لطائف في إدارة المواقف‏

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

أقدم لكم ها هنا موضوعا كنت قد قرأته و أعجبني محتواه لما يتضمنه من جميل التعاملات المستمدة من القرآن الكريم و بالتحديد من قصة سيدنا سليمان عليه السلام و الهدهد فلم أشأ أن أتركه محبوسا بين رسائلي

لدا أشارككم به لتعم الفائدة و لا تنسونا من صالح دعائكم




كنت في مناقشة مع أهلي حول الإدارة المتميزة للمواقف على اختلافها

وسبل التعامل الإيجابي ومصادر ذلك والكتب التي تغذيه ويمكن أن يفاد منها ..

قلت لهم انظروا إلى هذه الآيات – وكان بيدي المصحف - ففيها ما يغنيكم

عن البحث في غيرها :

عرضت نموذجا واحدا فقط لإدارة موقف وآلية تعامل سليمان عليه السلام مع الهدهد

في سورة النمل .. قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20)

لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} (21) سورة النمل .. ومن ثمرات


ذلك العرض ما يلي :

1- تفقد الآخر أيا كان الهدف منه يمثل إعلاء لقيمة وتقدير هذا الآخر وإبرازا له وإلا لما تم تفقده ..

ومن كمال القيادة والتنظيم أن تطلب ما غاب عنك وتعرف أحواله " وهذا معنى ( تفقد ) كما أورده

الشوكاني رحمه الله "..

إدارة الموقف بكفاءة تتطلب أن نستحضر جميع عناصر الموقف ونستثمرها إيجابا في التعامل

معه وعدم إهمال أي منها .. وما أكثر ما نتجاهل فلانا في آليات تعاملنا ولا نتفقده

أو حتى نسأل عنه .. حتى أن لسان حال كثير من معارفنا يقول : إن حضرت أو لم أحضر

لن يغير ذلك شيئا ولن يشعر بي أحد في حضوري أو يسأل عني في غيابي .. ولك أن

تقدر كم من جسور هدمت وتواصل قطع بسبب إهمال الآخرين ونسيانهم أو عدم السؤال عنهم

وتفقد أحوالهم ..


2- قبل أن ينطلق نبي الله سليمان في البحث عن الأسباب الخارجية لغياب الهدهد

ركز على عوامله الداخلية مستفهما ومستوضحا : ( مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) يقول العلامة

الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في تفسير ذلك " هل عدم رؤيتي إياه لكونه خفيا

بين هذه الأمم الكثيرة ؟( أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) أم على بابها ، بأن كان غائبا من غير

إذني ولا أمري ؟"..

لن تقوم لنا قائمة في التعاملات الإيجابية إذا ركزنا البحث في كل ما هو خارج ذواتنا

و السبب سيكون موجودا هناك حتما .. وعدم تكليف أنفسنا التأمل بها من الداخل ..

كم من مرة أخفقنا في تكوين علاقات إيجابية مع الآخرين بفعل رؤى مشوهة تبنيناها

أو أفكار أوجدناها أو استنتجناها لم توجد أصلا إلا في تصورنا وعالمنا الداخلي فقط

لم تخضع للتقويم والمراجعة للتأكد من صحتها وتعاملنا مع العالم بمنظارها..

كونت معاييرنا التي نستند عليها... فنحن أهل الصحة والاستقامة وغيرنا أهل

الخطأ والاعوجاج.. جعلناها بوعي وبلا وعي تمثل أساس إدارة المواقف وتوجيه

التعامل وإصدار الأحكام على الآخرين وما يصدر منهم ..


3- انظروا إلى الخيارات والبدائل التي وضعها نبي الله سليمان عليه السلام بعد أن

تأكد من غياب الهدهد بلا إذن أو أمر من قائده :( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي

بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) (21) خيارات القوة والشدة والملك التي اختص بها سليمان عليه السلام

كانت حاضرة ولكنها لم تكن محصورة في هذا الإطار فقط ...

من أروع ما قرأت في هذا ما قاله سفيان بن عيينة وعبدالله بن شداد في تفسير ابن كثير :

لما قدم الهدهد قالت له الطير : ما خلفك ؟ فقد نذر سليمان دمك ؛ فقال : هل استثنى ؟

قالوا نعم . قال ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) قال نجوت إذاً ..


في قاموس تعاملاتنا مع الآخرين علينا أن نضع نصب أعيننا ما ينبغي عمله وفق ما نستطيعه

ونطيقه ويطيقه الآخرون ومن ذلك أن نوجد أكبر عدد من الخيارات والبدائل للموقف ولا نحصر

أنفسنا والآخرين في زاوية ضيقة أو حدية مع استحضار الأعذار وقبول ما يثبت صحته منها

وألا نكابر فيضيع الحق .. وما أجمل أن نكون فطنين متيقظين لما يصدر من غيرنا

والأجمل أن يتلازم مع صفة التغافل أحيانا بما لا يفقدنا الأمر ويعلي من علاقتنا مع الغير

ويحقق الهدف..


في علم إدارة التغيير نردد دائما بألا نقصر التركيز على مجرد القبول والرفض

أو إظهار الموجب والسالب أو المرغوب وغير المرغوب ..

الأكثر أهمية من ذلك أن نقدم الخطة التغييرية التي سنسير عليها ولن تكون ناجحة

ما لم نوجد الطريق الذي يساعد من نستهدفه في سلوكه ..

وتأكدوا أننا عندما نضيّق المساحة على أحد في غرفة مثلا ونحاصره في زاويتها

فأول من قد يتضرر منه نحن إذا لم نوجهه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لسلوك

الطريق السليم والمخرج الآمن له والمرغوب لنا ..


الموقف بين النبي سليمان عليه السلام القائد الملك الذي آتاه الله من الجند ما لم

يؤتي نبيا قبله ولا بعده وذلك الطير الضعيف الهدهد يمثل دعوة حقيقية لنا لإدراك الآلية

الراقية في التعامل وإدارة الموقف بإنسانية سامية ركيزتها ذات تمتلك عقيدة ومبادئ

وأخلاقا رفيعة .. لها هدف وغاية محددة .. تستخدمها جميعا كمعايير في أي موقف ..

لا تغير ولا تعدل أي منها لمجرد تغير من يشاركها الموقف سواء كان إنسانا أو حيوانا أو غيره ..

ذات لا تتعامل مع الخلق للخلق فقط .. وإنما تتعامل مع رب الخلق ..


فهل نستفيد من ذلك في إدارتنا لمواقف مشابهة مع بني البشر الذين كرمهم الله عز وجل

وفضلهم على غيرهم من الكائنات ؟؟ .. لنتجاوز ذلك ونقول حتى نتمكن من إدارة المواقف

بكفاءة وننمي مهاراتنا في التعامل الإيجابي مع الآخرين ونطبقها بتميز علينا تجاوز فكرة

الانتصار لأنفسنا بتحقيق الانتصار للحق والأمة ولتحقيق المنفعة للجميع..

عودوا وتأملوا الآيات السابقة وما قبلها وما بعدها ففيها الكثير الكثير من آليات التعامل

الإيجابي الراقي الحلي بنا جميعا التحلي بها ..

ما كان فيها من صواب فمن الله سبحانه وتعالى وما كان فيها من خطأ فمن نفسي

والشيطان ..أخوكم : عبدالله عواد

نسأل الله لنا ولكم الأجر والمثوبة ..
 
أعلى