كارثة الأسهم... والمخرج منها

الموضوع في 'منتدى كلية العلوم الاقتصادية' بواسطة fouad, بتاريخ ‏24 ديسمبر 2007.

  1. fouad

    fouad مشرف عام

    كارثة الأسهم... والمخرج منها

    أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان


    إن ما حدث من انهيار لسوق الأسهم في المملكة لكارثة من الكوارث ونازلة من النوازل لم يسبق لها مثيل في تاريخ المملكة، حيث أصاب ضررها كل طبقات المجتمع غنيهم وفقيرهم وإن كان الفقراء والمساكين والأرامل والمعاقون والقصّر ونحوهم هم الذين احترقوا بنارها وسقطوا في أتونها، وسأذكر بعض الأسباب، وما أراه ممكناً من وسائل العلاج فأقول مستعيناً بالله:
    أولاً: إن حصول أي حدث أو كارثة في هذا الكون، إنما هو بقضاء الله وقدره، وبتسبب ومباشرة من بني آدم، قال تعالى: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" وقال لرسوله وحبيبه "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً" إن من أخص صفات المؤمن أن يشكر ربه في السراء، ويحمده في الضراء، وعند الشدائد تتبين قوة الإيمان أو ضعفه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجباً لأمر المؤمن أن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" مسلم (2999) وإن كثيراً ممن مني بخسارة في ماله في هذه الأسهم، دخل السوق برأسمال قليل فنمى وكثر أضعافاً مضاعفة ولما حصل الانهيار في الأسهم، خسر ما سبق أن كسب، وبقي له رأسماله الأول وربما أزيد منه، ومع هذا يحسب نفسه ممن خسر، ولو كان عاقلاً لشكر ربه وعلم أنه قد ربح فحمد الله على ذلك حتى وإن خسر ماله كله فليحمد الله على أن المصيبة لم تكن أعظم، حيث لم تكن في صحته، أوحياته، أو في ولده وأهله، وقد جاء في الأثر (ما نزلت عقوبة إلا بذنب وما رفعت إلا بتوبة) أولا يذكر هذا وأمثاله نعمة الإسلام أولاً، والأمن ثانياً، والصحة والعافية ثالثاً "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" أولا يفقه هذا وأمثاله قول الله "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" أفيرضى أن يكون ممن قال الله عنهم "وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ" ألا يتعظ بقوله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ".
    ثانياً: إنني لأحسب أن مارآه الناس من الخسارة في الأموال بسوق الأسهم إنما هو بسبب الذنوب والمعاصي الكثيرة كل بحسبه الدولة، والمجتمع، والفرد، ولا أظنني مبالغاً إذا قلت: إن في مقدمة هذه الذنوب التضييق على الجمعيات الخيرية، وإغلاق كثير منها، حيث حرم كثير من الناس خاصة خارج المملكة زمناً طويلاً من تعليم الجاهل، وإطعام الجائع، وعلاج المريض، وإغاثة الملهوف، وسد خلة المحتاج، مما يذكر ويشكر للحكومة والشعب مما دفع الله عنا بسببه فتناً ومحناً داخلية وخارجية كادت تأكل الأخضر واليابس ولكن الله سلم وفي الحديث "إن الرجل يحرم الرزق بالذنب يصيبه" صحيح ابن حبان (872) وفي الأثر (إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم) مسند أحمد (21779) وهل الخسارة في الأسهم إلا حرماناً وضيقاً في الرزق والمعاش؟ وهل ما يعيشه إخواننا المسلمون في كل مكان وفي فلسطين خاصة من الحصار والتضييق وما هم فيه من الحاجة والمسبغة ونحن ننظر إلى حالهم ولم نقم بنصرتهم، ألا يمكن أن يكون ما أصابنا من كارثة الأسهم بسبب ذلك؟ بلى والله.
    ثالثاً: من الأسباب -في نظري– الجهل بأنظمة السوق المالية لدى كثير من المضاربين صغاراً وكباراً، والقلة القليلة من أصحاب رؤوس الأموال استغلت جهل عامة المضاربين فأوقعتهم في الفخ ثم نجا أولئك (الهوامير) وتركوا الصغار ومن في حكمهم يبكون ويصرخون، وقد ركبتهم الديون والهموم والأمراض، بل وتنتظرهم السجون لعدم السداد!! ولا يمكن أن يبرأ هؤلاء الصغار من التبعة فقد ساعدوا على ذلك بأنفسهم، حيث باع كثير منهم بيته الذي يسكنه أو سيارته التي يستعملها ووضع قيمتها في الأسهم.
    إن مثل هذا جنون وسفه لو قيل بالحجر على فاعله لكان حقاً.
    رابعاً: التقصير الشديد من قبل هيئة سوق المال ومؤسسة النقد حيث لم تقوما بالتوعية لعامة للمساهمين في وسائل الإعلام عن حقيقة السوق وتقلباته ولم تضع الحلول المناسبة قبل وبعد نزول الأسهم.
    وما نشر في الصحف - بعد وقوع الفأس في الرأس –لا يسمن ولا يغني من جوع، بل الأمر أعجب، إذ باستطاعة الجهة المالية المسؤولة أن توقف التداول بعض الوقت على الأقل لتقل الخسائر، أما أن تبقى تشاهد المؤشر يهبط والناس يصيحون ويبكون وتكتفي بالسكوت فالأمر عجيب جداً!!
    خامساً: بل إن الشركات –الفردية- تتسابق في التحول إلى شركات مساهمة ويحدد أصحابها –بمباركة من وزارة التجارة قبل أن تثبت وجودها في السوق –عدد الأسهم المطروحة للتداول، واحتفاظ أصحاب الشركة بالنصيب الأكبر ووضع علاوة إصدار على السهم المطروح مغالى فيها كثيراً، وربما كانت الشركة لم تقم على أقدامها بعد.
    سادساً: إن البنوك كلها ضالعة وواقعة في الإثم، حيث تتنافس فيما بينها بتقديم الإغراءات والتسهيلات في الاقراض بفائدة (ربا)، أو بالتحايل لأخذ المال ببيع ما لا تملك وطلب أن يوكلها المقترض بشراء الأسهم وبيعها، كما يقوم كثير منها بالبيع والشراء لنفسه وهذا من بيع (العينة) المحرم الذي جعله الرسول –صلى الله عليه وسلم- سبباً لتسليط الذل والمهانة والخسارة لا يرفع الله ذلك عنهم حتى يراجع الناس دينهم فيتوبوا من ذلك.
    ومن وسائل العلاج للخروج من هذه الكارثة:
    أولاً: التوبة إلى الله والرجوع والعمل الجاد على رد المظالم إلى أهلها بالأساليب المشروعة والممكنة.
    ثانياً: أن تقوم الدولة بشراء كمية من الأسهم وتحتفظ بها ثلاث سنين أو أكثر، حتى يستقر السوق فإذا استقر بدأت بإنزالها بالبيع بالتدرج لا سيما والدولة تملك النصيب الأكبر في الشركات الكبرى كسابك، وفروعها، والمصافي، والتعاونية ونحوها.
    وقد ربحت الدولة أثناء طفرة الأسهم أضعاف رأسمالها، فلا أقل أن ترد ما كسبته ولو عن طريق التفضل والإحسان، وإن كان الواجب عليها أن تحل هذه المشكلة ممثلة بولي الأمر، والأجهزة المعنية بذلك.
    ثالثاً: منع الشركات التي تطرح للاكتتاب من احتفاظها بالنصيب الأكبر من أسهمها، وطرح الأقل للناس مع علاوة إصدار بغير حق.
    إذ سرعان ما تطرح للتداول فيقفز السهم إلى أرقام خيالية لا تتناسب مع قيمة السهم الاسمية أو الحقيقية، فالخاسر من ذلك هم صغار المساهمين، والرابح الأكبر هي الشركة مع أنها لم تباشر عملها الجديد بجدارة، والغريب في الأمر أن هذا الأمر لا يزال يجري حتى بعد انهيار السوق.
    رابعاً: بما أن البنوك ساهمت في إيجاد وتفاقم هذه المشكلة حين تسابقت بوضع الحوافز والتيسير للقروض بفائدة ربوية أو عن طريق (مسألة التورق)، أو البيع بالتقسيط فيتعين عليها أو تلزم بدفع مبالغ تتناسب مع ما كسبته من الضعفاء، والمساكين، ويتعين على الدولة إلزامها بتمديد مدة السداد لها من أولئك المدينين وأرى أن يوجه ولي الأمر بعدم سجن من لم يستطع السداد لهذه البنوك ونحوها في قضية الأسهم خاصة، حتى يأذن الله وتنكشف الغمة إن شاء الله.
    خامساً: محاسبة كل المتسببين في كارثة الأسهم هذه، وتغريمهم الغرامة الرادعة لقاء ما أجرموه في حق الأمة، وذلك بمصادرة أموالهم التي اكتسبوها من فعلتهم الشنيعة هذه ولا يبقى لهم إلا رؤوس أموالهم الأصلية التي دخلوا بها سوق الأسهم ابتداء.
    سادساً: وضع صندوق مالي تجمع فيه هذه الأموال ونحوها من المحسنين ثم توزع على صغار المتضررين بنسبة ما لحقهم من ضرر. وفق الله الجميع إلى كل خير آمين