وتقوم التبادلية على موافقة المواطنين على الخضوع لسلطة الدولة في مقابل توفير الدولة لمظلة حمائية لهم، وبتوفيرها لقوة شرطة، ونظام تعليمي، وحد أدنى من الرفاه الاجتماعي. كما يدفع المواطنون الضرائب في مقابل قيام الدولة بتوفير الخدمات. ومع أن هذا التعاقد يعتبر خيالياً إلا أن المقايضة التبادلية التي يقوم عليها تؤثر على طريقة سلوك المواطنين أي أنه ببساطة عندما يشعر الناس بأن الدولة تعطي مثلما تأخذ فإنهم أكثر احتمالاً لطاعتها ومن ثم يصبح النظام أكثر استقراراً.
    أما خلق الالتزامات أو ما يعبر عنه (بالحب) فإنه يشير إلى القدرة على غرس الولاء، الاحترام والالتزام. ويظهر ذلك عندما يقول أ لـ ب أفعل شيء ما أريده لأنك تحبني، أو تحترمني أو تشعر بالتزامات تجاهي. وعندما ننظر إلى أمثلة لتلك الالتزامات فإننا نفكر طبيعياً في المقام الأول بالمؤسسات الاجتماعية مثل الأسرة أو المسجد أو جمعيات النفع العام إلا انه يمكن القول بأن القدرة على الإلهام أو التأثير على الناس هي الأكثر أهمية من بين الأشكال الثلاثة السابقة للقوة. وفي هذا السياق فإن القومية والدين تعتبران أمثلة لقوى قوية ثم استغلالها من قبل القادة (وحتى من قبل المعارضة بشكل أكبر) لدفع الناس للتضحية بأنفسهم.
    ويزعم بعض الناس بأن فكرة ممارسة القوة من خلال الالتزام تمثل تناقضاً في المصطلحات فإذا كان أ يقوم باختياره بعمل ما يريده ب فهل يعني ذلك أن أ يمارس في الحقيقة قوة أو سلطة على ب؟ إذا تبرع الناس للقتال في الحرب فهل يعني أن الدولة تمارس قوة أو سلطة عليهم من خلال تشجيعهم على تسجيل أسمائهم للانخراط في الحرب؟ وهذا يعتمد على ما إذا كنا نريد تعريفاً محدوداً أو واسعاً للقوة Power ، فالاقتراب المحدود ينظر للقوة على أنها القدرة على فرض وجهات نظر جهة ما ضد المعارضة، إلا أن علماء السياسة الراديكاليين سيزعمون بأن هذا التوجه مقيداً بشكل كبير وأن قوة الحبLove power هو الشكل الأكثر مكراً للمصطلح.
    فعلى سبيل المثال يزعم لوكس (1974) بأن القوة تمارس كلما تم تجاهل المصالح الحقيقية للناس حتى لو كان هؤلاء الناس غير مكترثين بمصالحهم. وبالنسبة له فإن أ يمارس سلطة أو قوة على ب عندما يؤثر أ على ب بطريقة مناقضة لمصالح ب. ولذلك فإن المصنع الذي يلوث بلدة ما يمكن أن يخفي ذلك عن السكان. وعندئذ يرى لوكس أنه في حالة نجاح المصنع في ذلك فإنه يكون قد مارس قوة أو سلطة حتى لو كان السكان غير منتبهين لمشكلة التلوث – ومن ثم غير قادرين على الاعتراض عليها. حيث أن مصالحهم قد تضررت.
    وبالمثل فإن الحكومة التي تستغل الحماسة الوطنية لكي تزيد معدلات التجنيد العسكري تمارس أيضاً السلطة أو القوة على المجندين – لأنه هل من صالحهم التضحية بحياتهم في مكان بعيد؟ وسواء اعتبرنا تلك أمثلة للقوة أو السلطة أم لا إلا أنه يجب علينا أن نقبل بأن المناورة بمعرفة وقيم وتفضيلات الآخرين تعتبر وبشكل كبير أفضل طريقة للسيطرة عليهم.
    جدول 1.1
    استخدام القوة "العصا" التوصل لاتفاق "الجزرة" خلق التزامات "الحب"
    الطبيعة تهديد قسري مبادلات إنتاجية علاقات تكاملية
    دافع الطاعة الخوف الكسب الولاء والالتزام
    المؤسسة عسكرية اقتصادية اجتماعية
    وتتضمن القوة السياسية على نحو نموذجي خليطاً من القسر أو الإكراه، والتبادلية والالتزام. ولنأخذ الضرائب كمثال، فأخذ النقود من الشعب يعتبر مهمة أساسية لكنها مخادعة يجب أن تقوم بها أي دولة بقدر معقول من الكفاءة على الأقل. فأحد الأسباب التي تدفع الناس للدفع هو عنصر الإكراه خوفا من عقوبة الدولة إذا ضبطوا وهم يتهربون من الدفع. أما السبب الثاني فيتمثل في التبادلية فالناس مستعدون لدفع الضرائب من أجل الحصول على خدمات مثل الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. أما السبب الأخير فيمثل في الشعور بالالتزام: ماذا سيحدث لو لم يدفع كل واحد ضريبته؟ ولذا فإن قوة الدولة الحديثة تستند على قدرتها على الاعتماد على مصادر متنوعة للإلتزام بحيث يدعم كلاً منها الآخر.
    وبإيجاز فإننا قد استعرضنا ثلاثة تفسيرات للقوة وهي :
    1 – القوة بمعنى القدرة على إنجاز الأهداف الجمعية.
    2 – القوة بمعنى القدرة على فرض مشيئة طرف على المعارضة.
    3 – القوة بمعنى التأثير على الناس بطريقة تكون معاكسة لمصالحهم الخاصة.
    ويحتمل أن يكون الاقتراب الثاني هو المعنى الأكثر قرباً للتفسير الشائع أو المألوف للقوة، ومع ذلك فإن الأنماط الأخرى الأقل قسرية (اعتماداً على الإكراه) تعتبر بنفس الأهمية أيضاً في التأثير على الناس، وفي الواقع فإن علاقات القوة تستند في الغالب على توليفة من العوامل.
    6- السلطة
    تعتبر القوة القسرية شكلاً غير مجدياً للحكم تماما كما أن الاستعباد يعتبر غير فعال نظراً لأن هناك حاجة لمراقبة العبيد كما أنهم على أي حال يفتقدون لأي التزام تجاه عملهم. وبناء عليه فإن القوة القسرية تكون غير مستقرة وغير فعالة أيضاً، ولذلك يقال بأن أولئك الذين يعيشون بواسطة السيف يموتون غالباً بالسيف. ومن ثم فإن المعضلة الأساسية التي تواجه الحكام تتمثل في كيفية إضفاء الشرعية على حكمهم – أي كيف يمكن تحويل القوة إلى سلطة، ولكن ما هي السلطة؟
    تشير السلطة إلى الحق في الحكم، وتظهر عندما يعترف الخاضعون بحق المهيمنين على إصدار الأوامر. فعلى سبيل المثال يمكن لجنرال ما أن يمارس القوة على الأسرى من جنود الأعداء لكنه لا يملك سلطة عليهم حيث أن سلطته تكون مقتصرة على قواته الخاصة. وفي نفس الوقت فإن السلطة هي أكثر من مجرد الإذعان الاختياري، فالاعتراف بسلطة الحكام لا يعني الموافقة على قراراتهم، أنه يعني فقط القبول بحقهم في إصدار القرارات وواجب الأفراد في طاعتها. فعلى سبيل المثال يمكن ألا توافق على طلب أستاذك على قراءة هذا الكتاب لكنك هنا تقرأه وهذا يعني أنك قبلت سلطة أستاذك.
    ولا تزال علاقات السلطة هرمية. وفي الحقيقة فهي غالباً ما تكون بمثابة ورقة توت تغطي التهديد باستخدام القوة. فالجنود على سبيل المثال يذعنون للجنرالات لأنهم سيواجهون حكومة عسكرية إذا رفضوا الإذعان، وهؤلاء الذين يدّعون السلطة يمكن ألا ينتظروا حتى يتم الاعتراف بتلك السلطة. وبالمثل فإن الطلاب يذعنون للمعلمين لخشيتهم من العقوبات المترتبة على عدم الإذعان حتى وأن كانت تلك العقوبات أقل بكثير مما يواجهه الجنود أمام محكمة عسكرية. وفي الحقيقة فإن العلاقات السياسية تجمع نموذجياً بين عناصر كل من القوة والسلطة.
    وكما أن للقوة عدة مصادر فكذلك السلطة، ويشار هنا إلى أن عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر قد أورد تحليلاً مهماً لمصادر السلطة عندما ميّز بين ثلاثة طرق لاضفاء الشرعية على القوة السياسية (أنظر جدول 2.2). ويتمثل النموذج الأول في الإشارة إلى قداسة وأهمية التقاليد :
    ففي السلطة التقليدية نظراً إلى النظام القائم على أنه مقدس أبدي لا تمس حرمته كما يعتقد سلطة الشخص أو الجماعة المهيمنة على الآخرين، التي عادة ما تأتي عن طريق التوارث، هي مقدرة ومحتوية، وأن الرعية يرتبطون بالحكام من خلال التبعية الشخصية وتقليد الولاء فضلاً عن تدعيم ذلك بواسطة المعتقدات الثقافية مثل الحق المقدس للملوك.
    وكما أشار Blau (1963) فإن كل أنظمة الحكومات تقريباً قبل ظهور الدولة الحديثة تمثل الادعاءات التقليدية للسلطة. إلا أن السلطة التقليدية لا تناسب المجتمعات المتغيرة. وفي العالم المعاصر فإن السلطة التقليدية تقدم قاعدة للحكم في عدد محدود من الملكيات الوراثية مثل السعودية ونيبال وعمان، حتى أن بعضاً من تلك الأنظمة قد بدأت تذعن لرياح الديموقراطية التي اكتسحت العالم في أواخر الثمانينات.
    وتعتبر السلطة الكاريزمية أو الملهمة النموذج الثاني للسلطة لدى فيبر. وهنا يطاع القادة لأنهم يلهبون حماس اتباعهم الذين يضفون على أبطالهم صفات استثنائية وأحياناً أسطورية. وبينما تستند السلطة التقليدية على الماضي فإن السلطة الكاريزمية ترفضه وتزدريه. وخلافاً للاستخدام الجماهيري فإن الكاريزما بالنسبة لفيبر ليست صفة ضمنية للقائد بل أنها تميز العلاقة بين القادة والاتباع. فالقادة الكاريزميين يعتبرون أشخاصاً مؤثرين يظهرون في أوقات الأزمات والقلاقل ويعتبر غاندي ومارتن لوثر كنج ومانديلا وعبد الناصر وحتى أدولف هتلر أمثلة رئيسة للقادة الكاريزميين. كما يعتبر دور الخميني في إعادة صياغة إيران بعد سقوط الشاه في 1979 مثالاً أكثر حداثة لذلك.
    ومع ذلك فإن السلطة الكاريزمية تعتبر قصيرة العمر ضمنياً إلا إذا استطاع القائد الكاريزمي تحويل سلطته إلى مؤسسة دائمة. ويطلق على هذه العملية (روتنة الكاريزما) Routinizoition of Charisma ، ففي إيران مثلاً استطاع آية الله الخميني إنشاء نظام إسلامي استمر بعد وفاته في 1979.
    أما المصدر الثالث للسلطة بالنسبة لفيبر فهو ما يطلق عليه بالنموذج القانوني – العقلاني. وهذا النموذج هو النقيض تماماً للسلطة الكاريزمية. فهو يعني أن الخضوع لا يكون لشخص وإنما لمجموعة من المبادئ – حكومة القانون بدلاً من حكومة الأفراد. ولذلك فإن الخاضعين في منظمة ما يجب أن يذعنوا للمطالب القانونية لرؤسائهم بغض النظر عن من يحتل المناصب العليا. وقد أعتقد فيبر بأن السلطة القانونية العقلانية ستصبح المهيمنة في المجتمع الحديث وقد كان محقاً.
    وتعتبر البيروقراطيات الحديثة أفضل مثال للمنظمات القائمة على السلطة القانونية العقلانية، فنحن نذعن للقوانين ليس بدافع الخوف فقط ولا بدافع التقاليد أو الولاء الشخصي لقائد الشرطة مثلا ولكن لأننا نشعر أن القانون والنظام يعتبر ضرورياً ومرغوباً في مجتمع عقلاني. فنحن أذن نعترف بسلطة القانون- وليس قوة القائمين على تنفيذه فقط.
    وبإمكان السلطة القانونية العقلانية الحد من إساءة استخدام القوة وذلك لأنها قائمة على المنصب وليس الشخص، حيث قد يكون هناك مسئولين يتجاوزون صلاحياتهم. وإذا كان لدينا شجاعة كافية فإننا نستطيع عندئذ أن نرفض الإذعان وبشكل مشروع. والشرطة تستطيع أن تستجوبك ولكن في بلد منظم جيداً لن يكون بإمكانهم ضربك أو تعذيبك إذا رفضت الإجابة. وفي الواقع فإن الناس الذين يملكون وسائل القوة يستخدمونها في الغالب حتى عندما لا يكونون مخولين القيام بذلك. إلا أن استناد القوة إلى المنصب بدلاً من الفرد فضلاً عن إيضاح حدود تلك القوة يساعد بالفعل على احتواء إساءة استخدامها.
    أما نقطة الضعف الرئيسية في تقسيمات فيبر فتتمثل في عدم إعطائه اهتماماً كافياً لكيفية تحويل القوة إلى سلطة، فلنفترض بأن شخص ما قاد انقلاباً عسكرياً ناجحاً في دولة صغيرة، وتم طرد الرئيس السابق، وتمت السيطرة على محطة الإذاعة واستطاع أن يضع أحد أقربائه في منصب قيادة الجيش، فماذا عليه أن يفعل بعد ذلك؟ كيف يمكن بناء سلطته حتى لا يواجه نفس مصير سابقه؟ أن هذا يعتبر عملاً سياسياً بحتاُ، فالبندقية يمكن أن تصل بالشخص إلى المنصب ولكنها لن تبقيه هناك للأبد.
    أن مجرد البقاء سيساعد، والإذعان الذي تم الحصول عليه بداية بالقسر والإكراه يصبح في النهاية معتاداً. وكما يقول (Goodwin , 1987) "أن سلطة اليوم هي مسرح كفاح الأمس من أجل القوة"1. أن مجرد الإذعان يمكن أن يفيد لبعض الوقت لكن سيكون من الأفضل لو تم تحويل الإذعان المعتاد إلى ولاء أصيل. ولذلك لا يمكن تجاهل جماهير الشعب لأنه عندما يصبحون مستاءين من أداء الحكومة يصبح لدى أعداء تلك الحكومة عذراً أو ربما سبباً قوياً لتغييرها. باختصار يتحول الفاتحون إلى ملوك من خلال خلقهم لمصادر مستقرة للدعم، أما إذا لم يظهروا أي اعتبار لمن يحكمونهم فسوف يواجهون في النهاية مشاكل الحكم غير الكفء وغير المستقر التي قضت على معظم المستبدين.
    جدول 1.2 تقسيمات فيبر لأشكال السلطة

    النوع القاعدة المثال
    تقليدي العرف والطرق الراسخة لعمل الأشياء الملكية
    كاريزمي التزام قوي جداً تجاه القائد ورسالته عدد من القادة الثوريين
    قانوني عقلاني القواعد والإجراءات – المنصب لا الشخص البيروقراطية
    7- الشرعية
    تعتبر الشرعية مصطلحاً مماثلاً للسلطة، فهي تشير أيضاً إلى القوة المشروعة. ويكمن الفرق في أننا نستخدم عادة مصطلح "الشرعية" في مناقشة نظام حكومي بكامله بينما تشير السلطة في الغالب إلى مناصب محددة ضمن الحكومة. ولذلك فإننا نميل للحديث عن شرعية النظام لكننا في المقابل نتحدث عن سلطة المسئول.
    ومما يزيد في الغموض أن الشرعية تستخدم بطريقتين مختلفتين من قبل منظري وعلماء السياسة. فمنظري السياسة يهتمون بالمبادئ حيث يرون أن حكومة ما تكون شرعية إذا كان تعمل وفق بعض المبادئ الأخلاقية – على سبيل المثال أنها كانت منتخبة بطريقة عادلة. أما علماء السياسة من الجانب الآخر فهم يهتمون بالسياسة كما هي ، حيث يقولون بأن حكومة ما تكون شرعية إذا كان مواطنوها يعتبرونها كذلك، وأن الحكم الديمقراطي يمثل مؤثراً واحداً فقط على الشرعية وفقاً لوجهة النظر هذه. فعلى سبيل المثال، لم يكن أحد يصف إيران في ظل آية الله الخميني على أنها نظاماً ديموقراطيا، ومع ذلك فقد جاء الخميني إلى السلطة من خلال ثورة شعبية مما أعطى نظامه شرعية مهمة على الأقل في بداية الثورة. لكن هذه السلطة قامت على مبادئ إسلامية وليس ديموقراطية.
    كذلك من المهم أن نميز بين الشرعية والقانونية، فالشرعية تشير إلى ما إذا كان الناس يقبلون شرعية القانون بينما تشير القانونية إلى ما إذا كان القانون صادراً طبقاً لإجراءات صحيحة كما هو مبيناً في الدستور عادة. ويمكن للتنظيمات أن تكون قانونية دون أن تكون شرعية، فعلى سبيل المثال كانت الأغلبية السوداء تعتبر وبحق أن قوانين نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا غير شرعية على الرغم من أنها كانت قد صيغت طبقاً لدستور البلاد آنذاك.
    وبالمقابل فإن تصرفاً غير قانونياً ينظر اليه في بعض الأحيان على أنه تصرف شرعي من قبل بعض شرائح السكان على الأقل وخاصة عندما يأخذ ذلك التصرف شكل الاحتجاج السلمي لتحقيق هدف مشترك. فقد وفرت حالات العصيان المدني في القرن العشرين قوة بناءه لأحداث التغيير السياسي المطلوب حول العالم. حيث ساهمت في نشوء حركات الدعوة إلى المساواة في حقوق التصويت والاستقلال القومي من الحكم الاستعماري. ويدل نجاح تلك الحركات على أن الشرعية مختلفة عن ، وأكثر أهمية وأساسية، من القانونية.
    خلاصة
    1 – السياسة هي العملية التي من خلالها تقوم الجماعات بصنع قرارات جماعية مشتركة. وتنبع نكهة السياسة من حقيقة أن أعضاء جماعة ما نادراً ما يتفقون على القرارات التي ينبغي الوصول إليها. ومع ذلك فإن دراسة السياسة لا تقتصر فقط على الخلاف إذ أنها أيضاً تتعلق بكيفية حل الخلاف.
    2 – كل المجتمعات تقريباً تطور مؤسسات متخصصة للتوصل إلى قرارات جماعية مشتركة، والحكومة هي جهاز لصناع القرار للمجتمع بكامله، وتشكل الحكومة عنصراً أساسياً للدولة التي تعتبر مصطلحاً أوسع من الحكومة. كذلك تمتد حدود الدولة لتشمل تلك المؤسسات التي تقدم النصح للحكومة (مثل البيروقراطية) فضلاً عن تلك التي تقوم على تطبيق القوانين (مثل الشرطة).
    3 – يمكننا أيضاً أن نعرف السياسة على أنها ذلك الجهاز الذي يمتلك السيادة بشقيها الداخلي والخارجي، وتشير السيادة الداخلية إلى الحق في إصدار القوانين للبلاد، أما السيادة الخارجية فتتبع للجهاز الذي يعترف له دولياً بحق الاختصاص القضائي والتشريعي على الإقليم. وتؤكد النظرية التقليدية للسيادة على أن السيادة يجب أن تكون مقصورة على كيان وحيد، ومع ذلك فإن انتشار القوة وتشتتها داخل البلدان وازدياد الاعتماد المتبادل بينها يشير إلى أن هذه النظرية قد أصبحت أقل أهمية.
    4 – بشكل عام فإن القوة هي القدرة على الحصول على ما نريد، وهذا يمارس في الغالب من خلال استخدام القوة على الآخرين، وهذا بدوره يأخذ أشكالاً متعددة منها استخدام العنف، التفاوض وخلق الالتزامات.
    5 – تمثل النخبوية والتعددية نموذجين رئيسيين لكيفية توزيع القوة في مجتمعات كبيرة. وتشير النخبوية إلى وجهة النظر القائلة بأن أقلية صغيرة تهيمن على كل الحكومات حتى الديموقراطية منها، اما التعددية فتشير إلى وجهة النظر التي تقول بأن عدة جماعات مختلفة تؤثر على القرارات حتى لو لم تحكم الأغلبية ومن ثم فإن التعددية هي حكم الأقليات وليس حكم نخبة صغيرة واحدة.
    6 – السلطة هي الحق في الحكم، وطبقاً لفيبر فإن السلطة يمكن إرجاعها إلى التقاليد أو الكاريزما أو القانون. وتتميز المجتمعات الحديثة بالسلطة القانونية. وتتمثل المهمة الرئيسة للحكام الجدد في تحويل القوة إلى سلطة، والتي تتم في الغالب من خلال تقديم خدمات لهؤلاء الذين يحكمونهم. وعندما يخفق الحكام في ذلك فإنهم يفقدون السلطة في الغالب.
    7 – الحكومة الشرعية هي تلك التي يعترف لها الناس الذين تحكمهم بسلطتها. والشرعية لا تقوم على الانتخابات فقط بل يمكن أن تستند إلى التقاليد والدين والنجاح الاقتصادي والعسكري. وبالتالي فإن الشرعية تختلف عن القانونية، فالقانون الذي يتمتع بالشرعية هو الذي يشعر الناس بالإلتزام بطاعته، والتنظيم هو الذي يتم إصداره وفقاً للإجراءات الدستورية.


    علمية علم السياسة
    ما العلم؟
    من الواضح أننا نعيش اليوم في عصر العلم لكن برغم تغلغل العلم في كل شئون حياتنا والاحترام الواسع الذي يلقاه إلا أن هناك درجة غريبة من سوء الفهم حول ما يعنيه مصطلح العلم بالتحديد. فالعلم مرتبط في الأذهان بالعاملين في المختبرات ذوي المعاطف البيضاء ،وبالأجهزة المختبرية المعقدة، وبالنماذج الرياضية الدقيقة ومع ذلك فإن المصطلح لم يعط في الواقع تعريفا واضحا يستطيع من خلاله الواحد منا تمييز ما هو علمي وما هو غير ذلك. فبرغم أن لدينا حدسا مبدئيا عن ماهية العلم إلا أن تعريفه الدقيق يضللنا. وهناك بشكل عام طريقتان مختلفتان لتعريف العلم.
    الأولى والأوسع استخداما للمصطلح تعرّف العلم على أنه "أي ترتيب نظامي للمعرفة المكتسبة والذي يشمل الدراسة المعمقة لموضوع ما ثم وضع ما تم تعلمه وفق نوع من الترتيب العقلاني. حيث يتم تصنيف المعرفة المكتسبة أو ربطها بأجزائها المختلفة من خلال برنامج عقلي مدروس. ويعتبر العلم من هذا المنظور سمة لكل الحقول الأكاديمية ومن بينها الفلسفة والعلوم الاجتماعية والرياضيات، فضلا عن كل محاولات وضع المعرفة الإنسانية في ترتيب نظامي.
    أما الطريقة الثانية فهي التي تعّرف العلم من خلال ربطه بالمنهجية العلمية أو التجريبية. وتكاد تنحصر المنهجية العلمية في استخدام المعلومات التجريبية بهدف بناء نظريات قادرة على التفسير والتنبؤ.2
    ويجب النظر إلى هذا التعريف وبعض مصطلحاته بعناية فائقة حتى نفهم ما هي المنهجية العلمية. أحد هذه المصطلحات هو المعلومات التجريبية. فالمعلومة التجريبية هي حقيقة محددة بدقة ويمكن ملاحظتها بواحدة أو أكثر من حواسنا الخمس. ومن ثم يمكن التأكد من صحتها من قبل إي شخص. وينبغي الإشارة هنا إلى أن الاعتماد على المعلومات التجريبية فقط يعني استثناء كل القيم والأحكام الأخلاقية حول الصواب والخطأ والحسن والقبيح فضلا عن الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها دون التمكن من إعادة التأكد منها.
    ويجب النظر إلى هذا التعريف وبعض المصطلحات فيه بعناية فائقة حتى نفهم ما هي المنهجية العلمية. أحد هذه المصطلحات هو المعلومات التجريبية .والمعلومة التجريبية هي حقيقة محددة بدقة ويمكن ملاحظتها باستخدام واحدة أو أكثر من حواسنا الخمس و بالتالي يمكن التأكد منها من قبل أي فرد . ويبغي الإشارة هنا إلى أن الاعتماد فقط على المعلومات التجريبية يعني استثناء كل القيم والأحكام الأخلاقية حول الصواب والخطأ والحسن و القبيح فضلا عن الاستنتاجات التي نتوصل إليها لكن لا يمكن التحقق من صحتها. ولا تقتصر المنهجية العلمية على جمع الحقائق التجريبية لكنها تحاول استخدامها في صياغة نظريات للتفسير والتنبؤ من خلال خمس خطوات أساسية
    1. تجميع الحقائق التجريبية حول موضوع معين.
    2. دراسة هذه الحقائق بهدف اكتشاف أنماط الاختلاف والتشابه وهو ما يعرف بالتعميم
    3. صياغة الفرضيات التي تفسر لماذا تعتبر التعميم الملاحظ صحيحا
    4. اختبار الفرضية من خلال ملاحظاتها مرات عدة تحت ظروف مختلفة. والفرضية المتحقق منها تعتبر نظرية.
    5- استخدام النظرية للتوقع أو التنبؤ مع التحقق من صحة التنبؤات من خلال ملاحظة العالم الحقيقي ومن ثم إجراء التعديلات المطلوبة عند الحاجة.
    ما مدى علمية علم السياسة ؟
    هناك شبه إجماع بين علماء السياسة على أن علم السياسة يعتبر علما من المنظور الأول لأنه يحاول أن ينظم معرفتنا بالعالم السياسي ويضع هذه المعرفة في ترتيب عقلاني. فحقائق علم السياسة توضع بشكل منظم وليست مجرد تجميع عشوائي لأجزاء المعرفة.
    ومع ذلك فليس هناك نفس درجة الإجماع حول ماذا كان علم السياسة هو علم من منظور المنهجية العلمية أو حتى ماذا كان ينبغي محاولة تطبيق تلك الطريقة عليه. وهناك على وجه التحديد أربع من المشاكل العملية التي تواجه محاولات تطبيق المنهجية العلمية لدراسة المؤسسات الإنسانية والسلوك الإنساني هي:
    1- استحالة الفصل التام بين شخصية وقيم عالِم السياسة وموضوع الدراسة وذلك لأنه يدرس مؤسسات إنسانية تؤثر عليه شخصيا أو سلوك إنساني يكون هو جزء منه. فعالم الفلك مثلا الذي يحاول تحديد المسافة بين كوكبين في النظام الشمسي لا تتأثر نتائجه بمصالحه الشخصية بعكس اليهودي الأمريكي الذي يحاول تحليل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
    2- استحالة إخضاع الظاهرة السياسية للتجربة المعملية. لا يستطيع عالم السياسة أن يسيطر على كل المتغيرات المؤثرة على المشكلة المدروسة بنفس الطريقة التي يقوم بها عالم الكيمياء مثلا.
    3- مشكلة القياس في العلوم الاجتماعية. ففي العلوم الطبيعية هناك مقاييس واضحة ومحددة للمسافة والوزن والكتلة والزمن وغيرها تمكن من التوصل إلى وصف دقيق للبيئة الطبيعية، أما العلوم الاجتماعية فلا يقتصر اهتمامها على المسائل المادية المتعلقة بالمسافة والزمن والوزن و إنما كذلك بما يمكن أن يطلق عليها الأبعاد العقلية والروحية والنفسية للوجود الإنساني, وهذه الأبعاد لا يمكن قياسها بنفس الدقة والبساطة المتوفرة في العلوم الطبيعية.
    4- وحتى عندما لا تمثل المقاييس مشكلة وحتى عندما تكون كل المتغيرات تحت السيطرة يبقى هناك في الغالب عدد كبير من المتغيرات يستحيل قياسها أو أخذها في الاعتبار . باختصار هناك عدد لا نهائي من المتغيرات المؤثرة على موضوع الدراسة مما يستحيل على الباحث أن يحدد ويقيس كل تلك المتغيرات.
    ونتيجة لهذه المشاكل العملية الأربع هناك من تساءل عن قدرة علم السياسة على اكتشاف تعميمات وتطوير نظريات لها قدرة تفسيرية و تنبؤية فبعد كل شيء يزعم هؤلاء أليس كل إنسان وكل تصرف إنساني يعتبر فريدا من نوعه؟ فكيف يمكن إذا التوصل إلي أي نوع من التعميم أو النظريات ؟ إلا أنه وبرغم هذه المشاكل فإن عالم السياسة لا زال بإمكانه أن يقوم بدراسة علمية مجدية وأن يستفيد من المنهجية العلمية , إذا كان متيقظا وحذرا من أن تؤثر قيمه و تفضيلاته على موضوع الدراسة. كذلك مع أن عالم السياسة لا يستطيع في الغالب أن يقيس أو يتحكم في المتغيرات بنفس الدقة التي يقوم بها عالم الكيمياء مثلا إلا أنه يستطيع أن يتحكم ويقيس بدقة كثير من المتغيرات الهامة في دراسته.
    والخلاصة أن علم السياسة يعتبر علما عند الأخذ بالمنظور العقلاني المرتب لدراسة الظاهرة السياسية كما يعتبر علم السياسة و إلي حد ما علم بمعنى المنهجية العلمية .

    فروع علم السياسة الحديث
    هناك اليوم عدة فروع أو حقول ضمن علم السياسة الحديث، أهم تلك الفروع هي النظرية السياسية والفلسفة السياسية، والحكومات، والسياسية المقارنة، والإدارة العامة والسياسة العامة، والعلاقات الدولية، والمنهجية وطرق البحث.
    1 – النظرية السياسية والفلسفة السياسية وهما مصطلحان يستخدمان غالباً بشكل متبادل. ويهتم العلماء في هذا النوع بالأسئلة المتعلقة بالأحكام القيّميه وتاريخ وتطور الأفكار لكبار المفكرين السياسيين. وأحياناً يطلق على الفلسفة السياسية نظرية القيمة أو النظرية المعيارية (لتمييزها عن النظرية العلمية/ التجريبية) وذلك لأنها تهتم أساساً بالقيم، والمعايير، والمبادئ الأخلاقية (الفضيلة). وتحاول هذه النظرية أن تفحص العلاقات بين الحقائق والقيم، والآراء، وتعتبر النظرية جزءاً مهماً من علم السياسة لأنها تستخدم في شرح الظاهرة السياسية والتنبؤ بها. كذلك يهتم الفلاسفة السياسيون بالابستمولوجيا – أي أصل وطبيعة وحدود المعرفة.
    2 – الحكومات يشكل موضوع الحكومات فرعاً كاملاً في علم السياسة وفي هذا الحقل يدرس العلماء بناءات ووظائف الحكومات في مستوياتها المختلفة وعادة ما يكون ذلك ضمن إطار بلد واحد، فضلاً عن دراسة المؤسسات مثل مؤسسة الرئاسة أو رئاسة الوزراء. ويهتم المختصون في هذا الحقل كذلك بتحليل السلوك السياسي لمجال واسع من المشاركين في العملية السياسية.
    3 – السياسة المقارنة وهو فرع واسع جداً يحتوي ضمنه فروعاً تابعة، ويهتم هذا الفرع وإلى حد كبير بدراسة السياسة الكلية Macro-politics للدول. أما اهتمامه الرئيس فيتعلق بمقارنة سياسة وحكومة دول مختلفة. وتحت لواء هذا الفرع ينضوي عدد من المتخصصين في المناطق المختلفة الذين يركزون على مناطق محددة مثل الشرق الأوسط، الدول النامية، أمريكا الشمالية وغيرها، بالإضافة إلى أولئك الذين يضعون دراساتهم في إطار الممارسات والبناءات السياسية المتنوعة للعالم ككل. وللدراسات المقارنة أهمية كبيرة في علم السياسة فمن خلال المقارنة فقط نتستطيع أن نفهم ونقّيم مزايا أو مشاكل نظام سياسي معين. كذلك تعتبر المقارنة جزءاً مكملاً لكل الأبحاث التجريبية العلمية.
    4 – الإدارة العامة والسياسة العامة يهتم كلا الحقلان بدراسة الجوانب الإدارية للحكومة. فالسياسة العامة تركز على تحليل وتقويم السياسات في مجالات مثل الدفاع، الصحة، التعليم وتنمية الموارد، أما الإدارة العامة فتهتم أكثر بكيفية صياغة تلك السياسات وتنفيذها ضمن البناء البيروقراطي الضخم للحكومة.
    5- العلاقات الدولية يركز حقل العلاقات الدولية على السياسة الخارجية للدول والمنظمات الدولية والقانون الدولي لفهم طبيعة التفاعل بين الدول والعوامل الأخرى في المجتمع الدولي. ويهتم العلماء في هذا الحقل بشكل خاص بموضوعات من مثل التحكم في النزاعات بين الدول. كما أن هناك تأكيداً على أهمية الاقتصاد في مدرسة الاقتصاد السياسي الدولي الذي يعتبر جزءاً من هذا الفرع.
    6- المنهجية تهتم المنهجية في علم السياسة بالنظرية التجريبية أو العلمية، حيث يطور المختصون في هذا الفرع إقترابات وتقنيات لاستخدامها في كل جوانب علم السياسة، وهم مهتمون على وجه الخصوص بدراسة السياسة بصرامة ودقة شبيهة بما يحدث في العلوم الطبيعية. ويميل المنهجيون إلى العمل في مجالات التحليل الإحصائي، تقنيات استطلاعات الرأي ، وعلم الكمبيوتر، أو دراسة المعرفة epistemology (كيف نعرف ما نعرفه) وفلسفة العلم (الافتراضات والمبادئ الأساسية للعلم).

    خلاصـــــــة :
    لقد اتسع نطاق اهتمام علم السياسة بشكل كبير منذ أن أعترف به رسمياً كحقل أكاديمي في بداية القرن العشرين، وكثير من الأبحاث اليوم تنفذ لكي تكون وثيقة الصلة بالمشاكل الداخلية والدولية الحالية. وهذا الاتجاه ملحوظ بشكل جلي في فرع السياسة العامة الحديث نسبياً الذي يركز على شرح فعل الحكومة داخلياً ودولياً.
    وكما هو الحال مع الانقسام العام للمعرفة إلى ثلاثة فئات : علوم طبيعية، علوم اجتماعية، وعلوم إنسانية فإنه من المؤكد أن هذه الفروع في علم السياسة هي تصنيفات مصطنعة، فهناك تداخل كبير في الاهتمامات بينها. فموضوعات مثل السلوك، الأحزاب، أو العنف والثورات تدرس من قبل متخصصين في عدد من تلك الفروع المختلفة وكل يقدم خبرته من منظور مختلف كما يفترض افتراضات فريدة ويستخدم اقترابات مختلفة.


    علاقة علم السياسة بالعلوم الأخرى :
    نظراً لأن كل شيء تقريباً يخضع للسياسة فإن دراسة السياسة تعني دراسة كل شيء تقريباً. ولذا يعتبر علم السياسة من أكثر العلوم انفتاحاً على العلوم الأخرى وتداخلاً معها وخاصة العلوم الاجتماعية.
    1 – التاريخ
    يعتبر التاريخ أحد أهم المصادر الرئيسة للمعلومات بالنسبة لعالم السياسة، فعندما نناقش سياسة النازية في ألمانيا أو نمو السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة في ظل حكم الرئيس فرانكلين روزفلت أو حتى ظاهرة الحرب الباردة فنحن ندرس التاريخ. إلا أن المؤرخ وعالم السياسة يبحثان عن أشياء مختلفة ويتعاملان مع المعلومات بطرق مختلفة. فالمؤرخ يدرس دائماً جزء أو حقبة، بتفصيل دقيق باحثاً في كل الوثائق والأرشيف والسير الذاتية التي يمكن أن يجدها حول هذا الموضوع وبالتالي يجمع كم كبير من المعلومات التي تركز على نقطة أو جزئية واحدة فقط دون أن يستطيع توفير تعميمات حولها. أما في علم السياسة فإننا يمكن أن نقوم بدراسة دقيقة لحقبة زمنية معينة كذلك لكن عالم السياسة كثيرا
    ما يلجأ إلى مقارنة نتائج تلك الدراسة مع دراسات أخرى في نفس الحقبة أو في أماكن أخرى بغرض التوصل إلى جوانب التشابه والاختلاف. ولذلك فعندما يلجأ بعض المؤرخين إلى الدراسات المقارنة فإننا نطلق عليهم علماء سياسة.
    2- الجغرافيا البشرية
    لم يكن موضوع الجغرافيا يحظى بالاهتمام الكافي من قبل علماء السياسة برغم أنه يؤثر على دراستهم بشكل يفوق التصور، فالمكونات الإقليمية للسلوك الإنساني – مثل الحدود، والمناطق العرقية، تدفق التجارة، مركزة السلطة، والمناطق – لها آثار سياسية واضحة. فالاضطرابات في شمال إيرلندا، الشيشان والعراق، وافغانستان تعتبر مشاكل جغرافية، ولذا أصبح هناك اهتماماً متزايداً اليوم باستخدام الخرائط لدراسة وتفسير الاختلافات السياسية الإقليمية.
    3- الاقتصاد
    يدّعي بعض الاقتصاديين بأن الاقتصاد هو موضوع الاهتمام الرئيس للسياسة. (برغم أن علماء السياسة يدّعون العكس)، وصحيح أن كثيراً من الخلافات السياسية هي في الحقيقة اقتصادية (من يحصل على ماذا؟). كذلك يمكن أن تكون التنمية الاقتصادية الكلية شرطا أساسيا لنجاح الديموقراطية، فقليل جداً من الدول الفقيرة تعتبر ديموقراطية، كما أن التراجع الاقتصادي يمكن أن يهدد الديموقراطية القائمة كما كان عليه الحال في الرايخ الألماني وربما اليوم في روسيا.
    ما هي السياسات التي تشجع التنمية الاقتصادية ؟ ما هو الدور الذي يجب أن تلعبه الحكومة؟ ماذا يمكن أن تفعله العملة الأوروبية الجديدة للوحدة الأوروبية؟ باختصار عندما يتحول الاقتصاد إلى مسائل متعلقة بالسياسة يصبح عندئذ اقتصاد سياسي.
    وهناك اليوم مدرسة جديدة نسبياً في علم السياسة هي "نظرية الاختيار العقلاني" متأثرة بالنظرة الاقتصادية تؤكد أن البشر يفعلون ما يحقق مصالحهم.
    4- علم الاجتماع
    يتداخل علم الاجتماع مع علم السياسة في بعض الأحيان فعالم الاجتماع سيمور مارتن ليبست يصنف في نفس الوقت على أنه عالم سياسة، بل أنه أول من أوضح العلاقة الوثيقة بين الديموقراطية ومستوى الثروة. بل أن علم السياسة يبدأ تقليدياً بالنظر إلى المجتمع لمعرفة "من يفكر في ماذا" عن السياسة، ولذلك ومن خلال التدليل على كيفية اختلاف وجهات النظر السياسية بين الطبقات الاجتماعية، المناطق، الأديان، الجنس ومجموعات الأعمار يوفر علم الاجتماع أساساً تجريبياً لدراسات الثقافة السياسية، الرأي العام، والانتخابات.
    5- الانثربولوجيا
    للوهلة الأولى يبدو أن الدراسات الانثربولوجية التي تركز تقليدياً على المجتمعات البدائية ليست مهمة بالنسبة لعلم السياسة إلا أن تقنيات الوصف والمقابلات الانثربولوجية قد تم تبنيها وتوظيفها بشكل مكثف بواسطة علماء السياسة. بل أن حقل الثقافة السياسية يمكن أن ينظر إليه على أنه فرعاً من الانثربولوجيا. فأنماط الإذعان والاحترام اليابانية مثلاً التي لا نزال نلاحظها حتى اليوم تعود جذورها إلى أكثر من ألف سنة. كذلك لا تزال بعض النظم السياسية الحالية تحتفظ بالقوة السياسية فيها لعائلات أو عشائر قوية تقليدياً، ففي وسط آسيا استمرت عائلات الأمير التي حكمت في ظل دولة الفرس، واستمرت بعد ذلك، بقيت أيضاً في ظل حكومات القيصر والشيوعية وحتى في الدول التي استقلت من الاتحاد السوفيتي حديثاً هناك. أما في أفريقيا فإن التصويت والعنف يتأثران بالانقسامات القبلية ويأتيان انعكاساً لها.
    6- علم النفس
    يسهم علم النفس وخاصة علم النفس الاجتماعي بشكل كبير في فهم علم السياسة وخاصة فيما يتعلق بالشخصيات التي تحتذيها السياسة ولماذا وتحت أية ظروف يذعن الناس لرموز السلطة وكيف يمكن للناس أن يكّونوا ارتباطاتهم القومية والجماعية والتصويتية. فالدراسات التي تتناول هتلر و ستالين و ماو تعتبر دراسات نفسية تقريباً. كذلك فإن علماء النفس يعتبرون من أفضل أصحاب الطرق المنهجية في العلوم الاجتماعية أي أنهم يبتكرون طرقاً لدراسة الأشياء بمصداقية أكبر وبتحيز أقل ويعلموننا بأن نشكك في كثير من المزاعم. بل أن طرح الأسئلة بطريقة عفوية والتحكم في عوامل محددة هي أساليب تم تطويرها في حقل علم النفس.

    مستقبل علم السياسة الحديث :
    أن مسحاً للمجلات الأكاديمية اليوم يشير إلى وجود كل من الدراسات المستندة على تطبيق صارم للمنهجية العلمية بجانب الدراسات الوصفية المحضة التي تهتم بمتابعة التغير في المؤسسات والعمليات. هذا الوضع المركب دفع بعض المعلقين إلى أن يطلق عليه فترة ما بعد السلوكية في علم السياسة حيث اصبحوا مقتنعين بأن علم السياسة يستطيع و ينبغي له أن يستوعب اقتراباً علمياً للحقل فضلا عن اهتمامه بمبادئ الأخلاق، الحكمة والقيم.
    ويمكن تصنيف معظم علماء السياسة اليوم كعلماء مرنين Soft ، فهم يوافقون على أن الاقتراب الذي يستخدمه عالم السياسة تجاه الموضوعات المطروحة يحدد نوع الأسئلة الموجهة والمنهجية المستخدمة للدراسة. ويعترف علماء السياسة "المرنين" أنه يجب أن يتم توظيف العمل الوصفي الأساسي لمتابعة وتسجيل التغيرات في المجتمعات والمؤسسات السياسية وأننا بحاجة للملاحظات الحدسية لتكمل الدراسات التجريبية للحصول على تصور كامل عن المجتمع بكامله. وفي نفس الوقت، فإن "الاتجاه المرن يستند على التزام جوهري بالمبادئ الأساسية للعلم"(3) فعلم السياسة الحديث يحاول اكتشاف تعميمات وتشابه في السلوك الذي يحكم العملية السياسية. إلا أن هذا ليس بالأمر اليسير لأنه يتعلق بالسلوك الإنساني الذي تؤثر فيه عوامل متعددة في كل حالة. وعلى علماء السياسة أن يتعاملوا مع التنوع الحادث طبيعياً في العالم الحقيقي، فهم لا يستطيعون خلق ظروف تجريبية والسيطرة عليها.
    فالملاحظات الوصفية غير المقصودة ليست جزءاً من علم السياسة ويجب على المحلل أن يتبع التقاليد العلمية، فعلى سبيل المثال يجب على دراسات علم السياسة أن تجمع أكبر عدد ممكن من الأدلة لتدعيم مزاعمها، وأن توضح منهجيتها، نتائجها واستنتاجاتها بجلاء وأن تلتزم بالأسس العلمية حتى تقترب الدراسة قدر الإمكان من هدف إمكانية التكرار. وعلماء السياسة، بصفتهم أعضاء في المجتمع العلمي، يتبنون منظوراً نقدياً عن أسباب ونتائج الظاهرة السياسية ويتعاملون مع المزاعم بنوع من الشك. وقد زعم كارل بوبر ، فيلسوف العلم الحديث، بأن العلم يتقدم نحو هدف مطلق ومع ذلك يمكن الوصول إليه : ونحو اكتشاف مشاكل جديدة وأكثر عمقاً وعمومية ونحو إخضاع أسئلتنا الأولية إلى امتحان متجدد دائماً بل وأكثر صرامة(4). أن رؤية العالم أو Paradigm التي تضفي الشرعية على الإجماع الأكاديمي حول ما يمثل بحثاً نموذجياً، تتغير باستمرار، كموضوع السياسة نفسها(5).
    ومن المهم لطلاب السياسة أن يلقوا بالاً للاقترابات والطرق المختلفة المستخدمة من قبل علماء السياسة وإيجابيات وسلبيات كل منها، واليوم هناك تنوعاً كبيراً في فروع واقترابات حقل السياسة ويبقى مع ذلك خلافاً كبيراً في الحقل بين التوجهات "العلمية" و "الإنسانية" حيث تركز الأولى على شرح التنوعات العلمية بينما تركز الأخيرة على التفسيرات الإنسانية.

    النظرية السياسية
    مقدمة
    يتساءل كثير من طلاب علم السياسة لماذا نشغل أنفسنا بالنظريات ولماذا لا نصرف جهودنا نحو تجميع أكبر قدر من الحقائق وندع تلك الحقائق تنظم نفسها إلى كُلٍ متماسك؟ ببساطة لا يمكن ذلك. فتجميع الحقائق بدون مبدأ يقودنا فقط إلى كم كبير من المعلومات عديمة الجدوى. ولكي نكون أكثر جدية فإن النظريات يمكن أن تصل إلى درجة مفرطة من التجريد وتنفصل عن العالم الحقيقي إلا أنه بدون إطار نظري على الأقل لا نستطيع حتى أن نعرف ما هي الأسئلة التي يجب أن نوجهها. وحتى لو قلنا بأنه ليس لدينا أي نظريات فمن المحتمل أن يكون لدينا بعضها دون أن نشعر، بل أن مجرد نوع الأسئلة التي نطرحها وأياً منها نبدأ به يمثل بداية للتنظير.
    تعتبر النظرية السياسية فرعاً من فروع علم السياسة وتركز على المسائل المعيارية والأخلاقية للسياسة. وفي هذا الكتاب سيكون هدفنا من دراسة هذا الموضوع ذو شقين فمن جهة نحاول فهم التقاليد التاريخية والنصية للمنظرين ولكننا أيضاً سنحاول إخراج تعاليمهم من إطارها التاريخي لنرى ماذا يمكن لتلك التعاليم أن تقدمه لنا في مجال فهم وإيجاد الحلول للمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها في الوقت الحاضر. بمعنى آخر تتضمن النظرية السياسية كلاً من دراسة النصوص والتفكير النقدي لما تقدمه لنا تلك النصوص في مجال المعرفة.

    تحليل النظرية السياسية
    قصة الكهف الرمزية لافلاطون
    كان أفلاطون الذي عاش في الفترة من 427-347 قبل الميلاد واحداً من الفلاسفة البارزين في أثينا القديمة. ولد أفلاطون لأسرة أنجبت قادة سياسيين مشهورين وخدم دولة مدينة أثينا أولا من خلال اشتراكه في الجيش خلال حرب اثينا ضد اسبارطة ، وثانيا وهو الأهم من خلال إسهاماته الثقافية والعلمية، وقد كون أفلاطون فلسفته خلال فترة من النشاط العلمي المتوقد في أثينا القديمة التي لاحظ فيها أستاذه سقراط (470-399 قبل الميلاد) وهو ينتقد السفسطائيين وهم مجموعة الفلاسفة الذين كانوا يدرّسون فن البيان أو البلاغة مؤكداً بأن العقل ينبغي أن يهتم بالبحث عن الحكمة – وليس بإتقان البلاغة. هذه الفكرة الفلسفية التي كان سقراط ينادي بها أدت به إلى الاصطدام مع النخب السياسية في أثينا الذين حكموا عليه بالموت في 399ق.م بتهم العقوق وإفساد الشباب. وقد أرعب هذا التطور أفلاطون مما دفعه إلى تكريس حياته للفلسفة مقتفياً آثار أستاذه.
    لقد عاش كلا من سقراط وأفلاطون خلال فترة الحروب البيلونيزية التي نشبت بين أثينا وأسبارطة والتي أنتهت بهزيمة أثينا في 405 قبل الميلاد. وفي الفترة من 387 قبل الميلاد – 529 بعد الميلاد أصبحت أكاديمية أفلاطون مركزاً للتعليم حيث درس أرسطو (384-322 قبل الميلاد) وغيره في هذه الأكاديمية علوم الفلسفة والقانون والرياضيات والمنطق. كما أثرت كتابات أفلاطون على فلاسفة آخرين مثل الفيلسوف فيلو Philo في الاسكندرية (15 قبل الميلاد – 50 بعد الميلاد) الذي دمج التعاليم الأفلاطونية مع التعاليم اليهودية، والقديس أوغسطين (354-430م) الذي كان لكتاباته في النظرية السياسية المسيحية تأثيراً واضحاً على صياغة الأفكار المتعلقة بالعلاقات الدينية – والدنيوية خلال العصور الوسطى، بالإضافة إلى المفكر الإسلامي الشهير ابن رشد (1126-1198م) الذي أسهمت أعماله في تطور النظرية القانونية والدينية والسياسية.
    لقد كان تأثير سقراط على أفلاطون كبيراً إلى الحد الذي جعل أفلاطون يستخدم سقراط كرمز رئيسي في عدد من أعماله. وفي كتابه "الجمهورية" يقدم أفلاطون قصة رمزية لإيضاح عقبات وثمار التحليل النقدي الفلسفي. و ينبغي أن ينظر إلى هذه القصة الرمزية المسماة قصة الكهف الرمزية كمثل أو حكاية رمزية للنظرية السياسية نفسها. ويكمن غنى وأهمية تعاليم قصة الكهف مثلها في ذلك مثل كل القصص الرمزية ليس في التفاصيل الحرفية للقصة وإنما في الأسئلة الفلسفية الأكبر التي تتضمنها تلك التفاصيل. فهي ليست في الواقع عن الكهوف إطلاقا وإنما تتعلق بالإمساك بالمسائل التي لابد من فهمها لكي نرى العالم بوضوح.
    وفي كتاب "الجمهورية" بدأ أفلاطون حكايته الرمزية بشخصية سقراط وهي تخبرنا أن القصة يفترض فيها أن توضح طريقة الوصول إلى الفهم والتنوير. ولهذا السبب كانت الحكاية مفيدة جداً كمثال للتنظير السياسي، وذلك لأن النظرية السياسية تمثل تاريخ البحث عن التنوير والفهم حول الأسئلة المعيارية للسياسة.
    ما هو الظرف الإنساني المناسب للمعرفة والجهل؟ يؤكد سقراط في هذه القصة بأنه لكي نبدأ الإجابة على هذا التساؤل لابد أن نتخيل أنفسنا نعيش في كهف تحت الأرض. وكسكان لهذا الكهف فنحن غير مكترثين بمعظم المظاهر الأساسية لبيئتنا. فعلى سبيل المثال نحن لا نعرف أننا بالفعل في داخل كهف، كذلك نفترض بأن الأشياء التي نلاحظها حولنا تمثل كل ما في الوجود، وليس لدينا أية فكرة بأنه يوجد فوقنا سطح وسماء وشمس وذلك لأننا وبشكل تلقائي نعتقد بأن ما نراه فقط هو الواقع. ويشرح سقراط بطل القصة قائلاً بأن قوة أبصارنا في الكهف محدودة جداً، فالكهف ضعيف الإضاءة ومن ثم فإن أبصار الأشكال والصور يكون صعباً. ولكن نظراً لأننا عشنا دائماً في هذا الكهف فإننا لا نشعر بأنه مظلم أو غير واضح فكل شيء سيبدو لنا عادياً.
    وهناك أشياء في هذا الكهف لا نعرف عنها شيئاً فنحن لا نستطيع النظر إلا إلى الإمام. وبالنظر إلى أننا لم نحاول أبداً النظر إلى الخلف فنحن لا نعرف حتى ما إذا كان ذلك ممكناً، ولذا فنحن لا ندرك بأننا مقيدون. وهناك وراءنا ثلاث أشياء مهمة : نار الشعلة المعلقة على جدار الكهف، وطريق يؤدي إلى خارج الكهف ومجموعة من الناس تحرك أشياء بحيث تترك لها ظلالاً على جدران الكهف .في هذا الكهف نرى الظلال أمامنا فقط ولا ندري أبداً أن هذه مجرد ظلال تشكلت نتيجة لتحرك الأشياء أمام نار الشعلة في نهاية الكهف. وعندما لا يكون لدينا أي سبب للتفكير بطريقة أخرى فإننا نعتبر تلك الظلال حقيقية.
    ولذلك فإن حياتنا هي بمثابة مشاهدة للظلال، ونكون بالتالي مسحورين بعالمنا الذي لا نعرف طبيعته الزائفة أو الفارغة. بل أننا متأكدين أننا نعرف الحقيقة – فبعد كل شيء نحن نلاحظها تجريبياً – ومن ثم أصبح رضانا بواقعنا جزءاً من طبيعتنا نحن نشعر بأن كل شيء على ما يرام.
    وفجأة يحدث شيئاً ما يحطم ويكسر الحياة في الكهف. فقد وقف شخص ونظر حوله وبمجرد قيام هذا الشخص بهذه الحركات غير المسبوقة والنظر إلى هذه الاتجاهات الجديدة بدأ يشعر بإحباط شديد، فالنهوض والنظر حوله ورؤية النار كل هذه الحركات الجريئة أجهدت العضلات والعيون التي لم تكن مهيأة لمثل هذه الأشياء غير الطبيعية. وبدأ هذا الفرد يشعر بالغموض لأنه كان لابد أن يكيف بصره وتوازنه مع مستجدات الوقوف ورؤية الضوء. ويستمر سقراط ليؤكد بأن هذا الفرد حاول أن يرفض حالاً كل ما راءه لأنه بنظره غير مألوف، ومن ثم غير حقيقي، وغير طبيعي وغير صحيح. هذا الوضع يجعل الفرد يشعر بالقلق الشديد وقد يدفعه بقوة إلى الهروب من كل تلك الأشياء الجديدة ولكن ماذا يحدث إذا لم يفعل ذلك؟ ماذا يحدث إذا ما صعد الفرد خلال طريق الكهف إلى الخارج؟ هنا سيواجه بصدمات أخرى أشد وسيصبح حينئذ أكثر خوفاً وقلقاً وذلك لان أشعة الشمس ستكون غير محتملة إطلاقاً بالنسبة لمن عاش دائماً في كهف، مما يجعل هذا الفرد فاقداً للأبصار وتائهاً.
    ومع ذلك فإن الأشياء تبدأ بالتغير تدريجياً، فالعين ستبدأ في التكيف مع الواقع الجديد وسيبدأ الفرد يرى ليس الشمس فقط وإنما أيضاً الأرض والسماء والعالم. ويبدأ يدرك الآن أن هناك عالماً كاملاً غير حياة الكهف المظلمة، وأن الكهف ليس هو العالم، وأن الحياة المقيدة ليست حقيقة. عندها يعرف السجين السابق كل هذه الأشياء.
    ويبدأ هذا الفرد المتنور يشعر بحاجة ملحة لإشراك الآخرين في الكهف في اكتشافه الرائع. ولذا تكمل الحكاية قائلة بأن الفرد يعود ثانية إلى الكهف ويبدأ في إخبار الآخرين بالحياة الأخرى خارج الكهف وبأنهم مقيدون مع أن بإمكانهم النظر إلى الخلف وبأن الوقوف والتحول ممكناً وأن تلك الظلال التي كانوا يرونها دائماً هي مجرد صور تشكلت بواسطة حركات لم يروها في السابق إطلاقا.
    ترى كيف ستكون استجابة السجناء لهذه المزاعم؟ في الحكاية يقرر السجناء بأن هذا الفرد مجنوناً وخطيراً وبأن بصره قد حدث له مكروه. وأنه لم يعد يدرك الحقيقة، إذا كان يعتقد بأن النظر إلى الوراء أمراً عادياً. أي أن هذا الفرد يهذي هذه هي ردة فعل سكان الكهف، وإذا ما استمر في محاولة تحريرهم فإن سقراط يبدو واضحاً في الإشارة إلى ما سيحدث عندما قال بأن سكان الكهف سيقتلونه.
    أننا جميعاً ربما نكرر رحلة هذا الفرد في قصة أفلاطون عندما نفكر نقدياً حول السياسة، فالتفكير النقدي ليس سهلاً وفي بعض الأحيان يكون مشوشاً ويؤدي في الغالب إلى نتائج مناقضة للوضع القائم في حياتنا الكهفية. فالتفكير النقدي حول أهداف الدولة يمكن أن يؤدي بنا في الاعتقاد بأن قيّم مجتمعنا الراهنة ليست أكثر من مجرد ظلال على الجدران. ولهذا فإن النظرية السياسية قد أتت بأفكار هي في الغالب موضع خلاف ومثيرة للمعارضة القوية في بعض الأحيان. فسقراط نفسه اعتبر خطيراً وحكم عليه بالموت من قبل دولة أثينا. وهذا ما حدث مع معظم المفكرين البارزين فيما بعد الذين طرحوا أسئلة من هذا القبيل، إذ أنه كلما طرح مفكر أسئلة حول المواقف المعيارية للسياسة مرشداً من خلالها إلى طرق للخروج من الكهف كلما أدى ذلك به إلى منطقة الخلاف والصدام مع سكان الكهف.
    المفاهيم والنظريات السياسية
    تتطرق معظم النظريات السياسية صراحة أو ضمنا لمفاهيم شائعة في الحياة السياسية. ونظرا لأن الفلسفة السياسية تحيط بنطاق واسع من القضايا فإنها الأكثر احتمالا لتحليل معظم تلك المفاهيم. أما النظريات ذات التركيز الأضيق فإنها يمكن أن تتطلب من الباحثين الذهاب إلى ما هو أبعد من محتوى النظرية نفسها للتعرف على الافتراضات الهامة التي يعتنقها المنّظر. ومن بين أهم المفاهيم الأساسية للنظريات السياسية ما يلي:
    أولا / طبيعة الكون
    قد تبدو المعتقدات حول طبيعة الكون بعيدة جدا عن عالم الأفكار السياسية لكنها في الحقيقة تعتبر هامة في فهم الأفكار السياسية ضمن إي حقبة معطاة. ومع تغير تفسيرات الكون تغيرت معها وجهات النظر حول دور و مع تغير تفسيرات الكون تغيرت معها وجهات النظر حول دور وإمكانات الفرد أيضا.
    ففي العصور القديمة أعطت رؤية بطليموس عن الأرض باعتبارها مركز الكون الأفراد شعورا مفرطا بالأهمية، بينما دفعت الكنيسة في العصور الوسطى إلى القبول بالشقاء الدنيوي وحكمة التراتبية في العلاقات الاجتماعية والسياسية. وجاءت نظريات نيوتن في العصور الحديثة لتتحدى هذه الأفكار باقتراحها أن الكون محكوم بقوانين يمكن معرفتها وأنه يمكن للأفراد الذين يعملون عقولهم أن يحيطوا بأسس الشأن الطبيعي فضلا عن أسس السياسة والمجتمع.
    وخلال القرن التاسع عشر كان هناك اعتقادا واسعا بأن الأسس البيولوجية قادرة على تفسير السلوك الاجتماعي فقد ألهمت نظرية تشارلز داروين عن التطور البيولوجي عددا من النظريات الاجتماعية التي أكدت على الحتمية وعلى قيمة المنافسة الفردية.
    وبرغم أن أفكار القرن العشرين عن العلم والسياسة قد تم تنقيحها بشكل مثير القرن العشرين عن العلم والسياسة قد تم تنقيحها بشكل مثير إلا أن كل الدلائل تتوقع أن الفكر السياسي سيبقى مرآة تعكس تطور المعرفة حول طبيعة الكون. لقد تحدت التطورات في النظريات الطبيعية بعضا من اليقينيات التي نسبت للعلم فيما مضى وهذا النقص في مجال اليقينيات قد أنعكس في الفكر السياسي أيضا. ولذلك فإن الاعتقاد بحتمية التطور الإنساني وكفاءة العقل الإنساني هو اليوم أقل بكثير مما مضى.
    ثانيا/ الطبيعة الإنسانية
    ربما يكون الافتراض الأهم لأي منظر هو نظرته للطبيعة الإنسانية .وبرغم أنه يحتمل ألا يكون مثل هذا الافتراض معلناً إلا أن تحليل دور القانون وطبيعة الالتزامات السياسية ودور وبناء المجتمع وغيرها من الأفكار المرتبطة بالنظرية السياسية التي يصنفها المنظر ستعكس فهمه الخاص بالطبيعة الإنسانية . ويمكن الزعم بأن هناك ثلاث وجهات نظر أساسية للطبيعة الإنسانية. الأولى تعتقد بأن الطبيعة الإنسانية يحتمل أن تكون صالحة في أساسها وأن الأفراد عقلانيون بطبعهم. ومن هذا المنطلق يتوقع أن يبني المنظر السياسي نظاماً سياسياً يتيح حرية فردية واسعة ويشجع التجربة والتغيير. أما النظرة المناقضة الثانية للطبيعة البشرية التي ترى الأفراد بطبعهم أنانيون وغير جديرون بالثقة فترى أن هناك حاجة إلى نظام سياسي يفرض سيطرة وتحكم على الأفراد. وفي أواخر القرن العشرين ظهر نموذج ثالث للطبيعة البشرية، عبر عنه بقوة B.F.Skinner (1904-1990) عالم النفس الأمريكي. ويؤكد هذا النموذج على أن الأفراد ليسوا صالحين ولا أشرار ، وليسوا أخلاقيين أو غير أخلاقيين بل أن البيئة هي التي تشكل طباعهم وشخصياتهم. ولذا يزعم سكنير أنه ليس هناك شئ اسمه العقل أو الروح. وأن إيجاد أفراد لطفاء ومتعاونين هو بكل بساطة مرتبط بتوفير الإطار الملائم الذي يعيشون فيه. وبالرغم من أن هناك تباينات حول هذه النماذج للطبيعة الإنسانية إلا أنه ينبغي أن تكون هناك علاقة ضمنية متماسكة بين المفاهيم المحددة للطبيعة الإنسانية ووجهات النظر الخاصة عن السياسة في موقف المنّظر.
    ثالثا/ النظرة للمجتمع
    لا يمكن للإفراد أن يعيشوا في عزلة وإنما يعيشون ضمن بعض أشكال العلاقات الاجتماعية. ولذلك فإن تفسيرات طبيعة هذه العلاقة تؤثر على الكيفية التي ينظر من خلالها المنّظر للسياسة. فبعض المنظرين نظر إلى السياسة على أنها خاضعة لقوى اجتماعية خاصة: فمارتن لوثر مثلا شعر بأن المعتقد الديني كان الارتباط الاجتماعي الأسمى. ومن جانبهم اعتقد الليبراليون الكلاسيكيون بشكل عام أن النشاط الاقتصادي أكثر أهمية لرفاهية الفرد من السياسة الحكومية. وربما كان توماس هوبز الفيلسوف الانجليزي في القرن السابع عشر أخر مفكر ليبرالي يصر على أن الحكومة هي القوة الأرضية الأعلى.
    واختلف المفكرون أيضا في تصورهم لتركيبة المجتمع. فبعضهم مثل هيجل زعم بأن المجتمع كائن عضوي. وهذه النظرة ترى الأفراد كأجزاء متكاملة لكل أكبر هو الجماعة. بينما زعم آخرون مثل جيري بنثام أنه ليس هناك شئ أسمه مجتمع وإنما هناك فقط أفراد منفصلون يعيشون ويعملون ويلعبون معا. وهناك وجهة نظر أخرى حديثة ذات شعبية خاصة في الولايات المتحدة ولكن يوجد لها أتباع أيضا في بريطانيا وألمانيا تؤكد على الطبيعة التعددية للمجتمع، وأن الأجزاء الرئيسة للمجتمع هي الجماعات المتنافسة والمتنوعة ضمن الأمة.

    رابعا/ الأنساق الاقتصادية
    تستحق الجوانب الاقتصادية للمجتمع اهتماما منفصلا هنا لأنها قد اعتبرت دائما مهمة جدا للفكر السياسي والسياسة العامة. وتعتبر الرأسمالية هي النمط المهيمن للنشاط الاقتصادي عبر العالم في الوقت الحاضر .وفي الاقتصاد الرأسمالي تكون وسائل الإنتاج ذات ملكية خاصة ويتم تشجيع النشاطات الفردية لتعظيم الأرباح . أما الاشتراكية التي نظر إليها غالباً كنقيض للرأسمالية فتتبنى ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. ومع ذلك فهناك أشكال عديدة للاشتراكية . ففي بعض البلدان كالسويد ،فرنسا ، وبريطانيا - في ظل حزب العمال- لا تمتلك الدولة إلا بعض الصناعات الرئيسية . أما في غيرها كالصين فلا يسمح إلا بملكية فردية محدودة .
    وقد كان الإقطاع هو النمط الشائع للتنظيم الاقتصادي في أوروبا قبل الرأسمالية ولقرون عديدة. ويقوم الإقطاع على شبكات معقدة من الالتزامات والحقوق بين طبقات اجتماعية متنوعة. وقد كان هناك تشجيعاً للاستقرار في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بينما كانت محاولات الأفراد في التنافس على الأرباح غير محبذة.
    خامسا/ أنواع الحكومات
    لم يعر بعض المفكرين المؤسسات الحكومية اهتماماً كبيراً بينما اعتبرها مفكرون آخرون جوهرية وهامة لنظرية سياسية مفيدة ومفتاحاً لنظام سياسي مستقر.
    لقد أثرت أهداف المنظرين السياسيين على أفكارهم تجاه الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه مؤسسات الحكومة. فخلال بداية العصور الحديثة خصص بعض المفكرين جهداً كبيراً للدفاع عن الحق المقدس للملوك. أما المنظرون الليبراليون الديمقراطيون فقد ركزوا على المجالس التشريعية ووظائفها التمثيلية. واعتبر الليبراليون الكلاسيكيون المحاكم مؤسسات ذات أهمية خاصة للحفاظ على حقوق الملكية. وقد طور مونتسكيو الفيلسوف الفرنسي في القرن الثامن عشر نظرية معقدة لسلطة متوازنة تقوم المؤسسات الحكومية في ظلها بمراقبة بعضها البعض في العملية السياسية . وقد كانت أفكاره تلك ذات تأثير مهم على واضعي الدستور الأمريكي الذين كانوا مهتمين بحماية الأفراد من سلطة الحكومة أكثر من اهتمامهم بالحاجة إلى حكومة قوية .
    وفضلاً عن الأشكال المختلفة للمؤسسات فإن للحكومات تنظيمات مختلفة فيما يتعلق بتوزيع السلطة إقليميا. والنوعان الأكثر شيوعا هما الحكومة الموحدة والحكومة الاتحادية. ففي الحكومة الموحدة تتركز السلطة على المستوى القومي وتخضع كل الحكومات الفرعية فيها للحكومة القومية كما هو الحال في فرنسا والسعودية ومصر، أما الحكومات الاتحادية فتتسم بتوزيع السلطة بين مستويين للحكومة ضمن نفس الإقليم. وتعتبر الولايات المتحدة مثالا لهذا النموذج من الحكومات بتوزيعها للسلطة بين الحكومة القومية وحكومات الولايات الخمسين المكونة للاتحاد.

    النظريات الكلاسيكية
    الفكر السياسي الإغريقي وفكرة الاكتفاء الذاتي
    يميل بعض علماء السياسة إلى إبراز المساهمات الفكرية السابقة على الحضارة الإغريقية مثل إسهامات حضارات بلاد الرافدين وحضارات الصين والهند ومصر القديمة ومع أننا لا ننكر ما تضمنه التراث الإنساني من إسهامات فكرية سابقة على حضارة الإغريق إلا أن الحضارة الإغريقية تميزت عن غيرها من الحضارات السابقة بعدد من المزايا الهامة ومنها:
    1. تعدد دول المدينة الإغريقية مع انتمائها لمركب حضاري واحد مما جعل من الممكن الربط بين الجانب الفكري والوجود الحضاري.
    2. تطوير الإغريق للغة مكتوبة استطاعت حفظ التراث الإغريقي حتى الآن.
    3. أن الإغريق كانوا أول من قرر حق المواطنة الذي يعتبر أساسا مهما للحكم.
    4- تأكيد الإغريق على مبدأ الاكتفاء الذاتي لدول المدينة التي أقاموها.
    وهذا ما حدا بمعظم الباحثين إلى التقرير بأن الفكر السياسي يبدأ مع الفلسفة الإغريقية. وقد حاول الفكر السياسي الإغريقي في معظمه رسم إطار سياسي لحكومة تستهدف إقامة دولة فاضلة تتوزع فيها الأعمال ويشارك جميع المواطنين في إنشائها بحيث تقوم على العدل وتنشد المساواة.
    ويزعم البعض بأن أفلاطون هو واضع علم السياسة، فكتابه "الجمهورية" من بين أشياء أخرى قدم وصفاً لنظام سياسي مثالي إلا أن تفسيره كان تأملياً إلى حد كبير، كما انتهى الأمر بنظامه المثالي إلى أن يكون مماثلاً تقريباً للفاشية الحديثة أو الشيوعية. ففي كتاب "الجمهورية" يشير أفلاطون إلى أن الهدف الأسمى للدولة يتمثل في العدالة وأن أفضل أشكال الحكومات هو ذلك الذي يحاول تحقيق العدالة التي هي نابعة من الطبيعة. ولذا يفسر أفلاطون ذلك بقوله أن إتباعك أو انقيادك لطبيعتك يعني أنك صادق تجاه نفسك. أنها فعل ما هو طبيعي، أمين، وصحيح بالنسبة لك أنها انقياد لفطرتك وهدفك الطبيعي.
    وعلاوة على ذلك فعندما يتصرف الفرد بعدالة تصبح الدولة أيضاً عادلة، وإذا ما تبع كل فرد طبيعة، كما يقول أفلاطون، فإن الأفراد سيقسمون أنفسهم إلى ثلاث مجموعات رئيسة. فبعض الأفراد سيكونون بطبعهم أكثر ميلاً إلى البحث من العمل اليدوي أو الحرفي وبالتالي يصبحون عمالاً، وآخرون سيتجهون بطبعهم إلى الأنشطة التي تتضمن المخاطرة الجسدية وبالتالي يصبحون قادة عسكريين بينما سيكون الآخرون مهتمون بشكل طبيعي بالخدمة العامة وصنع السياسة ومن ثم ينضمون إلى طبقة الحكام. ويعتقد أفلاطون بأن الفلاسفة بطبيعتهم هم الأحق والأجدر بدخول مجموعة الحكام لأنهم أكثر من يستخدم العقل للبحث من الحقيقة. وفي هذا النقاش حول العدالة فإن الاعتبار الأكثر أهمية بالنسبة لأفلاطون هو أن كل فرد يختار العمل الذي ينسجم مع طبيعته ومن ثم ينتسب إلى المجموعة التي تنسجم مع ميوله الطبيعية، ومواهبه وقدراته.
    ويعّرف أفلاطون الظلم على أنه العمل أو التصرف المناقض للطبيعة، ولذا فإذا حاول فرد ما ممن تؤهله طبيعته ليكون من قادة الجيش أن يتجاوز ذلك إلى طبقة الحكام فإن هذا هو الظلم بعينه. وإذا ما كان فرد ما تؤهله طبيعة ليكون عاملاً لكنه يتمنى أن يرتفع إلى طبقة الجنود فهذا من الظلم أيضاً. فالخروج من المجموعة التي تؤهلك طبيعتك للانضمام إليها يضعك في حرب مع العدالة ولذلك فمن المثير للاهتمام أن أفلاطون يحذر من الطموح ويقف ضد محاولة الحراك الاجتماعي إلى الأعلى أو الأسفل وضد حتى القيام بعمل شيء ما فقط لأنه يحظى بالاهتمام أو لمجرد وجود القدرة على عمل ذلك. فكل تلك الأشياء كما يقول أفلاطون يمكن أن تبعدنا عن الطبيعة وتجلب التعاسة والشقاء لأنفسنا والظلم للدولة.
    ونلاحظ هنا أن نظرية أفلاطون تنتقد مجرد النزعة إلى الترقي، أو المنافسة للتفوق على أقرانك أو الطموح في إنجازات أكبر في كل مجالات الحياة ومن ثم فإذا استمعنا إلى أفلاطون فمن الممكن أن ننظر بازدراء إلى تلك المحاولات ويمكن أن نسأل ما إذا كانت كل طرق المهن هي طبيعية لكل الناس.
    إن كتابات أفلاطون تثير احتمالات رائعة وكانت موضوعاً لتعليقات لا تحصى. بعض القراء أرعبتهم فكرته عن الطبقات الثلاث التي يصنف ضمنها الأفراد، وصدم أفلاطون بعض الناس لكونه يدعو في فكره إلى الهرمية البائسة والتسلطية. وبالفعل فقد كان أفلاطون ناقداً للديموقراطية لأنه كان مقتنعاً بأن الحكم وصناعة السياسة هي موهبة طبيعية يتملكها بعض الناس، وليس كلهم. ومن خلال تأكيده هذا لم يغضب أفلاطون المشاعر الديمقراطية فقط ولكنه صدم أيضاً بعض المعلقين ودفعهم إلى وصفة بالأنانية عندما رأى بأن الفلاسفة (مثله) هم الطبقة الأكثر ملاءمة بطبعهم لحكم الدولة المثالية. وتأثرت مشاعر بعض المعلقين بزعم أفلاطون أن الحياة العادلة أكثر أهمية من إتّباع الطموح الشخصي. أن الشيء المؤكد الوحيد في تلك التفسيرات هو أن أفلاطون سيستمر في تحديه لقرائه بإغاظة البعض وإبهاج الآخرين.
    أما أرسطو، تلميذ افلاطون، فقد اختلف مع أستاذه حينما رفض الحكم الذي لا يستند على القانون حتى لو كان صادرا عن فيلسوف وأكد على أن الدولة الجيدة ينبغي أن تقوم على القانون المستند على العقل وأن حكم الفرد يمهد للشر. واعتقد ارسطو بأن السعادة هي هدف الحياة وأن الإنسان هو كائن اجتماعي في حاجة إلى التوجيه من قبل مجتمع منظم. كذلك كان ارسطو أول عالم سياسة إحصائي تجريبي. فبدلا من افتراض وجود نماذج مثالية يمكن التعرف عليها من خلال التحليل العقلاني قام ارسطو بدراسة الظروف السياسية على أرض الواقع. وكجزء من دراسته تناول بالتحليل التاريخ السياسي لأكثر من 150 دولة مدينية وقومية في عهده ، ومن خلال هذه المعلومات وضع كتابه الهام "السياسة".
    عاصر كل من أفلاطون وأرسطو أفول دولة أثينا وحاولا أن يفهما لماذا وأن يقترحا وسائل للحيلولة دون ذلك. لذلك ابتدعا تقليدا لا يزال في قلب علم السياسة حتى اليوم: متمثلاً في البحث عن مصادر وأسباب السلام السياسي والاستقرار. ولم يكن أرسطو متردداً في تعريف وتحديد ما اعتقد أنه الأفضل سياسياً كما يقول في هذا المقطع.
    أن أفضل مجتمع سياسي هو ذلك المكون من مواطني الطبقة الوسطى وهذه الدول أكثر احتمالاً لأن تدار بكفاءة وفيها تكون الطبقة الوسطى كبيرة..... وهي التي يكون لدى أفرادها ملكية معتدلة وكافية. وذلك لأنه عندما يمتلك البعض كثيراً ولا يجد الباقون شيئاً فإنه من الممكن أن يبرز ديموقراطية متطرفة أو أقلية أوليجاركية واضحة، أو حاكم مستبد...... وتكون الديموقراطيات أكثر أمناً ودواماً من الاوليجاركيات وذلك لأنها تحتوي على طبقة وسطى كثيرة العدد ولديها تأثيراً أكبر على الحكومة، وعندما لا يوجد طبقة وسطى ويكثر عدد الفقراء بشكل كبير تبرز المشكلات وسرعان ما تزول الدولة.
    وبرغم أن أرسطو كتب هذا المقطع في القرن الرابع قبل الميلاد إلا أنه كان يشرح لماذا تنجح أو تخفق الديموقراطية اليوم. وهذا يعتمد بدرجة كبيرة على حجم الطبقة الوسطى وهو ما أثبته البحث الحديث. لقد كان أرسطو وصفياً ومعيارياً في نفس الوقت: حيث استخدم الحقائق التي جمعها مع تلاميذه لوصف أفضل المؤسسات السياسية. وهو الشيء نفسه الذي كان علماء السياسة يفعلونه منذ ذلك الحين وحتى اليوم وصفاً وتشخيصاً.
    ويقدم كتاب أرسطو "السياسة" أفكاراً مثيرة للاهتمام حول موضوع المساواة. وتوفر لنا قراءة ملاحظات أرسطو فرصة للتفكير حول ما تتضمنه المساواة. فأرسطو يشير إلى أنها يمكن أن تعني أي شيء ويزعم بأن المساواة تخدم البشرية بشكل أفضل عندما تفهم على أنها تعني اعتبار متساو للمصالح. وبهذا التعريف فإن المساواة ينبغي أن تشجع من قبل الدولة. وفي تفسيره للاعتبار المتساوي للمصالح يسألنا أرسطو لأن نأخذ في الاعتبار الأشكال المختلفة للدولة، وأشار إلى ستة أشكال هي : الملكية، الارستقراطية، الجمهورية، الاستبدادية، الاوليجاركية والديموقراطية. وعرّف كل شكل من خلال معيارين هما : من يحكم وما هي المصالح التي تسعى الحكومة لتحقيقها. ومن خلال الاعتماد على هذين المعيارين قدم أرسطو التعريفات التالية :
    • الملكية : حكم الفرد لمصلحة الجميع.
    • الاستبدادية : حكم الفرد لمصلحة الحكام.
    • الارستقراطية : حكم القلة لمصلحة الجميع.
    • الاوليجاركية : حكم القلة لمصلحة الحكام.
    • الجمهورية : حكم الكثرة لمصلحة الجميع.
    • الديموقراطية : حكم الكثرة لمصلحة الحكام.
    وطبقاً لأرسطو فإن كلاً من الملكية والارستقراطية والجمهورية تعتبر نماذج حكم مناسبة لأن كل منها يحاول تحقيق المصلحة العامة. وفي هذه الأشكال الثلاثة للحكومات ، وبغض النظر عن عدد الممسكين بالسلطة، تعمل الدولة على تحقيق المصالح العامة للجميع. وأعتبر أرسطو أن نماذج الحكم الثلاثة الأخرى المستبدة، الاوليجاركية والديموقراطية هي نماذج غير صالحة لأنها لا تهتم إلا بتحقيق مصالح القائمين على الحكم. ففي ظل نموذج الحاكم المستبد تصبح مصالح الحاكم مقدمة على ما سواها. وفي النموذج الاوليجاركي تسعى القلة التي تمسك بزمام السلطة إلى تحقيق مصالحها حتى لو كان على حساب مصالح الأغلبية، وفي الديموقراطية تتحكم الأغلبية في السلطة لكنها تتصرف مثل المستبدين حيث يحكم أفرادها بطريقة نفعية أنانية وينسون مصالح الأقلية. باختصار أن كل أشكال الحكومات الفاسدة تنتهك مبدأ الاعتبار المتساوي للمصالح فكل منها يتحيز ضد الجماعات الأخرى ويضطهدها.
    ومن المثير للاهتمام أن أرسطو يرى أن المشاركة المتساوية في عملية صنع القرار هي أقل أهمية من المساواة في نتائج القرار وهذا الفارق ملفت جداً للنظر في مقارنته بين الملكيات والديموقراطيات. لكننا إذا ما عرفنا المساواة طبقاً للمشاركة، فيمكن أن تبدو الديموقراطية أكثر أخلاقية من الملكية. إلا أن أرسطو يعرف المجتمع الديموقراطي على أنه المجتمع الذي يشارك فيه معظم الناس في الحكم ولهذا فإن هناك على الأقل مشاركة على أسس متساوية (لدى الناس جميعاً نفس حقوق المشاركة).
    ومع ذلك فإن أرسطو يفضل الملّكية المستنيرة على الحكومة الديموقراطية لأنه يعتقد بأن الأغلبية تحكم ولكن لتحقيق مصالح أفرادها ومن ثم فإن القرارات التي تتخذها الأغلبية لا تعطى اهتماماً متساوياً لمصالح الأقلية. بينما يعتقد أرسطو أنه برغم عدم وجود مساواة في عملية صنع القرار في الحكومة الملّكية إلا أن هناك مساواة فيما يتعلق بنتائج القرارات المتخذة. وهنا يبدو واضحاً ما هو الأهم بالنسبة لأرسطو أنها ليست المساواة في عملية صنع القرار ولكن المساواة في نتيجة القرار. ونلاحظ أيضاً أن أرسطو لم يدعو إلى المساواة في الدخل أو السلطة أو حتى المساواة في الحقوق (فهو لا يؤيد إعطاء حقوقاً متساوية للمشاركة في السياسة في تعريفه للدول الشرعية). وتتمحور فكرته عن مسئوليات الدولة في مجال المساواة حول المصلحة. فالدول الصالحة هي تلك التي تخدم المصلحة العامة، أي ليس مصلحة معظم الشعب وإنما مصلحة كل الشعب.
    باختصار كانت الفلسفة الإغريقية تنحو في الغالب نحو المثالية وتؤكد على فكرة الاكتفاء الذاتي كأساس لدولة المدينة الإغريقية. كذلك كانت الدولة لا الفرد محور اهتمام هذا الفكر.
    الفكر السياسي الروماني
    تأثر الفلاسفة الإغريق بالمثاليات وبتنوع الممارسات السياسية للدول الإغريقية ، لكنهم فشلوا في تصور مجتمعاً غير دول المدينة الإغريقية التي نادراً ما يزيد عدد سكانها عن بضعة الآف من المواطنين. ولذا فقد فوجئوا بالأحداث المتسارعة حيث هزم الملك المقدوني فيليب دولة مدينة اثينا في 338 قبل الميلاد وتحولت مقدونيا مركزاً لحكم الإمبراطور الاسكندر المقدوني أبن فيليب. وبرغم أن ارسطو كان معلماً خاصاً للاسكندر إلا أنه لم يكن واضحا ما إذا كان الاسكندر قد تعلم منه لكنه بالتأكيد لم يكن يحترم سياسة دولة المدينة، فقد مد نطاق إمبراطوريته قصيرة العمر من اليونان إلى مصر جنوباً ، وبلاد السند شرقاً. ونادراً ما تثير الإمبراطوريات فكراً سياسياً عظيماً لأنها تميل إلى الاهتمام بالسيطرة من خلال الإدارة بدلاً من اعتمادها على القيم والتخيلات .
    ولذلك فإن ما كان يحتاجه الإمبراطور كمرجعية له ورموز لسلطته هو الدين ، وليس تأملات حول السياسة. كما أن الفرد من رعية الإمبراطورية أصبح مهتماً بشئونه الخاصة بدلاً من الاهتمام بالاكتفاء الذاتي للمجتمع كما كان يسعى إليه كلا من افلاطون وارسطو .
    لقد كانت تجربة روما مختلفة تماماً عن اثينا، فروما نجحت وازدهرت من خلال انتصارات جيوشها وتفوق إدارتها وفصلها بين الشئون العامة والمعتقد الخاص. فبرغم الاختلافات في المكان ، والقومية ، ومكان الإقامة إلا أن المواطنة الرومانية شجعت الولاء للمثال الإمبراطوري. ومع ذلك لم يكن الولاء يعني الانخراط. وبينما كانت الدولة بالنسبة للإغريق هي مواطنيها فقد كانت الإمبراطورية الرومانية بالنسبة لشعوبها ذات هوية خاصة بها. لقد تعلم الرومان من خلال عملية عرفت" بالهلنسة " - التي تعني نشر الأفكار الإغريقية في جميع أنحاء الإمبراطورية - لكنهم لم يقلدوا سياسة الإغريق. وقد أقتصر إسهام الرومان على مجال الفكر القانوني وفي ربط شعور شعوبهم بالعضوية من خلال القانون والدين. وكانت النظرية السياسية الوحيدة في زمن الرومان تتكون من تعبيرات عن الاقتناع الشخصي والتقديرات المثالية للممارسة السياسية .
    وقد مثلت الرواقية معتقداً شخصياً ، وتقوم هذه الفلسفة على الاعتقاد بأن كل البشر يكونون جزءاً من النظام الكوني منفصلاً عن المشيئة الإنسانية. وان السعادة الحقيقية ، ممكنة إلى حد ما ، ويمكن التوصل اليها من خلال فهم النظام الطبيعي للحياة ومحاولة مطابقة المشيئة الفردية معه قدر المستطاع. وقد أكدت هذه الفلسفة على فكرة الفصل بين السياسة والأخلاق وعلى القانون الطبيعي والدولة العالمية القائمة على المساواة بين الناس وأن كل المفاخر والتمايزات ستنتهي يوما ما لكن الإنسانية العالمية الشاملة ستبقى ، وهذا يعني سياسياً القبول والانسجام والإيمان بفضيلة الخدمة العامة ، وهي فضائل مناسبة جداً للإمبراطورية .
    ولم يكن غريباً أن بوليوبس الإغريقي الذي حاول اكتشاف أسس نجاح الإمبراطورية الرومانية قد وجده في القانون الروماني وفي الدستور المختلط لروما وهي فكرة مستقاة من ارسطو. هذا الدستور المختلط كان يعني مركبـاً متوازنا بدقة من ثلاثة عناصر: أولها ملكيا (مجلس الحاكم) وثانيها ارستقراطيا (مجلس الشيوخ ) والثالث ديموقراطي ( المجالس الشعبية ). وبرغم أن تلك المؤسسات وجدت معاً في أوقات مختلفة من التاريخ الروماني لكنها لم تحقق التوازن الذي تخيله بوليوبس حيث تدهورت المواطنة إلى " رعية " للإمبراطور لكن بوليوبس اعتقد أن المؤسسات الثلاث ساعدت في منع حدوث الفساد السياسي بنفس الوتيرة التي حذر منها ارسطو .
    وجاء شيشرون ( 106-43 قبل الميلاد ) ليجمع بين فكرة بوليوبس عن الدستور المختلط مع الفلسفة الرواقية. فالدولة بنظره هي نتاج قانوني بحيث يجب أن تكون قوانينها متفقة مع قوانين الطبيعة . ويتضمن القانون الطبيعي مجتمعاً أخلاقياً من الحقوق والالتزامات تقضي بأن تكون الدولة " جمهورية " أي شيئاً عاماً مستنداً على حقوق مدنية متفقة مع العقل والمنطق. واعتقد شيشرون أن القيّم العامة يجب أن تنعكس في القانون الإنساني والذي بدوره يعتمد على قانون الطبيعة. وهذا يعني انبعاث السلطة من الشعب ووجوب ممارستها استنادا إلى القانون وضرورة إيجاد مسوغات أخلاقية. ويبدو أن شيشرون قد ركز في كتاباته على فكرتين أساسيتين. أولاهما عقيدته الراسخة في أفضلية نظام الدستور المختلط ، وثانيهما إيمانه بنظرية التطور التاريخي للدساتير. ومن المؤسف أن انتحار شيشرون جاء ثمناً لتدخله النشط في سياسة روما الضيقة بعد اغتيال يوليوس قيصر في 44 قبل الميلاد .
    وقد كتب شيشرون قائلا:ً
    القانون هو العقل الأكبر الموجود في الطبيعة والذي يحدد ما ينبغي فعله ويحرم ما هو نقيض ذلك. هذا العقل هو القانون عندما يكون راسخاً بقوة في العقل الإنساني. ولذا فإنهم يعتقدون بأن القانون هو الذكاء الذي تكون وظيفته الطبيعية هي تحديد التصرف الصحيح وتحريم أو منع الخطيئة .. وهذا يعني أن العدالة لا يمكن أن توجد إطلاقا إذا لم توجد في الطبيعة وإذا كان بالإمكان القضاء على شكلها المستند على المنفعة بواسطة المنفعة ذاتها. وإذا لم تكن الطبيعة قاعدة العدالة فإن ذلك يعني القضاء على الفضائل التي يقوم عليها المجتمع الإنساني ( 6 )
    أما سينيكا الذي عمل وزيرا لدى نيرون وشاهد إحراق روما وبداية انهيار الإمبراطورية فقد كان متشائما في نظرته للمستقبل ورأى استحالة استعادة فترة الازدهار وان روما ساقطة لا محالة ومن ثم بات الحكم المطلق ضرورة لا فكاك منها. ولذا أعتقد أن الاعتماد على الطاغية افضل من الجماهير وأن الحكومة هي وليدة الشر البشري وحده وأنها الوسيلة الإلهية لحكم البشر.
    باختصار يمكن القول بأن الفكر السياسي الروماني قد هيمنت عليه الاتجاهات القانونية وظهر ذلك في اعتبار الدولة نتيجة للقانون وأن تحليلها لا ينبغي أن يستند على الحقائق الاجتماعية أو الصفات الخلقية وإنما في إطار من الصلاحيات والحقوق القانونية وهو ما افتقده الفكر الإغريقي.
    الفكر السياسي المسيحي: التخلي عن فكرة الاكتفاء الذاتي :
    لقد تبنى معظم المفكرين السياسيين الأوربيين في القرون الوسطى وعصر النهضة اقتراباً دينياً لدراسة الحكومة والسياسة، وكانوا بالتحديد معياريين يحاولون اكتشاف ما ينبغي أن يكون وغير مبالين، غالبأ، بالواقع "أي حالة العالم الراهن". وتحت تأثير قيم دينية وقانونية وفلسفية حاولوا تحديد شكل نظام الحكم الذي يمكن أن يقرب البشر إلى أقرب ما يعتقدون أنه مشيئة الله. ويمكن تفسير المسيحية كديانة مثل الرواقية مع مكون إضافي هو الإنقاذ الشخصي. فموقف المسيح بنظرهم تجاه الدولة كان مماثلا لموقف الرواقيين : حيث تزعم الأناجيل أنه عندما واجه المسيح تحدي سؤال الولاء السياسي له أو للإمبراطور قال " دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ". ومع انه كان من الممكن للرواقيين أن يتفهموا أن لم يكن يتقبلوا تماماً ثنائية شئون الإنسان وشئون العالم ، إلا أنه لا اليهود ولا النصارى كان يمكن أن ينظروا للإمبراطور كنقطة ولاء أخيرة . فاليهود بحثوا عن الخلاص من الخضوع للرومان من خلال المسيح الفاتح بينما رفض المسيحيون تأييد إمبراطور وثني . ودفع كلا منهما الثمن غالياً . ولكن عندما تقبلت روما المسيحية في 310 م تكيف المسيحيون مع السلطة الرومانية ، ومنذ ذلك الحين لم يطلب من المسيحيين معارضة الدولة .
    وفي نهاية الأمر أنشأت المسيحية في أوربا الغربية نظاماً واسعاً للحكم منفصلاً عن الحكم الدنيوي ، ولم يكن التحول من الحكم الديني إلى الحكم الزمني في أوربا سهلاً ولا سلساً. وكان هناك عدد من المزاعم المتناقضة حول السيادة والسلطة بين البابا والملوك المحليين. بل لقد مضى قرابة 1000 عام بين انهيار الإمبراطورية الرومانية وتبلور نظرية سياسة تضع السلطة السياسية خارج نطاق سلطة الكنيسة. أما المسيحيون الارثوذكس في القسطنطينية فقد كيفوا أنفسهم مع الحكم الزمني من خلال توليفه من الكنيسة والدولة ، إلا أن المسيحيين جميعاً قد أنكروا فكرة الاكتفاء الذاتي للمجتمع السياسي الإغريقي أو عقائد الرومان فالناس بدون محبة الله لا يساوون شيئاً .
    لقد كان الأثر غير الديني للمسيحية على السياسة يتمثل في خلق شعور بالتضامن الإنساني والمساواة الروحية بمعزل عن الانتماء القومي أو السياسة أو الحكمة. فالرواقيون يمكن أن يتحدثوا عن أخوة روحية للإنسانية لكن الرواقية بقيت معتقد موظفي الإمبراطورية الرومانية ، أما المسيحية فقد كانت مختلفة كما يزعم القديس اوغسطين ( 354-430) فالمسيحيون عاشوا " بالأمل "وليس " بالأشياء "، بينما لم تستطع الرواقية فلم تستطع التخلص من " الأشياء " – الطبقة ، الدولة – التي تقسم الناس.
    عاش اوغسطين في شمال إفريقيا وفي الجزائر بالتحديد وكان أول من أجاب عن موقف المسيحيين من الحياة السياسية. حيث كتب اوغسطين عن مدينتين الدنيوية والروحية تتعايشان عبر التاريخ. ويواصل قائلا " برغم أنه كان هناك عدد كبير من الأمم الكبيرة على الأرض والتي كانت طقوسها وعاداتها وهويتها وسلاحها تتسم بخلافات جوهرية إلا أنه لم يكن هناك أكثر من نوعين من المجتمع الإنساني اللذان يمكن أن يسميا مدينتين. الأولى تتكون من أولئك الذين يريدون الحياة المادية بمباهجها (مدينة الشيطان) والأخرى (مدينة الله) تتكون من أولئك الذين يثمنون الحياة الروحية ، وكل يشعر بسعادة عندما يحقق ما يريد. ولم يكن اوغسطين يعني بذلك المعنى الحرفي للمدينة وانما يشير بذلك إلى المجتمع. كما لم تكن المدينة الروحية محصورة فقط في الكنيسة آنذاك فقد كان هناك أناس خارج الكنيسة يعيشون للروح.
    وبينما يمكن للمدينة الزمنية أن تكون ظالمة أو عادلة إلا أن وجودها هو نتيجة للخطيئة الإنسانية. وهؤلاء الذين يعيشون للمادة يختلطون بأولئك الذين يعيشون للروح وسيبقون معاً حتى يوم القيامة. وحتى يأتي هذا اليوم الأخير يجب على الناس أن يطيعوا الدولة ويتمتعوا بسلامها لكن عليهم أن يتجهوا بعقولهم إلى الله. ولذلك كان اوغسطين أول من يواجه المعضلة الأساسية للمواطن المسيحي . فقبل مجيء المسيح كانت السياسة الإغريقية والرومانية ذات نظم مغلقة تعتمد على نفسها لتحديد الهدف والوجهة، لكن المسيح قد وعد بمآل جديد وأفضل بعد الموت. والدولة يمكنها في أحسن الأوقات أن تساعد الكنيسة في هذا المجال لكنها لا يمكن أن تقوم بوظائف الكنيسة .
    وكانت المشكلة في أن اوغسطين لم يكن قد حدد بشكل كامل حدود الكنيسة الزمنية معتقداً ضمناً بأن الكنيسة أو بعض أعضائها يمكن أن يبقوا خارج مدينة الله. فضلا عن أن أوغسطين قد زعم انه لم يكن بإمكان الكنيسة ولا حتى الدولة أن تكون مكتفية ذاتياً أو منسجمة مع وظيفتها الأساسية ، ولذلك كان الفكر السياسي في العصور الوسطى يمثل صراعاً حول طبيعة المدينتين وعلاقاتهما الملائمة .
    وبعد وفاة اوغسطين بفترة قصيرة انقرضت الإمبراطورية الرومانية واستبدلت بسلسلة من التنظيمات القبلية ، وانعزلت أوربا الغربية عن البحر المتوسط كما أن مراكز المسيحية الشرقية هي الأخرى سقطت أو عزلت من خلال تصاعد المد الإسلامي ولذلك لم يكن هناك أهمية كبيرة للفكر السياسي آنذاك في مثل ذلك العالم. ومع أن الإمبراطور الإفرنجي شارلمان استطاع أن يعيد نوعاً من الوحدة الإمبراطورية في 800م لكنه لم يستطع هو ولا أي ممن جاء بعده أن ينشئ إمبراطورية بأهمية الإمبراطورية الرومانية مما مهد الطريق لبروز النظام الإقطاعي اللامركزي لتنظيم العلاقات الاجتماعية السياسية. وتكّون الإقطاع باختصار من وحدات إقليمية متناثرة يكون فيها النبيل معتمداً على خدمات التابع والذي بدوره يتحكم في مجموعة كبيرة من الفلاحين. " والحكم " هنا يتضمن سلسلة من الالتزامات المشتركة للأطراف المختلفة وتحولات في الولاء بين النبلاء. وقد تطلب بعث الفكر السياسي خارج نطاق الكنيسة ليس فقط فكرة جديدة للدولة المكتفية ذاتياً وإنما وجهة نظر للناس التي يمكن أن تجد معنى في العالم. وهذان الشرطان لم يتحققا لقرابة 1000 عام منذ تأكيد أوغسطين على اعتماد النظريات حول القيم على الممارسة. والممارسة تتطلب الآن من الكنيسة أن تطبق تراث اوغسطين .
    وقد أكد البابا جيلاسيوس فكرة التنظيم المنفصل للكنيسة والدولة في أوربا الغربية سنة 500م من خلال مبدأ السفين، حيث زعم أن السيفين يرمزان إلى المجالين الدنيوي والديني وإن كلاهما يجب أن يتعاونا لضمان السلام والعدالة على الأرض اللازمان لتحقيق الخلاص. إلا أن كلاً منهما يمثل سيفاً مطلوباً لإيذاء أولئك الذين يتدخلون في مهمة الكنيسة للخلاص .
    وقد مثلت هذه النظرية دعوة مفتوحة للصراع مع الحكام الدنيويين مع تحول البابا جريجوري السابع ( قرابة 1080م ) إلى حاكم ذو سيادة مطلقة قادر على السيطرة على تعيينات الأساقفة الذين كانوا الجزء الأساسي للحكم الإقطاعي. وهو الأمر الذي حسم الجدال المتعلق بمن له الكلمة الفاصلة في تعيين الأساقفة هل هو البابا ام الإمبراطور؟ هذا الجدال تميز بإثارة الاهتمام من جديد بالقانون الروماني – وخاصة مسألة ما الذي يجعل الحكم عادلاً .
    وبحلول القرن الثاني عشر كانت الأوضاع في أوربا مستقرة إلى الدرجة التي جعلت من الممكن إعادة النظر في طبيعة الدولة. وفي هذه الأثناء كان جون سالزبوري (1110-1180) الذي عمل سكرتيرا لرئيس أساقفة كانتربري ، زعيم الكنيسة البريطانية ، قد ألف كتاب ( Policraticus The ) "رجل الدولة" الذي وجهه إلى ملك بريطانيا هنري الثاني أملاً في التأثير على الملك ليصبح نموذجاً للحاكم المقبول في الكنيسة. وكان الكتاب يعتبر أول نظرية سياسية شاملة منذ اوغسطين وفيه تقبل سالزبوري فكرة شيشرون عن أهمية القانون والعدالة. فالقانون هو "هدية الله ومصححاً لتجاوزات البشر ". ولذا فعلى كل من الملك ورعيته الإذعان للقانون ، بل أن حكم الملك يكون شرعياً طالما اتبع تعاليم الله . لكن سالزبوري لم يكرر موقف شيشرون فقط بل تجاوز ذلك إلى وصف " الأمير " كرأس لجسد يجب على العقل أن يوجه كل تصرفاته.
    ولذلك " فالمستبد " هو الملك الفاسد الذي تخلى عن العقل ، والله والكنيسة. ومثل هذا الحاكم ينبغي عصيانه وحتى قتله. وأكد سالزبوري على أن سلطة الكنيسة أسمى من سلطة الدولة لأن الدولة تستمد حقها في تطبيق القانون من رضا الكنيسة وموافقتها. وقد مثل هذا الكتاب تغيراً هاماً في الموقف منذ اوغسطين قبل 700 سنة الذي كان قد وصف المملكة الدنيوية "باللصوص الكبار " التي نشأت على العنف والتي لا تختلف كثيرا عن "اللصوص الصغار" الذين كان يفترض فيها أن تحاربهم. ولم يعدّل سالزبوري مفهوم الدولة فقط ولكن أيضاً أعاد لها الاعتبار كموضوع بحث جدي .
    مع أن سالزبوري قد استعار فكرة شيشرون عن الجمهورية إلا أنه كان من الصعب عليه وعلى غيره من مفكري العصور الوسطى المبالغة في عرفانهم بالجميل للفكر السياسي الإغريقي والروماني الذي تصور منطقاً للسياسة بدون الكنيسة. ومع إنه لم يتم إعادة اكتشاف بعضا من أعمال ارسطو إلا في حوالي 1890 إلا أن الترجمة اللاتينية لكتاب "السياسة" كانت متوفرة في بعض الجامعات في بداية القرن الثالث عشر.
    وقد عارضت الكنيسة كتابات ارسطو في بداية الأمر لأنها بدأت تقلل من شأن الإيمان في الاحتياجات الإنسانية إلا أنه لم يكن من السهل حظر أو نقض المنطق الأرسطى. بل أن القديس توماس الأكويني ( 1224-1274) كان قد شرع في تكييف أفكار ارسطو السياسية على وجه الخصوص ، وبدأ بتقبل اعتقاد ارسطو بأن السعادة هي هدف الحياة وأن الإنسان هو كائن اجتماعي في حاجة إلى التوجيه من قبل مجتمع منظم. واتفق الاكويني مع ارسطو في أن القانون يسهم في صياغة الشخصية الإنسانية. وكانت المشكلة هي في كيفية شرح الطريقة التي من خلالها يمكن للقانون الدنيوي والحياة السياسية أن يصبحا ذوا قيمة روحية. وقد قدم توماس الاكويني وصفا لعلاقة منظمة بين كل أنواع القانون ، كل منها يتطلب سلطة واتجاه مختلفين لكنها معتمدة على بعضها. فالقانون الإلهي الخالد يعتمد على المنطق المقدس الذي يوجه الأفكار الإنسانية نحو ما هو حق ، بينما القانون الطبيعي الذي يتوصل إليه بالعقل ، يكوّن القانون الإنساني ، وأن المنطق كان قادراً على تحسين الصالح العام للمجتمع . وقد وجد توماس الاكويني أن فكرة ارسطو عن الدولة المحكومة بالعدل تتوافق مع ما يمليه ضمير الحاكم المسيحي .
    إعادة الاعتبار إلى " الاكتفاء الذاتي " الفكر السياسي خلال عصر النهضة :
    كتب كل من اوغسطين والاكويني عن الممارسات الفعلية لكل من الكنيسة والدولة أو عن مشاكل محددة بين الكنيسة والدولة. وكان هناك خلافات حادة حول التمثيل في كل من الكنيسة والدولة ، حيث زعم جزء من المفكرين بان البابا يجب أن يكون مسئولاً أمام هيئة منتخبة من الأساقفة والكرادلة وليس له الحق في التصرف بمشيئته وهؤلاء الذين ناصروا هذا الرأي أصبحوا يعرفون " بالمجلسيين". ومع أن الحكام في عدد من دول العصور الوسطى قد كوّنوا جمعيات للنبلاء للحصول على المال والدعم للحرب إلا أن محاولات القضاء على مزاعم البابا أو الملك بامتلاك السيادة لم تكن ناجحة . وتبعا لذلك لم تكن نظريات العصور الوسطى تمثل جذوراً للأفكار الحديثة للديموقراطية الأوربية. وعلى الجانب الآخر أصبح النزاع بين الكنيسة والدولة هاماً جداً لتطور النظرية السياسية . وكان الدعم الفكري الأساسي يتمثل في هيمنة المجال الروحي على الدنيوي . لذا كانت فكرة الفصل بين المجالين تمثل قفزة ضرورية وهامة لفكر العصور الوسطى.
    وخلال النزاع بين الكنيسة والدولة بدأ وكأن الكنيسة تقلد عملية علمنة الدولة ، فالبابوية نفسها أصبحت دولة قوية وجيدة التسلح. و أثناء النزاع بين البابا ولويس حاكم بافاريا استطاع لويس أن يحصل على دعم المفكر الإيطالي مارسيليو بادو ( 1280-1343) ، حيث تحدى مارسيليو مزاعم البابوية من خلال افتراض بسيط: المنطق والوحي كانا يمثلان شكلان منفصلان تماماً للحقيقة ، فالمسائل الروحية يمكن معرفتها فقط من خلال الوحي والإيمان بينما يمكن الإجابة على مسائل السياسة العلمانية ( الدنيوية ) من خلال العقل ( المنطق ) فقط. ومع أنه يمكن للدولة أن تنظم شئوناً أخلاقية وكنسية محددة، لأن رجال الكنيسة هم أيضاً رعايا للدولة، إلا أنه لا يمكن للدولة أن تقوم بمهامها إذا تدخلت فيها الكنيسة ، ولذا يجب على الكنيسة أن تقصر اهتمامها على الخلاص والحياة الأبدية في الآخرة. كذلك فإن قانون الكنيسة وقانون الدولة يقفان على أرضيات مختلفة . فقانون الكنيسة مستمد من الله ومن يخالف هذا القانون الكنسي فهو مسئول أمام الله وليس أمام الدولة ، أما قانون الدولة فهو مستمد من قوة المجتمع واحتياجاته المادية. وبناء عليه يزعم مارسيليو بادو أن الكنيسة لا يمكنها بعد الآن أن تشرعن تدخلها في شئون الدولة ، كما أن الدولة لا يمكنها أن تحكم على من يخالف قوانينها بدخول النار. ولذا فإن قانون وسلطة القوة الدنيوية ( العلمانية ) كافية تماماً للحياة على الأرض .
    لقد أرعب التدخل الكنسي في السياسة الإيطالية ليس مارسيليو بادو فقط وإنما أيضا نيقولا ميكافيلي (1469-1527) لكن قلق ميكافيلي كان من تأثير التدخل على إيطاليا وليس على الكنيسة . وبهذا المنظور عكس ميكافيلي علمانية عصر النهضة في زمن كان الشعور الشعبي تجاه سياسة الفاتيكان غير مبال إن لم يكن معادياً .
    لقد كان مارسيليو وآخرون من مفكري العصور الوسطى آنذاك يبحثون عن " نموذج طبيعي " للدولة ، وقد وصف كل من مارسيليو وجون سالزبوري الدولة من خلال مقارنتها بجسم الإنسان فالدولة المثالية بالنسبة لهما يمكن فهمها من خلال الطبيعة بنفس طريقة شيشرون وارسطو . وبمجيء ميكافيلي كانت المقارنة بين الدولة والجسم لا تزال قائمة إلا أن مفكري عصر النهضة اعتبروا الدولة مؤسسة اجتماعية ونتاجاً للاتفاق وليس للطبيعة. ومع أن ليس من السهل تحديد معنى " النهضة الأوربية " ، أو الولادة الجديدة للحياة الفكرية والفنية ( حقبة من النشاط العقلي والفني الشديد ) في أوربا الغربية ، إلا أن هناك إجماعاً حول عدد من الخصائص المشتركة لتلك المرحلة منها :
    (1) تأكيد على الفردية ووجهة نظر للأحداث بناء على الفعل الفردي .
    (2) رؤية للعالم تنكر المزاعم الخاصة للكنيسة بشأن السلطة الدنيوية أو المعرفة .
    (3) تقدير جديد للعلم والأدب الإغريقي واللاتيني .
    أما أكثر الحقائق وضوحاً حول ميكافيلي وعصره فهي أن الأحداث السياسية قد تجاوزت حدود أي نظرية سياسية . فقد كانت فترة فوضى وعنف ، وكانت إيطاليا مقسمة إلى خمس وحدات سياسية رئيسة من بينها دولة الفاتيكان مما تسبب في غزو خارجي متكرر. كما أن عادة استخدام الجنود المرتزقة الشائعة آنذاك جعلت الولاء موضوعاً للمزايدات التجارية ، مما جعل السياسة في حالة من التقلب المتواصل . وبعكس المفكرين السابقين كان ميكافيلي مستشاراً لحاكم علماني ( دنيوي ) ودبلوماسي وعندما هزمت جمهورية فلورنسا التي كان يعمل لصالحها في 1512م أضطر للتقاعد القسري والتفرغ للكتابة.
    أدت أفكار ميكافيلي إلى إحداث انفصام حاسم مع الفلسفة السياسية الكاثوليكية في العصور الوسطى فقد كان أول مفكر مهم يصر على إنشاء سلطة مركزية قوية وعلمانية بدلاً من التراتيبيات الإقطاعية المعقدة التي استمرت لقرون، كما أعاد في كتاباته تحديد نطاق السياسة من خلال فصلها عن دلالاتها الأخلاقية ، الدينية والقيمية .
    كما أن تعريف ميكافيلي للسياسة قد الغى فكرة الحكم المقدس أو الخطة المقدسة. فمن خلال التخلص من رؤية العصور الوسطى باعتباراتها الأخروية ، ورفض التركيبة القروسطية وأفكار المصدر الإلهي للقانون والعدالة وضع ميكافيلي نظرية خالصة للسياسة مستندة على القوة وفضل أن يركز على الاستيلاء على القوة والاحتفاظ بها بغض النظر عن أخلاقية الوسيلة.
    وخلال كتاباته لم يهتم ميكافيلي كثيراً باستخدامات القوة وبدلاً من ذلك كان تركيزه على كيفية الاستيلاء على القوة والتمسك بها. لذا كانت القوة بالنسبة له غاية في حد ذاتها ولا تحتاج إلى أية تبريرات ، كما أن القوة تحقق ما لا يمكن أن تحققه الثروة أو الشهرة ، فالقوة تضمن فرصا لا نظير لها لتحقيق الذات ، والقوة تخلق مقدرة متعاظمة لمزيد من التوسع ولذلك فالقوة أساسية لتحقيق الطموح الإنساني . واعتقد ميكافيلي أن الطموح هو المسئول الأول عن الخلافات المستمرة بين الأفراد والدول وأن هناك نضال وخلاف مستمر في مجال سياسي مزدحم وفوضى دولية ، وفي هذا الوضع يصر ميكافيلي على أن الفرد البطل هو الوحيد القادر على إعادة النظام والقضاء على الفوضى .
    وفي كتابه " الأمير " الأكثر شهره يحدد ميكافيلي المهام الجسام التي تواجه البطل ، فالأمير يجب أن ينشئ دولة جديدة وليس أقل من ذلك ، بعد أن ثبت لديه عدم جدوى قيم الكنيسة فضلا عن أن الظروف المتدهورة لا يمكن التغلب عليها إلا من خلال عمل جبار بإرادة سياسية. لذا كان إنشاء دولة جديدة يمثل ضرورة حيوية ، إلا أن ميكافيلي يعترف بأن " ليس هناك أصعب ، أو أكثر غموضاً فيما يتعلق بالنجاح ، أو أكثر خطورة للقيام به، من خلق نظام جديد للأشياء .
    لذلك أصر على ضرورة فصل السياسة عن الأخلاق ، والقيم والدين ، كما أكد على أنه لا ينبغي أن يقيد استخدام القوة من خلال القيم السائدة ، بل أن طبيعة السياسة تتطلب في الغالب تجاهلاً لكل ما يعتبر جيداً أو سيئاً، لأن الأمير الذي يتقيد بالمبادئ الأخلاقية سيكون في وضع سلبي جداً في النزاعات مع الأمراء الآخرون الذين سيتجاهلون الاعتبارات الأخلاقية من أجل تحقيق طموحهم ، ولذا فإن الظروف المتقلبة للحياة السياسية تتطلب من الأمير أن يتخلى عن مبادئه إذا أراد الحفاظ على سلطته. وعند القيام بالمهمة الحاسمة لإنشاء دولة جديدة يجب على الأمير أن يكون قادراً على التكيف مع الظروف المتغيرة التي لا يحكمها إي قيّم .
    بالإضافة إلى ذلك فإن الأمير من خلال تكييف أفعاله مع الظروف السائدة يكون قادراً على توظيف إمكاناته إلى أقصى حد ممكن ، ففرصة الدخول في مهمة بطولية يجب أن تغتنم وبقوة و إلا فإن الحظ يمكن أن يخذل الحاكم الجبان. ولذلك فعلى الأمير أن يعتمد على قدرته الخاصة كلما كان ذلك ممكناً وليس على الحظ لأن الحظ لا يمكن مقاومته . إن المشكلة الكبيرة التي تواجه إنشاء دولة جديدة ، وضرورة التصرف ألا أخلاقي والحاجة إلى العمل الجريء والجسور تتجمع بطريقة ما لتوجب على الأمير أن يكون مستعداً للقتال .
    ومن خلال الاعتماد على كل المواد المتاحة للأمير فإن المهمة البطولية يمكن إنجازها. كما أن أهمية إنشاء دولة جديدة تبرر الخطوات الضرورية لإنجاز هذا الهدف وكل الاعتبارات التي تمنع تحقيق ذلك يجب القضاء عليها .
    وقد ألهمت رؤية ميكافيلي هذه للأمير كمؤسس لدولة جديدة المفكرين الذين أتوا بعد ذلك من خلال النظر للدولة على أنها كيان مصطنع ، فبينما أكد ميكافيلي على إنشاء الدولة من خلال استخدام القوة ركز منظرو العقد الاجتماعي على أهمية القبول والتراضي. ومع ذلك يظل واضحاً اليوم أن الشئون الدولية يتم العامل معها بالطريقة التي كان ميكافيلي يحبذها .
    كذلك يمثل "أمير ميكافيلي" إعادة صياغة لأسطورة البطل السياسي هذه الصياغة الجديدة للبطل السياسي تجذب الانتباه إلى استمرارية الفكر السياسي ، فمن الممكن أن نعود إلى الخلف من أمير ميكافيلي إلى أسطورة افلاطون عن طبقة الجنود ثم إلى الأمام إلى روسو واستغاثته بالمشّرع باعتباره بطلاً سياسياً ، وفوق كل ذلك فإن ميكافيلي كان يعبر عن الرغبة الجارفة لإنشاء عالماً جديداً وجيداً . ويرفض معظم المنظرين اليوم تجاهل ميكافيلي للأخلاق لكنهم يشاركونه رغبته في تحسين أوضاع العالم. ولسوء الحظ لم يتمكن المنظرون المتأخرون من إقناع القادة السياسيين بأن الوسائل السليمة لإنجاز التغيير أكثر فعالية من الوسائل العنيفة التي حبذها ميكافيلي في زمنه .
    خلاصة
    قدم ميكافيلي في بداية القرن السادس عشر ما أعتقد البعض أنه نقطة الاهتمام الرئيس لعلم السياسة الحديث أي التركيز على القوة، حيث كان كتابه الشهير "الأمير" يدور حول الحصول على القوة السياسية واستخدامها. وقد عدّ بعض المفكرين ميكافيلي أول فيلسوف حديث لأن دوافعه وتفسيراته لم تكن مرتبطة بالدين بأي شكل. ولم يكن ميكافيلي سيئاً، كما يرى البعض، بل كان واقعياً realist يزعم أنه لكي يحصل "الامير" على أي شيء إيجابي – مثل توحيد إيطاليا وطرد الأجانب الذين أفسدوها – فعليه أن يكون عقلانياً وقاسياً في ممارسة القوة.
    وبرغم أن هذا الاقتراب لم يكن مستحسناً من قبل المفكرين السياسيين الأمريكيين الذين تجنبوا في بعض الأحيان "القوة" باعتبارها قذرة ابتداء، إلا أن هذا الاقتراب تجّذر في أوربا وأسهم في بروز التحليل النخبوي لموسكا وباريتو، ومايكل كما تعّرف الأمريكيون بعد ذلك على اقتراب القوة من خلال أعمال عالم العلاقات الدولية الألماني الذي هاجر إلى الولايات المتحدة هانز مورغنثو الذي أكد على أن "كل السياسة هي صراع من أجل القوة".
    التحول إلى النظرية السياسية الحديثة
    هناك ثلاث تغيرات كبيرة طبعت التحول من النظرية السياسية الكلاسيكية والقروسطية إلى النظرية السياسية الحديثة. أولها : بروز الدولة كوحدة حديثة ، حيث تطورت الدولة كظاهرة زمنية ، علمانية مركزية ، قومية ، إقليمية لم تكن معروفة في الأزمنة الماضية. فخلال العصر الكلاسيكي الإغريقي والروماني كانت دولة المدينة والإمبراطورية النموذجين المهيمنين في التنظيم السياسي ، أما فترة القرون الوسطى فقد اتسمت بدرجة مفرطة من اللامركزية. فعلى سبيل المثال كانت ألمانيا مقسمة إلى أكثر من 300 مقاطعة ، هذا التشتت أدى إلى نشوء نظام معقد من الالتزامات المتبادلة عرف بالإقطاع كنموذج مهيمن للتنظيم الاجتماعي .
    كذلك أسهمت حركة الإصلاح الكنسي البروتستانتية في علمنة الدولة الحديثة. ففي زمن حركة الإصلاح في القرن السادس عشر كانت الكنيسة الكاثوليكية قد بدأت مرحلة التراجع كقوة زمنية ، وساهم قادة الإصلاح وعلى رأسهم مارتن لوثر وجون كالفن في القضاء على الكاثوليكية العالمية في أوربا، كما أسهم نجاح مطالب حرية الرأي، تحرير العقل ، التسامح الديني ، والفصل بين الكنيسة والدولة في فقدان الدولة الحديثة معظم إن لم يكن كل خصائصها الدينية. وفضلاً عن ذلك فإن التركيبة المسيحية للقرون الوسطى التي رأت اتحاداً بين الكنيسة ( الاعتبارات الدينية ) والدولة ( الاعتبارات الدنيوية ) انهارت بفعل هذه التطورات .
    وبعكس التنظيمات السياسية الكلاسيكية والقروسطية استندت الدولة الحديثة على شعور قوي بالقومية بين مواطنيها وإصرار على حماية حدود الدولة . هذه العوامل معاً أكدت أن الدولة القوية هي الوحدة السياسية الأساسية للعالم الحديث وأن القومية هي أقوى الإيديولوجيات السياسية ، أي أن دور القومية في العالم الحديث يماثل دور الدين في العصور الوسطى .
    أما التغير الكبير الثاني فيتمثل في المواقف الجديدة تجاه دور الإله ودور الإنسان في الحياة اليومية. فمع ازدياد مناصري الطريقة العلمية تعرض دور ما وراء الطبيعة إلى تغييرات كبيرة ، فلم يعد يعتد بالمعجزات وتم البحث عن تفسيرات طبيعية لأحداث الحياة اليومية ، وحل العقل محل الإيمان كأداة لاكتشاف الحقيقة. ولذلك بينما كان عالم العصور الوسطى غيبياً ومهتماً بالخلاص كان اهتمام العالم الحديث بالمكان واللحظة .
    ولم يكن غريباً أيضاً أن يرفض العصر الحديث فكرة النظام المكتشف عقلياً ، الموضوعي، الأخلاقي، فالأفراد المبدعون يستطيعون صياغة قيم جديدة ومؤسسات جديدة أيضاً. وفقد مفهوم القانون الطبيعي محتواه الديني واصبح محصوراً بشكل أكبر في حالة الفطرة ، وهي الحالة التي لم يكن فيها مؤسسات اجتماعية. أما في المجتمع المدني فقد أصبح القانون الوضعي Positive Low أي القانون الذي يضعه الإنسان موضوعاً للبحث والدراسة. إلا أن فقدان المعيار العالمي للقيّم أدى إلى نشوب الخلاف بين التعريفات المتنافسة للخير والشر ، والحق والباطل والحقيقة والكذب. ولذا فإن ظهور الأيديولوجيات ذات الأنساق القيّمية المختلفة يمكن إرجاعه بشكل مباشر إلى انهيار الإيمان في معيار عالمي للقيّم .
    وحلت الأيديولوجيات ، كمعتقد دنيوي ( علماني ) مكان الإيمان المقدس للعصور الوسطى. ولذا فقد شغلت الليبرالية ، المحافظة ، الرأسمالية ، الاشتراكية ، والشيوعية العقل الحديث بنفس الطريقة التي شغلت فيها الاعتبارات الدينية اهتمام اوغسطين والاكويني خلال العصور الوسطى. وهذه الإيديولوجيات برغم أنها تطمح للعالمية إلا أنها تعريفات محدودة لطريق المجتمع الصالح والعادل. ونظراً لأن العقل لا يستطيع أن يوفق بين الاختلافات فقد بقي العالم الحديث مسرعاً للصراعات الأيديولوجية.
    أما التغير الكبير الثالث فتمثل في الاهتمام الجديد بتقييد القوة السياسية. فقد كان هناك تحولاً هاماً من تبرير القوة المطلقة إلى تبرير القيود على ممارسة القوة. فكل منظرو العقد الإجتماعي توماس هوبر ، جون لوك ، جان روسو ، بارون مونتسكيو وضعوا الحقوق الطبيعية ملازمة للقانون الطبيعي. وتضمنت فكرة الحقوق الطبيعية حكومة ذات قوة مقيدة وليست مطلقة. فضلاً عن ذلك نظر إلى الحقوق على أنها سابقة للواجبات السياسية. ونتيجة لذلك تم التأكيد على الحقوق وليس الواجبات. وتفترض النظرية السياسية الديمقراطية الليبرالية الحديثة أن الشعب هو المصدر الوحيد للشرعية السياسية وليس الملك أو الطبقة المميزة أو الكنيسة، وأن الحكومات أنشئت لهدف محدد هو حماية الحقوق الطبيعية للأفراد وتعزيزها، وأنه إذا ما تعرضت حقوق الناس للتهديد أو الانتهاك فإن لهم الحق في الثورة وهذا ما أكده إعلان كلا من الثورتين الأمريكية والفرنسية .
    ونظراً لأن إساءة استخدام السلطة كانت أمراً شائعاً فقد طور المنظرون السياسيون المعاصرون عدداً من الآليات الهادفة إلى التحكم في ممارسة القوة السياسة. ويعتبر كلا من الدستور المكتوب، لائحة الحقوق ، المجلسين التشريعيين ، فصل السلطات ، المراقبة والتوازن ، الفيدرالية ، المراجعة القضائية من بين الأدوات المستخدمة في الدول الديمقراطية لتقييد استخدام القوة السياسية. وبرغم أن كل تلك الأدوات كانت غير مهمة في العصور القديمة والوسطى إلا أنه لا يمكن تصور ديمقراطية حديثة بدونها .
    نظريات العقد الاجتماعي:
    جاء كتّاب العقد الاجتماعي هوبز، لوك، روسو، "العقديون"، بعد ميكافيلي بفترة ليست الطويلة، ليبرروا لماذا ينبغي أن تتواجد النظم السياسية. ومع أنهم اختلفوا حول عدد من النقاط إلا أنهم اتفقوا على أن البشر على الأقل من حيث المبدأ قد انضموا معاً ليكونوا ما سماه روسو "عقداً اجتماعياً" يجب على كل فرد أن يلتزم به.
    توماس هوبز وتبرير الحكم المطلق
    تبنى توماس هوبز ( 1588-1679) مفهوم ميكافيلي عن الطبيعة الإنسانية وجعله جزءاً مركزياً لفلسفته السياسة. فالإنسان بالنسبة لهوبز كما هو الحال لميكافيلي كان حيواناً شهوانياً ، ومع أن موضوعات تلك الشهوة يمكن أن تختلف إلا أن الشهوات التي تدفع الأفراد للعمل متشابهة إن لم تكن متطابقة .
    وكما يشير هوبز فإن هناك نزعة عامة لدى كل البشر وهي رغبة دائمة ومتعطشة للقوة والسيطرة لا تنتهي إلا بالموت. وإن السبب وراء ذلك ليس في أن الإنسان يأمل دائماً في مزيد من السعادة مما لديه أو أنه لا يقتنع بمقدار معتدل من القوة والسلطة وإنما لأنه لا يضمن القوة ووسائل العيش بسعادة بدون الحصول على مزيد من القوة (7) .
    عاصر هوبز ويلات الحرب الأهلية الإنجليزية في القرن السابع عشر وعارض تلك الحرب لأنها بنظرة تخيف الأفراد وتجعلهم لا يشعرون بالأمن. وتخيل هوبز أن الحياة في حالة الفطرة - أي قبل تكّون المجتمع المتحضر- كانت سيئة، وأنه خلال تلك المرحلة كان كل فرد عدو لكل فرد آخر "حرب الجميع ضد الجميع". ففي حالة الفطرة ما قبل السياسية هذه حيث لم يكن هناك سلطة قوية تتحكم في شهوات الأفراد المنفلتة تصبح الحرب هي الوسيلة لكل فرد ضد كل الأفراد الآخرين وفي مثل هذه الحالة :
    لا يكون هناك مجالاً للصناعة لأن نتاجها غير مؤكد وتبعاً لذلك لا يوجد حضارة على الأرض ، لا ملاحة ، لا مساكن ملائمة ، لا وسائل للحركة ، لا معرفة بما على الأرض ، لا قيمة للوقت ، لا فنون ، لا آداب ، لا مجتمع ، والأسوأ من ذلك كله خوف مستمر وخطر الموت العنيف كما أن حياة الإنسان متقشفة ، فقيرة ، قذرة ، فظة ومقيدة . (8 ) .
    هذه الظروف المريعة كما اعتقد هوبز يمكن استنتاجها من الظروف التي شهدتها بالفعل بريطانيا أثناء الحروب الأهلية. فإذا كانت السيادة الضعيفة تعنى نزاع مدني فإنه ، يتبع منطقيا،ً لا يمكن السماح بسيادة الفوضى أو حرب الكل ضد الكل. كذلك فالعلاقات بين الأمم المتنافسة تقدم شاهداً قوياً لحالة النظرة المليئة بالخوف. وأشار هوبز إلى أن الملوك وأفراد السلطة ذات السيادة ، نظراً لاستقلاليتهم ، يعيشون في غيِرة مستمرة وفي حالة من المجالدة حتى الموت. بالإضافة إلى ذلك لا يمكن في حالة الفطرة أن يكون هناك أي دور للأخلاق كوسيلة لتجنب الفوضى ، فالأخلاق بالنسبة لهوبز مصطنعة ولا توجد إلا في مجتمع مدني. وللخلاص من فوضى حياة الفطرة وإنشاء معيار مشترك للقيم يجتمع الأفراد معاً لتشكيل عقد اجتماعي .
    وتكمن الصعوبة بالنسبة لهوبز في إيجاد طريقة للأفراد الشهوانيين لتشكيل مجتمع مدني، فهوبز لم يكن متأكداً من أن مجتمع مدني قائم على الرضا أمر محتوم. فاللغة التي يستخدمها هوبز تشير بوضوح إلى أن الناس يمكن أن يتعايشوا في مجتمع مدني ليس رغبة في السلام ولكن من أجل أسباب أكثر أنانية. فالدوافع التي تقنع الرجال بالسلام هي الخوف من الموت ، ومثل تلك الدوافع ضرورية لحياة ملائمة يؤمل التوصل إليها بجهودهم. ويرى هوبز أن العقل سيضع بنوداً ملائمة للسلام الذي من خلاله يمكن دفع الرجال للاتفاق . ( 9 ) .
    ويؤكد هوبز على أن الحاكم السيد يختار من قبل العقد الاجتماعي لكنه ليس طرفاً في ذلك العقد. ويكون هدف الحاكم إنشاء معيار مشترك يحدد الصواب والخطأ. وأصر هوبز على أنه لكي يتم تحقيق هذه المهام فإن سلطة الحاكم يجب أن تكون مطلقة ، وليس هناك في كتاباته أدنى إشارة لحكومة مقيدة ، أو مسئولة أو محاسبة. والعقد الاجتماعي بنظره يجب أن ينتج عن حكومة قوية إذا أرادت التخلص من الخوف الناجم عن الشهرة ، فضلاً عن ذلك فإن الحاكم القوي هو فقط الذي يضمن عوائد جذابة للمذعنين .
    وعلى الجانب الآخر فإن الضبط السياسي الذي يفوض حاكماً قوياً يمكن النظر إليه كمحاولة مدروسة للسيطرة على الطبيعة الإنسانية. فهوبز يرى أن فوضى حالة الفطرة هي إمكانية حاضرة دائماً .
    إن السعادة في هذه الدنيا هي تطور مستمر للشهوة من هدف إلى آخر وأن الحصول على الهدف الأول لا يكفي وإنما يمهد الطريق للآخر ، والسبب في ذلك أن هدف شهوة الإنسان ليس الاستمتاع مرة واحدة فقط وللحظة زمنية واحدة ولكن ليضمن دائماً طريق شهوته المستقبلية .10
    وللخروج من هذا العذاب والشقاء فإن الناس، بزعم هوبز، ومن أجل مصالحهم الذاتية قد انتظموا مع بعضهم بطريقة عقلانية لإنشاء المجتمع المدني أو المتحضر. ولذا فقد ظهر المجتمع المتحضر بشكل طبيعي نتيجة للخوف. وأفترض هوبز أن الناس أيضاً سيخضعون وبسرور للملك، حتى لو كان ملكاً سيئاً، وذلك لأن الملكية تمنع الفوضى. ونلاحظ هنا كيف أن نظرية هوبز بأن المجتمع يستند على مصالح ذاتية عقلانية تتناقض مع نظرية أرسطو بأن البشر كانوا حيوانات سياسية منذ ولادتهم، فأية نظرية هي الصحيحة؟ (تلميح : هل عاش البشر كحيوانات منعزلة عن بعضها؟) ولكن أيضاً نلاحظ أن الحالات التي تحدث عنها هوبز تظهر من وقت لآخر كما هو الحال في الصومال منذ بداية التسعينات.
    جون لوك والحكومة المقيدة
    برغم أن فترة حياة جون لوك ( 1632-1704) تداخلت مع حياة توماس هوبز إلا أن فلسفتهما السياسية كانت مختلفة بوضوح. فبينما أكد هوبز على ضرورة الحكومة المطلقة للسيطرة على الطبيعة الإنسانية رأى لوك ضرورة أن يقتصر دور الحكومة على حماية الحقوق الشخصية الطبيعية ، بل إن هذا التأكيد على الحقوق مثّل خاصية أساسية لكتابات جون لوك. فمن وجهة نظره يعتبر البشر أخلاقيين حتى في حالة الفطرة ، ولذا فإن الدولة التي أنشئت من قبل أفراد ما قبل المجتمع السياسي كانت لا بد مؤسسة أخلاقية .
    وتستند نظرة جون لوك للبشر ككائنات أخلاقية على افتراضات عن الطبيعة البشرية مختلفة جداً عن افتراضات هوبز. فبرغم أن كلاً من هوبز ولوك قد أصرا على أن الأفراد في حالة من المساواة في حالة الفطرة زعم لوك أن هذه المساواة كانت مساواة أخلاقية وليست فقط مساواة طبيعية في القوة أو الذكاء. فالأفراد ولدوا أحراراً ومستقلون في حالة الفطرة. وأكد لوك على أن "الحرية التي تمتع بها الإنسان وحرية العمل وفقاً لمشيئته تنطلق من كونه كائناً عاقلاً يستطيع من خلال عقله أن يهتدي إلى القانون الذي يحكم نفسه" 11 .
    وليس مستغرباً إذاً ألا تحتوي حالة الفطرة لدى لوك أي من المخاطر التي تحدث عنها هوبز. لأن لحالة الفطرة ، يزعم لوك ، قانون فطري طبيعي يحكمها ويخضع له الجميع ، فضلاً عن عقل يعلّم كل البشر بأنهم جميعاً متساوون ومستقلون ولذا لا ينبغي لأحد أن يؤذي آخر في حياته ، صحته ، حريته ، أو أملاكه. 12 وبالمقارنة مع حالة الفطرة لدى هوبز فإن حالة الفطرة عند لوك تتضمن عدداً من المفاهيم الموجودة في أي مجتمع مدني ( القانون ، الحقوق ، الواجبات ، الالتزامات والملكية ) .
    ويعتبر الزعم بوجود الملكية في حالة الفطرة حاسماً في فهم فلسفة لوك. وقد برر لوك وجود الملكية في حالة الفطرة من خلال نظرية العمل في الملكية حيث أكد على أنه برغم أن الأرض وجميع المخلوقات الأخرى عليها مشاعة لكل الناس إلا أن لكل إنسان ملكيته الخاصة به التي ليس لأحد آخر سواه حق فيها ، وإن كل ما يستخلصه من الطبيعة أو يضيفه إليها من خلال عمله بجسده ويديه يجعلها من حقه أو ملكه .
    ولذا فقد طور لوك في حالة الفطرة حجة قوية ليس للدفاع عن الملكية الفردية الخاصة فقط وإنماً أيضاً التزاماً باحترام ما ينتجه الآخرون من خلال العمل. وباستثناء حالات محدودة غير مريحة فإنه لم يكن هناك من سبب يدفع الأفراد للتخلي عن حالة الفطرة. أما الحالة الغير مريحة الأكثر أهمية والمكون الأساسي المفقود في حالة الفطرة فتتمثل في غياب سلطة معترف بها ومحايدة. مما جعل الناس غير قادرين على المحافظة على ملكيتهم حيث لم يكن هناك نقود، أو صكوك تملك، أو محاكم قانونية، ولذلك كانت ملكيتهم مهددة وغير مؤكدة. ولأن البشر ، بنظر لوك، عقلانيون ويحبون أنفسهم ومصالحهم فإن هذا يمكن أن يؤدي إلى النزاع بين الأفراد ، في الوقت الذي لا يوجد فيه سلطة معترف بها لتحكيم خلافاتهم، ولتصحيح هذا الوضع غير الملائم أبرم الأفراد العقد الاجتماعي.
    ومع ذلك فإن العقد الاجتماعي لدى لوك مختلفاً جداً عن عقد هوبز الاجتماعي فبالنسبة لعقد لوك هناك مرحلتان ، في المرحلة الأولى يتفق الأفراد على إنشاء مجتمع وليس حكومة ، أما في المرحلة الثانية فيتفق المجتمع على تشكيل الحكومة. وهذا الاتفاق هو الذي يعطي المجتمع المدني شخصيته الأخلاقية ويخلق التزاماً بإتباع قرارات الأغلبية. لكن لا يمكن للأغلبية أن تنتهك حقوق الملكية لأن " الغاية العظيمة والرئيسة من اجتماع الناس في اتحاد وخضوعهم لحكومة هي الحفاظ على ممتلكاتهم.13
    ولذا فقد أنشأ عقد لوك حكومة مقيدة ، حيث أستمر القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية والتي من بينها حق الملكية في المجتمع المدني ووضعت قيوداً على سلطة الحكومة. ويحافظ المجتمع المدني على شرعيته فقط طالما حافظ على الحقوق ودعمها والتي تعتبر حقوقاً سابقة على المجتمع نفسه . ووفقا للعقد يجب على المجتمع السياسي ألا يخالف الأسباب التي أدت إلى نشوئه وهي حماية الحقوق الطبيعية ، ولذا كانت القوة المشروعة للمجتمع السياسي تقتصر على ضمان السلام والأمن والصالح العام للناس .
    وإذا ما أساءت الحكومة استخدام سلطتها فينبغي إعادة تلك الصلاحيات إلى المجتمع ، ومن خلال إعادة السلطة إلى المجتمع تلافى لوك العودة إلى حالة الفطرة الهوبزية . فالمجتمع ليس جماهير غير منظمة من الأفراد بل إنه كياناً قادراً على تشكيل حكومة أخرى. وعندما تقدم الحكومة على انتهاك تلك الحقوق بشكل صارخ يقول لوك :
    عندئذ تكون قد هدمت الأساس الذي استندت إليه وانحرفت عن هدفها الذي تعهدت ببلوغه........... ولهذا فإن البشر يتنازلون للحكومة عن سلطات محدودة فقط وأن أحد حدود تلك السلطات هو أن السلطة العليا لا تستطيع أن تنتزع أي جزء من ملكية أي فرد بدون موافقته. وهكذا فإنه حالما تقوم الأكثرية بإقرار الاتفاق أو إشتراع الدستور للحكومة فإنه ينبغي لتلك الحكومة ألا تتجاوز سلطاتها المحددة سنوياً. أما إذا تجاوز أي موظف أو حكومة القانون وسلك سلوكاً غير مشروع وقام بخرق الحقوق الطبيعية للناس بطريقة أو بأخرى........ فعندئذ يتوجب على الناس مقاومته .14
    جان روسو والإرادة العامة
    أما جان روسو فقد عاش في فرنسا القرن الثامن عشر ويقول البعض بأنه قد وضع الأسس الفلسفية للثورة الفرنسية. تقبل روسو نظريات هوبز ولوك لكنه عدل بعضاً من أفكارها. فالحياة في حالة الفطرة بالنسبة له كانت سعيدة جداً، وعاش الناس في بدائية نبيلة بدون تصنع أو غيِره. وأن الذي أفسد البشر ، كما قال روسو، هو المجتمع نفسه. ولذا ضمّن بداية كتابة "العقد الاجتماعي" عبارة شهيرة تقول "أن الإنسان ولد حراً لكنه أصبح مقيداً في كل مكان".
    ومع ذلك زعم روسو بأنه يمكن تحسين المجتمع بشكل جذري مما يؤدي إلى الحرية الإنسانية. فالمجتمع العادل بنظره سيكون مجتمعاً اختيارياً له مشيئة خاصة به هي "الإرادة العامة". أي أن إرادة الجميع ستكون مقدمة على الإرادات الخاصة للأفراد وجماعات المصالح. وفي مثل تلك التجمعات يكتسب البشر الكرامة والحرية، أي أن المجتمعات هي التي تصنع الناس وليس العكس. فإذا كان الناس سيئون فذلك لأن المجتمع هو الذي جعلهم كذلك. ومن جهة أخرى فإن المجتمع الصالح يستطيع أن يصلح الناس عندما يسيئون التصرف ليكونوا أحرارا.ً
    وقد أحدث الفكر السياسي لجان روسو ( 1712-1778) انقساماً جلياً في الفلسفة السياسية الحديثة، فعلى أحد الجانبين يقف عصر التنوير بتأكيده على العقل بينما يقف على الجانب الآخر العصر الرومانسي الذي يؤكد على الشعور والعاطفة. وقد ساهمت أفكار روسو في أفول عصر التنوير وبروز العصر الرومانسي ، حيث تمثل روسو الرومانسية التي تعتبر المشاعر أداة لاكتشاف الحقيقة الكبرى حول الطبيعة البشرية والمجتمع السياسي بدلاً من العقل . فالمشاعر بالنسبة له ليست فقط الشهوات القاسية اللاعقلانية التي زعم هوبز أنه لابد من كبتها وإنما هي العواطف العضوية التي تدفع الأفراد لفعل الخير، بل إن روسو نفسه قد مر بتجربة قوية من الانفجار العاطفي.
    كانت هذه المشاعر موجهة نحو تناقضات النظام الاجتماعي وانحراف مؤسساته من جهة وتأكيداً على الطبيعة الصالحة للإنسان التي لم يفسدها إلا تلك المؤسسات . وشحنت مثل هذه المشاعر روسو برغبة عاطفية كبيرة لتحسين الظروف الإنسانية. بل إن معظم كتاباته كانت تمثل دفعة أخلاقية تنبع من اقتناع ديني. فقد شغل البحث عن الحقيقة والحرية والفضيلة روسو بنفس الطريقة التي شغل فيها البحث عن الخلاص مفكري العصور الوسطى .
    وفي هذه المهمة اعترف روسو أيضاً بأن المجتمع المدني لا بد أن يقوم على العاطفة والعقل معاً. وتعكس كتاباته محاولة لإيجاد قاعدة عاطفية للمجتمع السياسي ، حيث اعتقد بأن الأساس العقلاني الذي اقترحه لوك غير كافياً . فلوك كان عقلانياً أكثر مما ينبغي ولم يبال بالعاطفة ، والمجتمع المدني يمثل بحثاً عن شعور بالوحدة وليس مجرد أداة لحماية حقوق الملكية. وبينما أكد لوك على الصفة المحدودة للمجتمع السياسي أصر روسو على التزام غير محدود تقريباً من قبل الأفراد بإنشاء جماعة سياسية تقوم بدورها بإنشاء الإرادة العامة.
    ونظراً لأن روسو كان مهتماً جداً بموضوع إنشاء جماعة سياسية فلم يكن لديه الكثير ليقوله عن حالة الفطرة ، ومع ذلك فإن ما قاله يعتبر حاسماً في فهم المجتمع المدني الذي صاغه. فالأفراد في حالة الفطرة بنظره كانوا في وضع شبيه لوضع آدم قبل الخروج من اللجنة، وضع عزله ، براءة ، حدس بدون أخلاق أو عقل. والحديث عن الطبيعة الإنسانية في هذا الوضع غير ملائم فالإمكانية هناك لكن المؤسسات الاجتماعية هي التي تطور تلك الإمكانية. ومن المحزن بالنسبة لروسو أن المؤسسات الاجتماعية غالباً ما كانت فاسدة لكنها مع ذلك هي الأداة الوحيدة القادرة على تحويل الطبيعة الإنسانية.
    وبخلاف هوبز أكد روسو على أن الإنسان صالح في طبيعته وأن الشر هو من عمل المجتمع إلا أن المجتمع برغم كل ذلك كان ضرورياً بالنسبة للفرد ولذا فإن مهمتنا الأساسية هي أن نعيد بناءه بطريقة فعاله ونحوله من مجتمع فاسد إلى مجتمع نبيل. ولذلك لا يتفق روسو مع هوبز في أن البشر قد سلّموا مختارين بالخضوع لدولة مطلقة.
     
  2. minas

    minas عضو جديد

    رد: مقدمة في علم السياسة

    معلومات مفيدة شكرا لك
     
  3. رد: مقدمة في علم السياسة

    بارك الله فيك صديقي على هذا الكم الهائل من المعلومات