ما هي الأجرة ؟ وكيف تتحدد ؟

الموضوع في 'منتدى كلية العلوم الاقتصادية' بواسطة smart girl, بتاريخ ‏19 يونيو 2008.

  1. smart girl

    smart girl عضو جديد

    ما هي الأجرة ؟ وكيف تتحدد ؟
    إذا سألت عددا من العمال عن مقدار أجورهم، لأجابك أحدهم: "إني أقبض من رب عملي ماركا واحدا في اليوم"، وأجابك الثاني: "إني أقبض ماركين"، وهكذا دواليك. وتبعا لمختلف فروع العمل التي يعملون فيه، يذكرون مختلف المبالغ المالية التي يتقاضاها كلّ منهم من رب عمله لقاء القيام بعمل معين، مثلا لقاء حياكة متر من القماش أو صف ملزمة في المطبعة. ورغم تنوع أجوبتهم فإنهم متفقون بالإجماع حول نقطة واحدة: أن الأجرة هي مبلغ المال الذي يدفعه الرأسمالي لقاء وقت محدد من العمل أو لقاء القيام بعمل معين.
    فالرأسمالي يشتري إذن (كما يبدو) عمل العمال بالمال. ولقاء المال يبيعونه عملهم. ولكن الأمر ليس كذلك إلا ظاهريا. فإن ما يبيعونه في الواقع من الراسمالي لقاء المال، إنما هو قوة عملهم. فالرأسمالي يشتري قوة العمل هذه ليوم واحد، لأسبوع، لشهر، وهلمجرا. ومتى اشتراه، استخدمها بتشغيل العامل خلال الوقت المتفق عليه. وبهذا المبلغ المالي نفسه الذي اشترى به الرأسمالي قوة عمل العامل، بماركين، مثل، كان بوسعه أن يشتري كيلوغرامين من السكر أو كمية معينة من بضاعة أخرى. فالماركان اللذان اشترى بهما كيلوغرامين من السكر هما ثمن الكيلوغرامين من السكر. والماركان اللذان اشترى بهما 12 ساعة من استخدام قوة العمل هما ثمن 12 ساعة عمل. فقوة العمل إذن بضاعة شأنها شأن السكر لا أكثر ولا أقل. الأولى تقاس بالساعة، والثانية بالميزان.
    إن بضاعة العمال، أي قوة عملهم، إنما يبادلونها ببضاعة الرأسمالي، بالمال، وهذا التبادل يتم وفق نسبة معينة. قدر معين من المال مقابل قدر معين من استخدام قوة العمل. مقابل 12 ساعة حياكة ماركان. وهذان الماركان، ألا يمثلان جميع البضائع الأخرى التي أستطيع شراءها بماركين ؟ وهكذا بادل العامل إذن بضاعة، هي قوة العمل، ببضائع متنوعة، وذلك وفقا لنسبة معينة. فحين يعطيه الرأسمالي ماركين، فكأنه يعطيه قدرا معينا من اللحم، من الألبسة، من الحطب، من النور، الخ. مقابل يوم عمله. فهذان الماركان يعبران إذن عن النسبة التي يتم بموجبها تبادل قوة العمل ببضائع أخرى، أي أنهما يعبران عن القيمة التبادلية لقوة العمل. إن القيمة التبادلية لبضاعة معينة، مقدرة بالمال، إنما هي بالضبط ما يسمونه ثمنها. فالأجرة ليست إذن سوى الإسم الخاص الذي يطلق على ثمن قوة العمل المسمى عادة ثمن العمل، ليست إذن سوى الإسم الخاص الذي يطلق على ثمن هذه البضاعة الخاصة التي لا يوجد منها إلا في لحم الإنسان ودمه.
    لنأخذ أول عامل نصادفه، حائكا مثلا. فالرأسمالي يقدم له النول والخيطان. ويشرع الحائك في العمل وتصبح الخيطان قماشا. ويأخذ الرأسمالي القماش ويبيعه بعشرين ماركا مثلا. فهل أن أجرة الحائك، في هذه الحال، حصة من القماش، من العشرين مارك، من منتوج عمله ؟ كلا. لقد تقاضى الحائك أجرته قبل أن يباع القماش بزمن طويل بل ربما تقاضاه حتى قبل أن يصنع القماش بزمن طويل. فالرأسمالي لا يدفع إذن هذه الأجرة من المال الذي حصل عليه من القماش، إنما يدفعها من المال المكدس لديه سلفا. وكما أن النول والخيطان ليست من نتاج الحائك، إنما قدمها له الرأسمالي، فإن البضائع التي يحصل عليها مقابل بضاعته، قوة العمل، ليست من نتاجه. وقد لا يجد الرأسمالي أبدا شاريا لقماشه. وقد لا يحصل من بيع القماش حتى على المبلغ الذي صرفه لدفع الأجرة. وقد يبيع القماش بفائدة كبيرة جدا بالنسبة لأجرة الحائك؛ غير أن كل هذه الاحتمالات لا علاقة لها أبدا بالحائك. فالرأسمالي يشتري بقسم من ثروته الحالية، من رأسماله، قوة عمل الحائك، بنفس الطريقة التي حصل بها بقسم آخر من ثروته على المادة الأولية – الخيطان، وأداة العمل – النول. وبعد إجراء هذه المشتريات، ومن ضمنها قوة العمل الضرورية لإنتاج القماش، يشرع في الإنتاج بواسطة مواد أولية وأدوات عمل تخصه وحده دون غيره. ومن ضمن هذه الأدوات، بالطبع، أصبح الآن صاحبنا الحائك الذي ليس له، شأنه شأن النول، أي حصة في المنتوج أو في ثمنه.
    فالأجرة ليست إذن حصة العامل في البضاعة التي أنتجها. إن الأجرة هي قسم من بضاعة موجودة سلفا يشتري به الرأسمالي كمية معينة من قوة عمل منتجة.
    فقوة العمل إذن بضاعة يبيعها مالكه، الأجير، من الرأسمالي. لماذا يبيعها ؟ ليعيش.
    ولكن ظاهرة قوة العمل، أي العمل، إنما هي النشاط الحيوي للعامل، إنما هي ظاهرة حياته بالذات. وهذا النشاط الحيوي هو ما يبيعه لشخص آخر، لكي يؤمّن لنفسه وسائل العيش الضرورية. وهكذا فإن نشاطه الحيوي ليس، بالنسبة له، سوى وسيلة تمكنه من العيش. فهو يعمل ليعيش. والعمل، بنظره، ليس جزءا من حياته، إنما هو بالأحرى تضحية بحياته. إنه بضاعة باعها لشخص آخر. ولذا فإن نتاج نشاطه ليس كذلك هدف نشاطه. فما ينتجه لنفسه، ليس الحرير الذي ينسج، وليس الذهب الذي يستخرج من المنجم، وليس القصر الذي يبني. إن ما ينتجه لنفسه، إنما هو الأجرة، ويتحول الحرير والذهب والقصر بالنسبة له إلى كمية معينة من وسائل العيش، وربما إلى قميص من القطن، أو إلى بعض النقود النحاسية، أو إلى منزل في قبو تحت الأرض. والعامل الذي يحيك طوال 12 ساعة، أو يغزل، أو يثقب، أو يخرط، أو يبني، أو يحفر، أو يحطم الحجر، أو ينقل الأثقال، الخ.، أتراه يعتبر هذه الساعات الـ12 من الحياكة أو الغزل أو الثقب أو الخرط أو البناء أو الحفر أو تحطيم الحجر، ظاهرة من ظاهرات حياته، أتراه يعتبرها حياته ؟ بالعكس، إن الحياة تبدأ بالنسبة له حيث يكف عن هذا النشاط، عند المائدة، في الحانة، في النوم على السرير. أما ساعات العمل الـ12، فإنها لا تعني إطلاقا بنظره الحياكة والغزل والثقب، الخ.، إنما تعني كسب ما يمكنه من الأكل، والذهاب إلى الحانة، والنوم. ولو كانت دودة الحرير تغزل لتأمين عيشها كدودة، لكانت أجيرا كاملا. إن قوة العمل لم تكن دائما بضاعة. والعمل لم يكن دائما مأجور، أي عملا حرا. فالرقيق لا يبيع قوة عمله من مالك الأرقاء، كما أن الثور لا يبيع عمله من الفلاح. فالرقيق يُباع، بما فيه قوة عمله، من مالكه، بيعا تاما. وهو بضاعة يمكن أن تنتقل من يد مالك إلى يد مالك آخر. فهو نفسه بضاعة، ولكن قوة عمله ليست بضاعته هو. والقن لا يبيع إلا قسما من قوة عمله، وليس هو الذي يتقاضى أجرا من مالك الأرض، إنما هو بالأحرى الذي يدفع جزية لمالك الأرض.
    فالقن من لوازم الأرض وريع لمالك الأرض. أما العامل الحر، فهو بالعكس يبيع نفسه بنفسه، وذلك بالمفرق. فهو يتنازل عن 8، 10، 12، 15 ساعة من حياته عن طريق المناقصات، يوما بعد آخر، لأسخى العارضين، لماك المواد الأولية وأدوات العمل ووسائل العيش، أي للرأسمالي. فالعامل لا يخص مالكا وليس من لوازم الأرض، ولكن 8، 10، 12، 15 ساعة من حياته اليومية تخص من يشتريها. والعامل يترك الرأسمالي الذي استأجره، ساعة يطيب له، والرأسمالي يصرفه ساعة يشاء، حين لا يبتز منه أي ربح أو حين لا يجد منه الربح المأمول. ولكن العامل الذي مورده الوحيد إنما هو بيع قوة عمله لا يستطيع ترك طبقة الشارين بكليتها أي الطبقة الرأسمالية، وإلا مات جوعا. إنه لا يخص هذا الرأسمالي أو ذاك، بل يخص طبقة الرأسماليين برمته، وعليه أن يجد فيها صاحبه، أي أن يجد شاريا في هذه الطبقة الرأسمالية.
    وقبل التعمق في بحث العلاقات بين الرأسمال والعمل المأجور، سنتناول الآن بإيجاز الظروف العامة التي تسهم في تحديد الأجرة.
    إن الأجرة، كما رأين، إنما هي ثمن بضاعة معينة، قوة العمل. فالأجرة تحددها إذن القوانين ذاتها التي تحدد ثمن أية بضاعة أخرى. ولذ، فالسؤال الذي يوضع هو السؤال التالي: كيف يتحدد سعر البضاعة ؟