فتح الفتـوح

الموضوع في 'المنتدى الإسلامي' بواسطة elmoudjahid, بتاريخ ‏11 ابريل 2008.

  1. elmoudjahid

    elmoudjahid عضو مميز

    فتح الفتـوح
    لفضيلة الدكتور عباس محجوب
    ارتبط شهر رمضان المبارك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأحداث عظيمة على قمتها موقعة بدر الكبرى التي كانت نقطة انطلاق عظيمة في انتصارات المسلمين على مر التاريخ وتوالت بعدها انتصارات المسلمين المرتبطة بهذا الشهر الكريم فتح مكة والعودة من تبوك وإسلام ثقيف بعد عودته من تبوك في السنة التاسعة.
    ولم تكن انتصارات المسلمين في هذا الشهر المبارك في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فحسب بل تتابعت هذه الانتصارات فكان فتح الأندلس في رمضان عام 98هـ.
    وانتصارات صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين كما كان انتصارهم الأكبر على التتار في رمضان سنة 658هـ في معركة عين جالوت وما أكثر انتصارات المسلمين في شهر رمضان لو تتبعنا تاريخهم ولكننا نأخذ واحدة من هذه المعارك التي لا زالت محل عناية المسلمين ودراستهم وتدبرهم لما سبقها من أحداث وما ترتب عليها من نتائج وتلك المعركة هي فتح الفتوح ـ فتح مكة في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة.
    ولا يشك أحد في أنّ انتصارات المسلمين في معاركهم السابقة لفتح مكة في بدر وأحد وغيرهما من الغزوات والسرايا وانتصارهم الدبلوماسي الأكبر في صلح الحديبية - تلك الانتصارات لم تكن إلا تمهيداً للنصر الكبير تدبيراً إلهياً قاد المسلمين إلى هذا النصر الذي لم يخطر في مخيلة الكثيرين بالسرعة الزمنية التي تمت فيها، فمَنْ من المهاجرين كان يحلم بالعودة إلى مكة فاتحاً منتصراً بعد سنوات قلائل؟ إن مثل هذه الانتصارات تحتاج إلى فترة زمنية طويلة وإعداد وتخطيط مستمر ولكنه في تقدير الله سبحانه وتعالى أمر لا يحتاج لغير التسليم بأن تقديره فوق حساب البشر وتقديرهم.
    سبب التسمية:
    سمي فتح مكة، بفتح الفتوح "لأن العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش ويقولون هم أهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فإن غلبوا فلا طاقة لأحد به صلى الله عليه وسلم فلما فتح الله مكة دخلوا في دين الله أفواجا قبائل من جملتها بعد أن كانوا يدخلون أفرادا ولم يقم للشرك قائمة بعده" .
    سبب الغزوة:
    تذكر كتب السيرة والتاريخ أن العداوة كانت مستمرة بين قبيلتي خزاعة وبني بكر كأغلب العلاقات القبلية في الجاهلية وبدايات الإسلام الأولى، وعندما عقد الصلح بين المسلمين وقريش في الحديبية دخلت خزاعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بينما دخلت بنو بكر في عهد قريش، ولصلة خزاعة بالرسول صلى الله عليه وسلم جذور تاريخية إذ أن خزاعة كانت في عهد مع عبد المطلب جدّ الرسول صلى الله عليه وسلم مما جعلها تأتي بعد صلح الحديبية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تحمل نص العهد الذي كان بينهما وبين عبد المطلب( ) وقد أراد الله لذلك الصلح أن يبلغ أجله فنشب النزاع بين خزاعة وبكر وأعانت قريش بني بكر على خزاعة بالسلاح والرجال خفية فقاتلوا معهم وأصابوا منهم فانتقض بذلك العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، وجاءت رسل خزاعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى رأسها عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي الذي وقف على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالمسجد وأنشده:
    يا رب إني ناشدا محمداً
    حلف أبينا وأبيه الأتلدا

    قد كنتم ولدً وكنا والداً
    ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

    فانصر هداك الله نصرا أعتدا
    وادع عباد الله يأتوا مددا

    فيهم رسول الله قد تجردا
    إن سيم خسفاً وجهه تربّدا

    في فيلق كالبحر يجري مزبدا
    إن قريشا أخلفوك الموعدا

    ونقضوا ميثاقك المؤكدا
    وجعلوا لي في كداء رصدا

    وزعموا أن لست أدعوا أحدا
    وهم أذل وأقل عددا

    هم بيتونا بالوتير هجدا
    وقتلونا ركعاً وسجدا

    فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: "نصرت يا عمرو بن سالم", ثم عرضت سحابة في السماء فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب"، وأخبر عليه الصلاة والسلام بوحي من الله بما يدور في خاطر قريش وما يتوقع منهم فقال: "لكأنكم بأبي سفيان قد جاء يقول: جدد العهد وزد في الهدنة" .
    وكيف لا يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم نفسية قريش وما يشغل بالها آنذاك وقد أعطاه الله عقلاً نيراً وفكراً ثاقباً وبصيرة لا تخطئ لأنه يسنده الوحي دائماً، فهذه قريش منزعجة من الحادث, مترقبة لرد الفعل, خائفة من العاقبة, وأكثرهم انزعاجاً قائدهم أبو سفيان الذي أخبر قريشاً عن رؤية رأتها زوجته هند كرهها وخاف منها, إذ رأت دماً أقبل من الحجون يسيل حتى وقف عند جبل بمكة مما جعل أبا سفيان يستنكر اشتراك قريش في القتال ونقضها للعهد ويقول: "والله ليغزونا محمد إن صدقني ظني وهو صادقني، ومالى بد أن آتي محمدا فأكلمه أن يزيد في الهدنة ويجدد العهد قبل أن يبلغه هذا الأمر". فقالت قريش: "قد والله أصبت الرأي" .
    وهكذا جرت الأحداث بمشيئة الله تعالى الذي هيأ للمسلمين أمراً لم يفكروا فيه وظفراً لم يحلموا به, وقد علل الرسول عليه الصلاة والسلام لتلك المشيئة بقوله لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وهي تستبعد من قريش أن تنقض العهد وما لها مقدرة على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينقضون العهد لأمر يريده الله تعالى بهم"، وتسأل عائشة: "خير أو شر يا رسول الله؟ قال: "خير".
    وكيف لا يكون خيراً وهو سيحمل رسالة الإسلام إلى أهل مكة ومن حولها, يستظلون بظلها, وينعمون بفيئها, ويسعدون في الدنيا والآخرة بنشرها وحمايتها.
    وما لبث أن جاء أبو سفيان كما أخبره المصطفى صلى الله عليه وسلم يطلب شد العهد وزيادة المدة فيجيبه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه على العهد والمدة, لا يغير ولا يبدل, غير أن الأمر لم يفت على ذكاء أبي سفيان وحنكته وتجاربه وخبرته فلم يطمئن قلبه ولم تهدأ نفسه فبحث عن وسيلة أخرى ينقذ بها قومه, فطلب من يتشفع به إلى رسول الله فبدأ بأبي بكر الصديق رضي الله عنه فاعتذر له برفق, وذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأغلظ له القول ورده بعنف، واتجه إلى علي رضي الله عنه ومعه فاطمة رضي الله عنها وابنهما الحسن رضي الله عنه يلعب بين يديهما، فاعتذر له علي, وبلغ اليأس بأبي سفيان والحيرة في الأمر أن يطلب من فاطمة شفاعة الحسن لجده فتعتذر بصغر ابنها عن الأمر ثم ينصحه على نصيحة قبلها وعمل بها وليس له غيرها، فأعلن أبو سفيان في المسجد بين الناس أنه أجاره, ولكن هل يغني ذلك عنه شيئاً؟ ورجع أبو سفيان إلى قومه مهيض الجناح كسير القلب مشتت الفكر ليجد من قومه غلظة واستنكارا لإخفاقه وفشله في زيادة المدة وتمكين العهد.
    استعداد المسلمين للحرب:
    عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال قريش والظروف كلها لذلك والنصر مضمون بإذن الله لا سبيل لقريش في جمع العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بادرت بنقض العهد وتخطي المواثيق, فطلب الرسول الله صلى الله عليه وسلم من عائشة أن تجهز له وتكتم أمره وقال ما معناه: "اللهم خذ على قريش الأخبار والعيون حتى نأتيهم بغتة"، وحفظت عائشة كعهدها سر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى عن أبيها الصديق الذي ذهب إلى رسول الله وسأله فأعلمه طالباً منه كتمان الأمر، وأخذ المسلمون يفكرون إلى أي يود الرسول أن يتوجه, وزيادة في الحذر والسرية يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة أبي قتادة بن ربعي إلى بطن اضم في الطريق بين مكة واليمامة( ) فيحتار الناس في اتجاه الرسول ومقصده, ثم أرسل الرسول رسله إلى أهل البادية يطلب منهم أن يحضروا رمضان بالمدينة، وانتشرت رسله تحمل الدعوة إلى قبائل أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وبني سليم وضمرة وبني كعب، وفي أثناء ذلك كله حدث ما أشار إلى مقصد رسول الله, فمثلاً في قصة حاطب بن أبي بلتعة تلك القصة التي تمخضت عنها تشريعات وتعاليم وإبراز لمكانة أهل بدر فما هي تلك القصة؟
    رسالة حاطب:
    قصة حاطب بن أبي بلتعة هي قصة النفس الإنسانية عندما تركن إلى بشريتها ويصيبها الوهن والضعف وهي خاضعة للتفكير في الأمر من زاوية ضيقة شخصية، فقد كتب إلى قريش يخبرهم بعزم الرسول على غزوهم، وكانت الرسالة موجهة إلى صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو - الذي وقع اتفاقية الهدنة مع الرسول وكتب بنودها نيابة عن قريش - وعكرمة بن أبي جهل، وجاء في رسالة حاطب "أن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد بكتابي إليكم". وسلم الكتاب لامرأة من مزينة جعلته في شعرها وقد ضفرت شعرها عليه, وقد جعل لها أجراً على ذلك, إلا أن الله سبحانه وتعالى أخبر نبيه بما فعل حاطب استجابة لدعوته بأن يخفى الله أمرهم على قريش، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم علياً والزبير وطلب منهما أن يدركا المرأة، فأدركاها وأنزلاها وفتشا رحلها فلم يجدا شيئاً فقال لها: "إنا نحلف بالله ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك" ولما علمت المرأة بجدهما وعزمهما على فعل ما قالا، حلّت ضفائرها وأخرجت الكتاب فجاءا به إلى رسول الله، فاستجوب حاطباً على فعله فأكد حاطب إيمانه بالله ورسوله وأنه لم يتغير أو يتبدل، لكنه أراد أن تكون له دالة على قريش لوجود أهله وولده بينهم، وثار عمر رضي الله عنه على حاطب وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يضرب عنقه لأنه منافق في نظره، ولكن رسول الله يجيب: "وما يدريك يا عمر؟ لعل الله اطلع يوم بدر على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وتذكر بعض الروايات بأن الله سبحانه وتعالى أنزل بعد هذه الحادثة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} .
    وفي هذه القصة نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يرد للصحابي اعتباره أمام المسلمين وقد عظم الأمر عندهم، وذلك لتأكد الرسول صلى الله عليه وسلم من صدق كلام حاطب، وتأكده من حسن إيمانه، وأن الأمر لا يعدو أن تكون حالة نفسية استسلم فيها الصحابي لحاجته. والرسالة نفسها في صيغتها تنبئ عن ذلك فقد قال لقريش: "إن رسول الله قد أذن في الناس" ولم يقل: إن محمداً كما يقول المنافقون.
    والقصة لا تخلو من دروس للمسلمين في أهمية كتمان السر وإحاطة تحركات المسلمين بالسرية والتزام الجندي المسلم بتنفيذ الأمر من تجرد الإيمان, ثم فيها إشعار بعظم مكانة أهل بدر وما أعد الله لهم من نعيم مقيم.
    خروجه صلى الله عليه وسلم :
    عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم في بئر أبي عنية ووزع المهام وقسم الرايات على الجيش الذي وصل إلى عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار والقبائل الأخرى وخرج بهم يوم الأربعاء العاشر من رمضان وهم صائمون في لفحة الحر وبعد الطريق. وقد نادى فيهم مناد الرسول صلى الله عليه وسلم يخيرهم بين الفطر والصوم، ولكن من الذي يهنأ بالفطر والرسول القائد صلى الله عليه وسلم صائم يضرب أروع الأمثال في الجلد والصبر والتخطيط والتدبير, وأصحابه يرونه يصب الماء على رأسه ووجهه من شدة العطش, ومع ذلك يأخذ الرسول عندما يصل إلى الكدية إناء مملوءاً بالماء في وقت العصر ويشرب منه وهو على راحلته ليراه الجميع وهو يقول فيما يرويه أبو سعيد الخدري: "إنكم مصبحون عدوكم والفطر أقوى لكم" ومع ذلك يخبر أن قوماً تمادوا في الصيام فيقول: "أولئك العصاة".
    ومع ذلك لم يكن المسلمون على يقين من وجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يقصد قريشاً أم هوزان أم ثقيفاً مما جعل كعب بن مالك يذهب إليه ويبرك على ركبتيه بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وينشده:
    قضينا من نهامة كل ربب
    وخيبر ثم أجمعنا السيوفا

    نسائلها ولو نطقت لقالت
    قواطعهن دوساً أو ثقيفا

    فلست لحاضر أن لم تروها
    بساحةِ داركم منها ألوفا

    فتنتزع الخيام ببطن وجّ

    وننزل دورهم منها خلوفا

    فما زاد الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يبتسم له, فقال له الناس:
    "والله ما بيّن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، ما ندري بمن يبدء، بقريش أو ثقيف أو هوزان" .
    أما قريش فكانت وجلة خائفة مترقبة غير مطمئنة ودفعها الخوف ومحاولة معرفة الأخبار إلى أن يخرج أبي سفيان وآخرون علهم يعرفون شيئاً.
    وقد خاف العباس بن عبد المطلب على قريش الفجاءة قبل أن يأمنوا لأنفسهم، فخرج في بغلة الرسول عليه الصلاة والسلام يبحث عن شخص يذهب إلى أهل مكة فيخبرهم وينذرهم، ولكنه سرعان ما سمع صوت أبي سفيان وهو يحاور صاحبه بديل بن ورقاء بعد أن رأى نيران جيش المسلمين التي اكتشفها أبو سفيان بذكائه وخبرته إذ كان صاحبه يظنها نيران قبيلة خزاعة جاءت للأخذ بثأرها فيجيبه أبو سفيان: "إن خزاعة أقل وأذل من أن تكون لها تلك النيران"، وإذا بأبي سفيان يفاجأ بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم يناديه يحاوره ويطلب منه الذهاب للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقتله.
    وهنا تأتي المقارنة بين موقف وموقف، وأخبار وأخبار, أبو سفيان يحذر قريشاً فيحمد ذلك منه، وحاطب يحذر قريشا فيستجوب عن ذلك؟ هل هناك تشابه بين الموقفين؟ كلا فالفارق بينهما كبير، فارق في الزمان حيث كانت الأولى في مرحلة الإعداد والثانية في نهاية الخطة، وفارق في المكان حيث كانت الأولى من المدينة والثانية على مشارف مكة، وفارق في السرية والعلنية حيث أذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالثاني إذ أعطى بغلته لعمه ولم يأذن في الأولى.
    أخذ العباس أبا سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن الرؤيا واضحة بحيث يعرفه المسلمون وهو يشق صفوف الجيش، ولكن صوت عمر رضي الله عنه يرتفع وقد ميز أبا سفيان في تلك الكلمة فيقول: "أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد" ويحاول عمر أن يسبق العباس الذي يمتطي بغلة الرسول ليسارع بطلب الإذن لضرب عنق أبي سفيان، ويدخل العباس في نقاش حاد مع عمر رضي الله عنه إلا أن عمر يهدئ الموقف بالكشف عن مدى تجرده وحبه للعباس إذ يقول: "فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب" .
    ولم يكن أبو سفيان أقل وضوحاً وصراحة ممن حوله، فعندما طلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤمن لم يتردد ولكنه أخبر بأن في نفسه شيئاً من أن محمداً رسول الله مع اعترافه بحلم الرسول وكرمه وصلته للرحم، ثم عُرضت على أبي سفيان كتائب جيش المسلمين قبيلة بعد قبيلة أخرى ورجالاً وراء رجال، وأبو سفيان مندهش متعجب مقتنع بأن قريشاً لا قبل لها بمثل هؤلاء الرجال المجاهدين الصابرين, وإذا به يسرع إلى مكة لينقذ قومه من الهلاك مخبراً بتأمين الرسول صلى الله عليه وسلم لمن دخل داره أو المسجد أو دار أبي سفيان.
    ودخلت جيوش الإسلام مكة تحمل رايات العزة وألوية الإسلام والجيش مقسم في نظام بديع أظهر عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم العسكرية وكبار قادة المسلمين على رأس تلك الجماعات علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد والزبير رضي الله عنهم وموكب الرسول صلى الله عليه وسلم المهيب يتقدمه أبو عبيدة الجراح رضي الله عنه.
    إنه موكب رهيب وساعات حاسمة، المسلمون يدخلون من أسفل مكة وأعلاها ومن ذي طوى، والأوامر لدى القادة بإزالة العوائق ومحاربة من يقاتلون، ولم يقتل من المسلمين إلا رجلين شذا عن جيش خالد، أما المشركون فقد قتل منهم ثلاثة عشر رجلاً .
    ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم شاكراً خاضعاً لله رحيماً شفوقاً بقريش أعطى الأمان للجميع إلا رجالاً ارتبطت أسماؤهم بقضايا معينة ومواقف تستدعي المساءلة والجزاء من أمثال عبد العزى بن خطل الذي ارتد وقتل من بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم معه لجمع الصدقات، ثم لحق بالمشركين، وقد وجد متعلقاً بأستار الكعبة فقتل جزاء ارتداده وقتله لصاحبه وخيانته الأمانة، وكذلك قتل الحويرث بن نقيذ بيد علي بن أبي طالب لكثرة ما كان يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، كما قتل مقيس بن صبابة بيد غميمة بن عبد الله لقتله رجلاً من الأنصار قتل أخاه عن طريق الخطأ, وهناك من أمّنهم الرسول صلى الله عليه وسلم كإحدى جاريتي ابن خطل الهاجيتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسارة مولاة بني المطلب ورجلين احتميا بأم هاني بنت أبي طالب قيل إنهما الحارث بن هشام وزهير بن أمية وكذلك عبد الله بن سعد بن أبي السرح وعكرمة بن أبي جعل وكلهم أسلموا وحسن إسلامهم وفيهم من تولى أمر المسلمين .
    وتسلم القائد المنتصر مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة فدخل الكعبة وصلى داخلها ومعه عثمان وبلال وأسامة بن زيد ثم كرّم الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان إذ ترك له حجابة البيت، وتوارثه أبناؤه وارتفع صوت بلال بنداء الحق، وحطمت الأصنام في مكة وحول الكعبة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" .
    وكانت للرسول صلى الله عليه وسلم مواقف لا تنسى, ومن ينسى موقفه من أهل مكة وهم ينتظرون مصيرهم ويتوقعون الانتقام ممن آذوه وأخرجوه واتهموه بكل أمر فظيع؟ كالسحر والكهانة والجنون والرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ ما في عيونهم ويعلم ما في نفوسهم وحياً فيسألهم: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟" قالوا: "خيرا أخ كريم وابن أخ كريم", قال: "فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} اذهبوا فأنتم الطلقاء" .
    وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن مكة ما معناه: "لا تغزى بعد هذا اليوم أبداً إلى يوم القيامة"، وقد علق البيهقي على ذلك بأنها لا تغزى على كفر أهلها فكان كما قال، ولا زال المسلمون يتعلمون من هذا الفتح العظيم دروساً من بينها:
    1 – أن كلمة الله يجب أن تعلو على كلمة الكفر في أي زمان ومكان, وأن واجب المسلمين الدائم هو تحطيم الأصنام والطواغيت في كل صورها وأشكالها ومسمياتها.
    2 – أن الخطة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم قد نفذت بدقة وتحققت الأهداف الكبرى مثل دخول الناس في الإسلام وعلى رأسها قريش.
    3 – أن الأمور الهامة في حياة المسلمين لا بد فيها من السرية في الهدف وفي التخطيط وفي التنفيذ.
    4- أن الحرب النفسية سلاح من أسلحة المحاربين تفيد المسلمين إذا أحسنوا تنظيمها وتوقيتها وتنفيذها.
    5 – أن الجندي المسلم مطيع منفذ للأوامر في التأهب للجهاد والتحرك للقتال دون مراجعة أو تردد.
    6 – أن روح التسامح والتعالي هي صفات جيش المسلمين فلا انتقام ولا حقد ولا مذابح ولا تمثيل.
    7 – أن ظهور المسلمين دائماً بمظهر الأقوياء الأشداء المستعدين للقتال أمر لا بد منه لإدخال الرعب في نفوس الأعداء وتنفيذ أمر الله في إعداد العدة لهم.
    وما أكثر الدروس والعبر في هذه الغزوة لمن يعتبرون ويتعظون ويعدون ويخططون.
    إن يوم الجمعة في العشرين من رمضان سنة ثمان من الهجرة يوم من أيام المسلمين التي لا تنسى والتي يجب أن تكون منقوشة بأحداثها وظروفها ونتائجها في ذاكرة الأجيال المسلمة التي يجب أن تدرس تاريخها فتعرف جوانب العظمة فيه وتحقق بذلك اتباع نبيها صلى الله عليه وسلم وإخضاع العالم لأمر ربها.

    المراجع
    الواقدي المغازي
    بهجة المحافل
    جوامع السير لابن حزم
    الخصائص الكبرى للسيوطي