لو سمحتوا ضروري

الموضوع في 'قسم اللغة العربية و آدابها' بواسطة bek4ever, بتاريخ ‏4 مايو 2008.

  1. bek4ever

    bek4ever عضو جديد

    السلام عليكم

    انا طالب في جامعة تخصص لغة عربية وعندي مشروع في البلاغة عن متعلقات الفعل في سورة الشعراءمن 1-46

    ارجوكم ضروري قبل يوم الثلاثاء

    مشكورين
     
  2. احمد وهبي

    احمد وهبي عضو مميز

    رد: لو سمحتوا ضروري

    أخي هناك كتاب عنوانه: بنية الفعل لعبد الحميد عبد الواحد في مكتبة المصطفى : http://www.al-mostafa.com/
    ماعليك سوى أن تكتب كلمة فعل مثلا في مكان البحث وستظهر لك قائمة الكتب
     
  3. احمد وهبي

    احمد وهبي عضو مميز

    رد: لو سمحتوا ضروري

    الفعل تعريفُه وأقسامه وأبوابه وشأنه في التعبير - صلاح الدّين الزعبلاوي
    تقدم الكلام في العدد السابق من المجلة على الفعل (تعريفه وأقسامه وأبوابه)، فعرّفت الفعل بالمثال وبدلالتيه الحدث والزمن، كما عرّفته بشأنه في الإسناد وبعلاماته، وأضفت إلى ذلك الكلام على أزمنة الفعل: الماضي والمضارع والأمر، وعلى الفعل الدائم. ثم انتهيت إلى أبواب الفعل والقياس في بعضها، والخلاف بين إطلاق هذا القياس وقصره على ما لم يُسمع.‏
    وها نحن أولاء نتابع البحث في قياس أبواب الفعل: قياس المتعدّي واللازم، وقياس ما كان ثانيه أو ثالثه من حروف الحلق، وما جاء مضاعفاً أو كان من أفعال المغالبة، ثم نختم الفصل بالكلام على شأن الفعل في التعبير فنأخذ منه بنصيب، استيفاء للبحث واستجماعاً لأصوله.‏
    ميز قياس الفعل المتعدّي من اللازم‏
    في مضارع فَعَلَ المفتوح العين‏
    فرّق جماعة في قياس مضارع (فَعَل) بفتح العين، بين المتعدي واللازم من الأفعال، فجعلوا (يفعلُ) بالضم قياساً للازم و (يفعِلُ) بالكسر قياساً للمتعدي.‏
    قال ابن جني في (المحتسب- 1/281): "ومن ذلك قراءة الأشهب العقيلي: فاجنح لها، بضم النون، - الأنفال /42- قال أبو الفتح: حكى سيبويه جنح يجنح بالضم، وهو في طريق ركد يركد وقعد يقعد وسفل يسفل، بضم عين مضارعها، في قربها ومعناها. ويؤيد ذلك أيضاً ضرب من القياس وهو أن جنح غير متعد، وغير المتعدي الضم أقيس فيه من الكسر، فقعد يقعد أقيس من جلس يجلس، وذلك أن يفعل بالضم باب لماضيه فعُل بالضم نحو شرف يشرُف. ثم أُلحق به قعد. وباب يفعِل بالكسر باب لما يتعدى نحو ضرب يضرب بالكسر، فضرب يضرب إذا أقيس من قتل يقتل، كما أن قعد يقعد أقيس من جلس يجلس، وقد تقصيت هذا الفريق في كتابي المنصف – ص /1/ 158- وما بعدها". وأكد ابن جني مذهبه هذا في الخصائص أيضاً (1/385-ط/ 1913).‏
    وقال ابن يعيش في شرح المفصل (7/153): "وقيل أن الأصل في مضارع المتعدي الكسر نحو يضرب، وأن الأصل في مضارع غير المتعدّي الضم نحو سكت يسكت وقعد يقعد، هذا هو مقتضى القياس". ثم استدرك فقال: "إلا أنهما قد يتداخلان فيجيء هذا في هذا، وربما تعاقبا على الفعل الواحد نحو عرش يعرش بالكسر ويعرش بالضم، وعكف يعكف بالكسر ويعكف بالضم، وقد قرئ بهما".‏
    ما يستحب الأخذ به من قياس مضارع فعَلَ المفتوح العين‏
    إذا كان متعدياً أو لازماً‏
    ويمكن أن يقال بعدما تقدم من الكشف عن مختلف المذاهب في قياس مضارع فعل المفتوح العين أن المستحب أن ينظر إلى المضارع فإذا عرف فيه الكسر أو الضم أخذ به سماعاً، على أن يضاف إلى هذا وجه من القياس.‏
    تقول قتله يقتله بالضم لأنه السماع وتضيف إليه يقتله بالكسر لأنه قياس المتعدي فيكون للفعل وجهان: سماعي بالضم وقياسي بالكسر. وتقول جلس بالكسر لأنه السماع وتضيف إليه يجلس بالضم لأنه قياس اللازم، فيكون لمضارع جلس وجهان: سماعي بالكسر وقياسي بالضم. وكلما صح في الفعل وجهان سماعي وقياسي، كان الوجه الذي قضى به السماع هو الأولى، ولا يعدّ الآخذ بالوجه الآخر مخطئاً.‏
    فإذا طابق القياس السماع كان للفعل وجه واحد لا يتجاوزه. تقول سجد يسجد بالضم وحده لأنه السماع فيه، وهو القياس كذلك للزوم الفعل. وهكذا خرج يخرج فليس فيه إلا الضم. وتقول ضرب يضرب بالكسر وحده لأنه السماع، وهو القياس أيضاً لتعدّيه. وكذلك كَسَر فليس فيه إلا يكسر بالكسر لأنه السماع، وهو القياس لتعدّيه.‏
    وقد شاع على ألسنة الكتَّاب قولهم (يعذُر) بالضم، وتعقّبهم في ذلك الأستاذ محمد العدناني، في معجم الأخطاء الشائعة، واعتدّ الصواب (يعذر) بالكسر. أقول القياس في هذا الكسر لتعدّيه، وقد اقتصر على الكسر الجوهري في الصحاح. ولكن سمع الضم أيضاً. قال ابن سيده في المخصص (13/81): "عذرته أعذره بالكسر وأعذره بالضم عذراً أو معذرة بكسر الدال ومعذرة بفتحها، حكاه سيبويه". وجاء في القاموس واللسان نحو من ذلك فثبت بذلك صواب قولك (يعذره) بالضم، لورود السماع به، وإن رجح عليه الكسر لأنه السماع والقياس.‏
    وثمة (حشره) فقد جاء مضارعه بالكسر فقيل (يحشره)، وبالضم فقيل (يحشُره). ففي الصحاح: "وحشرت الناس أحشرهم بالكسر وأحشرهم بالضم حشراً جمعتهم، ومنه يوم الحشر". وفي المختار: "حشرت الناس جمعتهم وبابه ضرب ونصر ومنه يوم الحشر". وجاء في التنزيل "يوم يحشرهم جميعاً- الأنعام/ 128" بضم الشين، وقرأ بعضهم بكسرها، وذكر ابن عطية أن ذلك، أي الكسر، قليل في الاستعمال قوي في القياس لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعُل بضم العين، وقد عقب على ذلك أبو حيان الأندلسي بأنه فعل المتعدي، الصحيح جميع حروفه، إذا لم يكن للمبالغة ولا حلقي عين ولا لام، فإنه جاء على يفعِل بالكسر ويفعل بالضم كثيراً، فإن شهر أحد الاستعمالين اتبع وإلا فالخيار، حتى إن بعض أصحابنا خير فيهما سُمعا للكلمة أو لم يسمعا.‏
    وعلى ذلك فثمة مذاهب ثلاثة: مذهب ابن عطيّة القائل بقياس الكسر في المتعدّي، والضم في اللازم إذا لم يخالفهما سماع، ويستنبط منه أنه إذا خالفهما سماع ضُم إليه القياس بضم العين في لازمه وكسرها في متعديه وهو ما رأينا الأخذ به. وابن عطية هذا هو عبد الحق بن غالب.. ابن عطية المحاربي الغرناطي- (481-541هـ) العالم المشارك في الفقه والحديث والتفسير والنحو واللغة وصاحب الجامع المحرر والصحيح الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ومذهب أبي حيان الأخذ بالسماع، فإذا لم يعرف تساوى الوجهان في المضارع عامة. وأبو حيان هذا هو أبو عبد الله.. ابن حيان الأندلسي الغرناطي (654-745) العالم المشارك صاحب التفسير المسمى بالبحر المحيط وشرح التسهيل والارتشاف.‏
    ومذهب ثالث في الأخذ بقياس الوجهين جميعاً عرف في المضارع السماع أم لم يعرف.‏
    وقد وطأ للأخذ بالمذهب الأول جماعة منهم ابن جني، كما تقدم. قال ابن جني في الخصائص (1/385): "وأنا أرى أن يفعل بالضم فيما ماضيه فعَل غير المتعدي أقيس من يفعل بالكسر، فضرب يضرب إذاً أقيس من قتل يقتل، وقعد يقعد أقيس من جلس يجلس" وعلل ذلك فقال: "وذلك أن يفعُل بالضم إنما هي في الأصل لما لا يتعدى نحو كرم يكرم، على ما شرحنا من حالها، فإذا كان كذلك كان أن يكون في غير المتعدي فيما ماضيه فعل أولى وأقيس..".‏
    قياس مضارع فعل المفتوح العين‏
    إذا تعاقب على الفعل الواحد التعدي واللزوم‏
    إذا اتفق لفعل أن يأتي لازماً ومتعدياً، ويجيء مضارعه مضموم العين ومكسورها، فالضم للازم والكسر للمتعدي، هذا قياس ما وطأ له ابن جني. قال ابن جني في المحتسب (1/92): "قد بينا في كتابنا المنصف، وهو تفسير تصريف أبي عثمان، أن باب فعل المفتوح العين المتعدي أن يجيء على يفعل مكسور العين كضرب يضرب وحبس يحبس، وباب فعل المفتوح العين غير المتعدي أن يكون يفعُل مضموم العين كقعد يقعد وخرج يخرج، وإنهما يتداخلان فيجيء هذا في هذا، كقتل يقتل بالضم وجلس يجلس بالكسر، إلا أن الباب ومجرى القياس على ما قدمناه. فهبط يهبط بالضم على هذا، أقوى قياساً من يهبط بالكسر، فهو كسقط يسقط، لأن هبط غير متعدّ في غالب الأمر كسقط". ومضى ابن جني في تفسير قوله تعالى: "وإن منها لما يهبط من خشية الله- البقرة/ 74" فقال: "وقد ذُهب في هذا الموضع، إلى أن هبط هنا متعد.. وقد جاء هبطته متعدياً كما ترى. قال:‏
    ما راعني إلا جناح هابطاً على البيوت قوطه العُلا بطا‏
    -جناح اسم راعٍ، والقوط: القطيع من الغنم، والعلابط جمع علبطة: القطيع لا يقل عن خمسين –وأعمله في القوط. فعلى هذا نقول: هبط الشيء وهبطته، وهلك الشيء وهلكته... وإذا كانت كذلك وكانت هبط هنا قد تكون متعدية فقراءة الجماعة لما يهبط بكسر الباء أقوى قياساً من يهبُط بالضم، لأن معناه لما يهبط مبصره ويحطه من خشية الله. ومن ذهب فيه إلى أن يهبط غير متعد فكأنه قال: وإن منها ما لو هبط شيء غير ناطق من خشية الله لهبط هو، لا أن غير الناطق تصح منه هذه الخشية".‏
    أقول إذا عدنا إلى تمام الآية: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون(‏
    وجدنا أن (يهبط) في الآية قد جاء بالكسر، وقرئ بالضم أيضاً. ومعنى الآية "أن الحجارة تتأثر وتنفعل، فإن منها ما يتشقق فيقع مِنْهُ الماء وتتفجر منه الأنهار، ومنها ما يتردى من أعلى الجبل انقياداً لما أراد الله تعالى به. وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره تعالى. والتفجر التفتح بسعة وكثرة، والخشية مجاز من الانقياد..." كما قاله البيضاوي في تفسيره.‏
    وهكذا حاول ابن جني، فيما تقدم من كلامه في المحتسب (1/92)، أن يصرف القول إلى أن قراءة (يهبط) في الآية بالكسر إنما تنم على تعدّي الفعل، وبالضم على لزومه. فإذا صح قياس ابن جني هذا في فعَل المفتوح العين، مما تعاقب عليه اللزوم والتعدي وسمع في مستقبله الضم والكسر، خص الكسر بمستقبل المتعدي منه، والضم بمستقبل غير المتعدي. ومن هذا قولك هدر الدم فإنه من بابي ضرب وقتل، وهو يتعدى ولا يتعدى، فالكسر لمستقبل المتعدي والضم لمستقبل غير المتعدي، فإذا سمع في الفعل الكسر وحده كنزف أضيف الضم إلى مضارع اللازم منه. أو سمع الضم وحده كنقص الشيء أو قطر الدم أضيف الكسر إلى المتعدي.‏
    نص المعاجم فيما جاء مضارعه بالكسر والضم وكان متعدياً ولازماً‏
    درجت المعاجم على الأخذ بما ثبت لها بالرواية والاقتصار عليه. ففي مادة (هبط) ذكر الصحاح أوزان مصدره لازماً ومتعدياً وسكت عن باب الفعل فلم يشر إلى حركة العين في مضارعه، وقد اعتاد أن يشير إلى ذلك غالباً حين يصح في مضارع الفعل الكسر والضم إذ قال مثلاً عكفه أي حبسه ووقفه بعكفه بالكسر ويعكفه بالضم عكفاً، كما قال: وفسق الرجل يفسق بالضم ويفسق بالكسر أيضاً عن الأخفش فسقاً وفسوقاً أي فجر. أما في (هبط) فقد قال الجوهري "هبط هبوطاً نزل وهبطه هبطاً أي أنزله، يتعدى ولا يتعدى". فتدارك ذلك الرازي في مختار الصحاح فجعل الكسر لعين المضارع اللازم والمتعدي على السواء، فقال: "هبط نزل وبابه جلس وهبطه أنزله وبابه ضرب، يتعدى ويلزم" وأهمل الرازي رواية الضم في عين المضارع على ثبوت حكاية الضم في الآية. وتدارك ذلك الفيومي في مصباحه فقال: "هبط الماء ونحوه هبطاً من باب ضرب ونزل" فهو إذاً بالكسر والمصدر على الهبط والهبوط، إذا كان لازماً وأردف: "وفي لغة قليلة يهبط هبوطاً من باب قعد" فخص اللازم بالضم في لغة قليلة، أما الكسر فلهما جميعاً، إذ قال: "وهبطته أنزلته يتعدى ولا يتعدى".‏
    شرط مجيء الفعل على فعَل يفعَل‏
    بفتح العين فيهما‏
    ذهب جمهرة النحاة إلى أن ما جاء على فعَل بفتح العين فيهما، وهو ما أسموه (الباب الثالث) فشرطه أن تكون عينه أو لامه من حروف الحلق، هذا هو القياس، وقد شذ من ذلك أحرف معلومة. قال ابن خالويه في شرح المقصورة الدريدية، على ما حكاه السيوطي في المزهر (2/60): "قال ابن خالويه في شرح المقصورة: ليس في كلام العرب فعل يفعل بفتح الماضي والمستقبل، إلا إذا كان فيه أحد حروف الحلق عيناً أو لاماً نحو سحر يسحر، وليس فيه أحد حروف الحلق عيناً أو لاماً، في خمسة أحرف: عشى يعشى وقلى يقلى وجبى يجبى وركن يركن، فقل في ذلك خلاف، وأبى يأبى لا خلاف بين النحويين فيه فلذلك خُص بالذكر".‏
    ويفهم مما تقدم أن ما جاء على (فعل يفعل) بفتح الماضي والمستقبل، لا بد أن تكون العين أو اللام فيه من حروف الحلق، إلا أمثلة شذت. وقد أجمع النحويون على شذوذ مثال واحد هو (أبى يأبى) واختلفوا فيما بقي منها فأولوه.‏
    وجاء في المخصص لابن سيده (14/125): "وقد ذكر سيبويه أنه جاء حرف واحد على فعل يفعل بفتح العين هو أبى يأبى، وليس عينه ولا لامه حرفاً من الستة، وأردف "وقال بعض النحويين شبهوا الألف بالهمزة لأنها من مخرجها، وهو شاذ ليس بأصل، وزاد ابن السكيت عن أبي عمرو: ركن يركن..".‏
    وقد جاز ابن جني هذا المجاز فلم يعتد بشذوذ الأمثلة التي جاءت في الظاهر على غير القياس، ذلك أنها لم تكن من أصل اللغة، ولو بدت كذلك، بل اتهم من قال بشذوذها بضعف النظر، حين وقفوا من الأمثلة عند الظاهر. ولم يتجاوزوه إلى أصولها الأولى.‏
    قال ابن جني في باب (تركب اللغات) من الخصائص (1/379): "اعلم أن هذا موضع قد دعا أقواماً ضعف نظرهم، وخفت إلى تلقي ظاهر هذه اللغة أفهامهم، أن جمعوا أشياء على وجه الشذوذ عندهم وادعوا أنها موضوعة من أصل اللغة..". وقد ذكر مما قيل بشذوذه: قلى يقلي وسلى يسلي وعشى يعشى وجبى يجبى وركن يركن وقنط يقنط، ومضى في تخريجها على الأصل فقال: (1/381): "إنهم قد قالوا قليت الرجل بالفتح وقليته بالكسر. فمن قال قليته بالفتح فإنه يقول أقليه بالكسر. ومن قال قليت الرجل بالكسر قال أقلاه بالفتح، وكذلك من قال سلوته بالفتح قال أسلوه بلاضم، ومن قال سليته بالكسر قال أسلاه بالفتح" وأردف: "ثم تلاقى أصحاب اللغتين فسمع هذا لغة هذا، وهذا لغة هذا، فأخذ كل منهما من صاحبه ما ضم إلى لغته فتركب هناك لغة ثالثة، كأن من يقول سلا بالفتح أخذ مضارع من يقول سلي بالكسر فصار في لغته سَلَى يسلَى بالفتح فيهما".‏
    وهكذا حكى ابن جني لعشى يعشى لغتين: عشا يعشو كسلا يسلو بفتح الماضي وضم المضارع وعشي يعشى بكسر الماضي وفتح المضارع، فكان ثمة من قال عشى يعشى بالفتح فيهما".‏
    أما جبى فقد حكى لماضيه المفتوح يجبي بالكسر، ثم حصل جبى على قرأ وهدأ تشبيهاً للألف بالهمزة لأنها من مخرجها، كما حمل مضارعه على يقرأ فكان له جبى يجبى بالفتح فيهما، وكذلك فعل في (أبى يأبى).‏
    وأما ركن يركن فقد حكى فيه لغة كنصر ينصر وأخرى كعلم يعلم، ثم أخذ مستقبل هذه وضمه إلى ماضي تلك فكان منهما ركن يركن بالفتح فيهما.‏
    وهكذا فعل في قنط يقنط إذ حكى فيه لغة على جلس يجلس وأخرى على تعب يتعب فكان منهما قنط يقنط بالفتح (1/381-386)، قال ابن جني: "وكذلك حال قولهم قنط يقنط بالفتح فيهما، إنما هما لغتان تداخلتا، وذلك أن قنط يقنط بفتح الماضي وكسر المضارع لغة، وقنط يقنط بكسر الماضي وفتح المضارع لغة أخرى، ثم تداخلتا فتركبت لغة ثالثة، فقال من قال قنط يقنط بالفتح فيهما، ولم يقولوا قنط يقنط بالكسر فيهما، لأن آخذاً إلى لغته لغة غيره قد يجوز أن يقتصر على بعض اللغة التي أضافها إلى لغته دون بعض".‏
    فثبت بما تقدم أن ما جاء على (فعل يفعل) بفتح العين فيهما، لا بد أن تكون العين أو اللام فيه من حروف الحلق، وقد شذ من ذلك أحرف اجتهد النحاة في تأويلها وتخريجها. وقد جاء نحو من ذلك في أمالي ابن الشجري (أبو السعادات هبة الله بن علي – 542هـ). (ج1-ص/171-174). ولكن هل يصح العكس في ذلك أي هل يشترط فيما كانت عينه أو لامه حرفاً من حروف الحلق أن يجيء بالفتح على (فعل يفعل) بالفتح فيهما فيكون من الباب الثالث.‏
    قياس مضارع ما جاء على فَعَل‏
    إذا كان ثانيه أو ثالثه من حروف الحلق‏
    أقول إذا جعل الشرط في المسألة مجيء الفعل من الباب الثالث، بفتح ماضيه ومستقبله، كان المشروط مجيء العين أو اللام فيه من حروف الحلق، وليس يستلزم إذا ثبت المشروط، وهو وجود حرف الحلق، أن يثبت الشرط، وهو مجيء الفعل من الباب الثالث. فشرط قيام الصلاة، فيما مثلوا، وجود الوضوء، ولا يستلزم وجود الوضوء قيام الصلاة. ولذا قيل أن مجيء ما كانت عينه ولامه من حروف الحلق، على (فعل) بفتح العين، لا يستلزم أن يكون مضارعه على (يفعَل) بفتح العين، ولكن يكثر.‏
    قال ابن سيده في المخصص (14/125): "وقد يكون الآتي من فعَل يفعل بفتح العين فيهما، إذا كانت لامه أو عينه حرفاً من حروف الحلق، وليس هذا الموضع كلياً.‏
    بل قد يجيء مما عينه ولامه حرف من حروف الحلق على القياس كثيراً". فقول ابن سيده: قد يكون الآتي أي المضارع من فعل يفعل بفتح العين فيهما إذا كانت لامه أو عينه حرفاً من حروف الحلق وليس هذا الموضع كلياً، قوله هذا يعني أن مجيء حرف الحلق في (فَعَل) المفتوح العين، لاماً أو عيناً، لا يقتضي فتح العين في مضارعه باطراد. قال ابن سيده: "وبعض ذلك على الأصل على فعَل يفعِل بالكسر أو يفعُل بالضم". وقد ذكر مما جاء مضارعه على الكسر وكانت عينه أو لامه حرف حلق (تحت ينحت وصهل يصهل ورجع يرجع) ومما جاء على الضم (قعد يقعد وشجب يشجب)، وأردف: "وذلك كثير". وذكر سيبويه الكثير مما جاءت عينه أو لامه من حروف الحلق من (فعَل) المفتوح العين، وكان مضارعه بالكسر وبالضم (2/253). وقول ابن سيده "وبعض ذلك على الأصل" يعني أن الأصل أن تغاير حركة المضارع حركة الماضي، فإذا اتفقت الحركتان كان ذلك لقصد. قال ابن جني في تغاير حركتي الماضي والمضارع في الأصل، واتفاقهما حيناً: "فإن قلت فقد نجد في الثلاثي ما تكون حركة عينيه في الماضي والمضارع سواء، وهو من باب فعُل يفعل بالضم نحو كرم يكرم وظرف يظرف، قيل على كل حال فاؤه في المضارع ساكنة، وأما موافقة حركة عينيه فلأنه ضرب قائم في الثلاثي برأسه، ألا تراه غير متعدّ البتة. وأكثر باب فعَل بالفتح وفعِل بالكسر متعدّ، فلما جاء هذا مخالفاً لهما، وهما أقوى وأكثر منه، خولف بينهما وبينه، فوفق بين حركة عينيه وخولف بين حركتي عينيهما". وأردف: "إذا ثبت وجوب خلاف صيغة المضارع، وجب أن يكون ما جاء من نحو سلى يسلى وقلى يقلى بالفتح، مما التقت فيه حركتا عينيه منظوراً في أمره- /381/ الخصائص". وقد ذكر ابن جني نحواً من ذلك في كتابه (المنصف- 1/185).‏
    ولكن لم كان الغالب في مضارع ما جاء من (فعَل) مفتوح العين، مفتوح العين كماضيه، إذا كانت عين الفعل أو لامه من حروف الحلق؟ أقول قد اعتل بعضهم لذلك بثقل الضمة والكسرة، إلى ثقل حروف الحلق، فتفادوا من الجمع بين الثقلين بإبدال الفتحة من أختيها وهي أخف الحركات، جاء ذلك في تلخيص الأساس في شرح البناء لعلي بن عثمان (ص/ 21). وهو علي بن عثمان الأقشهري المتوفى (1285هـ) واعتل ابن جني لذلك بعلة أخرى إذ قال في الخصائص (1/535): "ومن ذلك أيضاً قولهم فعَل يفعَل بفتح العين وسحل يسحل وسبح يسبح، وذلك لأنهم ضارعوا بفتحة العين في المضارع جنس حرف الحلق، لما كان موضعاً منه مخرج الألف التي منها الفتحة".‏
    حروف الحلق:‏
    حروف الحلق ستة هي (الهمزة والهاء) و (العين والحاء) و (الغين والخاء). وقد ضم بعضهم إليها (الألف)، كما فعل الشاطبي أبو القاسم (590هـ) فجعلها سبعة خلافاً للجمهور. ذلك أن الجمهور على أن الألف كما قال الجزري شمس الدين محمد ابن محمد (833هـ) مع أختيها الواو والياء، إنما هي حروف الجوف الثلاثة إذا سكنت وسبقتها حركة مجانسة، أي الفتح قبل الألف والضم قبل الواو والكسر قبل الياء.‏
    وقد جاء في تلخيص الأساس لعلي بن عثمان: "وقيل سبعة سابعها الألف لكن الجمهور لم يقل به. قال المرعشي، رحمه الله، في جهد المقلّ: وقع في بعض الرسائل أقصى الحلق ينقسم إلى ثلاثة مواضع يخرج من ثالثها الألف المدّية، أي ألف المدّ. قلت ما ذكر فيه من الأقسام صحيح، لكن جعل الموضع الثالث مخرج الألف المدّية مجاز، وإنما هو مبدأ صوته، والجمهور لما لم يقولوا بهذا المجاز، بل جعلوا حروف المدّ جوف الحلق سلكت مسلكهم"، وأردف: "وإنما سميت حروف الحلق لخروجهن من الحلق.‏
    فالأولان، الهمزة والهاء، يخرجان من أقصى الحلق أي أبعدها من الفم، وهو ما ولي الصدر، والمتوسطان: العين والحاء، من وسط الحلق، والآخران: الغين والخاء من أدنى الحلق، أي أقرب إلى الفم، وهو أوله مما يلي الفم، على ما في شرح الجزري – ص/ 21 و 22".‏
    قياس يفعل فيما جاء من الثلاثي مضاعفاً‏
    ذهب كثير من الأئمة كوفيين وبصريين إلى أن مضارع ما جاء من الثلاثي مضاعفاً إنما يكون مضموم العين إذا كان الفعل متعدياً، وبالكسر إذا كان لازماً، خلافاً لما تقرر غالباً، في غير المضاعف من الثلاثي. ومن ذلك ما قاله الفراء أبو زكريا يحيى بن زياد، شيخ الكوفة (207هـ). فقد جاء في الصحاح (مادة شد): "قال الفراء ما كان على فعلت من ذوات التضعيف غير واقع، أي غير متعد، فإن يفعل منه مكسور العين مثل عففت أعف بالكسر، وما كان واقعاً أي متعدياً مثل وددت ومددت فإن يفعل منه مضموم العين إلا ثلاثة أحرف جاءت نادرة، وهي: شدّه يشدّه بالضم ويشدّه بالكسر، وعلّه يعلّه ويعلّه من العلل وهو الشرب الثاني، ونم الحديث ينمه وينمه. قال فإن جاء مثل هذا أيضاً مما لم يسمعه فهو قليل وأصله الضم، وقد جاء حرف واحد بالكسر من غير أن يشركه الضم، وهو حبه يحبه".‏
    وهكذا جعل الفراء القياس في المضاعف من الثلاثي، أن يضم مضارعه إذا كان متعدياً، وأن يكسر إذا كان لازماً. فإذا سمع من المتعدي ما كسرت عين مضارعه، فلا بد أن يكون إلى جانبه ضم العين، كما هو الحال في شدّه وعلّه ونمِّه، ولم يأت بالكسر وحده إلا حرف واحد شاذ، هو حبه يحبه.‏
    وجاء في الصحاح: "يقال أحبه فهو محب، وحبّه يحبه بالكسر فهو محبوب. وهذا شاذ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر إلا ويشركه يفعُل بالضم إذا كان متعدياً، ما خلا هذا الحرف". وفي المصباح. "وحببته أحبه من باب ضرب والقياس أحبه بالضم لكنه غير مستعمل..".‏
    وقد حكى ابن قتيبة عن الفراء ما ذهب إليه (أدب الكاتب/ 471) وذكر مما جاء باللغتين من المتعدي ما ذكره وزاد: بت الشيء يبته بالضم ويبته بالكسر، كما ذكر مما جاء باللغتين من اللازم، جد يجد ويجد، وشب الفرس يشب ويشب، وجم يجم ويجم وصدّ يصد ويصد بمعنى ضجّ، وشح يشح ويشح، وقال: "وعن أبي زيد فحَّت الأفعى تفحّ وتفحّ".‏
    وهكذا جاء من المتعدي باللغتين ثلاثة أحرف حكاها الفراء، كما تقدم، ورابع حكاه ابن قتيبة عن سواه هو (بتّ). وجاء باللغتين من اللازم خمسة أحرف هي (جدّ وشبّ وجمّ وصدّ وشحّ) وزاد أبو زيد (فحّ). فإذا سمع الكسر في المضاعف المتعدّي فالضم إلى جانبه لأنه القياس، أو سمع الضم في اللازم منه فالكسر إلى جانبه، لأنه القياس أيضاً. وحكى ابن السكيت في الإصلاح (244هـ) عن الفراء ما حكاه الجوهري وابن قتيبة وقد نحا هذا النحو المبرّد أبو العباس محمد بن يزيد (285هـ) وهو شيخ البصرة، في كتابه الكامل (ص/ 1099)، كما نحاه الفارسي أبو علي الحسن (377هـ) في تذكرته، على ما حكاه السيوطي في مزهره (2/71).‏
    وهكذا فعل ابن جني أبو الفتح (392هـ) في الخصائص (1/385)، كما فعله المعرّي أبو العلاء أحمد بن عبد الله التنوخي (449هـ) في رسالة الغفران (ص/ 137-ط دار كرم دمشق).‏
    وجرى هذا المجرى ابن الحاجب أبو عمرو عثمان (646هـ) في شافيته، وشارحو هذه الشافية ومنهم رضي الدين محمد بن الحسن (686هـ) في شرح الشافية (ص/ 52 و 53).‏
    ويمم سمت هؤلاء جميعاً ابن عصفور علي بن مؤمن الحضرمي الإشبيلي (663هـ) في كتابه (الممتع في التصريف/ 174). وقد تقدم أنه أخذ بقياس يفعل ويفعل بالكسر والضم في فعل المفتوح العين من الصحيح غير المضاعف، سمع أم لم يسمع.‏
    على أن ممن بسط القول في هذا الموضع ابن القوطية أبو بكر محمد الأندلسي (367هـ) في مقدمة كتابه (الأفعال) إذ قال: "والضم يستثقل في المضارع، فما كان منه على فَعَل مفتوح العين متعدياً فإن مستقبله على يفعل بضم العين مثل: ردّه يردّه وشدّه يشدّه، غير أفعال جاءت باللغتين: هرّه يهرّة ويهرّه: كرهه، وعلَّه بالشراب يعله ويعله، وشده يشدّه ويشدّه، وقال الفراء نمّ الحديث ينُمّه وينمه، وبتّ الشيء يبته ويبته. وشذ من ذلك حَبَّ الشيء يحِبُّه بالكسر" وأردف: "وقرأ العطاردي: فاتبعوني يحببكم الله- آل عمران/ 31" أي قرأ: يحببكم بكسر عين المضارع من (حبه) المضاعف الثلاثي. والقراءة المشهورة (يحببكم) بضم أوله من أحبه. ثم قال: "وما كان غير متعد فإنه على يفعل بالكسر، غير أفعال أتت باللغتين: شحّ يشح ويشح، وجدّ في الأمر يجد ويجد، وجم الفرس يجمّ ويجمّ، وشب يشب ويشب، وفحت الأفعى تفحّ وتفحّ، وترّت يده تترّ وتترّ، وترّت: غلظت، وطرّت المرأة تطرّ وتطرّ: تدللت في الشيء وفي المثل: أطرّي فإنك ناهلة، وصدّ عني يصدّ ويصدّ، وحدّت المرأة تحدّ وتحدّ: إذا تركت الزينة، وشذّ الشيء يشذ ويشذ، ونسّ الشيء ينسّ وينس إذا يبس، وشطَّت الدار تشط وتشط: بعُدت، ودرّت الناقة وغيرها تدرّ وتدرّ"‏
    ثم استدرك فقال: "وأما ذرّت الشمس وهبت الريح فإنهما على يفعل بالضم، إذ فيهما معنى التعدي وشذ منه أل يؤل بالضم: بَرَق، وألّ الرجل أليلاً: رفع صوته ضارعاً". وفي تأويل مجيء غير المتعدي من المضاعف حيناً بالضم، والقياس فيه الكسر، يقول الفيومي في مصباحه: "وإن كان متعدياً أو في حكم المتعدي فقياس المضارع الضم نحو يردّه ويمدّه ويذب عن قومه ويسدّ الخرق، وذرّت الشمس تذر لأنه بمعنى أنارت غيرها، وهبت الريح تهب، ومدّ النهر إذا زاد يمدّ بالضم لأن معناه ارتفع فغطى مكانه مرتفعاً منه". يريد أن يقول: جاء يذب عن قومه بالضم لأنه بمعنى حمى المتعدّي، كما جاء مدّ النهر بالضم لأنه بمعنى غطى بفيضانه ضفتيه.‏
    ولكن ما علة جريان الثلاثي من المضاعف، في مستقبله، مجرى الضد من غير المضاعف؟ قال ابن جني في الخصائص (1/385): "قيل إنما جاء هذا في المضاعف لاعتلاله، والمعتل كثيراً ما يأتي مخالفاً للصحيح".‏
    وقد عرض الجوهري أبو نصر (393هـ) لهذا في صحاحه، فحدّ ما جاء باللغتين من اللازم بسبعة أحرف، ومن المتعدّي بخمسة أحرف، إذ أغفل مما ذكره ابن القوطية من اللازم (شذ ونسّ وشطّ ودرّ وطرّ) لكنه زاد (علّ)، كما أغفل مما ذكره من المتعدّي (هرّ)، لكنه زاد (رمّ). ولم يذكر مما جاء على غير الأصل من المتعدي ألا (حبَّه) وقد ذكره في مادته، ولم يذكر مما جاء على غير الأصل من اللازم، خلافاً لابن القوطية.‏
    على أن من الأئمة من لم يفرّق بين مضاعف وغير مضاعف فقال بغلبة مجيء يفعل بالكسر والضم، فيما كان ماضيه على (فعَل) بفتح العين، وإيثار الكسر فيه لخفته فيما لم يسمع بابه من المضارع.‏
    قال ابن سيده في المخصص (14/123): "وقال بعض النحويين إذا علم الماضي على فعَل بالفتح، ولم يعلم المستقبل على أي بناء هو فالوجه أن يجعل يفعل بالكسر، وهذا أيضاً لما قدّمت من أن الكسرة أخف من الضمّة، وقيل هما يستعملان فيما لا يعرف وحكي عن محمد بن يزيد وأحمد بن يحيى أنه يجوز فيه الوجهان في مستقبل فعَل بالفتح، في جميع الباب".‏
    ومضى ابن سيده يذكر ما اعتقب عليه المثالان من المضاعف وغير المضاعف، فقال: فأما ما يعتقب عليه هذان المثالان من المضاعف نحو شدّ وشحّ وعلّ ونمّ، فسأستقصيه في موضعه إن شاء الله تعالى، وأشباه هذا في الكلام كثير جداً لكني ذكرت منه عامة ليدلك على أن المثالين يكثران..". قال هذا ولم يفرّق في المضاعف بين متعد وغير متعدّ. وجرى ابن سيده هذا المجرى في موضع آخر (المخصص – 15/64-68)؛ فقال: "قد ذكرت اختلاف النحويين في هذا الفصل وما ذهبوا إليه، وأذكر الآن شيئاً من المسموعات وأوجز في ذلك". وأخذ يعدد ما جاء بالكسر والضم من المضاعف وغيره، والمتعدى من ذلك وغير المتعدى.‏
    القياس في مضارع أفعال المغالبة‏
    إذا كان الفعل جارياً بين اثنين وغلب أحدهما فيه الآخر، أحلت باب المفاعلة فيه إلى باب نصر، ولو كان في الأصل من غير هذا الباب فضممت عين مضارعه، هذا هو الغالب.‏
    فأنت تقول شاتمته فشتمته أشتمه بضم عين المضارع، ما دام للمغالبة، والشتم في الأصل من باب ضرب.‏
    ويمكن النظر إلى القياس في أفعال المغالبة من جهتين:‏
    الأولى: هل لك أن تقيس في كل فعل جاء على (فاعلته) فتأتي منه بفعلته أفعله من باب نصرته أنصره بالضم، إذا أردت المغالبة؟ أقول لا قياس في هذا فأنت تقول نازعني فلان ولا تأتي منه بنزعته أنزعه من باب نصر للمغالبة، قال سيبويه في الكتاب (2/239): "واعلم أن يفعل من هذا الباب، باب المغالبة، على مثال يخرج بالضم نحو عازّني فعززته أعزُّه، وخاصمني فخصمته أخصمه، وشاتمني فشتمته أشتمه، بضم عين المضارع فيها.. وكذلك جميع ما كان من هذا الباب، إلا ما كان من الياء مثل رميت وبعت، وما كان من باب وعدَ، فإن ذلك لا يكون إلا على أفعله بكسر عين المضارع، لأنه لا يختلف ولا يجيء إلا على يفعل بكسر العين"، وأردف: "وليس في كل شيء يكون هذا، ألا ترى أنك لا تقول نازعني فنزعته أنزعه، أستغني عنها بغلبته وأشباه ذلك".‏
    الثانية: هل ينبغي لكل فعل جاء على (فاعلته ففعلته أفعله) على سبيل المبالغة أن يكون (فعلته أفعلُه) فيه، من باب نصر قياساً مطرداً؟ أقول في ذلك مذاهب:‏
    المذهب البصري:‏
    أما البصريون فيقولون بضم عين المضارع في الصحيح من أفعال المغالبة مطلقاً، ويجعلون هذا قياساً مطرداً. فإذا سُمع فيه غير الضم أوجبوا الضم فيه، ما دام الفعل صحيحاً. قال السيوطي في المزهر (2/25): "وشذ الكسر في قولهم خاصمني فخصمته أخصمه بكسر الصاد، ولا يجيز البصريون فيه إلا الضم، وهذا ما لم يكن المضارع وجب فيه الكسر فإنه يبقى على حاله في المغالبة، نحو سايرني فسِرته أسيره، وواعدني فوعدته أعِدُه، وراماني فرميته أرميه".‏
    والبصريون يقولون بالضم، ولو كانت عين المضارع أو لامه حرفاً حلقياً. قال السيوطي في المزهر (2/25): "وأما فَعَل بفتح العين، الصحيح، إن كان لمغالبة، فمذهب البصريين أن مضارعه بضم العين مطلقاً نحو كاتبني فكتبته أكتبه، وعالمني فعلمته أعلمه، وواضأني فوضأته أوضؤه". فقد جاء بعين المضارع فيها جميعاً مضمومة، ولام الفعل في واضأني فوضأته أوضؤه، من حروف الحلق.‏
    مذهب الكسائي والجوهري وجماعة:‏
    إذا كان البصريون قد رأوا ضم عين الفعل في المضارع ما دام للمغالبة، مهما كان بابه في الأصل، فقد ذهب الكسائي في هذا، وهو شيخ الكوفية، مذهباً آخر، فقد علَّق الضم الذي تستوجبه المغالبة على خلو الفعل من حرف حلقي عيناً أو لاماً، فإذا كان الفعل حلقياً وجب الفتح في عين مضارعه. وقد أخذ على الكسائي في هذا أن حلقي الفعل لا يجب الفتح في عين مضارعه أصلاً، كما تقدم، ولو كثر فيه ذلك. فالفتح في عين المضارع يستلزم أن يكون الفعل حلقياً، ولا عكس كما فصَّلناه. والكسائي، حين أوجب الفتح في حلقي العين من أفعال المغالبة، لم يلتزم فيه وحسب، بل ألغى ما كان يستدعيه قياس المغالبة الذي أخذ به النحاة. فقد جاء في التاج (مادة شعر): "شاعره فشعره يشعره بالفتح، أي كان أشعر منه وغلبه، قال شيخنا: وإطلاق المصنف في الماضي يدل على أن المضارع بالضم ككتب على قاعدته لأنه من باب المغالبة، وهو الذي عليه الأكثر".‏
    فصاحب التاج قد حكى (يشعره) الذي هو من أفعال المغالبة بالفتح، كما فعل الجوهري، لكنه أشار إلى أن المصنف، أي صاحب القاموس، قد جاء به بالضم، كما هو شأن أفعال المغالبة.‏
    وقد حكاه أبو زيد بالضم كذلك. وأردف صاحب التاج: "وضبطه الجوهري بالفتح كمنع ذهاباً إلى قول الكسائي في أعمال الحلقي حتى في باب المغالبة". وفي هذا ما يشير إلى أن الجوهري قد أخذ بمذهب الكسائي في أعمال الحلقي، في باب المغالبة. قال السيوطي في المزهر (2/25): "وجوز الكسائي في حلقي العين فتح عين مضارعه، كحاله إذا لم يكن لمغالبة" والجمهور لم يوجب الفتح في حلقي العين في غير المغالبة ليوجبها في المغالبة.‏
    وثمة (فاخره ففخره يفخره)، وهو حلقي العين، من أفعال المغالبة، وقد جاء به القاموس بالضم، وجاء بـ (يشعره) كذلك، كما تقدم، وكذلك حكاه اللسان والتاج، أي (يفخره) بالضم. على حين جاء به الجوهري في صحاحه بالفتح. قال الجوهري: "فاخرت الرجل ففخرته أفخره فخراً إذا كنت أكرم منه.." وعلق الهوريني أبو الوفا على ذلك فقال: "قوله ففخرته أفخره، بفتح الخاء في الماضي والمضارع، فإن قلت قاعدة باب المغالبة أن المضارع الصحيح فيه، يكون من باب نصر.. قلت محل ذلك ما لم تكن عينه حرف حلق، كما هنا، وإلا كان بالفتح..‏
    وجاء (خاصمه فخصمه يخصمه) بكسر عين مضارعه، فحكاه الجوهري بالكسر، ونفى عنه الضم، إذ قال: "وخاصمت فلاناً فخصمته أخصمه بالكسر، ولا يقال بالضم، وهو شاذ"، وكذلك حكاه القاموس، لكن أبا حيان الأندلسي قد أضاف إلى الكسر الضم. فقد جاء في التاج: "خاصمه فخصمه يخصمه بالكسر، من حدّ ضرب، ولا يقال بالضم، غلبه، وهو شاذ مخالف للقياس والاستعمال، قال شيخنا: لكن حكى أبو حيان أنه يقال على القياس أيضاً بالضم".‏
    المختار في أفعاله المغالبة:‏
    والمختار في قياس الصحيح من أفعال المغالبة، أن يؤخذ بالسماع أولاً، فإذا سمع فيها غير الضم في عين المضارع أخذ به، وأضيف إليه قياس المغالبة وهو الضم، سواء أكان حلقي العين أم لم يكن، وقد أخذ بهذا جماعة.‏
    القياس في ما اعتل من أفعال المغالبة‏
    القياس في فعل المغالبة، إذا اعتلت، فاؤه (كوعد)، أو اعتلت عينه أو لامه بالياء (كباع ورمى) أن يبنى عين مضارعه على الكسر. تقول واعدته فوعدته أعده، وبايعته فبعته أبيعه، وراميته فرميته أرميه، بكسر عين المضارع فيها جميعاً. قال سيبويه في الكتاب (2/239): "وتقول خاصمني فخصمته أخصمه بالضم، وكذلك جميع ما كان من هذا الباب، إلا ما كان من الياء مثل رميت وبعت، وما كان باب وعد، فإن ذلك لا يكون إلا على أفعله بالكسر، لأنه لا يختلف ولا يجيء إلا على يفعل بالكسر". فإذا اعتلت عين المضارع أو لامه بالواو، فإنها تبنى على الضم كخاف وأصله خوف بفتح فكسر، ورضي وأصله رضو بفتح فكسر، قال الجوهري في الصحاح (مادة خصم): "وأما ما كان من المعتل مثل وجدت وبعت ورميت وخشيت وسعيت، فإن جميع ذلك يردّ إلى الكسر، إلا ذوات الواو فإنها ترد إلى الضم تقول راضيته فرضوته أرضوه وخاوفني فخفته أخوفه".‏
    وقد جاء في أساس البلاغة للزمخشري: "وخايرته فخرته بالضم، أي كنت خيراً منه"، وهو خلاف ما يوجبه ما تقدم من النص، فما اعتلت عينه بالياء من أفعال المغالبة، بنيت عين مضارعه على الكسر. فالأصل أن تقول (خايرته فخرته بالكسر أخيره) لا (خرته أخوره) أي كنت خيراً منه، وما أظن ما جاء في أساس البلاغة إلا محرّفاً. وفي اللسان: "وخايرته فخِرته بالكسر، أي غلبته".‏
    شأن الفعل في التعبير‏
    الفعل ركن مهم في بناء الجملة الفعلية، وبعض أشكال الجملة الاسمية. وعلى ما للفعل من موقع رئيس في تأليف الجملة عامة وشدة اتصاله بالاسم، فقد نزع النحاة إلى الاهتمام بالاسم خاصة، وجعلوا الجملة الاسمية محل عنايتهم ومحور بحثهم ودراستهم، وتولوا أمر الإعراب فيها برحب صدر وسعة ذرع، دون الإعراب في الجملة الفعلية، ذلك أن علم النحو لديهم كان هو الإعراب، كما أشار إليه الزمخشري في (المفصل)، والإعراب يتناول في الجملة الاسمية جانبيها غالباً، المسند والمسند إليه على السواء، لتغير الآخر فيهما، على حين لا يتناول في الجملة الفعلية إلا أحد جانبيها، وهو المسند إليه، أي الفاعل. أما المسند وهو الفعل فيحكمه البناء في معظم أحواله، فلا يتغير آخره بعوامل الإعراب. وقد تركوا لعلم الصرف أمر تصريف الفعل، في صيغه المختلفة ليعبر عن متباين دلالاته.‏
    مذهب الجارم في الفعل والجملة الفعلية:‏
    عمد الشيخ علي الجارم، رحمه الله، إلى بحث الجملة الفعلية، في مقال له، في الجزء السابع من مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، عام 1935 للميلاد، فقال: "تقتضي العقلية العربية أن تكون الجملة الفعلية، الأصل والغالب الكثير في التعبير، لأن العربي جرت سليقته ودفعته فطرته إلى الاهتمام بالحدث، في الأحوال العادية الكثيرة، وهي التي لا يريد فيها أن ينبه السامع إلى الاهتمام بما وقع منه الحدث، أو التي لا يهتم هو فيها بمن وقع منه الحدث، فالأساس عنده في الأخبار أن يبدأ بالفعل فيقول: عدا الفرس، ورعت الماشية، وعاد المسافر. وقد يلتجئ العربي إلى الجملة الاسمية، إذا كان القصد إلى الفاعل، وإلى الإسراع بإزالة الشك فيمن صدر منه الفعل، فيبدأ بذكره أولاً، قبل أن يذكر الفعل لكي يخصصه به أو لكي يُبعد الشبهة عن السامع، ويمنعه من أن يظن به الغلط أو التزيد".‏
    وقد كشف الأستاذ زكي الأرسوزي، رحمه الله، بحدسه، في كتابه (العبقرية العربية في لسانها/ 227) عن نحو من هذا في شأن الفعل في اللسان العربي، فقال: "إن اللسان العربي لسان بدئي، نشأ مع يقظة الحياة على المعنى، فسجل حركات الفعل، في حين أن اللغات الأخرى حديثة، وتحمل طابع المنطق فتهتم بالموضوع، أي الفاعل الذي يبدأ الجملة عندهم".‏
    وعقب الدكتور إبراهيم السامرائي، في كتابه (الفعل زمانه وأبنيته) على ما ذهب إليه الجارم، فقال: "إن الجارم مفتقر أن يثبت هذا الرأي بالاستقراء الوافي الشافي، ليطلع علينا فيقول: أن الأساس عند العربي في الأخبار أن يبدأ بالفعل.. وأنى له أن يحقق هذا الاستقراء، وكيف يتحقق وكلام العرب المأثور لا يظفر به إنسان، والذي ضاع من كلامهم أكثر/ 206".‏
    أقول قد جاء الجارم في كلامه هذا، بطرف مما جاء به الإمام عبد القاهر الجرجاني (481هـ)، في كتابه المعروف (دلائل الإعجاز)، في تمييز الجملة الفعلية من الاسمية، وقد استعاد بعض ألفاظه، كما سنبسط القول فيه، بعد.‏
    وقول الجارم أن الجملة الفعلية، هي الغالب الكثير في التعبير، وأن الأساس عند العربي في الأخبار أن يبدأ بالفعل، يصِحُّ فيه الاستقراء، إذا طال من كلام الفصحاء، قدراً وافياً من الأمثلة. وهذا ما عمد إليه الإمام الجرجاني حين استقرأ أي التنزيل وكثيراً من شعر الأوائل، فتبين له أن العرب إنما تقدم الفاعل (في المعنى) إذا كان ثمة داع إلى تقديمه، كتبديد الشك أو دفع الإنكار في ذهن السامع، فتبدأ بذكره وتوقعه أولاً، فإذا لم يكن الحديث ما يتطلب ذلك، وهو الأكثر والأغلب، فإنها تبدأ بالفعل لتخبر السامع بحدث ابتدائي، أي بخبر خلاذهن المخاطب عنه وعن التردد فيه (دلائل الإعجاز/ 89).‏
    ولا شك في أن الاستقراء أقصر سبيل للفحص عن ذلك والوصول إلى الحكم فيه، ولكنه ليس السبيل الوحيد، في كل حال، كما أراد السامرائي أن يقول، إذ ثمة سبل أخرى، ومنها النظر في حال (الفعل) وشأنه في اللغات التي أسموها بالسامية.‏
    فإذا كان الأرسوزي قد نحا نحو المثالية والمتصوفة في الاهتداء إلى شأن الفعل في اللسان العربي، فقد دل البحث أن الفعل هو الركن الرئيس، الشائع في التعبير، في هذه اللغات، كما أشار إلى ذلك الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه (تاريخ اللغات السامية) حين قال:‏
    "أما في اللغات السامية فالفعل هو كل شيء، فمنه تتكون الجملة، ولم يخضع للاسم والضمير، بل نجد الضمير مسنداً إلى الفعل ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً/ 15". فالفعل هو الغالب في التعبير، ومتى ارتبط الاسم الظاهر أو الضمير بالفعل ارتباطاً وثيقاً، كان فاعلاً للفعل وكانت الجملة فعلية، على أن صحة التعبير أن يقال: "أسند الفعل إلى الضمير أو الظاهر، لا العكس. ولا يمنع شيوع استعمال الفعل في التعبير أن يخلو الكلام المفيد منه حيناً، على حين لا يخلو من الاسم البتة.‏
    ولا يخفى أن الذي عنوه باللغات السامية اللغات الآكادية والآشورية والبابلية والكنعانية والآرامية... وهي تعد أخوات للغة العربية، بل هي لهجاتها الموغلة في القدم. ومن هذه اللغات: الأوغاريتية، أو الكنعانية الشمالية التي كشفت حديثاً في رأس شمرة، على بعد تسعة كيلو مترات من اللاذقية. وقد اعتدها عضو المجمع الفرنسي، كلود شيفر، أقدم مصدر للغة العربية، وهي في حقيقة الأمر أقدم لغة ذات أبجدية، إذ ترجع إلى القرن الرابع عشر، قبل الميلاد. والأوغاريتية تشبه العربية كل الشبه، لا من حيث ألفاظها وحسب، بل من حيث قواعد نحوها في الأداء والتعبير، فهي ليست إلا لهجة عربية قديمة، عدا شبهها بالآشورية والبابلية والآرامية.‏
    ومن هذه اللهجات لهجة قديمة داخلية تحدثت رقمها التي كشفت في موقع أو مدينة إبلا عن حضارة شامية زاهرة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وقد سطرت بخط مسماري لا يتألف من حروف، بل من رموز مقطعية، وقد بسط القول فيها علماء في مقدمتهم العالم الإيطالي جيوفاني بيتيناتو.‏
    وقد كتبت الآكادية وفروعها بالكتابة المسمارية التصويرية والمقطعية أيضاً، كما كتبت بها اللغة السومرية، وليست السومرية هذه من أخوات العربية، بل هي لغة قائمة برأسها، ولو كانت حضارة السومريين سلفاً حضارياً للأكاديين خاصة، بل أقدم سلف حضاري للعرب عامة. شأنها في ذلك شأن الحضارة المصرية القديمة. على أن من العلماء من قال حديثاً بتقارب اللغتين السومرية والأكادية وإنهما ذواتا أصول واحدة وقد أثبتت الكشوف الأثرية أن بلاد الشام مهد حضاري تلاقت به ثقافات لم تخف فيها ملامح الوحدة، وهي تؤلف وبلاد الرافدين جزءاً من وحدة جغرافية، هي بلاد العرب جميعاً. وأثمن ما حملته حضارتها أبجدية الكتابة والوحدانية في الدين والعقيدة.‏
    الاستئناس بأصول ما أسمي باللغات السامية في تبين أصول العربية‏
    وليس الاستئناس بأصول هذه اللغات للكشف عن بعض أصول اللغة العربية بدعاً، في هذا الباب، فقد شاع في لغة طيء وبني الحارث من كعب وأزدشنودة، إسناد الفعل إلى الضمير وإلى الظاهر معاً، وقد أسموا هذا لغة (أسروا النجوى الذين ظلموا) أو لغة (أكلوني البراغيث). وقد عمد النحاة إلى تأويل ما جاء من ذلك بإبدال الظاهر من الضمير، أو رفع الظاهر على أنه مبتدأ مؤخر، أو أن ما يتصل بالفعل حروف تدل على التثنية والجمع، لا ضمائر، وهو الأكثر.‏
    ومما جاء من ذلك في التنزيل قوله تعالى: (وأسرّوا النجوى الذين ظلموا- الأنبياء/3(، وقوله تعالى: (ثم عَموا وصَمُّوا كثيرٌ منهم- المائدة/ 72(. ومنه الحديث الشريف: [يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار">، والحديث الشريف: [من كنّ له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن، وجبت له الجنة البتة">. قال الإمام أبو البقاء العكبري في كتابه (إعراب الحديث النبوي): "وقع في هذه الرواية: كنّ بتشديد النون، والوجه: من كان له أو كانت له. والوجه من الرواية المشهورة: أنه جعل النون علامة مجردة للجمع، وليست اسماً مضمراً –137/318". وقد جاء نحو من ذلك أيضاً في الشعر الجاهلي والأموي والعباسي.‏
    ويمكن القول: إن إسناد الفعل على الوجه المذكور، قد شاع كذلك في بعض اللغات السامية، ومنها اللغة الآرامية. فانظر إلى ما جاء في كتاب (الآثار الآرامية في لغة الموصل العامية) للدكتور داود الحلبي الموصلي. قال الأستاذ داود الموصلي: "ومن الآثار النحوية في القواعد العربية أن الفعل إذا تقدم الفاعل لا يطابقه في الجمع والتثنية، بل يبقى على أفراده. أما في الآرامية فيطابقه في الإفراد والجمع. وقد تابعت العامة القاعدة في الآرامية فهي تقول: راحوا إخوتي، وكان الأجدر أن يقال: راح إخوتي"، وأردف: "إن هذا النوع من تأثير الآرامية وقع في القديم للعرب المحتكين بالأقوام الآرامية كعرب الحيرة، وشمالي الحجاز، وعرفته النحاة وسمَّته لغة أكلوني البراغيث5" وواقع الأمر أن مساكن طيء كانت في وسط نجد، وبني الحارث في نجران من اليمن، والقبيلتان من أشهر القبائل اليمنية، وكان لهما شأن في التجارة، بشمال بلاد العرب.‏
    وقد فعل ذلك وسبق إليه الدكتور فيليب حتى، في كتاب (اللغات السامية المحكية في سورية ولبنان/ 1922" إذ أشار إلى ما في السريانية من إسناد الفعل إلى فاعلين مضمر وظاهر، والسريانية، كما لا يخفى لهجة من لهجات الآرامية الشرقية.‏
    وكل ما يرد من التعقيب على كلام الأستاذ داود الحلبي والأستاذ فيليب حتى، أنه لا يشترط فيما تشابه من الأصول في لغتين ساميتين، أن تكون إحداهما قد حكته عن الأخرى، ما لم يثبت ذلك بدليل علمي تاريخي، فقد يتفق أن يكون هذا الأسلوب من إسناد الفعل إلى الضمير والظاهر معاً، شائعاً في طور من أطوار العربية، ثم تحولت عنه في ارتقائها، وبقيت منه نماذج تدل على ما كان عليه حالها في إسناد الفعل، في ذلك الطور الغابر. وقد بدت هذه اللغة في أشعار اليمنيين، وفي شيء من أشعار المضريين، ولو أنها ندرت في لغات سائر العرب.‏
    ***‏
    هذا ما رأيت أن أعرض له في الكلام على الفعل تعريفه وأقسامه وأبوابه وشأنه في التعبير، وقد تذرعت بذلك ليكون وصلتي إلى بسط القول في قسمة الجملة إلى فعلية واسمية وإلى ما تشعب عن هذه القسمة من وجوه الرأي في السكون إليها والوثوق بصحتها، أو الشك في سدادها والعزوف عنها وردها، ومن الله العون.‏
    مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 39 و 40 - السنة العاشرة - نيسان وتموز "ابريل ويوليو" 1990 - شوال 1410 ومحرم 1411