ضوابط التعامل مع السيرة

الموضوع في 'المنتدى الإسلامي' بواسطة صالح محسن, بتاريخ ‏7 مايو 2008.

  1. صالح محسن

    صالح محسن عضو جديد

    ضوابط التعامل مع السيرة


    جاسم سلطان 2/5/1429
    07/05/2008



    تُعدّ السيرة بالنسبة للمسلم إحدى الأدوات المهمة التي يرتكز عليها الوعي الإسلامي، وهي كأي أداة قد تضر أكثر مما تنفع ما لم نحسن التعاطي معها، لذلك من الضروري جداً أن نعي كيفية الانتفاع بها، بحيث تكون سبباً لنجاح الأمة، لا سببا في انتكاستها. وسنقسم ضوابط التعامل مع السيرة إلى قسمين:

    أولاً: ضوابط التعامل مع النص
    فالنصوص "الخام" للسيرة دُوّنت كنصوص أحاديث، نجدها في أبواب المغازي في كتب الحديث، ونجد متفرقات منها في أبواب أخرى. هذه النصوص تتطلب التثبت من صحتها، ونذكر في أدوات ضبط النص بعض ما ذكره الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه "كيف نتعامل مع السنة "التوثق من ثبوت السنة وصحتها وفق الموازين العلمية المتعلقة بالمتن والسند. "ولاشك أن مادة السيرة في كتب الحديث الموثقة يجب الاعتماد عليها وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة ".
    التأكد من سلامة النص من معارض أقوى من القرآن أو أحاديث أخرى أوفر عدداً وأصح ثبوتاً.
    - التمييز بين ما كان من هذه النصوص قد جاء بصفة التشريع وما ليس بتشريع، وما له صفة العموم وما له صفة الخصوص، وما يأخذ حكماً دائماً لكل زمان ومكان، وما يرتبط حكمه بزمن معين يرتبط بحادثة بعينها.
    وقد كان لكثير من أهل العلم محاولات لمحاكمة المتن؛ فقد "رفض ابن حزم الرقم الذي ذكرته المصادر الكثيرة عن عدد جند المسلمين في غزوة أحد بناء على محاكمة المتن وفق أقيسة عقلية بحتة.
    "وقدم موسى بن عقبة غزوة بني المصطلق إلى السنة الرابعة مخالفاً معظم كُتّاب السيرة الذين يجعلونها في السنة السادسة، وتابعه ابن القيم والذهبي بناء على نقد المتن.."
    "وقد ظهر جلياً أن الاعتماد على صحيح الروايات وحسنها يكفل توضيح الأبعاد التاريخية للسيرة دون حاجة إلى الضعيف من الروايات ".

    ثانياً: ضوابط التعامل العملي مع المضمون
    أما الضوابط التي تتعلق بالتعامل العملي مع المضمون فنذكر منها:
    - التعامل بمنهجية علمية مع السيرة، بالتأكد من درجة صحة النص المنقول عن السيرة، ثم التمييز بين متن النص وكلام المؤرخ. فعلى سبيل المثال قد نعثر على نص صحيح يروي حادثة ما، وبذلك نتثبت من وقوعها، أما دلالات الحادثة فقد يضيفها المؤرخ بحسب فهمه، وأحياناً يملأ الفراغات في القصة من عقله، حتى يتمكن من كتابة قصة مكتملة بدرجة من الدرجات. لذلك لا نستطيع بناء نظريات من السيرة إلاّ في ضوء النص الصريح الصحيح، وكلام المؤرخين يقبل الشك العلمي، وطرح التساؤلات المشروعة حوله.

    - التمييز بين قراءة السيرة كرواية تاريخية مترابطة الأحداث، وبين بناء فقه ديني في ضوء تلك الرواية، أو نظريات عمل ملزمة في ضوئها. فلا بأس من قراءة السيرة كرواية تاريخية على سبيل معرفة الأحداث في نسق قصة محكمة، أما إن كنا نريد الخروج بحكم فقهي يُبنى عليه تصور في الفعل في واقعنا الحالي، فلا يسعنا حينها إلاّ أن نضع النصوص الصحيحة فقط على طاولتنا، ونتجنب قول المؤرخ أو الشارح المجتهد، ولنقرأها في صورتها "الخام"، بعيداً عن الإضافات التي يلجأ إليها كُتّاب السير، فضلاً عن الأحكام والعبر التي يخرجون بها في ضوء قراءتهم للنصوص؛ إذ إنه بالتحقيق العلمي سنجد أن أغلب ما كُتب في السيرة كقصة مترابطة يتخلله الكثير من رأي الكاتب، كأنه كان يريد للسيرة أن تتم وفق نظرية في رأسه هو.

    - التعامل مع أحداث السيرة في ضوء الزمان والمكان وطبيعة القوى في ذلك العصر، وعدم السقوط في فخ الرغبة في الإسقاط المباشر للأحداث على واقعنا؛ لأن الزمان والمكان وطبيعة القوى وأطراف الصراع تغيرت بأشكالها ومضامينها وأدواتها. ولا أظن أن أي قائد عسكري يضع خطة للتمكين يدور في خلده أن يأتي من بعده ليمارس نفس الخطة، أو يعتبرها هي سر الانتصار. فهي في أفضل الحالات ستشكل تجربة من التجارب التاريخية التي تُؤخذ منها العبرة، ويُستفاد فيها من نسق التفكير القيادي، لا من منتج هذا التفكير وهو "الخطة". أي أننا ونحن نتعامل مع السيرة كأداة سنتعامل معها في ضوء عبقرية النبي كقائد، لا باعتبار خططه في عمومها إملاءات نتوهم أنها إن كُتبت على صفحة واقعنا لتم التمكين لنا. وقد حرص القرآن على أن يعلمنا التمييز بين نسق التفكير والخطة، فعندما عرض الله لنبيه والمسلمين تاريخ الأنبياء من قبلُ أظهر لنا مدى التنوع في الخطط، فموسى -عليه السلام- يذهب مباشرة إلى فرعون (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) [النازعات:17] مطالباً إياه بأن يُخرج معه بني إسرائيل متجهاً إلى بيت المقدس، بينما عيسى -عليه السلام- يظل بين قومه حتى يقرروا التخلص منه ثم يرفعه الله إليه، ونوح -عليه السلام- تستمر دعوته ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، بينما يقيم الرسول -عليه السلام- دولته في ثلاث وعشرين سنة، بل إن النهاية الربانية للمعركة تختلف من نبي لآخر، على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى كان يمكن أن يعزز في عقولنا قيمة الاتباع الحَرفي بإهلاك كل المعاندين بنفس الوسيلة، لكنه يعلمنا تنوّع الوسائل حتى مع الهلاك الرباني الذي لا يتدخل فيه البشر بفعلهم، ( فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا) [العنكبوت:40].

    - السيرة في المنظور العسكري يُنظر إليها كمجموع خطط وممارسات عسكرية تولّدت في واقع معين، وهي ليست ملزمة للمسلمين بأي حال من الأحوال، لا على مستوى المراحل ولا الإستراتيجيات ولا الوسائل، حتى لو فرضنا جدلاً أن الظروف تكررت وتطابقت تماماً بنفس المعطيات مع ما كان موجوداً أيام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأننا في الممارسات الاجتماعية والسياسية يسعنا أن نبدع حلولاً أخرى، واختيار الرسول لحل ما في وقته لا ينفي احتمال وجود حلول أخرى ربما كان يمكنه اللجوء إليها، والعقل الإنساني في العصر الحديث مع اختلاف الظروف والمعطيات قد يختصر المراحل، و يلجأ إلى إستراتيجيات مختلفة ووسائل أخرى، فعلى سبيل المثال ليست أية حركة جديدة مطالبة بالبدء بعمل سري، أو دعوة الأقربين، أو أن تهجر أرضها لتكون جيشاً خارجياً، وبذلك لا نرى بالاحتجاج بالسيرة في التدليل على فعل إستراتيجي؛ فالرسول -عليه الصلاة والسلام- مثلاً فاوض الكفار وفق شروط معينة في الحديبية، هذه الشروط ليست ملزمة لنا في تفاوضاتنا؛ لأنها كانت الأنسب للظروف والملابسات التي تمر بها عملية التفاوض، وربما لو تغيرت الظروف والملابسات لتغيّرت شروط وبنود التفاوض، ولسلك الرسول مسلكاً آخر. أي أننا لسنا مطالبين بالعودة إلى السيرة (في سياق وضع الخطط) للاستدلال على فعل ما نريد أن نقوم به؛ لأننا بذلك نظلم الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين نجعله مضطراً للتفكير نيابة عنا، واضعاً خططنا اليوم في ضوء تجربته المحدودة بزمان ومكان وظروف بعينها. ولا نلحظ لدى الصحابة هذه الروح في العودة إلى خطط الرسول العملية أو استدعائهم لها، ويبدو أنهم لم يكونوا يتخيلون أن يوماً ما ستُعتبر الخطة النبوية منهاج عمل، فالسيرة هنا تشكل إحدى التجارب الرائدة التي تجدر دراستها لتوسيع المدارك، وتنمية التصورات أولاً عن أنماط التفكير القادرة على مجابهة الواقع، ثم النظر ثانياً إلى أنماط الفعل الممكنة.

    - يجب النظر في أحداث السيرة العسكرية على مستوى الإستراتيجيات أنها لم تكن بدعاً من التجارب في ذلك الوقت؛ فطلب النصرة من قبائل أخرى كان أمراً شائعاً حتى لدى حركات التمرد التي حاولت الخروج على الإمبراطوريات الكبرى في ذلك الوقت، والخندق على سبيل المثال تقنية فارسية نقلها سلمان الفارسي للمسلمين، مما يجعل من الخطر الشديد اعتبار وسائل وإستراتيجيات الرسول في التمكين منهجاً واجب الاتباع. أما نمط تفكير الرسول -عليه الصلاة والسلام- فيدلنا على الاستفادة من تجارب العصر وتطوير الأدوات على ضوئها.
    - تظل السيرة ضابطة للممارسة السياسية والاجتماعية في الجانب الرسالي والقيمي في التعامل مع الآخرين وإدارة الصراعات؛ فالقيم ثابتة لا تتغير، وهي تشكل أحد الضوابط المهمة من رب العزة، التي تحكم شكل التغيير المنشود والضوابط العامة في الوصول إليه، وهذا ما يميزها عن الإستراتيجيات والوسائل التي هي من إبداع العقل البشري.
    - يجب عدم النظر إلى السيرة باعتبارها مجموعة من الغزوات كما كتبها أهل السير؛ إذ لا تبدو لقارئ المغازي الأبعاد الحضارية لمشروع الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك نرى أهمية الاستفادة من السيرة في التعرف على بذور المشروع الحضاري التي غرسها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تربة الأمة، لنبرز ملامح المجتمع المسلم الحضاري.

    وبذلك يمكن تلخيص الضوابط السابقة في النقاط التالية:
    - قراءة السيرة في ضوء الزمان والمكان الذي جرت فيه أحداثها.
    - الاستفادة من منهج ونمط تفكير النبي -صلى الله عليه وسلم- وليس بالضرورة تبني المراحل والإستراتيجيات والوسائل.
    - التزام الرسالة والقيم التي كانت حاكمة لحركة الرسول عليه الصلاة والسلام.
    - النظر إلى أبعاد المشروع الحضاري في السيرة.
    - التمييز بين ما يُعدّ الاستشهاد به سليماً جزماً، وبين ما لا يجوز الاستشهاد به.
    - الحذر من القراءة العكسية للسيرة، والتنبه لما شاع الاستشهاد به مما لا يصح، لاعتبارات متعلقة بمواجهة موقف آني وفهم معاصر تم استدعاء السيرة فيه لزيادة تأكيد صواب الموقف أو الفكر. أي الاستخدام المتعسف للسيرة لإثبات فكر أو أيديولوجيا محددة، فتصبح السيرة خادمة للأيديلوجيا، ولا تُعدّ مصدر ترشيد لها.

    أما السيرة كأداة فتُستخدم في:
    - استدعاء الجانب القيمي والرسالي.
    - الاستفادة من منهجية تفكير الرسول في إدارته للصراع وتأسيس مشروع الإسلام الحضاري.
    - مقاربة الاعتبار بدون تهويل يخل بمنطق العقل وسلامته.

    كانت هذه مقدمة اشتملت على نظرات حول كيفية التعامل مع السيرة، حتى يمكن استخدامها كأداة فعّالة، ولا تتحول هذه الأداة إلى وسيلة مربكة.