كلمة الأستاذ المحامي عبد النور علي يحيى...

الموضوع في 'منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية' بواسطة MentalitéDZ, بتاريخ ‏8 ابريل 2010.

  1. MentalitéDZ

    MentalitéDZ عضو جديد

    الأستاذ علي يحيى عبد النور من مواليد 18 يناير 1921 ناضل في إطار الحركة الوطنية الجزائرية، واعتقل خلال حرب التحرير الوطنية. عند الاستقلال سنة 1962 عُيّن عضوا في الجمعية التأسيسية ووزيرا للأشغال العمومية ثم الفلاحة، قبل أن يستقيل من منصبه الوزاري في 1967، ليكرس نفسه لمهنة المحاماة والدفاع عن حقوق الإنسان، مما قاده إلى الاعتقال ثم النفي. والأستاذ عبد النور علي يحيى هو الرئيس الشرفي للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان التي أسسها سنة 1985 والتي اعترفت بها السلطات الجزائرية رسميا عام 1989. ويعتبر الأستاذ علي يحيى عبد النور عميدا للمدافعين عن حقوق الإنسان بالعالم العربي. وقد ألف كتاب "الجزائر: أسباب وحماقة حرب" (1996) وكتاب آخر تحت عنوان "كرامة الإنسان" (2007).

    ______________________________________

    كلمة الأستاذ المحامي عبد النور علي يحيى

    خلال حفل استلامه جائزة الكرامة لحقوق الإنسان :

    سيداتي، سادتي؛

    بادئ ذي بدء، أتقدم بجزيل الشكر إلى مؤسسة الكرامة ورئيسها، السيد عبد الرحمن النعيمي، على دعوتهما لي احتفاء بالذكرى السنوية الواحدة والستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى تكريمي بجائزة الكرامة الأولى. وأرى من الواجب علي قبل كل شيء أن أستحضر ذكرى جميع نشطاء حقوق الإنسان، من جميع أنحاء العالم، الذين ضحوا بأنفسهم لمحاربة الظالم لكي ترى الحرية النور، فواجهوا القمع بتفان ليشهد العالم ولادة حقوق للإنسان.

    وكان الشعب الجزائري حاضرا في ذلك الوقت الذي كان فيه العمل جاريا لتعبيد الطريق وإعداده من أجل تحرير البلاد من نير الاستعمار، عن طريق الكفاح المسلح، كما أن هذا الشعب كان حاضرا أثناء موسم البذر والعطاء، حيث كان مُعرّضا لشتى أصناف المخاطر، ومستبسلا في تقديم التضحيات الجسام في سبل وطنه، لكنه لم يلبث أن تم إبعاده وإقصائه وقت جني ثمار جهوده وتضحياته.

    إن النظام السياسي في الجزائر، السائد إلى يومنا هذا، قد فرِض نفسه على الشعب في عام 1962 بالقوة، مستخدما شتى وسائل العنف، وبذلك استبدل الهيمنة الاستعمارية بهيمة عشائرية منبثقة عن قيادة جيش الحدود. وهكذا استُبدِل شعار “الثورة من الشعب وإلى الشعب” بشعار آخر، فحواه “من دون شعب وضد الشعب”، حيث أصبح حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، وهو الحق الذي كافح من أجله بثبات وعزم، طيلة سبع سنوات ونصف، أصبح هذا الحق حقا للدولة كي تتصرف بمقتضاه في مصير الشعب. فكل ثورة مهددة بالتطور الذي قد يمحوها. وإن تهميش الشعب الجزائري وإبعاده عن جميع مراكز صنع القرار، أصبح نهجا سلوكيا متبعا، يسمح للسلطة الدكتاتورية المركزية المتفردة بترسيخ وجودها وتخليد بقائها.

    تتعرض حقوق الإنسان في الجزائر إلى انتهاكات شاملة من جل النواحي، وعلى نحو استثنائي، وهي اليوم في وضع الدفاع عن النفس.

    إن تعاقب الأحداث السياسية يذكرنا بأن حقوق الإنسان لا تمنح، بل تُنتزع وتُستحق، بحيث لا بد من خوض كفاح مستميت لكي تحظى هذه الحقوق بالاحترام والدعم وتوسيع نطاق تنفيذها. فبالنسبة لحقوق الإنسان، إن ذريعة المصلحة العليا للدولة ليست سوى خدعة يلتجأ إليها عندما تفقد هذه الدولة صوابها وتوازنها. وهناك ثلاثة مبررات تحظى بالأسبقية وتأتي قبل ذريعة المصلحة العليا للدولة، وهي: القانون في مواجهة الظلم، والحرية في مواجهة الطغيان، والإنسانية ضد الوحشية. لقد عُطِل تطبيق الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، وخضعت لتقييد على نحو مفرط، عن طريق سن المراسيم، والتشريعات والقرارات التنظيمية، وخاصة نتيجة تعسف الإدارة. إن دساتير البلاد، التي بلغ عددها خمسة خلال 47 سنة من عمر الاستقلال، تتعرض، رغم عدم تطبيق سوى النزر القليل منها، للمراجعة والاستنفاد حتى قبل تطبيقها. وكل ما من شأنه أن يكشف الوجه القبيح القمعي الحقيقي للدولة، يتم كتم أنفاسه وخرس لسانه، ومن هذا المنطلق نشهد تعريض القانون لشكل من أشكال التعذيب، حيث ينتزع منه ما تريده السلطة السياسية، كلما زادت هذه السلطة انحرافا.

    وإلى كل أولئك الذين يريدون التغاضي عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ترتكبها السلطة السياسية، نذكرهم بكلمات المفكر والكاتب الفرنسي “ألبير كامو”: “الآن، لا يمكن أن نقر باعتذار المكفوفين، أو الصم أو البكم (عن ملاحظة الجرائم) بل أصبح السكوت علامة التواطؤ”.

    1- حالة الطوارئ

    تشكل حالة الطوارئ خطرا على الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية.

    لقد نجم عن إلغاء الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية، وانقلاب 11 كانون الثاني / يناير 1992 الذي تلا ذلك، سن حالة الطوارئ في 9 شباط/ فبراير 1992 التي انزلقت نحو فرض حالة الحصار عن طريق قرار غير منشور، في 25 تموز/ يوليو 1993. وإن حالة الطوارئ التي تشكل مرحلة حزينة ومؤلمة في تاريخ بلادنا، والتي لا تزال سارية المفعول إلى يومنا هذا، سمحت ميدانيا، بفتح 9 معسكرات اعتقال في الصحراء، مما يُعَد بمثابة وصمة عار ورعب، من العلامات البارزة التي ميزت القرن 20، حيث تم الجز داخل هذه المعسكرات بما يقرب 18،000 من مناضلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

    إن الاعتقال الإداري الذي أجبر الآلاف من الجزائريين على دفع ثمن معتقداتهم السياسية والدينية، من خلال حرمانهم من الحرية وفقدان سبل الرزق، تم تنفيذه في انتهاك صارخ للقوانين المحلية والمواثيق والاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان، التي صادقت عليها الجزائر، والتي تنص على أن حرمان النفس البشرية من الحرية، هو من اختصاص العدالة، وليست مجرد دمغة، من صلاحيات السلطة التنفيذية.

    ويُعَد رفع حالة الطوارئ شرطا لا غنى عنه من أجل تحرير المجالات السياسية والإعلامية، فضلا عن ممارسة الحريات الفردية والجماعية.

    2- التعذيب

    هذا الصنف المتطرف من أصناف الإرهاب الفردي قد أصبح جزءا لا يتجزأ ضمن عمليات التحقيق، التي إما حل محلها أو اقترن بها. وهناك رسائل عديدة، تم التحقق من صحتها، قد أعرب عنها بقوة وقلق شديد وضيق مرير وغضب، العديد من السجناء ومحاميهم وعائلاتهم، أفادت كلها طيلة العقدين الماضيين التي تمت فيها ممارسة التعذيب، أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها مجرد أخطاء أو حوادث معزولة أو انحرافات فردية ميدانية، بل إنها ممارسة إدارية جار العمل بها، تستخدمها الأجهزة الأمنية، التابعة للسلطة العسكرية والمدنية على حد سواء. ومن أجل الحد من ممارسة التعذيب، التي أصبحت معروفة لدى العام والخاص، ولِما لا القضاء عليها بشكل نهائي، فلا بد من توافر الشهود الذين يتعين عليهم الصدع بما تعرضوا له، والتحرك الحثيث من أجل تثقيف الجماهير وتحسيسها بالموضوع.

    وتفرض الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب لعام 1984، على الدول التي صادقت عليها، أن تحيل إلى سلطاتها القضائية، كل من ارتكب جريمة التعذيب، بغض النظر عن جنسيته، أو جنسية ضحاياه، وبغض النظر عن بلد ملجأه حيث ينعم بالعيش القرير فيه، أو يمر به فحسب.

    3- السلطة

    تقلص العمل السياسي إلى مجرد تقنية للاستحواذ على السلطة وممارستها. ومن المعلوم أنه، عندنا، يتم الوصول إلى سدة الحكم إما عن طريق انقلاب، بقوة السلاح أو بواسطة الاقتراع، أو عن طريق انقلاب دستوري. فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي ما زال يحمل العديد من ندوب الماضي، يستأثر بشكل شبه كلي بالسلطة التي تحولت بين يديه على مر السنين، إلى ملكية جمهورية، والتي يحتفظ بها من خلال فرض تطويق بوليسي للشعب، بالإضافة إلى التشجيع على الوشاية وسط المواطنين على نطاق واسع، وممارسة القمع الذي لم لا يمكنه حل المشاكل بل يعمل على القضاء على أولئك الذين يطرحونها، وتسوية التناقضات عن طريق القضاء على الخصوم.

    وتُعتبر الولاية الرئاسية الثالثة للرئيس بوتفليقة ولاية زائدة عن اللزوم، وقد جاءت عن طريق تنفيذ انقلاب دستوري، تم خلاله تعديل الدستور للسماح له بالبقاء في السلطة، وهو يتولى بذلك مهام رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية ووزير الدفاع، الأمر الذي حوّل الحكومة إلى ملحقة تابعة للرئاسة وجعل من غرفتي البرلمان، مجرد غرفتين للتسجيل، مع الرغبة الجارفة من الرئيس في تنظيم ومراقبة وتوجيه والتحكم في كل شيء.

    وقد انصاع البرلمان لإرادة السلطة النافذة وتخلت المحاكم عن صلاحياتها الدستورية ليضع كل منهما نفسه أداة في خدمة الرئيس. ولم يعد البرلمان في الواقع سوى منتجعا مريحا للتقاعد، مخصص لأطر أحزاب الائتلاف الحكومي الثلاثة. وإن هذه الكائنات المتوحشة التي تجاوزت كثيرا صلاحيتها ومصداقيتها السياسة، ما زالت تتشبث بمراكزها في السلطة، على نحو لا يتماشى ومستوى الفوائد التي تعود به على الدولة. وما يلفت الانتباه، ذلك التسابق المحموم منهم جميعا في تحسس رغبات الرئيس، تجنبا سقوط اعتبارهم في عينيه، أو سعيا إلى الحصول على ترقية إضافية.

    ولا يشكل طول عمر الوزراء في مناصبهم علامة استقرار، بل هو عامل أساسي يسهم في صناعة الهشاشة الاقتصادية، ومؤديا إلى السخط الاجتماعي. وفي كنف مملكتنا الجمهورية، فجميع المقربين، المتواجدين في مدار الرئيس، مثلهم مثل الرئيس نفسه، لا يسري عليهم ما يسري على عامة الناس، ومن ثم فلا يمكننا أن نتوقع من مثل هذه السلطة شيئا ذا بال، بوسعه أن ينتشلنا من هذا المأزق، نظرا لأن هذا النظام يشكل في حد ذاته لب المشكلة.

    4- العدالة

    لم تعد المحاكم والهيئات القضائية الأماكن التي تتحقق بين جدرانها العدالة، بل أصبحت مجرد هيئات سياسية، يقاضي فيها النظام السياسي معارضيه. وتحتكر السلطة القائمة جهاز العدالة، الذي أضحى مجرد ظلّ لهذه السلطة، عندما رضي الانصياع لها على المستوى العضوي والوظيفي، فكان من الطبيعي أن تنكسر شوكة هذه العدالة التي كانت يوما ما شامخة ثم فترت ذمتها شيء ما، إلى أن تدحرجت لتكبو على ركبتيها فينتهي بها المطاف بحيث أصبحت تزحف على بطنها. وإن المحاكمات والأحكام الصادرة لا يمكن اعتبارها بتاتا إجراءات عدلية بل مجرد قرارات تصدر عن أجهزة العدالة، تخص القضايا السياسية وقضايا الرأي، وفقا لتعليمات تصدرها السلطة عن طريق وزير العدل والأجهزة الأمنية.

    وتُطرح في هذا الباب مشكلة ارتباط العدالة بالسلطة القائمة، و لا بد من قول ذلك، بل والصدع به بصوت عال، حتى يسمعه الجميع، يجب أن تسترجع العدالة كرامتها وشرفها، وعليها أن ترتقي لتكون في مستوى دولة القانون، وتستوحي قدرتها من كفاءة قضاتها وأمانتهم ونزاهتهم، سعيا منها لكسب احترام المواطنين.

    5- فساد الذمة والرشوة

    إن انتعاش الفساد لا يمكن فصله عن ممارسة السلطة، فهو ينخر كالغنغرينا أوصال أعلى مستويات الدولة، وجهاز العدالة في المقام الأول، ويتم ذلك على جميع المستويات وفي جميع المجالات. فعلى الصعيد الاقتصادي، يجري إبرام العديد من الصفقات، عن طريق معاملات نقدية، وعينية، مما يسهل عمليات الفساد. وقد أضحى الفساد أسلوب حياة وتسيير حكومي، حيث أن عائدات النفط يتم إدارتها وفق النموذج الإقطاعي البائد، في ظل تعتيم شامل وتام، بعيدا عن كل شكل من أشكال المراقبة.

    ومن نافلة القول أن المال يمنح السلطة، والسلطة تذري المزيد من المال، وبناء عليه، فمن شأن فرض ضوابط صارمة أن يكشف الستار عن فضائح سياسية ومالية عديدة وجسيمة، سواء من حيث المبالغ المحوّلة، والشبكات المتورطة فيها، أو من حيث سعة نطاق ممارستها. فالمسؤول الذي ترضى عنه السلطة، لا يمكن متابعته قضائيا متى كان على خلاف مع القانون بتهمة الاختلاس، أو التضحية به لينهشه الرأي العام عبر وسائل الإعلام.

    6- الديمقراطية

    إن الديمقراطية التي هي صانعة السلطة والرقيب عليها، والتي تشكل النظام السياسي للسلطة التي تحصل على الموافقة الحرة دون إكراه، تتحقق عن طريق التناوب، وبفضل إقامة سلطات موازنة، يكون فيها التنظيم من خلال أحكام القانون وسيادته، الأمر الذي يسمح بتوسع مجال حرية المواطنين. ويعود سبب التدهور السياسي والأخلاقي للمؤسسات إلى غياب التناوب على السلطة، الأمر الذي يكرس استمرار نفس الزمر ونفس المصالح، متشبثين بمقاليد الحكم خلال فترة طويلة. وما زال التناوب المنشود الذي لم يتحقق منذ الاستقلال، يشكل ضرورة ملحة. وتحقيقا لذلك يجب العمل على تحفيز ذوي الإرادات الصادقة وتنبيه النفوس وإيقاظ الضمائر، بحيث يسعى كل فرد انطلاقا من مكان تواجده، ووفق طبيعته الخاصة، ومزاجه الخاص، وحسب المسؤولية الملقاة على عاتقه، وبناء على ما يعتقده صحيحا بفضل ما يملكه من ذكاء وحدس منبثق من أعماق قلبه، إلى وضع نفسه في خدمة الديمقراطية التي لا تزال، على الرغم من ضخامة المهمة، مصدرا للقوة والحرية والعدالة، ذلك لأنه لا وجود للحرية بدون عدالة، ولا عدالة بدون حرية.

    إن جهود الشباب الذين يمثلون الحياة والأمل والمستقبل، يجب توجيهها نحو تحقيق الديمقراطية، لأن المعركة معركتهم، وتتوفر هذه المعارك على فرص معقولة للظفر بالكسب. وعندما يكون الاقتراع حرا ونزيها يكون الانتصار للديمقراطية. أما الغش الانتخابي، الذي يعتبر إرثا استعماريا ضاربا في القد، فقد زادت حدته واتسع نطاقه منذ استقلال البلاد، بحيث أصبح سمة ملازمة ووثيقة الصلة بالأعراف السياسية المعتمدة في البلد، حاضرة في كل المواعد الانتخابية.

    وهي بذلك تمس بأركان سلطة الدولة وتقوّض دعائمها وتمس بمصداقيتها، فضلا على كونها لن تضفي المشروعية لا على المنتخبين ولا على المؤسسات المنبثقة عنها. وإن العبث بصناديق الاقتراع وتزوير نتائجها، وكذا الانتخابات الصورية، وصنع المنتخبين مسبقا، ما هي في واقع الأمر سوى عملية سطو انتخابي وشكل من أشكال سياسة العصابات. وفي المقابل تشكل المقاطعة لهذه الانتخابات سلاحا سياسيا، ذا تأثير نفسي كبير، كما نعلم أن الجزائريين لم يشاركوا بأعداد كبيرة في الانتخابات، وذلك ليقينهم أن الممارسات التي تشوه الانتخابات وعمليات الاختيار الحر للناخبين تجري بصورة دائمة. وإن المجلس الدستوري، الذي يمثل أعلى هيئة قضائية في البلاد، والوحيد صاحب صلاحية إبطال مفعول القرارات المتعلقة بالاقتراع العام، المتمثلان في القانون والانتخابات، لم يرتقِ للأسف إلى المستوى اللائق، لكي يرى الجزائريون أنهم ممثلون بحق وصدق من خلال هذه الهيئة، التي لم تعد في واقع الأمر سوى مؤسسة في خدمة السلطة لا غير.

    7- حرية التعبير

    تشكل حرية التعبير حقا أساسيا من الحياة الاجتماعية والثقافية، حقا لا غنى عنه للإبداع العلمي والفني. إن التلفزيون الحكومي اليتيم والإذاعات المملوكة حصرا للدولة، ما هي إلا وسائل إعلام ودعاية، ذات قوة هائلة، تمارس نوعا من الدكتاتورية الناعمة، حيث أنها تنتج قوالب تفكير جاهزة، تساعد على تبليه عقول الجزائريين، فكل ذلك ماثل أمام الأعين ليذكرنا بأن السلطة لا تقبل التقاسم، وأن كل توجه سياسي أو ثقافي أو اجتماعي، لا يمكن أن ينبع إلا من فوق، من الرئيس نفسه، وهو لا يمكن أن يقبل بأي سلطة موازنة.

    وتشتمل مهنة الصحافة على مخاطر جنائية جسيمة، ومن ثم فأول عمل استعجالي ينبغي القيام به يتطلب إدانة القمع الممارس ضد الصحفيين، والذي بلغ بعمليات الاعتقال الأخيرة، والأحكام الصادرة ضد الصحفيين في مختلف أنحاء العالم، مستوى لم يعد مقبولا.

    8- الحرية الدينية

    لا تنفصل هذه الحرية عن حرية التعبير والرأي، وهي مكرسة على الصعيد الدولي بموجب المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومؤكدة بمقتضى المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بتاريخ 16 كانون الأول / ديسمبر، 1966

    وقد تم تعريفها بدقة في إطار إعلان منظمة الأمم المتحدة المؤرخ 25 تشرين الثاني / نوفمبر 1981 بشأن مكافحة جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد: “لكل فرد الحق في حرية الفكر والضمير والدين. ويشمل هذا الحق حرية الشخص في أن يكون له دين أو أي معتقد يختاره، وكذلك حريته في إظهار دينه أو معتقده بمفرده أو جماعة، سواء في العلن أو مختليا بنفسه، من خلال العبادة و ممارسة الشعائر والتعليم. ”

    كما ينص إعلان اليونسكو المؤرخ 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1995 على أن: “التسامح يشكل حجر الزاوية بالنسبة لحقوق الإنسان والتعددية والديمقراطية وسيادة القانون.”

    ومن هذا المنطلق، فإن الاستفتاء الأخير الذي جرى في سويسرا والذي يحظر بناء المآذن يمثل انتهاكا خطيرا للحرية الدينية.

    9- المرأة الجزائرية

    تتمثل الميزة الرئيسية لتطور المجتمع في تصميم المرأة وإرادتها على تحقيق المساواة مع الرجل. وتشكل المساواة، ليس النظرية فحسب، وإنما المساواة الحقيقية في الحقوق، جوهر الدستور. وتتساوى المرأة من حيث الأداء والعطاء الفكري مع الرجل: ” وباستثناء كل ما له علاقة بالجنس، من الناحية البيولوجية، فالمرأة تساوي الرجل ذاته”. فإذا رغبت المرأة الجزائرية أن تشارك سريرها وحياتها مع الرجل، وتمنح أبا لأولادها، فلا بد أن يتم ذلك بحرية تامة منها.

    10- الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

    تفتقر الإصلاحات الاقتصادية إلى تصميم سديد، فضلا عن عدم تفسيرها على نحو جيد، ومن ثم عدم حصولها على قبول حسن من لدن المواطنين. وقد اقترنت الأيديولوجية الليبرالية المتطرفة المتبعة من قبل السلطة، بممارسة تسيير تفتقر إلى القواعد الواجبة والضمانات اللازمة، مما يفتح الأبواب مشرعة أمام السوق غير الرسمية التي أصبحت سيدة الموقف، الآمرة الناهية. وقد بدت ظاهرة على نسيج المجتمع، الكثير من الاختلالات والمظالم الاجتماعية، التي تستلزم التوزيع العادل للثروات الوطنية. وقد كرست السلطة، إلى جانب سياستها الاقتصادية، شكلا من أشكال “الأبرتييد” الاجتماعي، ، الأمر الذي جعل الجزائر مثالا نموذجيا على الظلم الاجتماعي العميق.

    وهناك فجوة سحيقة بين، من جهة أقلية تتمتع بمستوى معيشي يساوي بل ويفوق مستوى أغنى البلدان في العالم، ومن جهة أخرى، الغالبية العظمى من السكان، الذين يعانون من انخفاض مضطرد لقدرتهم الشرائية سنة بعد سنة، بلغ درجة لم يعودوا قادرين فيها على تلبية احتياجاتهم الأساسية. وإن هذا الوضع مرشح لتجديد النزاعات المعزولة، بمزيد من القوة، وعلى نحو منسق.

    11 – حالات الاختفاء القسري

    ما الذي حدث للمفقودين؟ ذلك هو السؤال المؤرق الحقيقي المطروح على الجميع! أهُم موتى دون حتى أن يتم تكريمهم بمراسيم الدفن، ومن دون مقابر يزورها الأقارب، أم أحياء دون وجود! وما فتئت توجه أسرهم صيحات الاستغاثة والإنذار وتوجه النداءات العاجلة إلى السلطة تستصرخهم: “ماذا صنعتم بالمفقودين. لقد أخذتموهم أحياءً، فأعيدوهم إلينا أحياء كما أخذتموهم!”. ويقدر عددهم بحوالي 20000، مع الإشارة أن عدد المفقودين في الأرجنتين بلغ 8960 حالة، وفي التشيلي 3500 خالة.

    إن الظروف السياسية والقانونية غير متوفرة في جزائر اليوم للتمكين من محاكمة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، أولئك الذين يوجدون حتى الآن، أو كانوا في فترة من الفترات، على رأس هرم الدولة، ويتمتعون بحماية تجعلهم يفلتون من العقاب، نظرا لمكانتهم في السلطة التي تضفي عليهم نوعا من الحصانة تعفيهم من تحمل تبعات المسؤولية عن كافة الجرائم.

    12- الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية.

    إن المصالحة الوطنية التي كان من المفروض أن تكون بمثابة مشروع سياسي كبير قد تم اختزالها في بعدها الأمني، في محاولة من أصحابها لتبرئة موظفي الدولة، من عناصر الجيش ورجال الدرك والشرطة من جميع الرتب، وتبييض صفحاتهم ومن ثم تكريس ظاهرة الإفلات من العقاب، ذلك لأنه من حيث الوقائع ومن حيث الحقوق، ليس هناك بمقتضى الميثاق، مجالا يفرض عليهم المثول أمام المحاكم، لمقاضاتهم عما اقترفوه من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية.

    إن السلام من دون توفر الحقيقة وتحقيق العدالة ما هو إلا وجه من أوجه الإفلات من العقاب وإنكار للعدالة. وليس بوسع الاستراتيجية الأمنية الشاملة التي تُعقّد مهام تحقيق أي تسوية سياسية للأزمة، أن يكون مآلها سوى الفشل الذريع، بسبب افتقارها إلى أدنى أفق سياسي ممكن، ولن تفلح سوى في تغذية دوامة العنف والقمع. إن الجزائر تتوق إلى السلام والنظام، شريطة ألا يكون ذلك النظام هو نظام السجون ولا السلام سلام المقابر. وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن حقوق الإنسان والسلام يشكلان وجها الحياة البشرية، غير قابلين للفصل بينهما، ومن ثم فكل مبادرة ترمي إلى إنقاذ إحداهما على حساب الأخرى، من قبيل ضمان السلام على حساب الحقيقة والعدالة، فمآلها الفشل بالنسبة لكليهما على حد سواء، واستدامة دوامة العنف.

    سيداتي، سادتي،

    تتعرض حقوق الإنسان للاعتداءات في جميع أنحاء العالم، ولذا وجب حمايتها حيثما جرى انتهاكها، بغض النظر عن الدول التي تقع فيها تلك الانتهاكات أو النظم السياسية المعتمدة، مع ضرورة عدم غض الطرف عنها والتستر عليها عندما ترتكب في البلدان الصديقة والحليفة. إن مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة، يتعارض مع مبدأ عالمية حقوق الإنسان التي لا تعرف حدودا جغرافية أو سياسية أو إيديولوجية، ولا تعرف مبدأ عدم التدخل، ذلك لأن حقوق الإنسان تشكل جزء لا يتجزأ من العلاقات الدولية، وتضطلع بدور هام في نوعية وأهمية العلاقات بين الدول.

    ومنذ أكثر من عامين ونصف العام، يتعرض قطاع غزة لحصار جهنمي لا يعرف الرحمة. وطيلة الفترة الممتدة من كانون الأول/ ديسمبر 2008 إلى كانون الثاني/ يناير 2009، خلال الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة والتي أطلق عليها اسم “عملية الرصاص الصلب”، قامت طائرات “أف 16″ التي وفرتها الولايات المتحدة الأمريكية بقذف نيرانها الجهنمية على الشعب الفلسطيني، مخلفة 1400 قتيل من بينهم 400 طفلا، و 5000 جريح، ودمار شامل لم يستثن شيئا، فحرم السكان حتى من الكهرباء والماء. وقد حولت مجزرة إسرائيل قطاع غزة إلى مختبر جرّب فيه الجيش الإسرائيلي شتى أصناف أسلحته، من فوسفور أبيض ويورانيوم مستنفد، وتكنولوجيا روبوتية، التي أمدته بها الولايات المتحدة. وأصبح بذلك التطهير العرقي الذي نفذته إسرائيل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، كما ورد في تقرير القاضي غولدستون.

    لقد شهد العالم أجمع بذهول المذابح التي نظمتها ونفذتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد شعبي أفغانستان والعراق، كما تم اعتقال المئات من الأشخاص في معسكر غوانتانامو، في ظروف غير إنسانية، ومن الواجب أن يمثل مرتكبو هذه الجرائم ضد الإنسانية أمام العدالة الدولية.

    وعادة ما يتم الخلط عن عمد، وبشكل متكرر، بحيث فرضت المعادلة : “الإرهاب = التوجه الإسلامي = الإسلام”. كما تشهد ظاهرة كراهية الإسلام (الاسلاموفوبيا) في العالم تصاعدا مطردا، مما زاد من حدة تعرض المسلمين في بعض البلدان للاضطهاد بسبب هويتهم الثلاثية: الوطنية والاجتماعية والدينية.

    وبات من الضروري بمكان، على الصعيدين السياسي والأخلاقي، إصلاح منظومة الأمم المتحدة من أجل إرساء نظام دولي جديد. ولا بد من تسخير قدر عال من التفكير وانفتاح العقل، ليتسنى فك شفرة الحاضر من أجل فهم أفضل للمستقبل، لكي نعرف ما إذا كان ممكنا تجديد معنى الروح الإنسانية وتحديثه، على المستوى الدولي، أم أنه من الممكن إقامة منظومة جديدة من القيم الإنسانية، وتحت أي ظروف يمكن تحقيق ذلك.

    أشكركم على اهتمامكم.

    عبد النور علي يحيى

    11 ديسمبر 2009


    [​IMG]
     
    آخر تعديل: ‏8 ابريل 2010