مقالة فلسفية لكل الشعب...

الموضوع في 'منتدى المواضيع المشتركة بين الشعب' بواسطة محب الحكمة, بتاريخ ‏4 يونيو 2008.

  1. محب الحكمة

    محب الحكمة مشرف عام

    السؤال: هل المفاهيم الرياضية مستمدة من الواقع أم أنها من صناعة العقل؟

    المقدمة:
    تعتبر الرياضيات من العلوم التي عرفها التفكير الإنساني منذ القدم حيث عرفت في الحضارات ما قبل اليونانية و التي عرفت اهتمام المفكرين و الفلاسفة إلى عصرنا الحديث و المعاصر و لعل أهم ما يعرف على الرياضيات انها علم الكميات و المقادير المجردة و على ذلك نجد من أهم القضايا التي يطرحها تاريخ العلم في موضوع الرياضيات قضية مفاهيم الرياضيات و علاقتها بالواقع بمعنى هل الرياضيات كعلم مجرد ما هي إلا تصورات عقلية مجردة أم أنها صور للواقع برموز رياضية و هذا ما يدفعنا لطرح تساؤل مآله هل الرياضيات مرتبطة بالواقع أم أنها مجرد تصورات عقلية مجردة؟

    الموقف الأول:
    تنطلق النزعة التجريبية من مقدمة أساسية مآلها ان الرياضيات علم مرتبط بالواقع و ان الرموز و المعادلات الرياضية ما هي إلا تصوير للواقع بصيغة رمزية حيث لا يمكن الحديث إن أي علم إذا لم يكن مرتبط بالواقع الحسي و التجريبي لأن اليقين الرياضي في الحقيقة ماهو الا يقين أثبته الواقع التجريبي لأنه مصدر اليقين و ما العقل الى مصدر للفرضيات و على ذلك لا قيمة للمستقيم او المثلث أو المربع أو أي قانون رياضي اذا لم يثبت صحته واقعيا و تجريبيا لهذا يعتقد ( دافيد هيوم) أن المعرفة الرياضية الصحيحة تكمن في التجربة حيث يقول" لا قيمة للرياضيات إلا بالصحة التي يثبتها الواقع الحسي " و هو ما قال به كذلك الفيلسوف و الرياضي ( جون ستيوارث ميل) معتبرا أن الرياضيات علم من علوم الملاحظة :" إن النقاط و الخطوط و الدوائر التي يحملها الرياضي و كل إنسان في ذهنه ما هي الا النقاط و الخطوط و الدوائر التي تعرف عليها في الواقع " و هذا يعني أن التصورات التي يتصورها الرياضيات و المعادلات مبدؤها الواقع لا العقل لن العقل لا يتصور إلا ما هو في الواقع و على نفس الموقف نجد الفيلسوف الرياضي ( جون لوك ) يعتقد ( ان الرياضيات نتعرف عليها من الواقع كما نتعرف على باقي الصور و حتى و إن بالغت في التجريد فان أصلها الواقع و منتهاها الواقع) و هو ما أكدته بعض البحوث في علم النفس الحديث خصوصا علم النفس التجريبي و السلوكي : حيث يرى علماء النفس أن الطفل يتعلم و يدرك المعاني بالانتقال من المحسوس الى المجرد فلا يدرك معنى العدد إلا بملاحظته للعدد في الأشياء المحسوسة ( القريصات و الخشيبات) و هو ما يقول به مجموعة من الفلاسفة الرياضيين أمثال( كبيلار) و لا فوازيه و( مندل) و هذا ما يثبه الواقع أيضا (( تعطي امثلة خاصة لتدعيم الموقف بالحجج الواقعية ))

    - النقد: لا ننكر أن الرياضيات و إن كانت من العلوم المجردة فأنها تكتسب قيمتها من الواقع التجريبي الذي يجعلها أكثر قربا لحيان الإنسان لكن هذا لا يعني أن الرياضيات بقيت في الوقع و أنها كباقي العلوم التجريبية إذ نجدها كثيرا ما تتجاوز الواقع و ننفصل عليه

    الموقف الثاني:
    يدافع أنصار النزعة العقلية على مسلمة و مبدأ أساسي في الرياضيات و هو ان الرياضيات علم عقلي محض و المفاهيم الرياضيات تصورات عقلية تتجاوز التجربة و تتعداها لان التجربة ما هي إلا صور يخلو منها التنظيم و النسق فالرياضي الحقيقي عندهم هو الذي يعطي للعقل حرية التفكير و لا تكون هذه الحرية الرياضية إلا بالانفصال التام عن التجربة و عن الصور الحسية المغالطة و البعيدة على اليقين لان الرياضيات ت هي اعتادت تصور الواقع في قوانين جديدة عقلية تكيف الواقع و تصححه فلو بحثنا عن الدائرة او المستقيم لن نجده في الواقع أبدا لكن بالعقل و العقل فقط نستطيع أن نتصور مستقيم في صورته الدقيقة و الصحيحة و على هذا فمن المغالطة و الخطأ قول أن المفاهيم الرياضية واقعية و حسية بل هي كما يتصورها ديكارت مفاهيم موجودة في العقل مسبقا و لا تمت بالصلة بالواقع لأنها وليدة العقل الخالص لذا فهي بديهية وصحيحة بذاتها و لا تحتاج ليثبتها الواقع بل منها نثبت أن الواقع على صورة صحيحة أم لا لهذا يقول العقل اعدل قسمة بين الناس و يقول أيضا:" إن الرياضيات عقلية تمتاز بالبداهة و التجريد " و هو المعنى و الموقف الذي قال به الفيلسوف الرياضي ( ليبنيتز) معتبرا الرياضيات امتداد للمنطق الصوري و تدقيقا له حيث يقول :" بالعقل نصنع المبادئ الرياضية و بالعقل تثبت صحتها..." و على ذلك يندرج موقف (كانط) الذي يقول:( إن أساس الرياضيات قضايا حقيقية قبلية تفرض نفسها بنفسها على العقل فرضا ) بمعنى انها عقلية بالفطرة لا من التجربة و على هذا قال لالاند:" كل قضية لا يبرهن عليها العقل لا تعتبر من الرياضيات.."

    النقـــد:
    حقا الرياضيات تمتاز بالتجريد و التصور الذي مصدره العقل لكن هذا لا يبرر القول انها عقلية بصفة مطلقة و أن الواقع لا يرتبط بها لأن الواقع يثبت أن الرياضيات مهما كانت مجردة فإنها تبحث عن وجود لنفسها في الواقع التجريبي و الحسي
    تركيب:
    مما سبق يمكننا القول أن الرياضيات لا هي تجريبية بصفة محضة و لا هي عقلية بصورة خاصة بل هي جمع بين التصورات العقلية و التطبيقات الواقعية لن الإنسان مهما عاش بعقله فهو موجود دوما في واقع حسي ملموس
    التقييم:
    استنتج أن المفاهيم الرياضية ليست تجريبية فقط و لا عقلية فقط بل هي تكامل بين العقل و التجربة و الرياضيات المعاصرة أحسن دليل على ذلك و خصوصا بعدما أصبحت لغة العلوم التجريبية فانها ترتبط بالتجربة وظيفيا و إن كانت عقلية في الطبيعة