عولمة العالم

الموضوع في 'منتدى كلية العلوم الاقتصادية' بواسطة abdou21, بتاريخ ‏5 مايو 2008.

  1. abdou21

    abdou21 عضو مميز

    مـقـدمــة

    يثير مفهوم "العولمة" الكثير من النقاش والجدل، ابتداءً من التعريف بالمفهوم مروراً بتحديد أبعاد العولمة ومظاهرها وطبيعة القوى الفاعلة المحركة لها، إضافة إلى رصد وتحليل تأثيراتها على الدول والمجتمعات وبخاصة دول العالم الثالث.‏
    برزت "العولمة" بشكل واضح خلال عقد التسعينات لكنها سرعان ما تحولت إلى قوة من القوى المؤثرة في الحقائق والوقائع الحياتية المعاصرة، وقد ساعدها في ذلك تفكك الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى وانهيارا لأحزاب الشيوعية في دول أوروبا الشرقية.‏ و"العولمة" هي أيديولوجيا تعبر بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته، وقد حددت وسائلها لتحقيق ذلك في استعمال السوق العالمية أداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية، وكذلك في إعطاء كل الأهمية والأولوية للإعلام لإحداث التغيرات المطلوبة على الصعيدين المحلي والعالمي.‏
    يهدف هذا البحث إلى الكشف عن أحد مفاهيم العولمة وهي "العولمة السياسية"وبيان مخاطرها على الوطن العربي. فقد تناول البحث تحليل العديد من الظواهر المرتبطة بهذا المفهوم والكشف عن الوسائل التي استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أهدافها وهيمنتها على العالم، والتي تمثلت في استخدام مفاهيم "العولمة وسيادة الدولة"، و"العولمة وظاهرة الهيمنة" و"العولمة والهوية الثقافية والحضارية".‏ ولما كانت "العولمة" هي نمط سياسي اقتصادي ثقافي لنموذج غربي متطور خرج بتجربته عن حدوده لعولمة الآخر، فهي تشكل أيضاً تحديات خطرة تهدد الوطن العربي والعالم الثالث. إلا أن هذه المخاطر تتفاوت بين المخاطر السياسية والثقافية والاقتصادية، وترتبط المخاطر السياسية بمحاولات الولايات المتحدة
    لأمركة العالم، والاستفراد بالشأن العالمي وإدارته إدارة أحادية بما يتناسب
    مع مصالحها وغاياتها، مما يستوجب وضع استراتيجية عربية لمواجهة هذه التحديات
    وهذا ما سيتناوله البحث أيضاً...‏

    الفصل الأول
    المبحث الأول: الأبعاد الفكرية للعولمة

    لم تكن محاولة فرانشيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ الصادر عام 1989) إلا محاولة لصياغة وعي كوني زائف الغرض منه إثبات أن الرأسمالية ستكون هي ديانة إنسانية إلى أبد الآبدين(1) . فهو يشخص المرحلة الراهنة في التاريخ وكأنها مرحلة انتصار نهائي للنموذج السياسي والفكري الليبرالي.‏ ثم تبعه مقال اليهودي الأمريكي "صامويل هانتنغتون" ـ "صدام الحضارات" في صيف1993 ، في فصله "فورين أفيرز" معلناً دخول "السياسة على نطاق العالم كله مرحلةجديدة"، وهو يفترض حتمية تصادم الحضارات إذ يقول" سوف يتمحور الانقسام الأساسي داخل المجموعة البشرية حول العوامل الثقافية التي ستصبح المصدر الرئيسي للصدام.. إن صدام الحضارات هو الذي سيحتل مركز الصدارة في السياسة العالمية فنظرية هنتنغتون تصر بقوة وإلحاح على أن الحضارات غير الغربية لابد أن تصطدم بالغرب، ويعني ذلك استمرار وتوسيع نطاق الحرب الباردة بوسائل جديدة.ومن الجدير بالذكر أن تعبير "العولمة" في التداول السياسي قد طرح من قبل كتاب أمريكان في السبعينات وبالتحديد من كتاب "ماك لولهان وكينتين فيور"، حول"الحرب والسلام في القرية الكونية"، وكتاب "بريجسكي" بعنوان "بين عصرين: دورأمريكا في العصر الإلكتروني"، وقد طرح هذا المصطلح بعد تقدم وسائل الاتصالات الهاتفية بين الدول، وجاءت شبكات الانترنت لتضيف مبرراًآخر لتعزيز فكرة "العولمة.‏ كما طرحت مقولات أخرى لتشخيص واقع هذه المرحلة تمثلت في كتاب "صعود وهبوط الامبراطوريات"، "لبول كينيدي"، الذي توقع انهيار الاتحاد السوفييتي، وتنبأ أيضاً باحتمال تراجع هيمنة الولايات المتحدة على الشأن العالمي في المستقبل، إذا ظل الإنفاق العسكري الأمريكي على مستوياته العالمية، والتي لا تتناسب مع نصيبها من الإنتاج الإجمالي، ثم كتاب "العولمة" "لرونالد ربرتسون"، الذي أكد على أن "العولمة هي: تطور نوعي جديد في التاريخ الإنساني بعد أن أصبح العالم
    أكثر ترابطاً وأكثر انكماشاً"، ويضاف إليها أيضاً كتاب "معضلة العولمة" "لجون بسبيت" الذي يتحدث بالتفصيل عن القوى التكنولوجية والتكتلات الاقتصادية الجديدة التي ستلعب الدور الحاسم في تشكيل البشرية خلال القرن المقبل، وكتاب "الموجة الثالثة"، "لالفين توفللر"، وكتاب "صدمة المستقبل"، وكتاب "تحولاتالقوة"، التي أسهمت في تحديد سمات هذه المرحلة الراهنة من العالم...‏ ومن الطبيعي أن يتفاوت فهم الأفراد للعولمة ومضامينها المختلفة، فلا يمكن حصر وتحديد العولمة في تعريف واحد مهما اتصف هذا التعريف بالشمول والدقة، فالاقتصادي الذي يركز على المستجدات الاقتصادية العالمية وطبيعة المرحلة الراهنة من التراكم الرأسمالي على الصعيد العالمي، يهتم بالعولمة بخلاف عالم السياسة الذي يبحث عن تأثير التطورات العالمية والتكنولوجية المعاصرة على الدولة ودورها في عالم يزداد انكماشاً يوماً بعد يوم. كما أن عالم الاجتماع يرصد بروز القضايا العالمية المعاصرة، كقضايا الانفجار السكاني والبيئة والفقر و المخدرات وازدحام المدن والإرهاب بالإضافة إلى بروز المجتمع المدني على الصعيد العالمي يفهم العولمة بخلاف المهتم بالشأن الثقافي الذي يهمه ما يحدث من انفتاح للثقافات والحضارات وترابطها مع بعضها بعضاً، واحتمالات هيمنة الثقافة الاستهلاكية وتهديدها للقيم والقناعات المحلية.‏

    المبحث الثاني : مفهوم العولمة

    لذا أصبح من الضروري التمييز بين "العولمة" الاقتصادية و"العولمة" الثقافية
    و"العولمة" العلمية و"العولمة" الاجتماعية، فلا توجد عولمة واحدة . وبهدف الإلمام ببعض المفاهيم ووجهات النظر حول مفهوم "العولمة" لا بدمن الأخذ ببعض التعريفات المهمة لها :
    فقد عرفها "رونالد روبرتسون"، بأنها اتجاه تاريخي نحو انكماش العالم وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش. في حين يؤكد "فانتوني جيدنز" بأن العولمة هي "مرحلة من مراحل بروز وتطور الحداثة، وتتكثف فيه العلاقات الاجتماعية على الصعيد العالمي. فبينما يعرف "مالكوم واترز"، مؤلف كتاب "العولمة" بأن "العولمة" هي: كل المستجدات والتطورات التي تسعى بقصد أو من دون قصد إلى دمج سكان العالم، في مجتمع عالمي واحد"، أما "كينشي اوهماي" فيعرف "العولمة" بأنها: "ترتبط شرطاً بكل المستجدات وخصوصاً المستجدات الاقتصادية التي تدفع في اتجاه تراجع حاد في الحدود الجغرافية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية القائمة حالياً.‏ و نرى أن صياغة تعريف دقيق للعولمة تبدو مسألة شاقة نظراً إلى تعدد تعريفاتها والتي تتأثر أساساً بانحيازات الباحثين الأيديولوجية واتجاهاتهم إزاء "العولمة" رفضاً أو قبولاً، فضلاً عن أن العولمة ظاهرة غير مكتملة الملامح كونها عملية مستمرة تكشف كل يوم عن وجه من وجوهها المتعددة. وأياً كان الأمر فيمكن القول إن جوهر عملية "العولمة" يتمثل في :
    سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني.
    وطالما أصدرت الدعوة إلى "العولمة" من الولايات المتحدة فإن الأمر يتعلق
    بالدعوة إلى توسيع النموذج الأمريكي وفسح المجال له ليشمل العالم كله. وهذا
    ما يجعل مفكراً مثل "ريجيس دوبريه"، يرى أن "العولمة" التي تتم الدعوة إليها
    اليوم "عولمة زائفة"، فالحيز المطروحة فيه أمريكي، والنمط السياسي والثقافي
    هو نمط الحياة الأمريكية والفكر الأمريكي . وكأنما يراد من "العولمة" "رسملة العالم غير الرأسمالي" . يتضح لنا أن جميع الفئات التي تندرج في إطار محاولات تعريف "العولمة" المتمثلة في:"العولمة باعتبارها حقبة تاريخية، و"العولمة" باعتبارها تجليات
    لظواهر اقتصادية، و"العولمة" باعتبارها انتصاراً للقيم الأمريكية، و"العولمة"
    باعتبارها قوة اجتماعية وتكنولوجية".‏
    كل هذه التعريفات تكاد أن تكوّن المكونات الأساسية لتعريف واحد جامع
    للعولمة.‏ وإذا كانت الدولة القومية قد حلت محل الإقطاعية منذ نحو خمسة قرون تحل الشركات المتعددة الجنسيات محل الدولة، والسبب في الحالتين واحد:
    1 - التقدم التقني .
    2 - زيادة الإنتاجية.
    3 - الحاجة إلى أسواق أوسع.
    فلم تعد حدود الدولة القومية هي حدود السوق الجديدة بل أصبح العالم كله مجال التسويق: ولتحقيق ذلك كانت الشركات تنشر أفكاراً تساعد على تحطيم موضوع الولاء القديم وهو الوطن والأمة وإحلال ولاءات جديدة محله وأفكار من نوع " نهاية الإيديولوجيا"، و"نهاية التاريخ" و"القرية العالمية"، و"الاعتماد المتبادل"... الخ مما يصطلح استخدامه مع جميع الأمم . كما أنها تستعين مع تحقيق أهدافها بالمؤسسات المالية الدولية وأجهزة المخابرات في الدول الكبرى ومختلف وسائل التأثير في الرأي العام .‏

    المبحث الثالث: نشأة العولمة وتسويقها

    إن البذرة الأساسية للعولمة حديثا ترجع إلىإنبثاق نهج جديد يكمن من حيث الشكل في
    عشرة وصايا تمثل نموذجا لسياسة اقتصادية اقترحها الاقتصادي الأمريكي جون ويليامسون سنة 1989 بالتعاون مع معهد الاقتصاد العالمي وتبنتها الإدارة الأمريكية ومجلس الشيوخ ومسؤولي صندوق النقد و البنك العالميين في واشنطن وذلك لتطبيقها كمرحلة أولى لسياسة الإصلاح الاقتصادي ويرجع هدا التوافق عندما كانت الصحافة الأمريكية تتحدث عن عدم رغبة دول أمريكا اللاتينية القيام بإصلاحات تتيح لها فرص الخروج من أزمة المديونية وللتأكد من ذلك عقد معهد الإقتصاد الدولي في أمريكا مؤتمرا تقدم فيه عشرة دول من أميركا اللاتينية بحوثا تتناول ما حدث وتقوم جميع البحوث بتناول اسئلة مشتركة، ولذلك كتب جون ويليامسون بحثا أورد فيه عشرة إصلاحات زعم أن كل شخص في الولايات المتحدة الأميريكية كان يعتقد أنها هي التي يتطلب تنفيذها في أمريكا اللاتينية، وأطلق على جدول الإصلاح هذا توافق واشنطن وبنوده كالتالي:
    1-الترشيد المالي.
    2-وضع أولويات في جدول المصروفات العامة.
    3- الإصلاح الضريبي.
    4- تحرير السياسة المالية.
    5- أسعار صرف تحقق نمو مضطرد في تجارة الصادرات غير التقليدية .
    6- تحرير التجارة وتخفيض الرسوم إلى حدود 10% .
    7- تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة .
    8- تخصيص المشروعات العامة.
    9- إعادة إصدار القوانين مع ضمان المنافسة.
    10- ضمان حقوق الملكية.
    وقد اتضح أن هذه الاتفاقية بأنها تتميز بمجموعة من المميزات أهمها .
    أن سياسة العولمة من خلال هذه الاتفاقية نهدف إلى استقرار وتوحيد الرأسمالية.


    المبحث الرابع : عوامل ظهور العــولمة :

    زيادة على ما ذكرناه يمكن القول بأن هناك عدة عوامل ساعدت على انتشار ظاهرة العولمة وتأصيلها كظاهرة كونية أهمها:
    1. التطور الهائل في المجال التكنولوجي و المعلوماتي من خلال تطور الاتصالات و ظهور الانترنيت
    2. زيادة الميل الدولي إلى التكتلات الإقليمية،الأسيان،الإتحاد الأوربي،النافتا….
    3. ظهور ما يسمى بالكيانات الكبرىEconomic Bloksمثل ظهور المنظمة العالمية التجاريةLomc)
    4. التحالفات الإستراتيجية لشركات عملاقة عالمية خاصة في المجالات المصرفية والصناعية و النفط
    5. ظهور معايير الجودة العالمية.
    6. تزايد حركة التجارة و الإسثثمارات الأجنبية.
    7. ظهور ما يسمى بالمشاكل الكونية مثل التلوث البيئي،غسيل الأموال و البطالة و الهجرة غير الشرعية
    8. المخدرات و التي تتطلب تعاون دولي ومزيد من التنسيق و إيجاد مفاهيم جديدة يتعلق بالتنمية المستدامة .
    9. تركز الثروة في أيدي عدد قليل من الدول
    10. تزايد هيمنة الاحتكارات الكبرى و الشركات العابرة للقاراتتوفر بيئة ملائمة تساعد الولايات المتحدة الأمريكية لتلعب دور الدركي العالمي دون أي مواجهة بالإضافة إلى عوامل أخرى يمكن تسميتها بالعوامل الشرطية
    كلها عوامل أدتا إلىانتشار ظاهرة العولمة كظاهرة كونية فيها:التراجع الذي حدث في دور الدولة خاصة في المجالات الإنتاجية في العقود الأخيرة الماضية.
    11. محاولات الولايات المتحدة لتفكيك ما يسمى بالدول الكبرى مثل الإتحاد السوفياتي.
    وفي الأخير يمكننا القول:بعد الانهيار السوفياتي وتربع الولايات المتحدة الأمريكية على عرش العالم حرص الليبرالية الجديدة تحت مسمى العولمة لتغزو كل الدول داعية إلى حرية انتقال رأس المال وإلغاء الحدود و الحواجز الجمركية لتعزز حرية المبادلات التجارية مما أدى إلى تباعد النشاط المالي عن النشاط الاقتصادي حيث نجد أن من أصل 1500مليار دولار تدخل العمليات اليومية على المستوى العالمي نجد1% فقط يوظف لاكتشاف ثروات جديدة أما الباقي فيدور في إطار المضاربات. ويمكن تسـمية هـذا النظام الاقـتصادي الـمعاصر باعـتباره اقـتصاديا دولـيا أكثر تكاملا و اندماجا بالعولمة وهذا النظام يتميز بعدد من الخصائص :
    1. تزايد أهمية الشركات العابرة للقارات .
    2. أهمية مؤسسات العولمة الثلاث (ثالوث العولمة).
    3. عولمة النشاط المالي واندماج أسواق المال.
    4. تغير مراكز القوى الاقتصادية على المستوى العالمي.
    5. تراجع دور و أهمية مصادر الطاقة الــتقـليـديـة و الـمـوارد الأولـية فـي السـوق العـالـمـيـة.

    المبحث الخامس-أهداف العولمة:

    منذ ظهور العولمة وهي تثير الكثير من التساؤلات، وتفرز الكثير من الأراء ووجهات النظر حول ماهيتها وحقيقتها وأهدافها وأفرزت وجهات نظر متباينة وأراء متضاربة. ولذلك سوف نعتمد في هذا الغرض على أهداف العولمة من وجهات النظر المختلفة حسب المؤيدين و المعارضين معا.

    أ- أهداف العولمة من وجهة نظر مؤيديها:

    وأهم هذه الأهداف هي:
    توحيد الاتجاهات العالمية وتقريبها بهدف الوصول الى تحرير التجارة
     العالمية(السلع ورؤوس الأموال)
    محاولة إيجاد فرض للنمو الاقتصادي العالمي.
    زيادة الإنتاج العالمي و توسيع فرص التجارة العالمية.
    تسريع دوران رأس المال على المستوى العالمي من خلال ما يسمى Back Office))
    التعاون في حل المسائل ذات الطابع العالمي (الأسلحة المدمرة،مشاكل
     البيئة،المخدرات،الإرهاب….).
    فتح الباب على مسرعيه في مجال التنافس الحر.
     تدفق المزيد من الإسثثمارات الأجنبية.

    ب- .أهداف العولمة من وجهة نظر المعارضين:

    إن الأهداف السلبية التي يراها المعارضون للنظام العالمي و العولمة كثيرة ومتنوعة وهي كما يلي:
    فرض السيطرة الاقتصادية و السياسية و العسكرية على شعوب العالم.
    هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على اقتصاديات العالم من خلال سيطرة الشركات الأمريكية الكبرى على اقتصاديات الدول
    تدمير الهويات و الثقافة القومية وتغليب الثقافة الغربية.
    صناعة القرار السياسي و التحكم في خدمة لمصالح أمريكا.
    إلغاء النسيج الحضاري و الاجتماعي للأمم الأخرى.
    تفتيت الدول و الكيانات القومية.
    إن للعولمة أهدافا أبعد من الربح،والتجارة الحرة و الحدود المفتوحة ،و الأسواق
    الحرة، ولكنني أعتقد بأن الخطر في العولمة يكمن فيما يسمى بثقافة العولمة،على
    اعتقاد أن هذه الظاهرة تروج لأربع ثوراث يتوقع أن يكون لها تأثير كبير على حياة
    المجتمع الدولي بكامله وهي :
    1-الثورة الديمقراطية.
    2-الثورة التكنولوجية الثالثة أو ما بعد الثالثة.
    3-ثورة التكتلات الاقتصادية العملاقة.
    4-ثورة الإصلاح واقتصاد السوق.
    وفي هذه الثورات وما ينتج عنها من آثار وانعكاسات سيتم تشكيل النظام العالمي الجديد
    المتسم بالعولمة،حيث يعتمد الاقتصاد في إطار هذا النظام على إسثثمار الوقت بأقل تكلفة عن طريق استخدام المعرفة الجديدة وتحويلها إلى سلع أو خدمات جديدة وتغيير مفهوم البحث من نقل الاقتصاد من وضع سيئ إلى وضع أفضل وأصبح المهم هو الوقت الذي يستغرقه هذا التغيير.

    الفصل الثاني : مظاهر العولمة

    المبحث الأول : العولمة السياسية
    تعد السياسة من أبرز اختصاصات الدولة القومية التي تحرص على عدم التفريط بها
    ضمن نطاقها الجغرافي ومجالها الوطني. وهذا الحرص ضِمن المجال المحلي، وبعيد عن التدخلات الخارجية ترتبط أشد الارتباط؛ بمفهوم السيادة وممارسة الدولة لصلاحياتها وسلطاتها على شعبها وأرضها وثرواتها الطبيعية.‏ والدولة القومية هي نَقيض العولمة، كما أن السياسة ونتيجة لطبيعتها ستكون من أكثر الأبعاد الحياتية مقاومة للعولمة التي تتضمن انكماش العالم وإلغاء الحدود الجغرافية وربط الاقتصادات والثقافات والمجتمعات والأفراد بروابط تتخطى الدول وتتجاوز سيطرتها التقليدية على مجالها الوطني والمحلِّي . إن الدولة التي كانت دائماً الوحدة الارتكازية لكل النشاطات والقرارات والتشريعات أصبحت الآن وكما يوضح "ريتشارد فويك"، مجرد وحدة ضمن شبكة من العلاقات والوحدات الكثيرة في عالم يزداد انكماشاً وترابطاً
    . فالقرارات التي تتخذ في عاصمة من العواصم العالمية سرعان ما تنتشر انتشاراً سريعاً إلى كل العواصم، والتشريعات التي تخص دولة من الدول تستحوذ مباشرة على اهتمام العالم بأسره، والسياسات التي تستهدف قطاعات اجتماعية في مجتمع من المجتمعات تؤثر تأثيراً حاسماً في السياسات الداخلية والخارجية لكل المجتمعات القريبة والبعيدة.‏
    ترتبط "العولمة السياسية ببروز مجموعة من القوى العالمية والإقليمية و المحلية الجديدة خلال عقد التسعينات، والتي أخذت تنافس الدول في المجال السياسي، ومن أبرز هذه القوى التكتلات التجارية الإقليمية كالسوق الأوروبية المشتركة لتشكل وحدة نقدية تعمل من خلال المصرف المركزي الأوروبي الذي أنشئ عام 1999 ليشرف على عملة اليورو.‏
    إن النموذج الاندماجي الأوروبي يقوم أساساً على تخلي الدول الأوروبية الطوعي عن بعض من مظاهر السيادة لصالح كيان إقليمي يتجه نحو الوحدة الاقتصادية، وربما لاحقاً الوحدة السياسية من خلال بروز الولايات المتحدة الأوروبية التي تتمتع بسياسة خارجية ودفاعية واحدة لتصبح قوة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن الحالي .‏مع السياق الاقتصادي هناك المؤسسات المالية والتجارية والاقتصادية العالمية،وفي مقدمتها منظمة التجارة العالمية، والتي تأسست عام 1996، لتشرف إشرافاً كاملاً على النشاط التجاري العالمي. كما يشرف صندوق النقد الدولي على النظام المالي العالمي.‏
    لقد أصبحت هذه المؤسسات التجارية والمالية من الضخامة والقوة، حيث أنها أصبحت قادرة على فرز قراراتها وتوجيهاتها على كل دول العالم. كذلك هناك الشركات العابرة للحدود التي شكلت نتيجة للتحالفات عابرة القارات بين الشركات الصناعية والمالية والخدماتية العلاقة في كل من أوروبا وأمريكا واليابان.
    .‏ إن ما تقوم به هذه الشركات هو إعادة رسم الخارطة الاقتصادية العالمية وزيادة سيطرتها وتحكمها في الأسواق العالمية وتوجيه سياساتها خلال القرن القادم.‏ وفي الجانب الاجتماعي فقد برزت في الآونة الأخيرة المنظمات الأهلية غير الحكومية على الساحة السياسية العالمية كقوة فاعلة ومؤثرة في المؤتمرات العالمية كمؤتمر "قمة الأرض"، في ريودي جانيرو، و"مؤتمر السكان"، في القاهرة،ومؤتمر "المرأة" في بكين، و"مؤتمر حقوق الإنسان" في فينا، وتأتي في مقدمة هذه المنظمات غير الحكومية منظمات البيئة "كمنظمة السلام الخضر"، و"منظمات حقوق الإنسان" كمنظمة "العفو الدولية"، والمنظمات النسائية كمنظمة "أخوات حول العالم". جميع هذه المنظمات أخذت تعمل باستقلال تام عن الدول التي لم تعد قادرة على التحكم في نشاط وعمل هذه المنظمات.ومع أن هذا التطور الذي يصب في سياق بروز الحكم العالمي، والذي يتضمن بروز شبكة من المؤسسات العالمية المترابطة التي تضم الدول والمنظمات غير الحكومية والشركات العابرة للقارات، والهيئات الدولية، كالأمم المتحدة يستثمرها البعض ليعدها خطوة في الطريق المستقبلي نحو قيام الحكومة العالمية الواحدة والتي هي الهدف النهائي للعولمة السياسية. في حين، أن ما يجري يمثل موقف تلك الدول بكل سيادتها واستقلالها باتجاه التعاون في تناول قضايا مهمة تخص المجتمع الدولي وتعمل سوية من أجل حلها. لقد أفرز الوضع الدولي الجديد عدة مفاهيم وتطورات من منظور عملية العولمة السياسية نذكر أبرزها.
    1 ـ توسع دور الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد العالمي، مما حدا بالبعض إلى اعتبار العولمة مرادفاً للأمركة بمعنى سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة صياغة النظام العالمي طبقاً لمصالحها وتوجهاتها وأنماط القيم السائدة فيها.‏
    2 ـ إن القوة الاقتصادية والمالية التي تمثلها الشركات متعددة الجنسيات خاصة مع اتجاه بعضها نحو الاندماج والتكتل في كيانات أكبر، إنما تسمح لها بممارسة المزيد من الضغط على الحكومات وبخاصة في العالم الثالث، والتأثير على سياساتها وقراراتها السيادية، وليس بجديد القول إن رأسمال شركة واحدة من الشركات العالمية العملاقة يفوق إجمالي الدخل القومي لعشر أو خمس عشرة دولة
    إفريقية مجتمعة، وهو ما يجعل هذه الكيانات في وضع أقوى من الدول.‏ وعلى الرغم من القيود التي تفرضها العولمة على الدول القومية والتي تحد من قدرتها على ممارسة سيادتها بالمعنى التقليدي، وعلى الرغم من أن الدولة لم تعد هي الفاعل الوحيد أو الأقوى في النظام العالمي، إلا أنه لا يوجد ما يدل على أن هذه التحولات ستؤدي إلى إلغاء دور الدولة أو خلق بديل لها، حيث سيبقى للدولة دور مهم في بعض المجالات وبخاصة في بلدان العالم الثالث.‏
    3 ـ إن الدول الصناعية الغربية وبعض دول العالم الثالث المصنعة حديثاً اتجهت نحو إقامة وتدعيم التكتلات الاقتصادية الإقليمية كجزء من استراتيجيتها لتتكيف مع عصر العولمة. كما هو الحال في التطورات التي لحقت بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية، وكذلك ببادرة الولايات المتحدة الأمريكية بتأسيس "النافاتا" التي تضم إلى جانبها كل من كندا والمكسيك. كما حرصت دول جنوب شرق آسيا على تدعيم علاقاتها من خلال رابطة "الاسيان". وإذا كان تعزيز التكتل الاقتصادي الإقليمي يمثل آلية مهمة لتمكين الدول الأعضاء في تلك التكتلات من تعظيم فرص وإمكانيات استفادتها من إيجابيات عملية العولمة، وتقليص ما يمكن أن تتركه عليها من سلبيات، فإن الكثير من مناطق العالم الثالث تعاني من ضعف وهشاشة أطر وهياكل التكتل والتكامل الإقليمي بين دولها.‏
    4 ـ على الرغم من زيادة اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم على صعيد الخطاب السياسي الرسمي وبعض الممارسات العملية إلا أن السياسة الأمريكية تتعامل مع هذه القضية بنوع من البركماتية والانتهازية السياسية التي تتجلى أبرز صورها مع المعايير المزدوجة التي تطبقها بهذا الخصوص، وعدم ترددها في التضحية بقيم الديمقراطية ومبادئ حقوق
    الإنسان في حالة تعارضها مع مصالحها الاقتصادية والتجارية. وهكذا يتبين لنا أن أمريكا لا تتبنى قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان كرسالة أخلاقية عالمية بل تتخذها كأداة لخدمة مصالحها وسياستها الخارجية.‏
    5 ـ إن القوة العظمى الوحيدة في عالم مابعد الحرب الباردة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية تعمد إلى استخدام قواتها ونفوذها لتوظيف الأمم المتحدة ومؤسسات التمويل الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين من أجل تحقيق مصالحها ومصالح حلفائها الغربيين بصفة عامة.‏
    6 ـ إن فرص وإمكانيات تحقيق المزيد من الاستقرار في النظام العالمي في عصر العولمة تبدو بصفة عامة محدودة، فالتأثيرات القائمة والمحتملة للعولمة على بلدان العالم الثالث وبخاصة فيما يتعلق بتهميش بعض الدول، وتوسيع الهوة بين الشمال والجنوب واستمرار تفاقم بعض المشكلات التي يعاني منها العالم الثالث. نظراً لذلك فإن بعض مناطق الجنوب ستبقى رهينة للحروب الداخلية والإقليمية التي يمثل بعضها عناصر لعدم الاستقرار في النظام العالمي.‏

    المبحث الثاني : العولمة الإقتصادية

    مما لاشك فيه أن أهم مجالات العولمة وأكثرها وضوحا وأبرزها أثرا وهدفا هو المجال الاقتصادي على الرغم من لها مظاهر مختلفة سبقت الإشارة إليها إلا أن وجهات النظر السابقة تتلقى في هذا المجال الاقتصادي، تعني وصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نقطة الانتقال من دائرة التبادل إلى عالمية دائرة الإنتاج و إعادة الإنتاج ، وبعبارة أخرى فإن ظاهرة العولمة حسب هذا المفهوم هي بداية ظاهرة الإنتاج الرأسمالي و مقوماته ونشرها في كل مكان ملائم خارج ما يسمى إطار مجتمعات المركز الأصلي ، ومن تم يعتبر البعض أن العولمة هي حقبة التحول الرأسمالي العميق في ظل هيمنة دول المركز بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وتحت سيطرتها في ظل نظام عالمي غير متكافئ في مجال التبادل الدولي ، ومن هنا نلاحظ أن العولمة تفسح المجال واسعا أمام أصحاب رؤوس الأموال لجمع المزيد من الأموال على حساب سياسة قديمة في الاقتصاد كانت تعتمد على الإنتاج الذي يؤدي إلى تحقيق ربح بينما الحال اليوم هو الاعتماد على توظيف المال، وأهم الملامح المميزة للعولمة من الناحية الإقتصادية:
    الاتجاه العالمي لمزيد من التكثل والتكامل.
    تنامي دور المؤسسات المالية الدولية
    تدويل المشاكل الإقتصادية مثل مشكل التنمية المستدامة، فقر.
    تنسيق السياسات على المستوى الكلي
     تعظيم دور الثورة التقنية واثرها على الإقتصاد العالمي وظهور ما يسمى باقتصاد المعرفة. وأخيرا فإن العولمة الإقتصادية تعتمد على مفهوم السوق أي سوق بلا حدود من خلال إلغاء القيود على حركة رؤوس الأموال والبضائع. وفي سياق هذا النظام العالمي الجديد الذي ظهر بظهور العولمة حمل معه منطقا خاصا من الناحية الإقتصادية وتحكمه قواعد خاصة غير تلك القواعد التقليدية القديمة، مما نتج عنه عدة تداعيات وتجليات مختلفة لابد من مواجهتها كانفتاح الأسواق والتكثلات الإقتصادية وخيارات الشراكة الأورمتوسطية، والانظمام إلى المنظمة العالمية للتجارة وكذلك التطورات المرتبطة بتكنولوجيا الإعلام والإتصال وكلها نقلت الإقتصاد العالمي إلى هذه المرحلة الراهنة الجديدة وهي تتسم باختلاف القوانين والمبادئ وفي نوعية الإنتاج وكيفيته، كل ذلك أدى إلى ظهور اقتصاد جديد في عصر العولمة يسمى باقتصاد المعرفة وهو اقتصاد ذو طابع خاص مرتبط بكل هذه التحولات والتبعيات، وقد أضاف عنصر جديد إلى العناصر التقليدية للإنتاج المتمثلة في العمل ورأس المال والموارد الطبيعية وهذا العنصر الجديد هو المعلومات حيث ظهر كأهم عناصر التكنولوجيا الحديثة وأصبح تاثيرها يتعدى الإنتاجية ليصل إلى العلاقة بين اقتصاديات المتطورة وبين القطاع العام والخاص، ومن ثم فقد أصبحت ثورة المعلومات وتقنياتها عنوانا للإقتصاد الجديد أو الإقتصاد الرقمي والذي يتسم بأنه:
    1. اقتصاد لا حدودي في ظل تعاظم دور المعلومات واصبحت هي مفتاح عولمة الإقتصاد ودليل شموليته.
    2. اقتصاد قائم على المعرفة ومن هنا ظهرت بوادر ما يسمى بمجتمع المعرفة الذي تشكل فيه المعلومات مصدرا اقتصاديا في ذاتها وليس مجرد وسيلة.

    الـمـبحـث الـثالث : العــولـمة الـثـقـافـيـة .

    تجاوز مخطط التفتَيت للمجتمع العربي الأبعاد السياسية والجغرافية إلى الأبعاد الاجتماعية والثقافية والفكرية والروحية. وتأتي العولمة لتحقيق هذه الأهداف، فهي عولمة حضارية وهذه الحضارة بدورها تعبير ثقافة أمة معينة أو ثقافة مجموعة من الأمم على الرغم مما تطلقه على نفسها من وصف "الإنسانية" و"العالمية
    .‏ فالواقع يؤكد بأنه ليس هناك ثقافة عالمية واحدة وإنما توجد ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية أو بتدخل إرادي من أهلها على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة.‏ ولما كان المجتمع العربي مختلف بطبيعة موقفه وتكوينه الثقافي والحضاري،بمشكلاته وقضاياه فإن النظام الأمريكي يعمل على تدمير البنى الثقافية للبلدان النامية من خلال تدمير بناها المجتمعية وعزل الثقافة عن الواقع وتهميش المثقف والحد من فاعليته في حياة مجتمعه، لذا جاءت العولمة في هذا الاتجاه لتؤكد
    العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات على بلدان العالم أجمع هي "دعوة إلى تبني نموذج معين".‏ لذا فإن العولمة في هذا الاتجاه أصبحت تحمل في طياتها نوعاً أو آخر من الغزو الثقافي، أي من قهر الثقافة الأخرى لثقافة أضعف منها. لأن العولمة الثقافية لا تعني مجرد صراع الحضارات أو ترابط الثقافات، بل إنها توصي أيضاً باحتمال نشر الثقافة الاستهلاكية والشبابية عالمياً . والخطورة في هذه الثقافة تكمن في محاولتها لدمج العالم ثقافياً متجاوزة بذلك كل الحضارات والمجتمعات والبيئات والجنسيات والطبقات.‏ ومع أننا نؤمن "بالعالمية"، كونها تشكل إغناء للهوية الثقافية، إلا أننا لنا موقف تجاه "العولمة" عندما تكون اختراقاً لها، وتمييعاً، فالاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة هو إلغاء الصراع الأيديولوجي والحلول محله، الصراع الأيديولوجي صراع حول تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتسريع للمستقبل. أما الاختراق الثقافي فيستهدف الأداة التي يتم ذلك التأويل والتفسير والتسريع يستهدف العقل والنفس. لذا في زمن الصراع الأيديولوجي كانت وسيلة تشكيل ألا وهي الإيديولوجيا، أما في زمن الاختراق الثقافي فوسيلة السيطرة على الإدراك
    في الصورة السمعية والبصرية التي تسعى إلى تسطيح الوعي. .‏
    ولكي تحقق إيديولوجية الاختراق تقوم على نشر وتكريس جملة أوهام هي نفسها مكونات الثقافة الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وقد حصرها باحث أمريكي في الأوهام الخمسة: وهم الفردية، وهم الخيار الشخصي، وهم الحياد، وهم الطبيعة البشرية التي لا تتغير، وهم غياب الصراع الاجتماعي
    .‏وإذا ما أخذنا الإعلام كمكون ثقافي نجده يشكل بوسائله هيمنة أحادية لبلد واحد من بلدان العالم هو الولايات المتحدة على عالم الثقافة والإعلام، ويتضح لنا ذلك في أشكال الهيمنة الآتية ذكرها.
    1 ـ معظم مواد وتجهيزات الصناعة التقليدية والإعلام بيد الدول المصنعة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية الورق، الحبر، آلات الطباعة، آلات التصوير.‏
    2 ـ جميع مواد وتجهيزات الاتصال الحديثة بيد المجموعة نفسها ويتحكم فيها كلياً مركز واحد للهيمنة.‏
    3 ـ جميع تجهيزات المعلوماتية والحاسوبية وغزو الفضاء، وكذلك المواد الثقافية والمرجعية والمكتبات وبنوك المعلومات بيد مركز الهيمنة.‏
    4 ـ معظم مصادر البث الإعلامي والأقمار الصناعية، ومواد تصنيعها بيد الجهة نفسها، وكذلك طرق تجارتها، والأشكال القانونية التي تنظمها.‏ إن موجة العقوبات الاقتصادية و الحصار العراق، ليبيا) التي تنفذها الولاياتالمتحدة سواء تحت مظلة الأمم المتحدة أو خارجها والتي تُفرض تحت عناوين متنوعة وذرائع متباينة يمكن أن تشمل كل هذه البنود حرماناً أو ابتزازاً أو تحكماً في المحتوى والشكل... ,هذا يعني أنه في مقدور مراكز البث والتصنيع أن تبث الأخبار والمعلومات بالطريق التي تناسبها بما في ذلك أخبار البلدان المتلقية)، وأن تشكل صورة العالم بما يوافق أهوائها ومصالحها وأن تتحكم في الأفكار والأذواق والأزياء الثقافية والفنون الترفيهية بما لا يتعارض مع أهدافها.‏ ومع أننا بحاجة إلى التحديث أي الانخراط في عصر العولمة والتقنية كفاعلين مساهمين لكننا في حاجة كذلك إلى مقاومة الاختراق. وحماية هويتنا القومية خصوصيتنا الثقافية من الانحلال والتلاشي، فالثقافة هي معركة وهي جزء من المعركة الأكبر والأشمل، وهي معركة المصير الحضاري التي تطبع المرحلة التاريخية الراهنة. فالتأكيد على مفهوم الهوية الثقافية القومية لا يعني إلغاء أو إقصاء الهويات الوطنية والقطرية، ولا الهويات الجمعوية الأثنية والطائفية، فالتعدد الثقافي في الوطن العربي واقعة أساسية لا يجوز القفز عليها بل لا بد من توظيفها بوعي في إغناء وإخصاب الثقافة العربية وتوسيع مجالها الحيوي.‏ وفي ميراث الأمة العربية مرحلة إيجابية قديمة ازدهرت فيها التعددية ضمن إطار الشخصية الحضارية الواحدة، فقامت مدارس واجتهادات ونظريات وطوائف إلا أن التعددية الثقافية الإيجابية في الماضي المزدهر تحولت إلى شتات ثم إلى عوامل تعميق التجزئة وتفتيت وضياع في مراحل الهيمنة الأجنبية والاستعمار وهي اليوم تستغل لضرب الوحدة الوطنية داخل إطار التجزئة القطرية ذاتها.‏ فالثقافة العربية اليوم لا تصارع الثقافات القومية فقط لكنها من خلال عصر المعلومات والثورة الاتصالية والتفجير التكنولوجي تصارع قوة الثقافة .‏ إن الثقافة العربية اليوم هي دليل الأمة نحو إنسانيتها ودليل حضاري نحو التمسك بالحوار على الرغم من عوامل الصراع التي تهدد الأمة بمصيرها الحضاري.‏


    المبحث الرابع : العولمة الإعلامية
    أما عولمة الإعلام فهي سمة رئيسية من سمات العصر المتسم بالعولمة وهي امتداد أو توسع في مناطق جغرافية مع تقديم مضمون متشابه وذلك كمقدمة لنوع من التوسع الثقافي نتيجة ذلك التطور لوسائل الإعلام والاتصال، التي جعلت بالامكان فصل المكان عن الهوية، والقفز فوق الحدود الثقافية والسياسية، والتقليل من مشاعر الإنتماء إلى مكان محدود، ومن الأوائل الذين تطرقوا إلى هذا الموضوع عالم الإجتماع الكندي مارشال ماكلوهان، حيث صاغ في نهاية الستينات ما يسمى بالقرية العالمية، وتشير عولمة الإعلام إلى تركيز وسائل الإعلام في عدد من التكثلات الرأسمالية العابرة للقارات لإستخدامها في نشر وتوسيع نطاق النمط الرأسمالي في كل العالم من خلال ما يقدم من مضمون عبر وسائل الإعلام. ومن ثم فإن عولمة الإعلام توصف بأنها عملية تهدف إلى التعظيم المتسارع والمذهل في قدرات وسائل الإعلام والمعلومات على تجاوز الحدود السياسية والثقافية بين المجتمعات بفضل ما تقدمه تكنولوجيا الحديثة والتكامل والاندماج بين هذه الوسائل بهدف دعم وتوحيد ودمج أسواق العالم وتحقيق مكاسب لشركات الإعلام والإتصال والمعلومات العملاقة وهذا على حساب دور الدولة في المجالات المختلفة، وعند تأمل عناصر واشكال الإتصال في العالم الذي تملك فيه الولايات المتحدة الأميريكة عناصر السيطرة نجد ما يلي:
    1 . المواد والتجهيزات التقليدية الخاصة بالاتصال وصناعة الإعلام أمريكية.
    2 . تدفق المعلومات عبر الفضائية تحت السيطرة الأميريكية.
    3 . مصادر المعلومات أميريكية الصنع.
    4 . الطريق السريع للمعلومات تحتل فيه الولايات المتحدة المرتبة الأولى.كل هذه العوامل تجعل منها تمارس عولمة الإتصال من خلال أبرز آلياتها متمثلة فيالقنوات الفضائية والأنترنات، وهذا التفوق على أوربا واليابان سواءا في الانتاج أو الترويج للمنتوجات الإعلامية مكنها من أن تصبح النموذج الذي تسعى الدول المتخلفة إلى تقليده. ومن خلال عولمة الإعلام ومظاهرها يمكن القول أن من يملك الثالوث التكنولوجي
    ( وسائل الإعلام السمعية البصرية، شبكات المعلومات، الطريق السريع للمعلومات ) يفرض سيطرته على صناعة الإتصال والمعلومات المصدر الجديد في عصر العولمة لإنتاج وصناعة القيم والرموز والذوق في المجتمعات، وهنا تظهر الصورة كأحد أهم آليات العولمة في المجال الإعلامي بعد التراجع الكبير للثقافة المكتوبة وظهور ما أصطلح على تسميته بثقافة ما بعد المكتوب.
    ويمكن القول أن وسائل الإعلام وشبكات الإتصال تؤدي مجموعة من المهام في مسار العولمة يمكن ذكرها:
    تمثل آلية اساسية للعولمة الإقتصادية باعتبارها تيسر التبادل الفوري واللحظي والتوزيع على المستوى الكوني للمعلومات ولا يمكن تصور الإقتصاد العالمي اليوم دون اتصال.
    تروج وسائل الإعلام الإيديولوجية الليبرالية الكونية انطلاقا من الدول الكبرى و المؤسسات الاقتصادية العملاقة
     .تساهم في خلق اشكال جديدة للتضامن والتعاون بين الأفراد عبر الشبكات.
    وقد مكن الإعلام والتطور التكنولوجي من ظهور الإعلام والمعلومات كسلطة ووسيلة تحول المجتمعات وتغيرها.


    المبحث الخامس : العولمة و حقوق الإنسان
    تتشابك العلاقة بين حقوق الإنسان والعولمة بشكل كبير، حيث تؤثر العولمة
    بتجلّياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تأثيراً عميقاً على
    حقوق الإنسان في كل هذه المجالات.
    كما أنّ العولمة في إطارها النظري الذي يدعو إلى تزايد التبادل وتحقيق
    الاعتماد المتبادل على مستوى الكوكب، وإدارة المصالح المشتركة للبشرية ولصالح
    البشرية، تبدو وكأنّها أصبحت ضرورة لا غني عنها للتعامل مع كثير من قضايا
    حقوق الإنسان، بعد أن اتسعت هذه الحقوق وتشابكت على مستوى الكوكب. فقد أصبحت
    حقوق الإنسان جزءاً من القانون الدولى. ولم تعد الانتهاكات الجسيمة التي تحدث
    لحقوق الإنسان في أي مكان من العالم، من الشئون الداخلية للدولة بل إصبحت
    تدخل في اهتمام المجتمع الدولي ككل، وتتطلب تدخله، وإن كانت معايير هذا
    التدخل ما زالت تثير الكثير من الجدل.
    وقد اتسعت دائرة حقوق الإنسان لتشمل قضايا لا يمكن معالجتها في نطاق إقليمي
    محدود، وإنما يكون ذلك على مستوى الكوكب، مثل الحق في السلام الذي أصبح يحتاج
    إلى ترتيبات أوسع نطاقاً من الدول المتنازعة.
    كذلك الحق في التنمية الذي تجلت فيه مسئولية الدول القادرة حيال الدول التي
    تنعدم فيها إمكانات التنمية لنقص الموارد. وكذلك هناك الحق في بيئة نظيفة،
    فما يحدث من حرائق في غابات الأمازون يؤثر على العالم أجمع.
    ومع التطور المذهل في العلم واختصار عوامل المسافة والزمن وتملك الإنسان
    لمقدرات مجاله الحيوي، قد بلغنا درجة لا يمكن معها التهرب من ضرورة إدارة كل
    من الفضاء البحار والتجارة وأنشطة الإنتاج والاستهلاك لصالح الإنسان وبمفاهيم
    تُعَلّي من قيمة الإنسان، قبل أن ندمر أنفسنا وندمر الكوكب الذي يجمعنا بعد
    أن انطلقت طاقات المعرفة والعلم والتكنولوجيا، وظهرت الحاجة الملحة لترشيد المعرفة والعلم والتكنولوجيا لتكون في خدمة الإنسانية كلها وفي خدمة كل الأجيال، حتى لا تنتصر التكنولوجيا على حساب هزيمة الإنسان والإنسانية نفسها، أو لحساب جيل على حساب الأجيال الأخرى.
    ومن أجل ذلك كله تبدو الحاجة إلى النظرة الكوكبية حتى ونحن نتصرف محلياً، وإن كان البعض يعكس هذه المعادلة بأن يكون التفكير محلياً والتصرف كوكبياً، المهم في كلا الحالتين أن يكون البعد الكوكبي ماثل دائماً أمامنا فقد تشابكت المصالح إلى حد بعيد.
    ولكن هذا الإطار النظري للعولمة شئ والعولمة التي ظهرت وعرِفناها حتى الآن
    على أرض الواقع شئ آخر. فقد هيمنت الأسواق على عملية العولمة مما أدى إلى أن
    تحتكر شعوب وأقطار بعينها فوائد العولمة ونتائجها الإيجابية وتترك سلبياتها
    لشعوب وأقطار أخرى حُرِمت من هذه الفوائد.

    خــــاتــمــة

    وفي الخير و من اجل إنقاذ ما يمكن انقاذه من أنفسنا و أبنائنا و مستقبلنا يجب علينا :
    أولاً : إذا كنا نريد بالفعل أن تكون العولمة لصالح البشر حقيقة يجب أن تُتَّخذ حقوق الإنسان لتكون المؤشر الرئيسي لتوجيه مسار العولمة، ولا شك أن أخطر ما يواجه البشرية في مجال العولمة هو النظر لهذه العولمة هي أنها عولمة اقتصادية فقط دون بعدها الإنساني. فلا يُمْكن قبول فكرة هيمنة الأسواق على عملية العولمة ليكون الربح وحده هو أساسها في غياب الاعتبارات الإنسانية وحقوق الإنسان، كما أنه لا يُمْكن أيضاً قبول فكرة استخدام علاقات القوة السياسية لفتح الأسواق قسراً. فالأوربيون والأمريكيون - على سبيل المثال _ يدعمون الزراعة في بلادهم، ولكنهم لا يترددون في تفكيك زراعة الدول الأخرى من خلال ضغط السوق المفتوحة مما يزيد من تبعية هذه الدول ويُؤثر بالتالي على حقوق هذه الشعوب ومعاناتها.
    ثانياً : مع اعتقادنا بإنه من غير الممكن تجاهل آليات السوق أو القفز فوقها فأنه من الخطر تصور أن قوى السوق أو العلم والتكنولوجيا ستوفر لنا طريقة شبه أوتوماتيكية التوازنات التي لا نستطيع تحقيقها. إنّ السوق والعلم والتكنولوجيا كلها أدوات من صنع الإنسان وهي بكل تأكيد لها كفاءة لا يُمكن إنكارها ولكن علينا أن نظل مدركين أنها مجرد أدوات وأنها وسيلة وليست غاية في حد ذاتها كما يُنظر إليها الآن بعد أن فُرِضت على المجتمعات البشرية، وتسببت في تراكم أزمات لا مخرج معروف لها حتى الآن، منها التفرقة الاجتماعية والهوة التي تتجذر بين الأغنياء والفقراء (مجتمعات ودولاً) وكذلك الحروب البلهاء من أجل التحكم في مصادر الطاقة والمياه الشحيحة وصولاً إلى عصابات المافيا والربط بين تجارة المخدرات والعنف.
    وثالثاً : لقد أصبح العالم في حاجة إلى مشروع عالمي تلتقي عنده شعوب الأرض
    بجميع ما يوحد هذه الشعوب ويسمح لها في نفس الوقت بالتمايز الذي يحفظ الهوية. ويقوم هذا المشروع على أساس المساواة ليكون هدفه الأساسي تحقيق السلام والتقدم للبشرية كلها. ويكون هذا المشروع قادراً على توفير إدارة جيدة للشئون المشتركة لكوكبنا Good Global Governance . ولا أعتقد أن هناك مبادئ أساسية يمكن أن يرتكز عليها هذا المشروع أفضل من المبادئ التي ارتكز عليها قيام الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما كانت مخاطر الحرب ما زالت ماثلة أمام العالم. وأقصد ميثاق الأمم المتحدة ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ما أحوجنا اليوم للتمسك بالمبادئ الواردة في هذه المواثيق والإخلاص لها من جديد لكي ننقذ كوكبنا. أما جهاز الأمم المتحدة و بالنسبة إلينا خصوصا نحن العرب و المسلمين وجامعة الدول العربية و منظمة المؤتمر الإسلامي وآلياتها فيحتاج إلى إصلاح جذري ليواجه العالم المتغير الجديد، فلم يعد الشكل الهرمي الذي قامت عليه الأمم المتحدة وتركيز كل السلطات في مجلس الأمن يصلح لعالم شديد التمسك بالمشاركة. فقد أصبح من الضروري أن تُتَّخذ القرارات قريباً من القاعدة. فكم من قرارات اتخذتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وبقيت مجرد حبراً على ورق. وكم عجز مجلس الأمن صاحب السلطة العليا على اتخاذ مجرد قرار لمواجهة أكبر الكوارث. إننا أمام مفترق طرق، فأما أن تكون العولمة هي الإنقاذ الحقيقي للبشرية، بأن نأخذ بُعدها الإنسان وتكون بالفعل لصالح البشرية كلها أو تتجرد العولمة من هذا البعد الإنساني وتستمر هيمنة الأسواق وسياسة الربح وحدها المحرك الوحيد للعولمة، فتصبح العولمة بذلك مرحلة جديدة من مراحل الهيمنة، بعد الاستعمار والاستعمار الجديد والإمبريالية. إنّ ما حدث في سياتل يعطينا الأمل في أن التغير ممكن لصالح البعد الإنساني وأن العولمة ليست قدراً تتحكم فيه دولة واحدة أو عدد قليل من الدول.
     
  2. السهم

    السهم عضو جديد

    رد: عولمة العالم

    مشكور على هذا الموضوع ولكن لو أنك أرفقت هذا الموضوع بالمراجع لكانت الفائدة أكبر الرجاء إن وجدت أن تعرضها ولك الشكر