قصائد لأحلام مستغانمي

الموضوع في 'منتدى كلية العلوم الاقتصادية' بواسطة abdou21, بتاريخ ‏1 مايو 2008.

  1. abdou21

    abdou21 عضو مميز

    الكتابة في لحظة عري

    إهداء

    لأنني لم أمنحك غير الكلمات
    تذ ّ كري أنني أحبك جدًا
    إنني أشعر أحيانًا بالخجل, وأكاد أطلب منك العفو
    لأنني لا زلت على قيد الحياة ولست ضمن قائمة الشهداء
    إليك يا جزائر أمنح سنواتي الاحدى والعشرين
    في عيدك الواحد والعشرين

    أحلام
    رسائل

    إلى الفدائي الذي منحني كلّ الأسماء...
    إلا إسمه!

    من أين عاد وجهك إليّ هذا المساء؟
    كيف أطلّ وسط هذا الحزن الخريفي
    أكتب إليك وخلف شباكي تبكي السماء. وفي ذاكرتي صور كثيرة لنا في كل المواسم.

    تصوّرت قبل اليوم أنني قد أستقبل الفصول معك.
    يبدو أنني سأظلّ أستقبلها وحدي.
    لا زلت أجوب شوارع التاريخ

    أبحث عن وجهي الضائع الملامح في وجوه السواح والغرباء
    في وجوه الثوار والزعماء.
    ذاكرتي عشرات الرجال من كل قارات العالم.
    جسدي لم تبق عليه مساحة صغيرة لم تتمرغ عليها شفاه رجل.

    تغرّبت بعدك كثيرًا
    في غربتي الكبرى يحدث أن أجمع أحزاني على كفيك وانتظر المعجزة.
    يحدث ان أسرق منك قبلة وأنا أسير في المدن البعيدة مع غيرك.
    يحدث أن أتسلل معك نحو عنب الخليل.. أن أزحف معك على الأرض
    الطيبة.

    وأسقط الى جوارك متعبة.

    أيمكن لقلبك أن يحملني عندما يجب أن يخف الحمل!
    أيمكن أن نحقق هناك كلّ الأحلام التي لم تكتمل؟

    كم كنت حزينة بعدك
    ولكن صورتك وحدها سافرت وعادت معي
    صورتك وحدها نامت معي في فنادق العالم
    وشفتاك وحدهما اللتان أرتعش لهما جسدي
    ذات مرة أتاني صوتك من بعيد

    كنت سائحة غريبة في بلد غريب
    حاولت أن اراك كما أردتك أن تكون
    وكانت سماء حيفا ماطرة.. ولم أكن هناك
    فحسدتك.

    أيلول 1973

    * * *

    كبر الحزن أيّها الرفيق
    في هذه المدينة لا يأتي الصيف أبدأ
    الرياح لا تفارق السماء
    وأنا متعبة
    عندما تغلق كل الأبواب
    أرتدي أحلى فساتيني وأجلس لأكتب إليك

    أيلول 1973

    * * *


    تتحدّث اليوم آخر الأخبار عن الكيلومتر 101
    يتحدّثون طوي ً لا عن رقم لم يكن في ذاكرة الشهداء
    لأن الماء يغلي في درجة المئة وأنا أصبحت أغلي بدرجة المئة وواحد.
    سأخلع أحلى فساتيني وأكتب إليك عارية
    سعداء أولئك الذين ماتوا وهم يعتقون انهم تجاوزوا المئة وواحد ومنحونا
    رقمًا مطلقًا
    سأكتب شيئًا عظيمًا هذا المساء
    ظروفي تساعد على الجنون

    أكتوبر 1973

    * * *


    لا زلت أشتري الجريدة كلّ صباح بحكم العادة
    لا زالت القاهرة تتردّد وبغداد ترفض ودمشق تقاوم وعمّان تتفرّج
    وبيروت ترقص
    ولا زلت أكتب إليك عارية

    أكتوبر 1973

    * * *


    هذا المساء وأنا أغادر الجامعة, جرّتني مظاهرة طلابيّة إلى شارع
    العربي بن مهيدي.
    كنت في حاجة الى أن أصرخ.. حتى يغمى عليّ
    تذكرت أحد الأحلام, تمنيت لو نزل لحظتها مئة مليون عربي الى
    الشوارع, لو زحف ملايين الشباب نحو كراسي الخونة.
    لو أنّ القصور العربيّة ُنسفت في لحظة واحدة
    لو أن التاريخ بدأ من شارع الشهداء
    لومثلهم قلنا (لا)
    ولكن.. كنت فقط أهتف مع الشباب
    (بالروح.. بالدم.. حنكمل المشوار)
    وكنت أبكي

    أكتوبر

    * * *


    يخال لي أن الحرب أنتهت
    رغم أن عناوين الجرائد لا تزال تحافظ على حجمها الكبير
    ولونها الأحمر
    أنا لا أنتظر شيئًا على الاطلاق

    نوفمبر

    * * *


    أصبح الآن مؤكدًا أن الحرب أنتهت
    لقد تبادلنا الأسرى والموتى والفرح والتعازي والشتائم
    والشعارات والتهم..
    وكثرت الأوسمة على الصدور

    ديسمبر

    * * *

    أسأل نفسي هذا الصباح أين يمكن أن تكون..
    كلما تذكرت آخر لقاء لنا شعرت بالخوف عليك
    أعيد قراءة رسالتك الوحيدة
    اتوّقف عند الجملة الأولى (أنت مفاجأة جميلة, شعرك الأسود بقدر حقدي
    التاريخي يش ّ كل هالة قدسيّة على ملامحك الأبديّة).
    ربما كان هذا أجمل ما قلت لي
    وبعدها.. لاشيء

    قلت انك تدمن احتساء الصمت والدخان والنبيذ
    فهمت أّنك قد لا تكتب إليّ بعد الآن من الجزائر
    آخر مرة التقينا فيها كانت ليلة رأس السنة الماضية
    جلسنا في مقهى نتحدّث عن الحبّ.. والحرب والزواج..
    كنت أحبّك.. وكنت حزينة ككذل بداية سنة
    تمني ُ ت لو أنتميت اليك
    كان عمري عشرين سنة
    خفت ألا أنتمي لشيء بعدك
    مكن أن تكون بداية شيء وكان ي , كنت تمثل عندي قمّة الرفض والثورة
    رائع في حياتي
    ولكن خرجنا

    كنت تقول: "أنا أيضًا.. أشعر هنا أنني لا أنتمي لشيء لهذا يجب أن
    أرحل".
    سألتك:
    - أيّ الفترات كنت فيها أكثر سعادة؟
    قلت:
    - عندما كنت أحمل شيئًا آخر غير الجرائد!.
    - وماذا صنعت؟
    - حاولت أن أهب هوية للأطفال الذين ولدوا غرباء عن العالم.
    وخرجنا.
    التقينا بصديق أخبرنا أنّ أحدهم قد أنتحر بالأمس.
    عمّ الصمت.
    كان المنتحر رسّامًا مغربيًّا حاول أن يوّقع على لوحة حياته توقيعًا حزينًا,
    فأنتحر.

    كان طيبًا.
    ما كانت له من هواية عدا التنّفس.
    كانوا يعرفون خطورة التنفس عندما يبدأ هواية ويتحوّل فجأة الى مبدأ.
    كانوا يعرفون ذلك, فألقوا بالغازات السامّة, ملأوا بها سماء البلد الطيب
    وهاجر الفنان يبحث عن أوكسجين.
    جاءنا.. ولكنه ما استطاع الحياة بعيدًا عن السماء الأولى.
    فقد أكتشف فجأة أّنه نسي رئتيه هناك
    فأنتحر.

    كان الناس يمرون أمامي مسرعين
    بعضهم يجوب الشوارع بلا هدف. وكنت أسير بينهم.
    أبحث في ملامحهم عن شيء, ربما عن ملامح الشاب المغربي.
    تساءلت وأنا أراهم: أيستحق هؤلاء أن يموت أحد من أجل قاضياهم؟!
    مات الفنان! (فتاة ببنطلون ضيّق تنتظر قادمًا لا يأتي)
    أحقًا مات! (عجوز تسأل بائع الخضر.. إذا كانت أزمة البصل قد
    حّلت).

    قلت ذلك لصديق, فأجابني: يجب أن نحلّ قضايا الجماهير أو ً لا. أن
    نجعلها تشبع, تحتمي بسقف, وتلبس, وتحلم. وعندها فقط يصبح بإمكانها
    ان تف ّ كر في القضايا الكبرى.
    لا يمكن ان تسألي إنسانًا يكاد يغطيه الطوفان:
    لماذا لا يحتمي بمظّلة عند سقوط المطر؟ لنخرجه أو ً لا من الطوفان!
    عدت الى الجامعة وأنا أحاول أن أتخيّل كميّة المياه الهائلة التي تغرقنا
    يوميًا.

    قلت لي قبل أن نفترق "اليوم أصبح كل أصدقائي بين شهداء ومساجين
    ومنتحرين, وحدي رفضتني السجون وكلما كان لي موعد مع الموت لم
    يحضر".
    سالتني فجأة..
    - أتحبين الموت؟
    قلت:
    - لا أعتقد.. لكنني لا أخافه
    عّلق َ ت:
    - لن تكوني فدائيّة حتى تحبينه
    وأفترقنا.
    مرّ عام على ذلك اللقاء. ذلك الفراق.
    ولا زلت أسأل عنك الرفاق. ربما لأقول لك فقط, أنني بدأت أحبّه.
    لا زالت صديقاتي في الجامعة يسألنني عنك
    قلت لأحداهن, أّنك فدائي ولم تحضر الى الجزائر كي تقيم بيننا.
    ضحكت, لأّنها لم تتصوّر فدائيًّا في وسامتك. ربّما لم تصدقني.
    أظّنها تأّثرت ب(جمهورية) أفلاطون.. فهي ترى أنّ الحرب خلقت
    لتخّلص البشرية من القبيحين والمرضى وضعاف البنيّة.
    نجحت في إقناعها بأنّ شي غيفارا أيضًا كان وسيمًا, وأّنه لو عمل في
    السينما لحطم أسطورة عمر الشريف.

    وأنّ ليلى خالد لم تكن أقلّ جاذبية من جورجينا رزق.
    ولكنها قامت بثلاث عمليّات لتشويه وجهها, كي تتم ّ كن من مواصلة
    مهمتها, أيّ شجاعة هذه!.. لا أذكر أنّ امرأة عبر التاريخ شوّهت وجهها
    قصدًا, كي تخدم قضيّة. لا جان دارك ولا جميلة ولا أنجيلا, غير أنني
    أذكر مبالغ خيالية كانت تدفعها ماري أنطوانيت من أجل ثوب سهرة
    جديد. وأرقامًا أكثر جنونًا تدفعها مدام أوناسيس أرملة كينيدي سابقًا
    وأرملة أوناسيس حديثًا كي نظل أنيقة وتبقى بشرتها ناعمة ويبدو فمها
    أقل إتساعًا. ومبالغ أخرى لا تقل جنونًا تدفعها أميرات عربيّات وزوجات
    حكام من أجل حفنة لؤلؤ نادر أو قارورة عطرٍ فريد.
    ألا ترى أّنه أصبح ضروري أن أحبّ الموت!

    * * *
    بطاقة عاديّة
    في يوم غير عادي!


    اشتقت إليك
    تدفعني أفراح الآخرين إليك
    اليوم صباح عيد, وأنا أصبحت أخاف الفرح
    لأننا نصبح أنانيّين عندما نفرح
    يجب أن أحزن قلي ً لا كي أظلّ معك
    ثمّ إنّ الفرح لا يلهمني
    وأنا أريد أن أكتب شيئًا على ورق مدرسي
    أكره أن أترك كلماتي على البطاقات المستوردة للأعياد
    أشكالها الفرحة.. تعمّق حزني.

    * * *

    لو كتبت لك بطاقة في بداية هذه السنة لقلت:
    "لأنك...
    18
    ولأّنني...
    أتمّنى أن..."
    وكان لا بدّ أن تملأ أنت الفراغ..
    أؤمن أنّ مهمة الرجل ملء الفراغ
    الفراغ الأرضيّ
    الفراغ الكونيّ
    الفراغ في قلب إمرأة
    الفراغ في جسمها


    * * *

    يحدث أن أمتلىء بك..
    يوم حدث هذا وضعت حدًّا للحزن المسالم
    وبدأت أجمع صور الشهداء
    يوم حدث هذا.. قلت أنك قادر على إمتلاكي
    الآن ترحل.
    كنت رصيف فرح

    الآن يجب أن أتعوّد الوقوف على أرصفة أخرى
    سأذكرك
    تعّلمت معك أن أعود إلى طفولتي
    أن أحبّ البسطاء
    أن أرتبّ خريطة هذا الوطن
    وأقف في صف الفقراء

    ديسمبر 1974

    * * *
     
  2. abdou21

    abdou21 عضو مميز

    رد: قصائد لأحلام مستغانمي

    كلمات غير موزونة
    لأرض أفقدتنا الإتزان

    المذكرة الأولى:

    إنفجري يا خارطة العالم المنهار
    انسفي التضاريس الملكيّة, وح ّ طمي كراسي الكارتون المستورد
    إفتحي أبواب المحتشدات والسجون
    دعي الجموع الجائعة تشبع
    ودعي الفقراء يملأون جيوبهم شمسًا
    ابعدي العملاء عن مسيرة المتمردين
    فأقدام الاقزام لم تخلق لتواكب الثوّار
    طويلة ليالي هذه المواسم
    مظلمة ساعات هذه الأيام
    ونحن لسنا بالأموات ولسنا بالأحياء
    الموت والحياة تآمر علينا
    تحركي واجعلينا نموت أو نحيّ بزلزال

    انسفي الحدود والجمارك, ولتحرق تأشيرات الدخول والخروج
    فنحن حولك
    نطوّقك بإسم الذين جاؤوا من عندك لاجئين
    وبإسم الذين يعودون إليك شهداء أو فدائيين
    بإسم رفيق نسفت روحه داخل سيارة
    بإسم رفيق وصله الموت في هدية
    وآخر في غرفة نومه ببيروت
    من أجل الهمشري وبن بركة.. وغسان.. وكمال ناصر.
    نحن نلتف حولك
    ننبت على صدرك مع كروم الخليل وتمور العراق وقطن مصر ..
    والرفض معنا باق
    بقاء نهر بردى وجبال الاوراس وصحراء سيناء.. وخليجنا.

    نحن هنا
    الكثير مّنا موزّع بين أقبية الموت المنسيّة والمحاكم العسكريّة
    أبطالنا لا يصلون السجون لأنهم يموتون في غرف التعذيب
    ولكن ثورتنا لن تهدأ
    ونهر الأردن لن يستريح
    حين أصبحت رائحة الأرض عطرنا المفضل
    أصبح لون التراب أجمل من لون العيون
    وأصبحت كل الطرق تؤدّي إليك

    المّذكرة الثانية:

    حين أصبحتِ شهيّة كالحزن
    كالفرح المؤقت
    كالجنون
    صرت أخشى أن أحرق خريطتك في لحظة انهيار
    لم يكن (نيرون) مجنونًا
    كان فقط يحب (روما) بطريقة جديدة لم يتعوّدها العشاق

    المتقاعدون
    اّتهم بالجنون.. لأّنه أحرق حبيبته
    من سنين أنام وأنا أحلم أن أستيقظ ذات يوم على ألسنة اللهيب
    أقرأ كل صحفك بكل اللغات
    أقرأ عناوينك الحمراء.. وعناوينك السوداء
    ابحث عنكِ في صفحة الأموات وفي صفحة الأحياء
    فلا أجدك هنا, ولا هناك

    * * *

    ذات مرّة لقيتك وكنت في (برلين).. سائحة حزينة
    كان رفيق يضع على صدري صورة (اميكال كابرال)
    وكنتِ تمرين أمامي وسط استعراض للشبيبة العالمية في
    ذلك الملعب الدولي
    حين وقفت لتحيّتك كانت شفقتي عليك أكبر من شوقي إليك.
    ولكنني ألقيت لكِ بآخر زهرة وهتفت مع الرفاق
    (بالروح.. بالدم.. حنكمل المشوار)

    كانت رفيقتي من (بورتوريكو) تحدثني عن المطاردات
    البوليسية, وتكشف للطبيب عن آثار الضرب على جسدها..
    وكنت أرحل نحو ملامحكِ المتعبة
    أغمض عيون موتاكِ الذين لا تزال عيونهم مفتوحة في غرف
    التعذيب, وأجمع رؤوس رفاقي من ساحات الإعدام
    كان البعض يتاجر بلحية (شي غيفارا) وتسريحة (انجلا)
    وحطة (ليلى خالد)
    كانت الثورة لقبًا يشترى على رصيف
    كنت اللوحة التي تباع في المزاد العلني
    ولكنك أرخص من سيجار (شرشل) وحلي (ماري انطوانيت)
    في ذلك المساء كتبت لك خطابًا من أحد مستشفيات برلين
    لا أذكر ما قلت لك فيه
    فقد افقدني الحزن ذاكرتي

    المّذكرة الثالثة:

    أحاول أن أنسى ان لي وطنًا
    أتوزّع في شوارع العالم وفنادقه

    احاول أن أضيع مكانه على الخريطة
    ولكننا في موسم الترحال
    تهاجر الطيور نحو السماء الأولى
    وتعود الأسماك الى المياه الأم
    وترجع الأوراق الى الشجر
    ويتبخر الماء عائدًا الى السماء
    أحاول ان أنساك, ولكننا في موسم الترحال
    وعندما أرى رحلة الكائنات نحو حضنها الأول
    أشعر بالحنين إليك, فأنت حضني الوحيد
    الحضن الذي وهبني الحياة ولم يحضني بعدها أبدًا
    أحاول أ، أعود نحوك مع مواكب الكائنات المهاجرة
    ولكنني أقع قبل أن أصل إليك
    آلاف الحدود بيننا.. وآلاف الجمارك
    وأنا أسافر نحوك وملامحك بين أشيائي الصغيرة
    أخبئها كما نخبأ البضاعة المحظورة
    أخشى ان يكتشفها أحدهم فيحتجزني ولا أكون مع العائدين

    ولكنك شيء ى يخبأ
    كنت حام ً لا بك..
    وكان حزني قد جاوز الشهر التاسع
    لذلك حجزت في كل جمارك العالم, وقضيت عمري في
    محطات القطار..
    وهناك,
    يحدث ان أغضب واعرض ما تبقى عندي من ملامحك للبيع
    اعرضها على السوّاح عسى أحدهم يخّلصني من حملك
    لكنهم لا يتوقفون أبدًا جميعهم مسرعون نحو الحضن الأول
    بالأمس عرضت على واحد من (الهيبيين) أن يأخذك هدية
    مّني..
    سألني ان كنت زهرة.. أو مندي ً لا يربط حول الرأس
    قلت له انك معطفي الوحيد
    فقال لي: نحن قّلما نشعر بالبرد
    وكانت المدن الجليديّة تزحف نحوي, وكنت لا زلت في يدي
    فأفترشتك,
    ونمت في محطة القطار

    المّذكرة الرابعة:

    أكره أن ألتقي بك في نشرة الأخبار
    أصبحت أكره أن اسمعك تنتحرين على الأمواج الطويلة
    والقصيرة
    وجهك المشوّه لا يخيفني
    أنا أعرف الكثير عنك
    أعرف حتى اعضاءك المشلولة وأعضاءك المستعارة
    أعرف كيف تحاول عناوين الجرائد اليوميّة ان تتمدد على
    جسدك, لتخفي عيوبك, وتخدع الطيبين ليذهبوا للموت تحت رايتك
    رأيتك عارية
    لم تكوني في طريقك الى الحمام
    ولا كنت مّتجهة نحو البحر
    (النظافة من الايمان) أصبحت مع الايام كلامًا فارغًا
    عندما نجح القذرون في خداع البسطاء
    والسباحة لم تكن يوم هوايتك

    كنت أتصوّر حتى ذلك اليوم أن هوايتك الوحيدة جمع الآثار,
    وتبادل الآراء حول كتب الازمان الغابرة.
    لذلك أهديتك مكتبتي التاريخية, وحفظت أيام العرب ومعلقاتهم
    وجئت اقصّها على (أبي الهول) و(قاسيون)
    لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي رأيتك فيه لأول مرّة تتعرّين
    لم تقفي في ديكور مثير
    ولا استنجدتِ بالأضواء الخافنة
    ولا نزعتِ أثوابك الداخلية قطعة قطعة, كما تفعل راقصات
    (الستريبتيز).
    كل شيء عندك وقع فجأة.. وخارج علب الليل
    تعرّيت فجأة
    ورأيتك فجأة
    وتحدثت كل الجرائد بعدها أن عمّان تدفن خمسة وعشرين ألف فلسطيني
    خمسة وعشرون ألفُا تعوّدنا بعد ذلك ان نذكرهم بالجملة.
    غريب أن يتعوّد الانسان بسرعة على الأرقام الكبيرة, وينسى
    أن كل رقم هو نهاية حياة
    حاولي يا عمّان ان تتصوري عيون هؤلاء الخمسة
    والعشرين ألفًا وهم يموتون
    في عيونهم فقط تقرأين مرارة الارقام

    كانوا يحملون ببيوتهم خلف الضفة, حين أغرقتهم..
    وقتها فقط اكتشفت هوايتك الأخيرة
    وادركت سرّ تجوالك عارية.. ونحن في أيلول..