مفهوم المجتمع المدني وأزمة المجتمع العربي

مفهوم المجتمع المدني وأزمة المجتمع العربي 2‏الجزء الأول : نشأة مفهوم المجتمع المدني وتطوره في الفكر الحديث والمعاصر للحضارة الرأسمالية الغربية
في سياق انتقال مجتمع أوروبا من النمط الزراعي الإقطاعي محدود الأفق إلى النمط الجديد التجاري الصناعي الرأسمالي ‏بآفاقه المفتوحة ، وعبر صراع وتناقض نوعي متعدد الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية ، بدأت تراكماته ‏الأولى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، في هذه المرحلة الانتقالية ، تولدت المفاهيم والأفكار والمدارس الفلسفية ‏معلنة بداية عصر جديد للبشرية ،عصر الحداثة، عصر النهضة والتنوير ، عصر المواطنين الأحرار ، عصر المجتمع المدني ‏والديمقراطية .‏
لكن ولادة هذه المفاهيم لم تكن عملية سهلة في المكان أو الزمان ، ولم تتم أو تظهر معالمها دفعة واحدة ، ولم تتخذ شكل ‏القطع منذ اللحظة الأولى مع النظام أو الحامل الاجتماعي القديم. إذ أن هذا الانقطاع لم يأخذ أبعاده في الانفصام التاريخي ‏بين مفاهيم العصر الإقطاعي القديم ، ومفاهيم عصر النهضة والتنوير الجديد ، إلا بعد أربعة قرون من التراكم والنفي ، ‏شهدت صراعاً مادياً وفكرياً هائلاً من جهة ، وتحولات ثورية في المدن والتجارة والاقتصاد والاكتشافات العلمية من جهة ‏أخرى. هذه التحولات كانت بمثابة التجسيد لفكر النهضة والإصلاح الديني والتنوير والديمقراطية ، وسيادة القانون في ‏إطار الحداثة ، وهي التي أرست في الوقت نفسه القواعد الأساسية التي استند إليها ” المجتمع المدني ” وارتبط بها فيما بعد ‏عبر علاقة جدلية متجددة أو قابلة للتجدد .‏
وفي هذا السياق يقول د.صادق العظم “إن ما يميز العصر الأوروبي الحديث ، هو هذا الاتحاد العضوي الفريد الذي تم بين ‏المصالح الحيوية للطبقات التجارية الصاعدة وبين الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية والميكانيكية الجديدة ، لقد ‏أضحى للرأس مال مصلحة حيوية في العلم ، كما أصبح للتقدم العلمي مصلحة لا تقل حيوية في الرأس مال ، وهذه ‏دينامية حضارية جديدة تماما لم يعرفها الإنسان من قبل ، هذا المزيج الجديد ، برهن أنه طاقة متفجرة وهائلة الى أبعد ‏الحدود ، مدمرة وخلاقة في وقت واحد ، هذه الطاقة هي التي صنعت ما يسمى بالحداثة ، وشكلت العالم الحديث وقضت ‏على القديم ، كان شعارها : المعرفة قوة ، وكان للعلم دورا حاسما في الإنتاج التدريجي للفلسفة الحديثة ، تماما كما كان ‏حاسما في إنتاج نوع جديد من المعرفة بالطبيعة وظواهرها ، وبالمادة وبقوانين حركتها عبَّر عن نفسه بمقولات جديدة . فإذا ‏رجعنا ، أو حاولنا مراجعة أبرز المقولات والتصورات التي سيطرت على الخطاب الفلسفي وتفسيره للعالم قبل عصر ‏النهضة أو قبل المرحلة الحديثة ، نجد أنها تضم التالي : الماهية ، الجوهر ، المُثُل ، الفيض ، الغاية ، الوجود بالقوة ، الصورة ، ‏الهيولي ، الفكرة المطلقة ، أو الصانع الأول ، التسيير ، التخيير ، الغيب …الخ ، فإذا انتقلنا الى الفلسفة الحديثة وخطابها ، ‏فماذا نجد ؟ نجد تراجعا بطيئا ولكن متزايدا ومؤكدا لهذه المقولات والتصورات الغيبية جميعا لصالح صعود نوع مغاير منها ، ‏أخذ يحتل مواقع السيطرة على الخطاب الفلسفي الحديث (خطاب ومقولات عصر النهضة) ، مثلا : المكان ، الزمان ، ‏الجسم المادي ، الذرة ، الحركة ، العلة الفاعلة ، الصفات الأولية ، الصفات الثانوية ، قوانين الحركة ، الاستقراء . وكل ‏هذه المقولات مستمدة ومشتقة من العلم الحديث وخطابه ونظرياته . باختصار ، لقد فرضت الكوزمولوجيا العلمية ‏الجديدة (المادية الميكانيكية تحديدا) على الفلاسفة والفلسفة خطابا وتصورات ومقولات علمية نقيضه ونافية للفكر الغيبي ‏القديم ومقولاته(8).‏
ومما لاشك فيه -من جانب آخر- ، أن ولادة ” المجتمع المدني ” لم تكن ممكنة بدون نجاح الثورات السياسية البورجوازية ‏التي أنجزت كثيراً من المهمات الديمقراطية ، في فضاء التنوير والعقلانية والعلم والديمقراطية . فقد كان نجاح هذه الثورات ‏أو التغيير العنيف ، في هولندا في مطلع القرن السابع عشر ، وفي بريطانيا من (1641 - 1688)، ثم الثورة الفرنسية ‏‏(1789 – 1815)، والثورة الألمانية في منتصف القرن التاسع عشر بمثابة الإعلان الحقيقي لميلاد عصر النهضة أو عصر ‏الحداثة .
ففي هذا العصر انتقلت أوروبا الغربية من مجتمع الطبيعة المحكوم بنظرية الحق الإلهي إلى المجتمع المدني ، مجتمع الديمقراطية ‏والثورة العلمية الكبرى التي دشنت العلاقة بين الإنسان والعالم من جهة وبين العقل والمنهج العلمي من جهة أخرى . ‏
ولكن ما هي المنطلقات والعوامل الأساسية التي دفعت نحو تشكل هذا العصر واستمراريته ؟
إن معظم الدراسات التي تناولت هذه المرحلة التاريخية الأولى من عصر النهضة وما يطلق عليها ” المرحلة الانتقالية ” تتفق ‏على أن العنصر الرئيسي لهذا العصر هو أولوية الفرد وحريته ، أو الفردية ، والإقرار باهتمامات الشخصية الإنسانية ‏وحقوقها ومصالحها كموقف نقيض للحكم المطلق ، الديني والسياسي ، الذي ألغى هذا الحق وصادره أكثر من ألف عام ، ‏دون أن نغفل دور التجارة وأثرها في تعزيز النزعة الفردية في سياق تطور الطبقة البورجوازية الصاعدة آنذاك ، والتي ‏وجدت في التجارة سندها المعنوي بما تستدعيه من نظام في المعارف والأخلاق والقوانين والأنظمة التي تحمي وتعزز سيادة ‏الطبقة الجديدة، فالبرجوازي –الصانع أو التاجر- غايته الأولى هي الربح في عالم وحيد ، هو عالم الامتلاك والبضاعة ‏والتنقل الحر ، في الزمان والمكان ، ولا حاجة به للراهب أو لسلطان الكنيسة والحكم المطلق .‏
بالطبع لم يكن هذا التحول ممكناً ، بدون تراكم المواقف والرؤى الفلسفية والفكرية الرحبة التي كسرت الجمود الفكري ‏اللاهوتي – الإقطاعي السائد ، وأدت إلى تهاوي استبداد الكنيسة في عقول الناس ، وإخفاق نفوذها الاقتصادي ‏والسياسي، ومهدت لولادة النظام الجديد-المجتمع المدني.‏
ومن الجدير بالتأمل والمتابعة أن هذه العملية من التراكم والتحول النوعي تخللتها أشكال متنوعة من الصراع الحاد، الذي ‏نشب طويلا بين دعاة الجديد المدافعين عن سيادة العقل والعلم والحرية، والمدافعين عن القديم أو النظام القائم على السلطة ‏المطلقة في السياسة والمجتمع والمعتقدات الدينية والمعارف، وبالتالي فإن ما أتى به فلاسفة الفكر السياسي الحديث هو مواكبة ‏وإتمام لما قام به علماء وفلاسفة آخرون في مجالات الفلك والطبيعة والرياضيات ونظرية المعرفة.‏
من هنا فإن الحديث عن نشأة مفهوم المجتمع المدني وتطوره في الفكر الغربي كما يقول سعيد ابن سعيد العلوي “يفترض ‏تحليل مجموعة هائلة من النصوص التي كتبها هوبس وجون لوك وروسو ،وكانط وهيجل، وماركس وانجلز ولينين ‏وجرامشي، إضافة إلى ما كتبه أوغست كونت وسان سيمون وتوكفيل وماكس فيبر وآدم سميث وكنز وروزا لوكسمبرج، ‏كما يلزمنا أن نتعرض للمفهوم من حيث هو تصور تجريدي لتطور المجتمع الغربي الحديث بحيث يكون ميلاد المجتمع ‏الصناعي تعبيرا عنه وتصويرا لما صاحبه وواكبه من صراعات وثورات سيكون التعبير عنها هو تطور النظرية الليبرالية من ‏جانب وميلاد وتطور الماركسية من جانب آخر” (9) .‏
و بدون ذلك التحليل ، الذي يقع على عاتق الطليعة الحزبية السياسية المثقفة بالدرجة الأولى ، لن يتم التوصل إلى صياغة ‏و تركيب الرؤية النظرية التحليلية المناسبة لواقعنا العربي الراهن ، وما تتطلبه من ضرورة إعادة النظر في مختلف الأبعاد , ‏الأيديولوجية و الثقافية , و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية , و استنباط جدلية العلاقة المطلوبة – على الصعيد ‏القطري و القومي , لتفعيل الأطر النقيضه المنظمة والآليات التغييرية لكي تقوم بدورها في تجاوز المرحلة الراهنة ببرنامجها ‏القومي التقدمي القادر على صياغة المستقبل .
من ناحية أخرى،فإن تحليل مفاهيم عصر الحداثة والمجتمع المدني سيقودنا إلى استكشاف عمق التباين بين مجتمعاتنا وبين ‏المجتمعات الأوروبية، ليس فقط من حيث التطور الاجتماعي التاريخي و شكله و محتواه، بل من حيث التطور المعرفي الذي ‏تواصل في حركة متجددة صعودا في الغرب، في حين انه عاش في الشرق حالة انقطاع و جمود معرفي أو ضمن حلقة دائرية ‏منذ القرن الثالث عشر الميلادي إلى يومنا هذا , عبر استمرار سيطرة النظام القديم و أدواته و رموزه السياسية و ‏الاجتماعية ،في ظل عوامل داخلية وخارجية مترابطة ، أغلقت السبل في وجه كل محاولات النهوض أو محطاته في التاريخ ‏العربي المعاصر , و ذلك على النقيض مما جرى في سياق التطور الأوروبي الذي تفاعل عبر الصراع الحاد مع أفكار التنوير ‏و النهضة وأدواتهما وأفسح المجال لنمو الدور الرائد والهام للبورجوازية الصاعدة وتعاظمها، في مقابل تراجع سلطة النبلاء ‏و الكنيسة أو السلطة المطلقة.‏
فقد ترافق صعود البرجوازية في تلك المرحلة مع ظهور العصر الكلاسيكي لنظرية المجتمع المدني، أو عصر النهضة، الذي ‏تمت فيه صياغة هذه النظرية التي تبلورت عبر حصيلة نوعية من أفكار التنوير للعديد من المفكرين و الفلاسفة من كل أنحاء ‏القارة الأوروبية و على مدار الأربعة قرون السابقة على القرن التاسع عشر .‏
وقد كان نيقولا ميكافيللي ( 1469- 1527 ) من أوائل المنظرين السياسيين أو المبشرين بالعصر الجديد , فقد حاول في ‏مؤلفاته ، البرهنة على أن البواعث المحركة لنشاط البشر هي الأنانية و المصالح المادية . فالفردية و المصلحة عنده هما أساس ‏الطبيعة الإنسانية، وقد وجدت البرجوازية الصاعدة -آنذاك- في هذه المفاهيم ملاذا ومدخلا لتطورها وصعودها. و في ‏هذه المرحلة، ظهرت كتابات نيقولا كوبرنيكس (1473 – 1532 ) التي ساهمت في تحطيم الأيديولوجية اللاهوتية , ‏ووضعت كما يقول “انجلز” الأسس الأولى لبداية تاريخ تحرر العلوم الطبيعية من اللاهوت. هذه الأسس تبناها -فيما بعد- ‏الفيلسوف و العالم الفلكي “جوردانو برونو” (1548 – 1600) صاحب النظرية العلمية التي تقول ب”لا نهائية المكان أو ‏لا نهائية الطبيعة “، و هو القائل بأن “الكلمة الأخيرة في كل مجال من مجالات المعرفة تكمن في العقل وحده”. (وبسبب ‏موقفه العقلاني هذا، حكمت عليه الكنيسة بالموت حرقا) .‏
كما كان للعلماء الطبيعيين – ليوناردو دافينشي و جاليليو و غيرهما – إسهامهم في هذا الجانب , إذ أنهم صاغوا النظرة ‏الديئية ‏Deism‏ (10) إلى الطبيعة التي أسهمت إلى جانب النزعة الإنسانية ، في تعزيز الفلسفة العقلانية و المنهج العلمي ‏وتطورهما كمنطلقات أساسية للبرجوازية الأوروبية الصاعدة تمهيدا لولادة عصر النهضة . ‏
و بتأثير هذه الأفكار , التي ساهمت في تفسخ العلاقات الاجتماعية – الاقتصادية في النظام الإقطاعي الأوروبي , تراجع ‏الدور السياسي الذي لعبه الدين في المجتمع , و تراجعت معه الهيمنة الثقافية الفكرية اللاهوتية , لحساب تنامي الظروف ‏الموضوعية و العوامل الذاتية , التي أدت إلى انتشار العلاقات الرأسمالية و تفشيها في مسامات المجتمع الإقطاعي . و قد ‏اتخذت هذه العملية مسارا تدريجيا في منطلقاتها و أهدافها الفكرية و الفلسفية العامة , فبدأت خطواتها الأولى تحت غطاء ‏النزعة الدينية الإصلاحية التي تزعمها مارتن لوثر (1483– 1546) الذي أعلن مطالبته بالإصلاح إلى جانب انه أنكر ‏دور الكنيسة و رجال الدين كوسطاء بين الإنسان و الله . و كان لهذا الموقف دور هام في فتح آفاق القطيعة بين الدين و ‏الدولة(11) و تعميق تطور مفاهيم المجتمع المدني و المثل السياسية البورجوازية و الدولة الديمقراطية.‏
ومع تواصل الحراك والتناقض والصراع الاجتماعي والفكري بوتائر متفاوتة في تسارعها بين القديم والجديد، ظهرت أفكار ‏الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561-1626) التي تدعو إلى إقامة منهج علمي جديد يرتكز على الفهم المادي ‏للطبيعة وظواهرها، كما تدعو إلى “النزعة الشكية فيما يتعلق بكل علم سابق كخطوة أولى نحو الإصلاح وتطهير العقل من ‏الأوهام : أوهام القبيلة، وأوهام الكهف، وأوهام السوق، وأوهام المسرح” (12).‏
لقد كان فرنسيس بيكون –كما يقول ول ديورانت-”اعظم عقل في العصور الحديثة، قام بقرع الجرس الذي جمع العقل ‏والذكاء، وأعلن أن أوروبا قد أقبلت على عصر جديد” (13).
ويبدو أن الفيلسوف الفرنسي ديكارت(1596-1650) كان متأثرا إلى حد بعيد بأفكار بيكون، فقد ارتكز المذهب ‏العقلاني عند ديكارت على مبدأ الشك المنهجي أو الشك العقلي الذي يرمي إلى تحرير العقل من المسبقات وسائر ‏السلطات المرجعية، وكذلك الأمر بالنسبة لتوماس هوبز (1588-1679) الذي رفض في مذهبه في القانون والدولة ‏نظريات الأصل الإلهي للمجتمع، واستنتج أو استخلص أن كل سلطة مدنية يجب أن تكون انعكاسا لأصل مجتمعي دنيوي، ‏وقد حورب بسبب موقفه هذا الرافض لاشتقاق السلطة المطلقة من الحق الإلهي، إذ أن الوجود الممكن الوحيد للمجتمع ‏عند هوبز هو، المجتمع المدني، المجتمع السياسي المنظم في دولة”(14). فالنسبة لهوبز “فإن كل نشاط هو نوع من أنواع ‏الحركة ، وبما أن الفكر نشاط ، فلا بد من الاستنتاج بأن الفكر حركة ، والحركة بطبيعة الحال هي حركة جسم مادي ‏ليس إلا ، وهذا ما دفعه الى تأكيد الطبيعة الدنيوية والبشرية للسلطة السياسية رافضا بصورة حاسمة المصدر الإلهي لهذه ‏السلطة” (15).
وفي سياق تطور هذا المفهوم نتوقف قليلا عند جون لوك (1632-1704) الذي كان مباشرا وصريحا في رفضه لمفاهيم ‏المجتمع الإقطاعي، ولذلك فقد كانت رؤيته مغايرة لكل من سبقوه، حينما أعلن أن الحالة الطبيعية للبشر تتأكد عند سيطرة ‏الحرية والمساواة كمفاهيم أساسية تحكم المجتمع، لقد تميز جون لوك بوضوحه فيما انتهى إليه، فالتعاقد الاجتماعي عنده ‏‏“غاية معلومة لا تكون مع العبودية والخضوع(16)، فهما نفي لتلك الغاية وإقصاء لها، فالغرض الأساسي من التعاقد ‏الاجتماعي هو المحافظة على الأرواح والملكية الخاصة وإلغاء النظام الملكي المطلق (أو الفردية الاتوقراطية) التي لا تتفق مع ‏طبيعة المجتمع المدني الذي ينطلق في الأساس من مبدأ الإرادة الحرة”(17) .‏
وفي سياق تطور عملية إنتاج المعرفة في أوروبا، يتواصل تطور مفهوم المجتمع المدني مع شارل مونتسكيو (1689-‏‏1755)، أحد أعمدة التنوير الفرنسي، ففي كتابه “روح القوانين” يتفق مونتسكيو مع مضمون المبادئ التي صاغها سلفه ‏الإنجليزي جون لوك، لكنه يتميز بتأكيده على أن الضمانة الأساسية للحرية تكمن في المؤسسات الدستورية الكفيلة وحدها ‏بالحد من العسف وكبحه، إلى جانب رفضه للحكم المطلق الذي اعتبره شكلا مناقضا للطبيعة الإنسانية ، ومناقضا للحقوق ‏الشخصية وحصانتها وأمنها، ففي “مجال العقوبات ، يضع مونتسكيو حدا فاصلا بين الفعل وبين نمط التفكير، فالعقاب ‏يستحق فقط على الأفعال التي يقترفها الإنسان لا على أفكاره أو آراءه، إذ أن عقاب الإنسان على أفكاره هو امتهان ‏فاضح للحرية”.
ولكن رغم إيمان “مونتسكيو” بسيادة القانون وحرية الفكر، إلا أن “جمهوريته لا تتجلى في حكم الشعب كله، بل في ممثليه ‏من النخبة الأرستقراطية، فهو يخشى حكم الشعب باعتباره استبداد الرعاع، وهو أسؤ أنواع الاستبداد، فالجمهورية هي ‏حكم الرجال الأحرار وليست حكم العبيد ولا أخلاق العبيد” (18).‏
وإذا كان لأفكار مونتسكيو، ومن بعده فولتير، وكوندياك، دور هام في وضع أسس المجتمع المدني البرجوازي الجديد، فإن ‏جان جاك روسو(1712-1778) لم يتميز بأهمية أفكاره الفلسفية النظرية فحسب، بل في تلك الأفكار الاجتماعية ‏والسياسية والأخلاقية والتربوية التي طرحها، وكان “أكثر وضوحا من كل المنورين الفرنسيين في عهده، فقد وقف مع ‏وجهة نظر البرجوازية الصغيرة الراديكالية والفلاحين والحرفيين، وهي وجهة نظر أكثر ديمقراطية من معاصريه ، ففي كتابه ‏‏” العقد الاجتماعي ” يحاول “روسو” البرهنة على أن الوسيلة الوحيدة لتصحيح التفاوت الاجتماعي ، هي في ضمان الحرية ‏و المساواة المطلقة أمام القانون ، و هذه الفكرة لقيت ترحيبا فيما بعد عند رجال الثورة الفرنسية لا سيما اليعاقبة”(19) ‏كما طرح في ” عقده الاجتماعي ” نظام الجمهورية البورجوازي الذي أكد فيه أن الحياة السياسية يجب أن تقوم على ‏سيادة الشعب المطلقة ، و رفض تقسيم السلطة إلى تشريعية و تنفيذية ، و اقترح بدلا منها الاستفتاء الشعبي العام في جميع ‏الأمور السياسية الهامة ، انه بذلك – كما يقول د. عزمي بشارة ، ” يؤسس سلطة مطلقة ، هي سلطة الشعب ، و لكن ‏الشعب يبقى كيانا مجردا إذا لم تتوفر الديمقراطية كشكل لسلطته ، أي كيانا معنويا لا توجد وسائل لترجمة و ممارسة قوته ، ‏و يفرد المجال لمن شاء من الدكتاتوريين الشعبويين للتكلم باسمه” (20).‏
إن مأثرة روسو الخالدة ، أنه أكد على شرط التلازم بين النسبي وبين الحرية والمساواة، فلا “مكان في عقده الاجتماعي ‏لمواطن غني إلى درجة تمكنه أن يشتري الآخر، وفقير إلى درجة يضطر فيها إلى بيع نفسه، لقد أدخل روسو عنصر المساواة ‏إلى المجتمع المدني، وبذلك جعل العدالة الاجتماعية شرط الحرية” (21). إن روسو بذلك يعبر عن قناعته -وهي قناعة ‏موضوعية صحيحة- بأن أصل التناقضات في الحضارة البشرية يكمن في التفاوت الاجتماعي “الذي يرجع، بدوره، إلى ‏التفاوت في الملكية –ملكية الأرض، وأدوات العمل. إن المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني المعاصر، عند روسو، هو ذلك ‏الرجل، الذي وقف للمرة الأولى، ليسيج قطعة من الأرض ويصيح: “هذا –لي”، ووجد أناس، بسطاء بما فيه الكفاية، ‏ليصدقوا ذلك”(22).
لقد استحق روسو بحق لقب “رجل الديالكتيك في فلسفة التنوير الفرنسي” الذي أطلقه انجلز عليه.‏
وبقيام الثورة البرجوازية الفرنسية ، لم يعد ثمة مناص من تحطيم العلاقات الاقتصادية – الاجتماعية الإقطاعية ، لحساب ‏التطور الرأسمالي الصاعد داخل إطار المجتمع المدني الجديد في بقية البلدان الأوروبية، وخصوصا ألمانيا، التي كان التطور ‏الرأسمالي فيها أبطأ مما كان عليه في إنجلترا وفرنسا، في مقابل التطور المعرفي للفلسفة الألمانية التي كانت أكثر تقدما ‏ووضوحا وشمولية عن مثيلها في البلدان الأوروبية المجاورة. من هنا ، جاء وصف ماركس لفلسفة عمانويل كانت (1724 ‏‏– 1804)، رائد الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، “بأنها النظرية الألمانية للثورة البورجوازية الفرنسية، فكانط الذي عايش ‏تطور الرأسمالية في المجتمعات الأوروبية ، هو أول من تنبه إلى خطأ مقولات آدم سميث (1723-1790) حول الطبيعة ‏الاقتصادية والتجارية للمجتمع المدني ، التي تناولها في كتابه الشهير “ثروة الأمم” عام 1766 حيث “أكد على مفهومين: ‏الأمة بدل الدولة ، والغنى (أو الثروة) بدل السياسة ، بما يعني أن المجتمع المدني هو مجتمع للمبادلات التجارية، فالعمليات ‏الإنتاجية والمبادلات التجارية تتمخض من تلقاء نفسها، وبصورة تدريجية، عن حكومة نظامية تضمن للأفراد حريتهم ‏وأمنهم ومصالحهم من دون تدخل الدولة وقوانينها في المجال الداخلي، ويقتصر دورها على المجال الخارجي لتأمين أمن ‏الحدود، فضلا عن القيام بالمشاريع الكبرى التي تعجز عنها المبادرة الخاصة. وهكذا يكون آدم سميث هو أول من دشّن ‏القطيعة بين الدولة والمجتمع المدني”(23)، أو الليبرالية ، ممهدا -مع غيره من المفكرين والفلاسفة- الطريق للفلسفة الألمانية ‏ودورها الرائد ، وخصوصا تلك الفلسفة التي تناولت الطريقة الديالكتيكية والمنطق الديالكتيكي، وصاغت القوانين التي ‏تحكم عملية التطور”(24)، وهي مأثرة تسجل للفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831)، الذي كان أول من نظر إلى ‏العالم الطبيعي والتاريخي والروحي، بوصفه عملية، أي في حركة دائمة، في تغير وتطور مستمرين، وهو أول من صاغ ‏بشكل منظم النظرة الديالكتيكية إلى العالم، وما يوافق ذلك من منهج ديالكتيكي في البحث. لقد صاغ هيجل الديالكتيك ‏باعتباره علما فلسفيا يعمم التاريخ لكامل المعرفة، وكذلك القوانين الأكثر شمولا لتطور الواقع الموضوعي، ونقصد بها ‏قوانين الترابط والتناقض ونفي النفي، ذلك هو المبدأ الديالكتيكي الهيغلي في وحدة الجوهر والمظهر، إلا أن هذه الوحدة لا ‏تستمر في الحركة الى ما لا نهاية ، فهي تتوقف -كما يرى هيجل- عند الدولة الألمانية أو عند مفهوم نهاية التاريخ ، وهو ‏ما تصدى له ماركس فيما بعد.‏
ولكن مأثرة هيجل تكمن في رؤيته التي تقوم على أن تطور التاريخ هو انعكاس لتطور الحرية العقلية المدركة بأن “الأشياء ‏في ذاتها” ليست مستعصية على المعرفة، فليس في طبيعة الأشياء (في الطبيعة أو المجتمع) أية عوائق أو حدود تقف أمام عملية ‏المعرفة، هنا تتجلى بوضوح دلالات فلسفة هيجل التي لا تنفصل عن المضمون الداخلي لعملية التطور الاجتماعي ‏وتناقضاته، وهذا ما أدركه هيجل في نظريته عن المجتمع المدني، التي حاول من خلالها تخفيف الصراعات الاجتماعية عبر ‏رؤية تقوم على التوازن بين الملكية الخاصة والأنانية الفردية من جهة، وإشكالية الإفقار والاغتراب من جهة أخرى، وكما ‏يقول د.عزمي بشارة “هناك محاولة مستمرة –عند هيجل- لحل مشكلة الإفقار والاغتراب الناجمة عن مبدأ الأنانية الفردية ‏والملكية الخاصة، التي يقوم عليها المجتمع المدني، دون التنازل عن الفرد وحريته وحقه في التعاقد، ومن اجل ذلك ينطلق ‏هيجل من الخطوة الأولى في تأسيس المجتمع المدني، وهي العمل من أجل سد الحاجات البشرية ضمن نظام الملكية الخاصة ‏التي لا تعني شيئا دون الاعتراف الاجتماعي بها، فالتبادل بين البشر في علاقات السوق لا يمكن أن يتم دون القانون ودون ‏عملية تنظيم أو إدارة العدالة، فالسوق وحدها لا تنتج قانونا وعدالة، من هنا تنشأ الحاجة إلى السلطة، السلطة العامة ‏‏(‏Public Authority‏)، (سلطة المجتمع المدني) ولكن هيجل يعود إلى القول بأن للملكية الخاصة الفردية حدودها، ‏رغم تأكيده بأن هذه الملكية هي أساس المجتمع المدني” (25). ‏
إن تأكيد هيجل على أن للملكية الخاصة الفردية حدودها، أو قيودها، يرتبط بمفهومه للحرية الذاتية ، التي تتحقق فقط في ‏نظام اجتماعي ، يتيح للفرد ، حدا معينا ومقبولا من مقومات الحياة بكل جوانبها داخل المجتمع، ففي ظروف الفقر ‏والبؤس والحرمان الاجتماعي ، لا يمكن أن تتوفر عوامل التطور الاجتماعي والثقافي للفرد، وبالتالي لا جدوى من الحديث ‏عن الحرية، إذ أنها تصبح –في حال وجودها- بلا أية قيمة أو معنى. ففي غياب حرية الفرد –في ظروف القهر الاجتماعي ‏أو الطبقي- تنتفي أهم ميزات المجتمع المدني وهي تطور الوعي السياسي ، بل وينتفي وجود المجتمع المدني كواقع ملموس ‏قائم بذاته ، كما نلاحظ في مجتمعاتنا العربية في ظروفنا الراهنة .‏
وفي مواجهة المنطلقات الفكرية للفيلسوف الألماني “هيجل” عموما ، ونظام الملكية الخاصة وعلاقات السوق ومبدأ الحرية ‏الذاتية خصوصا ، قدم ماركس (1818-1883) تعريفه للمجتمع المدني على أنه “حلبة التنافس الواسعة للمصالح ‏الاقتصادية البرجوازية ، فالمجتمع المدني عنده هو المجتمع البرجوازي ، انه فضاء الصراع الطبقي ، وهو بالتالي الجذر الذي ‏تمخضت عنه الدولة ومؤسساتها المختلفة”(26)، إذ أن الدولة (الرأسمالية) -لدى ماركس- “ليست بأي حال من الأحوال ‏قوة مفروضة على المجتمع من خارجه ، وليست هي واقع الفكرة الأخلاقية كما يقول “هيجل” ، لكنها نتاج المجتمع نفسه ‏عند درجة معينة من تطوره ، اقتضت في النهاية وكما يقول انجلز “ظهور قوة تقف ظاهريا فوق المجتمع” ، وبالتالي فإن ‏وجود الدولة -في المجتمع البرجوازي- يعني وجود مجتمع مدني ، كما أن وجود المجتمع المدني هو الذي أفرز الدولة ذات ‏السلطة العامة والقوة المسيطرة الخاضعة للنظام والقانون ، وهو أمر لم يسبق وجوده في التنظيم العشائري ، أو التشكيلات ‏الاقتصادية الاجتماعية القديمة ، وقد أشار انجلز الى الدور الذي امتلكته الدولة البرجوازية بقوله “إن أصغر شرطي في ‏الدولة المتمدنة يملك سلطانا يفوق سلطان جميع هيئات المجتمع العشائري” وهذا يقودنا الى استنتاج أن مقولة المجتمع المدني ‏لا تستخدم إلا في ظل الملكية الخاصة أو المجتمعات التي تعتمد هذه الملكية”(27).‏
لقد تصدى ماركس لمُنَظِّري الإصلاح الاجتماعي(28) في عصره ،”الذين نظروا الى الجماهير الأوروبية البائسة والمعدمة ‏بصفتها موضوع الإصلاح والتغيير الذي سيتم لمصلحتها ولكنه لن يأتي أو يتم على يدها أو بفعلها ، إن هذه الجماهير ، ‏موضوع الإصلاح والمستفيد منه ، ولكنها ليست الذات الصانعة للثورة أو التغيير ، لقد رفض ماركس هذه الصيغة الفوقية ‏، وتجاوزها جدليا الى ما هو أرقى ، أي الى تأكيده المعروف بأن المهمة الإصلاحية والثورية إياها غير قابلة للإنجاز إلا على ‏يد أصحابها الذين سيحولون أنفسهم ووعيهم ومجتمعهم (المدني) من خلال الصراع الطبقي”(29).
إن وضوح هذه الرؤية “استند في الواقع الى المفاهيم العلمية الاستراتيجية الجديدة التي أشاد عليها ماركس المادية التاريخية ، ‏ومن أهمها”(30):
‏1-”مفهوم البنية الفوقية ، الذي تطور عند ماركس وتبلور نتيجة النقد الراديكالي الذي وجهه ماركس الى ظواهر مثل ‏الدين والحق والفكر والثقافة والدولة …الخ وبخاصة الى الفلسفة السائدة وقتها في ألمانيا التي كانت ترجع تلك الظواهر ‏الى مصادر إلهية أو روحية متعالية” .‏
‏2-”مفهوم قوى الإنتاج ، وهو أهم أداة معرفية-علمية حاسمة قدمها ماركس الى علوم الأفعال ، وقد استخدم هذا المفهوم ‏الجديد ، كأساس علمي لنقد سجالي شديد ومدمر وجهه الى تلك النظريات والفلسفات السائدة يومها ، القائلة بأن الحياة ‏الاجتماعية بمؤسساتها هي نتاج لروح تاريخية معينة أو لقيم ثقافية أو تأملات ميتافيزيقية مثالية شائعة بكثرة في تلك الأيام ‏في ألمانيا (وهي ما زالت شائعة -وفاعلة- في بلادنا ونحن في القرن الحادي والعشرين !!؟) ‏
إن ماركس بتقديمه لفكرته عن قوى الإنتاج ، ومضامينها ، أكد أن الحياة الاجتماعية بمجمل تجلياتها وظواهرها ، لا تتكون ‏في الأساس عشوائيا أو تتشكل روحيا ، أو تتطور ذاتيا وإراديا ، بل ترتكز الى قاعدة موضوعية محددة ومتحركة يلخصها ‏نوع معين من قوى الإنتاج المادية” .‏
‏3-”مفهوم علمي استراتيجي آخر قدمه ماركس ، هو مفهوم علاقات الإنتاج ، وقد نشأ هذا المفهوم نتيجة استيعاب ‏ماركس ونقده وتجاوزه لفكرة المجتمع المدني التي استخدمها هيجل ، فقد أحل ماركس مفهومه العلمي الجدي ، ليس محل ‏فكرة المجتمع المدني فحسب ، بل محل فكرة “العلاقات الاجتماعية” أيضا ، وعبر النقد المستمر ، تجاوز ماركس مفاهيم مثل ‏‏“المجتمع المدني” و”العلاقات الاجتماعية” و”علاقات التبادل الاقتصادي” لصالح مفهوم علاقات الإنتاج . كذلك تجاوز ‏ماركس عبر مفهومه الجديد ، أفكارا شائعة ومتداولة حول خصائص المجتمع المدني وتفسير نشأته(31).
‏“لقد تجاوز ماركس نقديا النظرية الأقوى يومها التي ردت المجتمع المدني الى “ميل الإنسان الطبيعي الى المقايضة والمبادلة ‏والتجارة على حد قول “آدم سميث” ، وبذلك أصبح مفهوم علاقات الإنتاج (الرأسمالية) تأكيدا للمنشأ التاريخي “للمجتمع ‏المدني” ، الى جانب الدور الحاسم لقوى الإنتاج في تحديد طبيعته وخصائصه المميزة ، يتجلى ذلك في قيام ماركس ، بإعادة ‏زرع رأس المال ذاته في بنية علاقات الإنتاج الاجتماعية-التاريخية ، بحيث لا تتميز به إلا تشكيلة اقتصادية تاريخية معينة ‏ومحددة لا أكثر -المجتمع البرجوازي أو التشكيلة الرأسمالية- وبذلك تتكشف -عند ماركس- حقيقة رأس المال كمركز ‏لبنية من علاقات الإنتاج الرأسمالية ، التي يرى بحق ، أنها تشكل في الوقت ذاته علاقات إنتاج استغلالية أيضا ، كما يبين -‏من ناحية ثانية- أن “الذات الاقتصادية” البرجوازية قد بنيت تاريخيا وصُنعت مرحليا ، ولم تكن دوما موجودة أو ‏مهيمنة(32).‏
في ضوء ما تقدم ، فإن الديمقراطية الليبرالية البرجوازية (أو ديمقراطية المجتمع المدني الرأسمالي) تتسم بالطابع الشكلي ‏والأحادي ، الذي يقتصر ويتوقف عند الجانب السياسي وتعدديته المحكومة بسقف النظام الرأسمالي وقوانينه ، وهي بالتالي ‏تفتقر في مضمونها -وبصورة شبه كلية- لأية مقومات أو أسس فعالة لتطوير البعد الاقتصادي والاجتماعي بما يحقق العدالة ‏الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص ، وهو أمر ندرك أنه غير ممكن التحقيق في ظل نظام الدولة الرأسمالية عموما ، وأنظمة ‏الرأسمالية التابعة والمشوهة، كما في بلادنا وبلدان العالم الثالث خصوصا ، فالتفاوت الكبير في الدخل والثروة ، بين القلة ‏الحاكمة من جهة والجماهير الشعبية من جهة ثانية ، يحول دون انتقال الديمقراطية من شكلها السياسي الى أي شكل ‏اقتصادي أو اجتماعي متقدم ، ذلك أنه في ظل ضعف أو غياب القوى والأحزاب الثورية-الديمقراطية ، الناجم عن ضعف ‏علاقتها العضوية المنظمة بالجماهير الفقيرة ، الأداة الرئيسة وصاحبة المصلحة الأولى في إنجاز عملية التغيير ، فإن استمرار ‏هيمنة وسيطرة الحلف الطبقي الحاكم يشكل القاعدة الأساس أو السقف النهائي الذي تتوقف عنده الديمقراطية السياسية ‏في النظام اللبرالي عموما وفي بلداننا العربية ، بصورة خاصة .‏
فالشرط الأول للديمقراطية الليبرالية ، وجود الطبقة أو التحالف الطبقي المهيمن الذي يفرض ديكتاتوريته -المكشوفة أو ‏المستترة حسب الظرف- من ناحية ، وجماهير أو طبقات شعبية مسحوقة لا تملك (هي وأحزابها وفصائلها) سوى حق ‏الكلام والتنديد أو إصدار البيان السياسي الذي لا يتضمن -في كثير من الحالات- بصورة مباشرة تشهيرا سياسيا واضحا ‏بممارسات رموز ذلك التحالف التي فاقت في بشاعتها كل وصف ، وهو أمر لا يدعو للغرابة لأن الدولة البرجوازية (أو ‏الدول التابعة ،ذات الأنظمة الليبرالية، المحكومة بعلاقات رأسمالية طفيلية ومشوهة) تسود فيها -استناد لماركس- ‏‏“ديمقراطية البرجوازية وديكتاتوريتها ضد الطبقة العاملة، فهي ديمقراطية من حيث علاقتها بالفرد المجرد الذي يمكن أن ‏يتمتع بحقوق سياسية ، ولكنها -من ناحية أخرى- ديكتاتورية في علاقتها بالإنسان المنتمي الى الطبقة المحرومة من الملكية، ‏فالديمقراطية في هذه الحال تقتصر على ممثلي الاحتكارات في السلطة ، في مقابل أن الديكتاتورية يتم فرضها على الطبقة ‏العاملة (والجماهير الفقيرة) لحرمانها من أي مشاركة في السلطة الفعلية ، رغم كل الشعارات البراقة ، حول الديمقراطية ‏وحقوق الإنسان التي تتاجر بها عمليا لتضليل الجماهير وبعض الواهمين من المثقفين ذوي الأصول أو النزعة البرجوازية ، ‏الذين يبنون مواقفهم وفق رغباتهم ومصالحهم الخاصة ، فنرى كيف يروجون لفكرة تبادل السلطة سلميا”(33)، علما بأن ‏البرجوازية -حتى في ظل العملية الانتخابية والبرلمان- لا يمكن أن تسلِّم السلطة بإرادتها للجماهير إلا في حالة إدراكها ‏لعجزها عن المواجهة أولا ، ولقوة ضغط الجماهير وطليعتها الاشتراكية الديمقراطية الثورية المنظمة ثانيا.‏
لقد عبَّر ماركس عن جوهر الدولة الليبرالية البرجوازية بوضوح ، في كتابه “العائلة المقدسة(1845) ، حينما قال : إذا ‏كانت الركيزة الأساسية للدولة القديمة هي العبودية ، فإن ركيزة الدولة الحديثة هي المجتمع المدني”(34) وهي ركيزة تقوم ‏أساسا على المنافسة والملكية الخاصة وحرية الفرد ، وفي هذا السياق فإن “عبارة “حقوق الإنسان” ليست سوى حقوق ‏عضو المجتمع البرجوازي بالذات ، فالإنسان لا يُنظر إليه في ظل هذه الحقوق الثابتة ككائن بشري اجتماعي ، بل على ‏العكس تماما ، بمثابة كونه فرد منعزل ، منشغل بمصلحته الخاصة ، وبهذا تبدو الحياة السياسية وكأنها مجرد وسيلة غايتها ‏المجتمع المدني”(35).‏
إن ما يميز ماركس ، أنه استخدم مصطلح المجتمع المدني بطريقتين -كما يقول د.نايف سلوم-: الأولى وردت في “المسألة ‏اليهودية” على الشكل التالي : إن الدولة السياسية هي حسب جوهرها ، حياة الإنسان النوعية-العامة بمعارضة حياته ‏المادية (الخاصة) . كل افتراضات هذه الحياة الأنانية تواصل بقاءها في المجتمع المدني خارج دائرة الدولة ، ولكن كخصائص ‏للمجتمع البرجوازي . وحيثما وصلت الدولة السياسية الى تفتحها الحقيقي ، يعيش الإنسان ، ليس فقط في الفكر ، في ‏الوعي، بل في الواقع ، في الحياة، وجودا مزدوجا ، سماويا وأرضيا ، الوجود في الجماعة السياسية أو الاشتراك السياسي ، ‏حيث يعتبر نفسه كائنا عاما ، والوجود في المجتمع المدني ، حيث يشتغل كإنسان خاص (في إطار علاقات وقوى الإنتاج ‏الرأسمالية) ، يرى في البشر الآخرين محض وسائل ، يخفض ذاته الى مرتبة وسيلة محضة ، ويصير لعبة بيد قوى غريبة . ‏الدولة السياسية هي إزاء المجتمع المدني روحانية بقدر ما السماء روحانية إزاء الأرض”(36).‏
‏“أما في “الأيديولوجيا الألمانية” فإن ماركس يماثل بين المجتمع المدني وعلاقات الإنتاج التي تشمل العلاقات الاقتصادية ‏والعلاقات الاجتماعية ، فالمجتمع المدني -حسب ماركس- هو جماع العلاقات التجارية والصناعية لمرحلة تاريخية محددة ، ‏لكن لم يتم وعيه كصياغة نظرية ، إلا في القرن الثامن عشر ، عندما تخلصت الدولة من الامتياز الديني والعائلي”(37)، ‏فالشرط الماركسي لنشوء الرأسمالية -كما يقول د.عزمي بشارة- هو استباقها بقيام المجتمع المدني ، بمفهوم مجتمع المدنية ‏التجاري الذي يمتد بالتدريج ليحوِّل ملكية الأرض والزراعة الى ملكيات تجارية أيضا(38).‏
وفي كتابه “رأس المال “يستغني ماركس عن مصطلح المجتمع المدني كبنية تحتية ويتبقى على مفهوم علاقات الإنتاج ‏الاقتصادية الاجتماعية ، كمسرح تاريخي ، على اعتبار أن التاريخ أساسا ، هو الانتقال من شكل سائد للملكية الخاصة الى ‏شكل آخر جديد ، الى أن نصل الى التشكيلة الرأسمالية ، والصناعة ، وصعود البرجوازية الحديثة ، حيث بات الصراع بين ‏الملكية الخاصة ، وبين الملكية الجماعية (مع بداية الإرهاصات الثورية منتصف القرن التاسع عشر ، ثورات 1848 ‏الديمقراطية) أمرا راهنا ، على أساس التحضير النظري لمجابهة السلطة البرجوازية ، وتحطيم سلطتها ومعها مجتمعها المغترب ‏‏-مجتمعها المدني ، هكذا ينظر ماركس الى المجتمع المدني كوجود قائم غير واع لذاته ، ولهذا السبب ، يرى أن الطبقة ‏البرجوازية السائدة ، تنظم سيطرتها في دولة ، أي تقيم دكتاتوريتها عبر الإكراه (أجهزة القمع ، القضاء ، الشرطة ، ‏وأجهزة الأمن …الخ) من جهة ، وعبر الهيمنة بواسطة أجهزتها الأيديولوجية والتربوية والاقتصادية والنقابية من جهة ‏أخرى ، واستنادا لهذا التحليل ، فإن ماركس نظر الى الحقل الأيديولوجي على أنه واسطة تزييف لحقيقة البنية الاقتصادية ‏ولواقع ملكية ثروة المجتمع ، حيث تحاول الطبقة السائدة إقناع الطبقات الهامشية أو الفرعية ، بمعقولية الوضع القائم ، من ‏هنا تبدأ حركة النقد عند ماركس بنقد الأيديولوجية السائدة ، نقد البنية الاجتماعية الاقتصادية على شكل نقد الاقتصاد ‏السياسي ، ونقد الدولة والسياسة كدكتاتورية برجوازية من كونها سيطرة وهيمنة”(39).‏
ولكن رغم كل ما تقدم ، فإن ماركس لم يغفل أبدا أهمية الانعتاق السياسي الذي حققته الثورة البرجوازية في عصر النهضة ‏، بل أنه نظر الى عملية الانعتاق السياسي ، كنقطة انعطاف مذهلة في التطور التاريخي ، وتقدما عظيما في إطار النظام ‏الاجتماعي القائم ، وبوصول البرجوازية الى هذه النقطة -بعد تحطيم وإلغاء النظام الإقطاعي- بدأت بتطوير نمط إنتاجها ‏الرأسمالي ، ورفعت شعارها الخاص ، شعار “المساواة” في الحقوق الخاصة للملكية الفردية في إطار المنافسة بين قوى ‏البرجوازية في السوق الرأسمالي .‏
‏“إن هذه “المساواة” تمخض عنها اليوم ، المزيد والمزيد من الفرز الطبقي ، وتحويل العالم الى مجتمع الخمس الثري وأربعة ‏أخماس من الفقراء ، لقد تجلت أسمى أخلاقيات المجتمع المدني المعاصر في “بورصة الأوراق المالية” وفي “الاندماجات العملاقة ‏للشركات المتعددة الجنسية” وفي “منظمة التجارة الدولية” ، وبالتالي فإن التحرر الإنساني المنشود لا يمكن الوصول إليه إلا ‏باستتباع الثورة السياسية بثورة أخرى اجتماعية تأتي لتغلب نمط الملكية الخاص وتُحوِّل علاقات الإنتاج الى علاقات تقوم ‏على أساس الملكية الجماعية أو العامة ، وإن شرط القيام بالثورة الاجتماعية كما يرى ماركس ، يتطلب منا إعادة دمج ‏هذين المتحدين من جديد المتحد المدني/المتحد السياسي ، ليصبحا المتحد الاشتراكي/المتحد السياسي . ويتابع ماركس ‏محذرا ، أنه إذا لم تقم الثورة الاجتماعية فسينتهي الأمر بمأساة سياسية ، إنه يضع بين أيدينا طريقين ، قد تنتهجهما البشرية ‏، فإما ثورة اجتماعية تلي الثورة السياسية ، وإما الاكتفاء بمرحلة الانعتاق السياسي وترسيخ المجتمع المدني البرجوازي” ‏‏(40) لصالح قوى الرأسمالية نحو مزيد من الهيمنة والتوسع والتحكم بمقدرات البشرية وتعميق المأساة السياسية لجميع ‏الشعوب الفقيرة والمضطهدة في هذا الكوكب ، وفي مواجهة هذه الهيمنة ، يحدد ماركس بوضوح ، كيفية تحقيق هذا ‏الهدف بقوله: “فقط عندما يدرك الإنسان وينظم قواه الخاصة كقوة اجتماعية فسوف تنفصل القوة الاجتماعية في شكل ‏قوة سياسية ، وهنا فقط يكتمل الانعتاق الإنساني”(41)، ولهذا السبب “وقف ماركس بجانب كومونة باريس لأنها تعيد ‏السلطة السياسية للمجتمع . فقد أظهرت الكومونة من خلال تحطيم سلطة الدولة البرجوازية ، كيف استطاعت الطبقة ‏العالمة تطوير أشكال وجودها السياسي ، الأمر الذي يعادل شكلا جديدا للوجود الاجتماعي يضطلع فيه أعضاء المجتمع ‏أنفسهم بوظائف الدولة المعتادة”(42).‏
وبتحقق المجتمع الاشتراكي ، تنتفي العلاقات الرأسمالية وينتفي معها مجتمع الصراع الطبقي أو المجتمع المدني البرجوازي ، ‏وقد عبر لينين (1870-1922) في “فكرته الرئيسة حول الديمقراطية ، التي تمثلت في ربطه العضوي بين الاقتصاد ‏والسياسة ونشر الديمقراطية العامة في المجتمع والدولة والحزب ، وإجراء المتغيرات السياسية الواسعة التي تضمن إقامة ‏الديمقراطية الاشتراكية ، ففي مؤلفه “الدولة والثورة” يرى لينين أن ديكتاتورية البروليتاريا يجب أن تكون دولة ديمقراطية ‏بطريقة جديدة ، (لأجل العمال والجماهير الشعبية الفقيرة وغير المالكين بصورة عامة) ، وديكتاتورية بطريقة جديدة ضد ‏البرجوازية وديمقراطيتها السياسية النخبوية الشكلية ، ذلك لأن الحديث عن المساواة التامة الشاملة ، وعن الديمقراطية ‏‏“الخالصة” في المجتمع الرأسمالي ، (أو في المجتمع المدني البرجوازي) ، تحت مظلة الليبرالية ، ليس سوى تمويه برجوازي لهذا ‏الواقع الذي لا يمكن نكرانه ، وهو أن المساواة بين المُسَتَغَلِّين والمُستَغِلِّين أو بين من يملك ومن لا يملك مستحيلة(43)، ‏ليس في المستوى الاجتماعي -الاقتصادي فحسب ، بل في المستوى السياسي بالدرجة الأولى ، ذلك أن الأيديولوجيا ‏الليبرالية تعتمد على وظيفتها العملية الاجتماعية أكثر من اعتمادها على وظيفتها النظرية ، إنها إطار ضروري للحياة ‏الاجتماعية من زاوية أصحاب الثروات ، مالكي الثروة ووسائل الإنتاج ، “لقد قدمت الليبرالية صورة عامة للمجتمع ‏بوصفه كلا يتألف من ذوات فردية حرة ، صورة لإطار شامل ، يضم قطعا وأجزاء ودوائر مختلفة ومترابطة في آن واحد ، ‏وهذا الإطار الأيديولوجي هو الناظم الرئيسي للنظام الرأسمالي ، الذي أحلَّ لأول مرة ، على أرض الواقع الفعلي ، العقد ‏القانوني بين أفراده ، محل المكانة الاجتماعية الموروثة (تحت عنوان المجتمع المدني والديمقراطية السياسية) ، وفي هذا النظام ، ‏أصبح جمع الثروة لذاتها هو المحرك الأساسي للنشاط الإنساني باسم الحرية الفردية وحرية السوق والمنافسة”(44) ونتيجة ‏لكل ذلك نجحت القوى الليبرالية -بوسائل متعددة- في خديعة الوعي الجماهيري الذي انطلت عليه حالة التطابق الشائعة ‏‏-والتي يروج لها بعض المثقفين في بلادنا- بين الليبرالية والديمقراطية ، رغم أن ذلك التطابق المزعوم يرفضه التتبع التاريخي ‏لنشأة وتطور مفهوم الليبرالية ، ففي سياق تطورها التاريخي “ظلت الليبرالية ترتكز على أسس معادية للديمقراطية طوال ‏نشأتها ، ولم تكن هناك رابطة جوهرية تجمعها ، ولن نجد ليبراليا واحدا دافع أيام النشأة المفترضة عن حق أغلبية الشعب في ‏التصويت أو الترشيح للمجالس التنفيذية المنتخبة ، ويرجع ذلك الى أن الأيديولوجيا الليبرالية ، وضعت التزامها الأصيل ، ‏رهنا بحق الفرد في ملكية حرة لا تعيقها العوائق ، فالليبرالية في جوهرها ظاهرة رأسمالية تنتمي الى حرية الملكية والبيع ‏والشراء ومنطقها الحتمي يؤدي الى التفاوت الصارخ في الملكية والدخل لا الى المساواة ، فلو تحققت درجة من المساواة لما ‏كان للمنافسة وتراكم رأس المال أي حافز يستحثهما . ذلك أن “الليبرالية” منذ البداية كانت تحارب في جبهتين : لقد ‏مثلت مصالح البرجوازية التجارية والصناعية في صراعها ضد الحكم المطلق ومؤسساته التقليدية ، كما حاولت الحد من أي ‏مطالب ديمقراطية واسعة النطاق بعيدة المدى من جانب راديكالية البورجوازية الصغيرة والجماهير الشعبية” (45). “لكن ‏الناس -كما يقول لينين بحق- كانوا دائما وسيبقون دائما ضحايا للتضليل والتضليل الذاتي في السياسة ، الى أن يتعلموا ‏أن يجدوا وراء كل جملة أو تصريح أو وعد إن كان أخلاقيا أو دينيا أو سياسيا ، مصالح هذه أو تلك من الطبقات”(46).‏
على أي حال ، إن انعدام المساواة ، ظاهرة موضوعية ، وسمة أساسية من سمات المجتمع المدني الليبرالي البرجوازي ، فهو -‏في جوهره- مجتمع الصراع الطبقي والصراع السياسي في آن معا ، ولكن دور الصراع السياسي يكمن في توجيه وتطوير ‏وتكريس المصالح الاقتصادية من ناحية ، وإحكام السيطرة على الأجهزة عموما ، وعلى أجهزة أو بنية السلطة ‏الأيديولوجية بوجه خاص ، لضمان إدامة سيطرة الطبقة السائدة بغض النظر أو بالرغم من الديمقراطية السياسية الشكلية ‏السائدة فيه .‏
وبقيام الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917 وتأسيس الاتحاد السوفيتي ومنظومة البلدان الاشتراكية ، تكرس مفهوم ‏المجتمع المدني وتطبيقاته في إطار بلدان المعسكر الرأسمالي كمقولة أساسية من البنية الفوقية للمجتمعات الرأسمالية ، تمحورت ‏في الدفاع عن الليبرالية وحرية السوق وحرية المنافسة والديمقراطية السياسية الشكلية في تلك المجتمعات من ناحية ، ‏واستخدمت فيه كوسيلة أيديولوجية في الهجوم على الماركسية-اللينينية ومنظومة البلدان الاشتراكية عبر شعارات “الحرية” ‏و”الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” انطلاقا من المصالح الرأسمالية وفي خدمتها ، سواء في مرحلة الحرب الباردة وما سبقها ، ‏أو في مرحلة العولمة الرأسمالية الراهنة .‏
وهذا ما تنبه إليه الفيلسوف والمناضل الأممي أنطونيو غرامشي (1891-1937)الذي “استعار مصطلح المجتمع المدني ‏والمجتمع السياسي من منظومة الفكر البرجوازي ، وتحديدا من كتابات هيجل ، وقام بتحويل هذين المفهومين الهيجليين تماما ‏مثلما فعل كل من ماركس وانجلز مع مفاهيم هيجيلية أخرى ، وكانت نتيجة هذا التحويل ، أن أصبح تعبير المجتمع المدني ‏مقطوع الصلة بدلالاته السابقة ، فبعد ما كان يشير الى دائرة التنافس الاقتصادي بين الأفراد ، أصبح جزءا من البنية ‏الفوقية يشير به “غرامشي” الى المؤسسات الطبقية والاجتماعية التي تختص بالوظائف الأيديولوجية . لقد تأسس مشروع ‏جرامشي النقدي على محاربة تأويلات معينة للماركسية تنكر أي دور فعال للبنية الفوقية ، وتتعامل مع الوعي الاجتماعي ‏بوصفه مجرد انعكاس سلبي للقاعدة الاقتصادية ، وبالتالي فقد عالج جرامشي موضوعات البنية الفوقية بوصفها تعبيرا عن ‏إرادة جماعية وطبقية ، فالسيادة الطبقية التي تمارسها الطبقات الحاكمة في الغرب الرأسمالي لا تقوم على قمع الأجساد فقط ‏، بل على أسر العقول أيضا ، من خلال إشاعة أنماط معينة من الثقافة والقيم ، وعلى هذا الأساس ، يمكن فهم اهتمام ‏جرامشي بقضايا الثقافة والمثقفين ودور الحزب (الذي يطلق عليه صفة المثقف الجمعي) ، كما يمكن فهم رؤيته للعمل ‏السياسي وتأثيره في البنية الفوقية ، حيث يقول ، أن هدف العمل السياسي هو إخراج الجماهير من حالة الركود ‏والاستنقاع التي تعيشها ، ولن يكون ذلك ممكنا ما لم يتم رفع هذه الكتلة الجماهيرية الى مستوى البنية الفوقية كميدان ‏للفعل الجماعي والإدارة الخلاقة ، أي ارتقاء وعي البشر من وعي البنية التحتية الى وعي البنية الفوقية ، وهذا يعني أيضا ‏الانتقال من الموضوعي الى الذاتي أو من “الضرورة” الى “الحرية”(47) . والطريق الى ذلك هو تفعيل البعد المعرفي-الثقافي ‏داخل الحزب بهدف إيجاد وبلورة العلاقة العضوية بين شعارات الحزب السياسية وأيديولوجيته الماركسية من ناحية وبين ‏قواعد وكوادر الحزب وجماهيره ، لتكوين مثقفين عضويين من أصول كادحة فقيرة أو بروليتارية ، للوصول الى الوحدة بين ‏القوى المادية والأيديولوجيا الكفيلة وحدها لخلق ما يسميه جرامشي ب”الكتلة التاريخية” ، وهنا تكمن الأهمية القصوى ‏لعملية التثقيف وأدواتها “للانتقال بوعي العمال (والكادحين) من حالة الوعي بالبنية التحتية (الوعي الاقتصادي العفوي) ‏الى حالة وعي البنية الفوقية (الوعي السياسي والمعرفي والأخلاقي)”(48) . ‏
وعبر هذا الطريق وحده يمكن الانتقال بالصراع الطبقي من القاعدة الاقتصادية أو البنية التحتية ، الى مجال الصراع ‏السياسي والحزبي الأيديولوجي . ولا يتوقف جرامشي عند هذا الحد ، بل “ينتقل الى الجزم في أن الطبقة العاملة تستطيع أن ‏تصل الى السلطة فقط بعد أن يحقق فكرها هيمنة ثقافية لأفكار العدالة الاجتماعية”(49).
ولكن كيف يمكن تحقيق هيمنة ثقافية لأفكار العدالة الاجتماعية الجديدة على المجتمع ، دون سيطرة اقتصادية أو سياسية ‏عليه بواسطة رأس المال أو بواسطة الدولة؟ ويجيب عزمي بشارة على سؤاله بقوله “هنا تبرز أهمية مفهوم المجتمع المدني عند ‏جرامشي ، المرتبط ارتباطا مباشرا بمفهوم الهيمنة مقابل مفهوم السيطرة . هنالك حيز اجتماعي تطور في ظل الرأسمالية هو ‏ساحة الهيمنة الثقافية على المجتمع ، وهذا الحيز ليس حيز الاقتصاد ، بل هو جزء من المبنى الفوقي ، ولكنه ليس ضمن حيز ‏الدولة ، فالمجتمع المدني هنا ، هو بالمفاهيم الماركسية ، حسب جرامشي ، مبنى فوقي ، وهو المبنى الفوقي الذي لا تتم فيه ‏مجرد انعكاسات للصراع الاقتصادي ، بل إنه المجال الحاسم نحو تأجيج الصراع الاقتصادي وحسمه عبر الحزب الاشتراكي ‏تحديدا ، القادر على الهيمنة الثقافية ، وعلى التحول من ثقافة النخبة الى ثقافة الجماهير”(50) وصولا الى الهيمنة ‏الأيديولوجية الكفيلة وحدها -كما يقول جرامشي- بإزالة الفرق بين الدولة والمجتمع ، وبالمقابل ، حينما تضعف ‏الأيديولوجيا الثورية عن التحول الى ثقافة الهيمنة ، يزداد استبداد الدولة وعنفها .‏
وبنهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، غاب أو توارى مفهوم المجتمع المدني طوال مرحلة الحرب الباردة ، التي امتدت ‏حتى انهيار منظومة البلدان الاشتراكية ومنظومة التحرر القومي من جهة ، والانحسار أو التراجع المريع -ولكن المؤقت- ‏للبنية الأيديولوجية لقوى الاشتراكية والتحرر القومي من جهة ثانية ، وفي سياق هذا التحول المادي الهائل الذي انتشر ‏تأثيره في كافة أرجاء كوكبنا بعد أن تحررت الرأسمالية العالمية من كل قيود التوسع اللامحدود ، وبتأثير التطور النوعي الهائل ‏في مجال الاتصالات وثورة المعلومات والتقدم التكنولوجي ، وقيام التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة ، كان لا بد من ‏تجديد نظم السيطرة السياسية والاقتصادية والمعرفية في إطار المركز الرأسمالي الغربي تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية ‏كنظام مسيطر بصورة أحادية بما يسمى اليوم بنظام العولمة ، الذي تكرس -في اللحظة التاريخية المعاصرة- بفضل هذا ‏المناخ المهزوم والمنكسر في بلدان العالم الثالث أو الأطراف ، وأصبح جاهزا للاستقبال والامتثال للمعطيات الليبرالية ‏الجديدة وآلياتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية تحت عناوين : تحرير التجارة العالمية ، إعادة الهيكلة ، والتكييف ‏والخصخصة ، والانفتاح ، وتعميق التبعية والخضوع والتخلف ، تحت ستار زائف من الشكل الديمقراطي الليبرالي ، هدفه ‏المزيد من إحكام السيطرة على بلدان العالم عموما ، والعالم الثالث على وجه الخصوص ، للأخذ بالشروط الجديدة التي تمثل ‏‏“أول مشروع أممي ، تقوم به الرأسمالية العالمية في تاريخها لإعادة دمج بلدان العالم الثالث في الاقتصاد الرأسمالي من موقع ‏ضعيف ، بما يحقق مزيدا من إضعاف جهاز الدولة ، وحرمانها من الفائض الاقتصادي ، وهما الدعامتان الرئيسيتان اللتان ‏تعتمد عليهما الليبرالية الجديدة”(51).‏
وبنشوء هذا الفراغ السياسي ، الاقتصادي ، الأيديولوجي ، أصبحت الطريق ممهدة أمام المخططات التوسعية للرأسمالية ، ‏صوب المزيد من السيطرة على مقدرات العالم بأسره ، ويتجلى هذا الأمر بوضوح في منطقتنا العربية ، وبالذات على ‏مشروعنا الوطني الفلسطيني من أجل التحرر والاستقلال ، عبر هذا التحالف العضوي بين الإمبريالية الأمريكية المعولمة ‏والحركة الصهيونية .
ففي ظل هذه الأوضاع المتدهورة -في النظام العربي ونظام السلطة الفلسطينية- الناتجة عن عمق أزمة التطور السياسي ‏والاقتصادي والاجتماعي ، المستفحلة في بلادنا ، والتي أدت -الى جانب ضعف العامل الذاتي النقيض أو البديل الوطني ‏الديموقراطي الشعبي- الى مزيد من الإلحاق والتبعية ، وتدمير أو تفكيك الهوية الوطنية والقومية ، كان لابد لاستراتيجية ‏العولمة والحركة الصهيونية في بلادنا أن تنجح -في اللحظة الراهنة- في إخضاع منطقتنا لمقتضيات مشروع الهيمنة ‏الأمريكي -الصهيوني المعولم- الذي ازداد توحشا بعد أحداث “سبتمبر 2001 ، وهي مقتضيات استراتيجية تسعى الى ‏تحقيق هدفين اثنين متكاملين هما : تعميق السيطرة الاقتصادية على مقدراتنا العربية من ناحية وتدمير قدرة الدول والشعوب ‏العربية على المقاومة بكل أشكالها النضالية والسياسية من ناحية ثانية ، متذرعة بأحدث المبررات الزائفة تحت مظلة “مقاومة ‏الإرهاب” وجوهره ، مقاومة وتركيع كل إمكانية أو حركة تستهدف استنهاض عوامل القوة والتحرر الوطني والقومي ‏الديمقراطي ، والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية ، والوحدة العربية ، بمثل ما تستهدف تكريس تبعية شعوب هذه الأمة ‏وتخلفها من ناحية ، وإعادة تكيفها بما يضمن إلحاقها بصورة شبه مطلقة ، تحت إدارة نظام السيطرة الأمريكي-الصهيوني ، ‏الذي يسعى -بصورة يائسة لا مستقبل لها- تجديد الدور الوظيفي للعدو الصهيوني ودولته بما يتوافق مع مستجدات ‏المصالح الاستراتيجية الأمريكية الراهنة ، بحيث تصبح إسرائيل “دولة مركزية ، أو دولة إمبريالية صغرى” في المنطقة العربية ‏والإقليم الشرق أوسطي ، يحيطها مجموعات من “دول الأطراف” العربية المتكيفة ، التابعة ، المتخلفة، مسلوبة الإرادة ، بما ‏يضمن ويسهل “عملية التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي والاندماج الإسرائيلي” في المنطقة العربية ، تمهيدا للقضاء ‏على منظومة الأمن القومي العربي كله من جهة ، وبما يعزز السيطرة العدوانية الإسرائيلية على مجمل الأراضي الفلسطينية ‏والجولان السورية المحتلة والتحكم في مستقبلها من جهة ثانية .‏
في هذا المناخ المهزوم والمأزوم في بلداننا العربية ، كما في بلدان العالم الثالث عموما ، انساق الكثيرون ، من أوساط القوى ‏والأحزاب السياسية والمثقفين ، بهذه الدرجة أو تلك من الحماس والوعي أو بهذا الحجم أو ذاك من المصالح الخاصة من ‏ناحية ، أو العمى أو عدم الوضوح الأيديولوجي من ناحية ثانية نحو شعار “المجتمع المدني” في إطار الليبرالية الجديدة الوافدة ‏الى بلادنا بصورة طارئة وفجة ، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ، وانحسار المشروع القومي العربي ، وبروز الهيمنة القطبية ‏الأحادية الأمريكية في نظام العولمة الراهن وأيديولوجيته الرئيسة المهيمنة : الليبرالية الجديدة ، التي وصفها “الزعيم الليبرالي ‏الجديد “ملتون فريدمان” في كتابه “الرأسمالية والحرية” بقوله : بما أن جني الأرباح هو جوهر الديمقراطية ، فإن أي حكومة ‏تنتهج سياسات معادية للسوق هي حكومة معادية للديمقراطية ، فالديمقراطية مسموح بها ما دامت سيطرت رجال الأعمال ‏بعيدة عن المناقشة أو التغيير . هكذا يصبح النظام الليبرالي الجديد -كما يقول المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي”- هو ‏النموذج السياسي والاقتصادي الذي يعرّف به عصرنا لكي يتم تحقيق أقصى الأرباح”(52) .‏
وفي هذا السياق ، فإن من المفيد والضروري ، إثارة الحوار العميق والموضوعي مع أولئك الذين انبهروا بالمظهر الخارجي ‏لشعار المجتمع المدني الليبرالي ، وأن نتوجه إليهم بعيدا عن أصحاب المصالح من دعاة الليبرالية أو “مثقفيها” في إطار ‏المنظمات غير الحكومية وغيرها ، المنتشرة على مساحة الوطن العربي ، والتي يزيد تعدادها عن (75 ألف مؤسسة أو ‏منظمة غير حكومية) ، لنؤكد ونوضح عبر هذا الحوار ، أبعاد ومكونات هذا المشروع الليبرالي الأممي المعولم ، والتي يحددها ‏د.رمزي زكي في ثلاثة أبعاد رئيسية هي : البعد الاقتصادي ، والبعد الأيديولوجي ، والبعد السياسي ، ففي تعريفه لهذه ‏الأبعاد يقول “إن البعد الاقتصادي يستند على السلفية الاقتصادية ، أو المدرسة الليبرالية الجديدة (النيو كلاسيكية) التي ‏ترى أن الرأسمالية كنظام اقتصادي اجتماعي ، هي أفضل النظم وقمة التطور ونهاية التاريخ . أما البعد الأيديولوجي فيستند ‏على الفلسفة الفردية النفعية ، التي تؤكد على الحقوق الفردية في مجال الملكية والاستثمار والتجارة والعمل ، وأخيرا البعد ‏السياسي -لهذا المشروع الليبرالي المعولم- الذي يستند على الديمقراطية الليبرالية بمعناها الغربي”(53)، وهذه الأبعاد هي ‏التي يرتكز ، عليها وينطلق من مضمونها الجوهري وعلاقاتها وآلياتها الداخلية ، مفهوم المجتمع المدني في حركته المعرفية ‏والسياسية عبر شخوص وأطر متنوعة أهمها المنظمات غير الحكومية في بلادنا ، التي تسهم -بوعي أو بغير وعي- في تحقيق ‏الهدف الكامن خلف هذه الشعارات ، وهو هدف يتلخص -كما يقول سامر الأيوبي- في “قنونة العلاقات الاقتصادية ‏السائدة في بلادنا (وهي علاقات رأسمالية يغلب عليها الطابع الطفيلي) وإعطاءها الشكل المشروع ، الحقوقي ، وهو عمليا ‏الشكل الحقوقي الذي تمارس به الاحتكارات الأمريكية والأوروبية نشاطها الاقتصادي في دولها ، هذا هو جوهر ما يريده ‏الداعين للمجتمع المدني والليبرالية ، وما يترافق مع هذا الطرح من حريات ديمقراطية مقاسه بدقة لكل فرد (وفق ما يملك) ‏وفي حدود أن لا يشكل خطرا يمس المصالح العامة للطبقات المُستغِلة المصانة والمقدسة وفقا للقانون والأنظمة”(54).
إن رفضنا لمنطق الليبرالية الجديدة وآلياتها وديمقراطيتها السياسية الشكلية ، ينبع من قناعتنا وإدراكنا بصورة موضوعية ، ‏بأن ذلك المنطق بكل محدداته الاقتصادية والسياسية والفكرية ، لن يؤدي في بلادنا سوى الى مزيد من تهميش الجماهير ‏الشعبية وفقدانها لتحررها الذاتي والسياسي على المستويين الوطني والقومي ، والى مزيد من المعاناة والحرمان في صفوفهم بما ‏يدفع الى الاعتراف الاكراهي بمشروعية اللامساواة ، وغياب مفاهيم وآليات العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والحريات ‏الحقيقية من ناحية ، والى فرض حالة من الإحباط واليأس وخنق روح الصمود ومقاومة العدو الصهيوني والإمبريالية ‏الرأسمالية المعولمة ، وتدمير المشروع الوطني ، وإعاقة النهوض القومي من ناحية ثانية .‏
لذلك فإن الدعوة الى التمسك بأسس ومبادئ الديمقراطية السياسية والاجتماعية ، التي تتكرس في خدمة قضايا التحرر ‏الوطني والتقدم الاجتماعي ، ولا تقتصر آلياتها على التعددية السياسية وحق التعبير والحريات الفردية فحسب ، بل تمتد ‏بعمق ووضوح نحو تحقيق الاستقلال الوطني وحماية سيادة الوطن ، والتقدم الاقتصادي ، والعدالة الاجتماعية ، والنهوض ‏القومي-الاشتراكي . ‏
‏::. غازي الصوراني
الهوامش
‏_______________________________
‏(8) د.صادق جلال العظم - دفاعا عن المادية والتاريخ- دار الفكر الجديد-بيروت-1990 - ص43 .
‏(9) سعيد بن سعيد العلوي وآخرون، المجتمع المدني في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، ‏ص46.‏
‏(10) الديئية أو الربوبية هي الاعتقاد بوجود اله كسبب أولي لا شخصي للعالم , و العالم من وجهة نظر هذه الفلسفة , ‏محكوم أو متروك لفعل قوانينه الخاصة بعد أن خلق – من أنصارها فولتير و روسو في فرنسا , و جون لوك و نيوتن في ‏إنجلترا .‏
‏(11) بسبب التبعية والتخلف في إطار الهيمنة الاستعمارية ، والإمبريالية ، لم يتمكن المجتمع العربي حتى اللحظة ، ونحن في ‏بداية القرن الحادي والعشرين من تثبيت مفهوم وقواعد فصل الدين عن الدولة كخطوة أولية وشرط أساسي لدخول ‏المجتمع المدني .‏
‏(12) الموسوعة الفلسفية ، بيروت: دار الطليعة،1981،ص99 و ص164.
‏(13) ول ديورانت ،قصة الفلسفة، بيروت؛ مكتبة المعارف،1985،ص135.
‏(14) د.عزمي بشارة،مساهمة في نقد المجتمع المدني،رام الله : مواطن،1996،ص ص67 – 69 .
‏(15) د.صادق جلال العظم - مصدر سبق ذكره - ص48 .
‏(16) طوال التاريخ القديم والحديث والمعاصر ، لم يعرف المجتمع العربي عموما سوى صيغة العبودية والخضوع والحكم ‏الفردي الأتوقراطي أو الفردي البيروقراطي المستبد بعيدا بصورة كلية عن مفهوم أو فكرة التعاقد الاجتماعي أو أي شكل ‏من أشكال المؤسسات الدستورية الديمقراطية .‏
‏(17) سعيد العلوي ،المجتمع المدني في الوطن العربي، مصدر سبق ذكره- ص41.
‏(18) د.عزمي بشارة،مساهمة في نقد المجتمع المدني،مصدر سبق ذكره ،ص89.
‏(19) موجز تاريخ الفلسفة،موسكو،دار الفكر،الطبعة الثالثة،1979،ص305/310.
‏(20) د.عزمي بشارة، مساهمة في نقد المجتمع المدني،مصدر سبق ذكره،ص99.
‏(21) المصدر نفسه ، ص102.
‏(22) موجز تاريخ الفلسفة، مصدر سبق ذكره، ص309.
‏(23) جورج طرابيشي-جريدة الحياة- 10/9/2000- ص17 .
‏(24) المصدر نفسه ، ص377 .
‏(25) عزمي بشارة،مساهمة في نقد المجتمع المدني ،مصدر سبق ذكره،ص ص113،114-116 .
‏(26) سلوى السيد-مجلة الطليعة-العدد 40-دمشق-آذار 2001-ص18
‏(27) سلوى السيد-المصدر السابق-ص20 .
‏(28) يقابلهم في بلادنا دعاة اللبرالية وحقوق الإنسان في إطار المنظمات غير الحكومية .
‏(29) د.صادق جلال العظم-دفاعا عن المادية والتاريخ-دار الفكر الجديد-بيروت-1990-ص131 .
‏(30) المصدر السابق -ص133/134
‏(31) المصدر السابق - ص134 .
‏(32) المصدر السابق - ص137/138. وهنا تتجلى بوضوح مقولة أن المجتمع المدني هو وليد المجتمع البرجوازي ، وهو ‏أيضا أحد شكليه الأساسيين في إطار ثنائية :الدولة-المجتمع المدني ، وليس له أي وجود سابق على التشكيلة الرأسمالية كما ‏يزعم البعض من مثقفينا .
‏(33) د.إبراهيم زغير -مجلة الطليعة-العدد 40-دمشق-آذار 2001-ص .
‏(34) سلوى السيد-مصدر سبق ذكره-ص22 .
‏(35) المصدر السابق - ص23 .
‏(36) د.نايف سلوم -مجلة النهج- عدد62- دمشق- ربيع 2001- ص246 .
‏(37) د.نايف سلوم-المصدر السابق-ص247 .
‏(38) د.عزمي بشارة -مساهمة في نقد المجتمع المدني- مصدر سبق ذكره- ص147
‏(39) المصدر السابق - ص248 .
‏(40) سلوى السيد -مجلة الطليعة-مصدر سبق ذكره-ص
‏(41) يسري مصطفى-من المجتمع المدني الى المفهوم الاجتماعي-اليسار-عدد 93-نوفمبر 1997-ص60
‏(42) المصدر السابق - ص62 .
‏(43) إبراهيم زغير-مصدر سبق ذكره- ص38 .
‏(44) إبراهيم فتحي- الماركسية وأزمة المنهج- دار الحضارة الجديدة - بيروت- 1992-ص45 .
‏(45) المصدر السابق- ص46 .
‏(46) سامر الأيوبي -مجلة الطليعة- العدد 40- دمشق- ص67 .
‏(47) يسري مصطفى - مجلة اليسار- القاهرة- عدد فبراير 1996 -ص67/71 .
‏(48) يسري مصطفى - مجلة اليسار- عدد سبتمبر 1996 -ص55 .
‏(49) د.عزمي بشارة- مصدر سبق ذكره- ص168 .
‏(50) المصدر السابق - ص168/169 .
‏(51) د.رمزي زكي- الليبرالية المستبدة- دار سينا للنشر -القاهرة- 1993 - ص79.
‏(52) نعوم تشومسكي -الليبرالية الجديدة والنظام العولمي - دار التنوير - رام الله - 2000 - ص12 .
‏(53) د.رمزي زكي - الليبرالية المستبدة - دار سينا للنشر - القاهرة- 1993 - ص79 .
‏(54) سامر الأيوبي - مصدر سبق ذكره- ص68 . ‏
محطة::. فكر وفلسفة |
ساعدونا بدعائكم لنا حفظكم الله
 
أعلى