شبابٌ عربي مسلم لا يعرف أنه لا يعرف

1شبابٌ عربي مسلم لا يعرف أنه لا يعرف

مناسبة وفاة المفكر المغربي الكبير محمد عابد الجابري أقول لشباب العرب:

أنتم لا تُجيدون النقد لأنّ للنقد قواعد وقد ضاق الوقت على أولياء أموركم ليوروكم هذه القواعد. لقد كان هؤلاء معتنين بالتمتع بأموال البترودولار وموارد الهجرة إلى الخليج وإلى أوروبا .
أنتم لا تحسنون النقد لأنكم لم تتعلموا الدفاع عن حقوقكم. نعم تلك مهارة تستوجب التعلّم. ولم يُعلمكم أولياء أموركم الدفاع عن حقوقكم لأنهم كانوا، وما زالوا، في شبه غيبوبة، غافلين عن تلكم الحقوق، وذلك يُعزى لالتصاقهم بغرض اللهث وراء لقمة العيش والتنعّم بخيرات السبعينات والثمانينات.

إذن لا هم يعرفون حقوقهم ولا أنتم عارفون ما لم يعرفوه. وفاقدُ الشيء لا يعطيه والحال أنّ الكفاح الحضاري شأنٌ يوميّ، يبدأ من الحقوق اليومية الصغيرة وينتهي إلى استعادة الأراضي الكبيرة، في فلسطين وفي العراق وفي شبه الجزيرة.

مع هذا فإنكم أصِبتُم بداء جديد جرّاء حاجتكم للتعبيرعن حقوق لا تعرفون لها سبيلا. وأعني بذلك الاعتداد بمعرفة ما لا تعرفون .

- عارفون أنتم بالقضية الفلسطينية ولكن التعبير عن حقكم في المساهمة في حلها لا يتعدى التناقض واللوم في ما يشبه المناسبات، مثل أحداث غزة في 2008-2009 وانطلاقا مما تمدّكم به الفضائيات من مقتطفات عن الانتفاضة الباسلة.

أنتم تدّعون المعرفة بالقضية الفلسطينية إلى درجة التقلّب بزاوية 180 درجة : في يناير من سنة 2009 (ذروة الأحداث الدامية والأليمة) قال لي بعض مَن كنتُ أدرسهم إنّ كلّ اللوم واقعٌ لا محالة على جيلي بعنوان أننا لم نمرّر لكم فكرة أنّ للشباب قضية اسمها فلسطين. نعم دعواكم صحيحة ولكن ذلك لا يغيّر شيئا في كَون الاعتداد المرَضي الذي تتميزون به يبقى هو المشكل في نهاية التحليل.

والاعتداد مشكل تتوجب مجابهته بواسطة الكفاح الحضاري. هيهات، ليس هنالك بعدُ أدوات لهذا الصنف من الكفاح لمّا تعلمون أنّ:

- نصفكم عارفٌ بأنّ الدين لا يصلح لا للحرية ولا للنهوض ولا للتقدم و لا للحضارة. ومع هذا فتراكُمْ تتضرّعون إلى الله خلسة في حالات مثل الجفاف والكوارث والمرض والوفاة. فكيف تعرفون أنّ الإسلام لا يصلح لكل ذلك وأنتم ما زلتم تعتقدون أنّ ما صحّ من المواقف التاريخية تجاه الدين المسيحي وما صلح من استبعادٍ له عن الحياة العامة في الغرب، هو نفسه يصح ويصلح تجاه الإسلام أيضا؟

- نصفكم الآخر عارفٌ أنّ الإسلام هو الحلّ لكنكم لا تعرفون أنّ لا إسلاما يصلح ولا معرفة تُؤمّن ولا علما ينفع ولا مالا يُنَجِّي من دون طريقة وتصميم ومنهاج للحياة تكونون أنتم ناسجوه..

- كلّكم عارفون من المحيط إلى الخليج أنّ النهوض العربي واجبٌ حيوي لكنكم لا تتمتعون لا بالذاكرة ولا بالمثابرة؛ لا تحسنون المتابعة لا في الحوار ولا في القرار.

- جلّكم عارفون مَن هو بمناسبة وفاته أحدثكم، ولكنكم لا تعرفون أنه هو الذي شخص داء العرب الأولي: “القطيعة في العقل العربي”. وهي القطيعة التي تمنع هذا العقل من الاستمرار في التفكير وفي المجادلة وفي الحوار وفي القرار بشأن مسألة النهوض العربي.

فبعد كل المعرفة التي تعتقدون أنها لديكم، لا بأس أن يعترف كل وحد منكم أنه لا يعرف أنه لا يعرف. وهل العيب في أن لا أعرف أم في أن أتمادى في الاعتداد بمعرفة اللاّمعرفة فألجأ إلى التعبير عن نفسي بلُغة تكلست وتخشبت وتحنطت إلى أن صارت تنادي:”أحجبوني من المدونات وأفسخوا آثاري من أعمدة الصحف وأسكتوا صوتي من المذياع ومن التلفزيون؛ أقبضوا عليّ وفي مركبة الـ *404 اسجنوني…”

هي العلامة المميزة للحجب الالكتروني عندنا. 404 NOT FOUND*

2لسنا مسلمين إلى أن يأتي ما يُخالف ذلك
تُعاني برامج المُبرمجين وسياسات السياسيين في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي بأسره من أزمة في التنفيذ وصعوبة دمج الشباب في المخططات التنموية الكبرى. وهذا احتباس يعود بدوره إلى أزمة الثقة بين الحاكم والمحكوم. لكن هذه الأزمة هي أيضا لها جذورها في الهوية وفي التاريخ وفي الفكر وفي الذهنية. وباختصار سأحصر المشكلة في العُمق النفسي إزاء العامل المركزي في ثقافتنا، الدين الإسلامي.
لماذا، لأنه واضح أنّ التحدي السيكولوجي أعتى وأخطر من التحديات كافة. بل قل إنه المدخل لكافة التحديات التي يواجهها اليوم الكائن المنتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية. فلمّا تتحدث إلى واحد في هذا الموضوع أو في موضوع يطاله سوف لن تحضا بجواب قطعي “نعم أنا مسلم”. ورغم أنك قد تسمع العبارة وصاحبها يتلفّظ بها إلاّ أنك سرعان ما تتأكد من خلال الممارسة والملاحظة الميدانية أنّ سلوك القائل بها لا يدل إلاّ على ضدّها:

“أنا لستُ مسلما إلى أن يأتي ما يخالف ذلك. لو كنتُ مسلما لما سمحتُ لنفسي أن أفعل كذا وكذا. الحاكم لا يرغب في أن أكون مسلما، لذا دعوني في حال سبيلي؛ دعوني أنعم بفعل المنكر وإنجاز المحظور إلى أن يجيء اليوم الذي يشل الحاكم حركتي ويعلنني مسلما في ظل الدولة الإسلامية.”

ذلك هو التفكير الاستلابي و التواكلي والآحادي والتآمري الذاتي والسادي واللذائذي. وهو موقف يشترك فيه العلماني والإسلامي على حد السواء، مع فارق في المنهجية: الأول يبرر عدم إذعانه لمسؤوليات أمره الخالق بالاضطلاع بها بتنصله من الدين نفاقا وشماتة في نفسه، والثاني بالاستلاب المتمثل في اختلاق مشكل داخل المشكل حيث تصبح حصيلة المشكلين الاثنين: “أنا قلت لكم إني لست مسلما، وإذا بكم تعكسون إرادتي فتُعاملونني على أني كذلك. سوف أريكم من أين تعلّق الشاة إذن..”
“وكانَ الإنسانُ عَجولاً” (صدق الله العظيم) وظلوما وجهولا… وفعلا نحن كذلك. والحال أنّ مواجهة الحقيقة تتطلب أن ندرك بوجود هذا الحاجز الأولي فنتخطاه ونقول لأنفسنا:

“إننا مسلمون. فلماذا لا نعترف؟ إن كنا لا نملك القدرة على الاعتراف فبالوسائل العلمية الحديثة سنتملكها. وإن كنا لا نأبى الاعتراف بدعوى أنّ المسلمين لم يُعْطُوا صورة جميلة عن الإسلام، فذلك ليس حُجة لا على عدم ضرورة الاعتراف ولا على عدم استحقاق الثقافة الإسلامية بأن نُجدد نسبتنا لها فنعيش في ظل قياداتنا راضين تارة و ناقدين طورا؛ محافظين تارة و مجددين طورا؛ مؤيدين تارة ومستنكرين طورا؛ قابلين تارة ودافعين طورا…”

هل لمّا تفطنّا إلى أننا تركنا الحاكم يفكّر بالنيابة عنا طوال قرون كاملة، قررنا التفكير أصالة عنه بجرّة قلم و في جرعة واحدة وبين عشية وضحاها؟
جميلة هي الاستفاقة من السبات العميق ، إلاّ أنّ ما هو أجمل منها هو التنوير على ضوء هادئ.
فالمواطن الحرّ لا يهتم بمناهضة الحكام بقدر ما من واجبه أن يحكم نفسه قبل أن يفرض حقه في أن يُسمَعَ رنينُ حُكمه الذاتي فيُسمَعَ صوتُه.

إنّ صوت الحق لا يُسمع إلاّ بالحق. ولا يتسنى لنا أن نبلغ العالم رسالة الحق، حقنا في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان وحتى في عربستان وغيرها، إلاّ بعد أن نتعلم قياس المسافات عوضا عن المجازفة في المتاهات.”

(3) هكذا يكون لشعار “الإسلام هو الحل” معنى
بعد أن يتم تقويم النظرة إلى الأشياء، يبقى إضفاء المعنى الصحيح لِما يتردد على ألسنة القاصي والداني من أمة العرب والمسلمين: مقولة “الإسلام هو الحل”.

هل أنّ لهذا الشعار ” معنى يُذكر هذه الأيام وقبل التقويم المأمول ؟ أشك في ذلك.

أتمنى أن يستنبط لنا مفكرو العرب والمسلمين إستراتيجية تبرهن على أنّ المسلمين ملتزمون بمثل ذلك الإيمان لا أنهم يتمنونه فحسب. من أجل ذلك يتوجب على المثقف أن يُعدّل بعض التصورات من أهمّها أذكر:

- ِأبدأُ بالاعتقاد نّ مقولة “الإسلام هو الحل” إنما هي درسٌ يقع تعلّمه لا درسا يجب تعِليمه.

- أُدركُ أنه بناءٌ يُبنى لا لباس جاهز.

- لغاية البناء لا بدّ من أن تتوفر لديّ الأدوات الملائمة و على رأسها التفكير النقدي المتعلّق بوجود المسلم، من دون اعتبار أنه مؤمن صادق أو علماني أو ملحد.

- آخُذها مسلّمة أنّ لا القرآن ولا السنة، ولا أية تفاسير إنسانية لهما، ستتمخض عنها نتائج مثمرة طالما أن ليس هنالك تصميم أو إيديولوجيا تساعد على وضع بنات الأفكار والإجراءات و الحركات على السكة.

- أكونُ متأكدا أنّ أفضل الإيديولوجيات هي تلك التي ستسمح بتنظيف التربة الثقافية الإسلامية، المشتركة بين كل كائن عربي و مسلم بغير إقصاء، من شتى أصناف الطفيليات الإيديولوجية الموجودة.

- أعرض فكرتي: الإيديولوجيا التي تلزم المسلم اليوم هي بالذات تلك التي تكون مؤسسة على علمٍ جامعٍ لكل أوجه الحياة: الألسنيات أو علوم اللغة.

- كنتُ مشدودا إلى نظريات ومواقف العلامة العالمي نعوم تشومسكي إلى أن أتى اليوم الذي كنتُ فيه قادرا على دمج المقاربات في علوم التربية المؤسَّسة على نظرياته بآرائي و نظراتي إلى الأمور كما سمح لها بالانبثاق إيماني بالعقيدة الإسلامية.

- أعتزمُ توظيف ذلك في المساهمة في تقويم الوضع السائد الفكري المُزمن والمتعلّق بعلاقة المسلم بما فسد من المحافظة والموروث الدينيين.

- سيكون لا شيء غير النجاح حليف هذه العملية طالما أنها ستسفر عن تجاوز شتى المجالات المحظورة مثل الصراع العقدي بين السنة والشيعة أو التوترات العرقية والجهوية أو أي سوء تفاهم جرّه لنا التاريخ جرّا.

- بالتالي إنهاّ عملية إسعاف من صنف الكفاح الحضاري القصدُ منها مساعدة المسلم على السير في غير الطرق المعبّدة، ومنه تقصير المسافات نحو الحضارة.

*الباحث محمد الحمّار

*** الاجتهاد الثالث، تونس​


ط¶ظپط§ظپ ط§ظ„ط¥ط¨ط¯ط§ط¹ » ط§ظ„ظƒظپط§ط* ط§ظ„ط*ط¶ط§ط±ظٹ ظˆط§ظ„ط³ط±ظ‘ ظپظٹ طھظ‚ظˆظٹظ… ط§ظ„ظ†ط¸ط±)
__________________
 

عادل

عضو مميز
رد: شبابٌ عربي مسلم لا يعرف أنه لا يعرف

موضوع قيم والفكرة عظيمة شكرا اختي على التنبيه الذي لم نكن نعرف عنه شيئا والموضوع ينطبق على اغلبنا

انشاء الله خير وانشاء الله نكون عكس عنوان الموضوع
 
رد: شبابٌ عربي مسلم لا يعرف أنه لا يعرف

الشيخ محمد البشير الإبراهيم


أتمثله متساميًا إلى معالي الحياة، عربيدَ الشباب في طلبها، طاغيًا عن القيود العائقة دونها، جامحًا عن الأعنَّة الكابحة في ميدانها، متَّقد العزمات، تكاد تحتدم جوانبه من ذكاء القلب، وشهامة الفؤاد، ونشاط الجوارح.


أتمثله مقداما على العظائم في غير تهوّر، محجامًا عن الصغائر في غير جبن، مقدرًا موقع الرجل قبل الخطو، جاعلا أو الفكر آخر العمل.


أتمثله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كل عربي أخًا له، أخوة الدم، وكلَّ مسلم أخًا له، أخوة الدين، وكل بشر أخًا له، أخوة الإنسانية، ثم يُعطي لكل أخوة حقها فضلا أو عدلا.
أتمثله حلِفَ عمل، لا حليف بطالة، وحلس معمل، لا حلس مقهى، وبطل أعمال، لا ماضغَ أقوال، ومرتاد حقيقة، لا رائد خيال.


أتمثله برًّا بالبداوة التي أخرجت من أجداده أبطالا، مزورًّا عن الحضارة التي (رمتْه بقشورها)، فأرخت أعصابه، وأنَّثت شمائله، وخنَّثت طباعه، وقيَّدته بخيوط الوهم، ومجَّت في نبعه الطاهرِ السموم، وأذهبت منه ما يُذهِب القفص من الأسد من بأس وصولة.


أتمثَّله مقبلا على العلم والمعرفة ليعمل الخير والنفع، إقبال النحل على الأزهار والثمار لتصنع الشهد والشمع، مقبلا على الارتزاق، إقبال النمل تجدُّ لتجِدَ، وتدَّخر لتَفتَخر، ولا تبالي ما دامت دائبة، أن ترجع مرةً منجِحةً ومرة خائبة أحب منه ما يحب القائل:


أُحِبُّ الْفَتَى يَنْفِي الْفَواحِشَ سَمعُهُ كَأنَّ بِهِ مِن كلّ فَاحِشَةٍ وَقْرَا


وأهوى منه ما يهوى المتنبى:


وَ أَهْـوَى مِنْ الْفِتْيَانِ كُـلَّ سَميذَع أَريبٍ كَصَدْرِ السّمَهْـرِى الْمُقَوّم
خَطّتْ تَحْتَهُ العِيسُ الفلاةَ وَ خَالطَتْ بِهِ الخيلُ كباتَ الخَميسِ العَرْمَرِم


يا شباب الجزائر هكذا كونوا !.... أو لا تكونوا !


أتمثله محمدي الشمائل، غير صخاب و لا عياب، و لا مغتاب ولا سباب، عفا عن محارم الخلق ومحارم الخالق، مقصور اللسان إلا عن دعوة إلى الحق، أو صرخة في وجه الباطل، متجاوزا عما يكره من إخوانه، لا تنطوي أحناؤه على بغض ولا ضغينة.


أتمثله متقلبا في الطاهرين والطاهرات، ارتضع أفاويق الإصلاح صبيا، وزرت غلائله عليه يافعا، فنبتت في حجره، ونبتت قوادمه في وكره، ورفرفت أجنحته في جوه، لم يمسسه زيغ العقيدة، ولا غشيت عقله سحب الخرافات، بل وجد المنهج واضحا فمشى على سوائه، والأعلام منصوبة، فسار على هداها، واللواء معقودا، فأوى إلى ظله، والطريق معبدا، فخطا آمنا من العثار، فما بلغ مبلغ الرجال إلا وهو صحيح العقد في الدين، متين الاتصال بالله، مملوء القلب بالخوف منه، خاوى الجوانح من الخوف من المخلوق، قوي الإيمان بالحياة، صحيح النظر في حقائقها، ثابت العزيمة في المزاحمة عليها، ذلق اللسان في المطالبة بها، ناهض الحجة في الخصومة لأجلها، يأبى أن يكون حظه منها الأخس الأوكس، أمن بعقله وفكره أن يضلل في الحياة كما أمن بهما أن يضلل في الدين.
" و في الحياة كما في الدين تضليل "(2)




يا شباب الجزائر!


ما قيمة الشباب ؟ وإن رقت أنداؤه، و تجاوبت أصداؤه، وقضيت أوطاره وغلا من بين أطوار العمر مقداره، و تناغت على أفنان الأيام و الليالي أطياره، و تنفست عن مثل روح الربيع أزهاره، وطابت بين انتهاب اللذات واقتطـاف المسرات أصائله وأسحاره.


بل ما قيمة الكهولة ؟ وإن استمسك بنيانها، واعتدل ميزانها، وفرت عن التجربة والمراس أسنانها، و وضعت على قواعد الحكمة و الأناة أركانها.


بل ما قيمة المشيب؟ وإن جلله الوقار بملاءته، وطوار الاختبار في عباءته، وامتلأت من حكمة الدهور، وغرائب العصور، حقائبه، ووصلت بخيوط الشمس، لا بفتائل البرس، جماته وذوائبه.
ما قيمة ذلك كله؟ إذا لم تنفق دقائقه في تحصيل علم، و نصر حقيقة، ونشر لغة، ونفع أمة، وخدمة وطن.




يا شباب الجزائر هكذا كونوا... أو لا تكونوا... (3)


أتمثله كالغصن المروح، مطلولا بأنداء العروبة، مخضوضر اللحا والورق مما امتص منها، أخضر الجلدة و الآثار مما رشح له من أنسابها و أحسابها، كأنما أنبتته رمال الجزيرة، ولوحته شمسها، وسقاه سلسالها العذب، وغذاه نبتها الزكي، فيه مشابه من عدنان تقول إنه من سر هاشم أو سرة مخزوم، ومخايل من قحطان تقول كأنه ذو سكن، في السكن(4)، أو ذو رضاعة، في قضاعة(5) متقلبا في المنجبين والمنجبات، كأنما ولدته خندق(6)، أو نهضت عنه أم الكملة(7)، أو حضنته أخت بني سهم(8)، أو حنكته تُماضر(9) الخنساء لعوبا بأطراف الكلام المشقق، كأنما ولد في مكة، واسترضع في إياد، وربا في مسلنطح البطاح.


أتمثله مجتمع الأشد على طراوة العود، بعيد المستمر على ميعة الشباب، يحمل ما من خير لأنّ يد الإسلام طبعته على الخير، ولا يحمل ما حمل من شر لأن طبيعة الإسلام تأبى عليه الشر- فتح عينيه على نور الدين، فإذا الدنيا كلها في عينيه نيرة مشرقة، وفتح عقله على حقائق الدين، فإذا الدين والكون دال ومدلول عليه، وإذا هو يفتح بدلالة ذاك مغالق هذا، و فتح فكره على عظمة الكون فاهتدى بها إلى عظمة المكون، فإذا كل شيء في الكون جليل، لأنه من أثر يد الله، وإذا كل شيء فيه قليل، لأنه خاضع لجلال الله، ومن هذه النقطة يبدأ سمو النفوس السامية وتعاليها، وتهيؤها للسعادة في الكون، والسيادة على الكون.


أتمثله مجتلى للخلال العربية التي هي بواكير ثمار الفطرة في سلاستها وسلامتها، كأنما هو منحدر لانصبابها وقرارة لانسكابها، وكأنما خيط على وفاء السموأل وحاجب(10)، وأشرج على إيثار كعب وحاتم(11)، وختم على حفاظ جساس والحارث(12)، وأغلق على عزة عوف وعروة(13).
أتمثله مترقرق البشر إذا حدث، متهلل الأسرة إذا حدث، مقصور اللسان عن اللغو، قصير الخطا عن المحارم، حتى إذا امتدت الأيدي إلى وطنه بالتخون، واستطاعت الألسنة على دينه بالزراية والتنقص، وتهافتت الأفهام على تاريخه بالقلب والتزوير، وتسابق الغرباء إلى كرائمه باللص والتدمير، ثار وفار، وجاء بالبرق والرعد، والعاصفة والصاعقة، وملأ الدنيا فعالا، وكان منه ما يكون من الليث إذا ديس عرينه، أو وسم بالهون عرنينه.


أتمثله شديد الغيرة، حديد الطيرة، يغار لبنت جنسه أن تبور، وهو يملك القدرة على إحصانها، ويغار لماء شبابها أن يغور، وهو يستطيع جعله فياضا بالقوة دافقا بالحياة : ويغار على هواه وعواطفه أن تستأثر بها السلع الجليبة، والسحن السليبة، و يغار لعينيه أن تسترقها الوجوه المطرأة، و الأجسام المعراة.




يا شباب الجزائر هكذا كونوا! ... أو لا تكونوا!(14)


أتمثله حنيفا فيه بقايا جاهلية... يدخرها لميقاتها، ويوزعها على أوقاتها، يرد بها جعل الجاهلين، في زمن تفتقت علومه عن جاهلية ثانية شر من الجاهلية الأولى – وتمخضت عقول أبنائه بوحشية مقتبسة من الغرائز الدنيا للوحش اقتباسا علميا ألبس الإنسان غير لبوسه، ونقله من قيادة الحيوان إلى الانقياد للحيوانية – وأسفرت مدنيته عن جفاف في العقول، وانتكاس في الأذواق، وقوانينه عن نصر للرذيلة وانتهاك للحرمات، وانتهت الحال ببنيه إلى وثنية جديدة في المال وعبادة غالبية للمال، واستعباد لئيم بالمال.


أتمثله معتدل المزاج الخلقي بين الميوعة والجمود، وبين النسك والفتك تتسع نفسه للعقيق، وعمر وابن أبي عتيق، فيصبو، ولا يكبو، كما تتسع للحرم وناسكيه فيصفـو، ولا يهفو، وتهزه مفاخرات الفرزدق في المربد، كما تهزه مواعظ الحسن في المعبد.


أتمثله كالدينار يروق منظرا، وكالسيف يروع مخبرا، وكالرمح أمدح ما يوصف به أن يقال ذابل، ولكن ذاك ذبول الاهتزاز، وهذا ذبول الاعتزاز- وكالماء يمرؤ فيكون هناء يروى، ويزعق فيكون عنـاء يردى- وكالراية بين الجيشين تتساقط حولها المهج وهي قائمة.


أتمثله عف السرائر، عف الظواهر، لو عرضت له الرذيلة في الماء ما شربه، وآثر الموت ظمأ على أن يرد أكدارها، ولو عرضت له في الهواء ما استنشقه، وآثر الموت اختناقا على أن يتنسم أقذارها.


أتمثله جديدا على الدنيا، يرى من شرطها عليه أن يزيد فيها شيئا جديدا، مستفادا فيها يرى من الوفاء لها أن يكون ذلك الجديد مفيدا.


أتمثله مقدما لدينه قبل وطنه، ولوطنه قبل شخصه، يرى الدين جوهرا، والوطن صدفا، وهو غواص عليهما، يصطادهما معا، ولكنه يعرف الفرق بين القيمتين. فإن أخطأ في التقدير خسر مرتين.


أتمثله واسع الآمال، إلى حد الخيال، ولكنه يزجيها بالأعمال، إلى حد الكمال، فإن شغف بحب وطنه، شغف المشرك بحب وثنه، عذره الناس في التخيل لإذكاء الحب، ولم يعذر فيه لتغطية الحقيقة.


أتمثله مصاولا لخصومه بالحجاج والإقناع، لا باللجاج والإقذاع، مرهبا لأعدائه بالأعمال، لا بالأقوال.


أتمثله بانيا للوطنية على خمس، كما بني الدين قبلها على خمس : السباب آفة الشباب، واليأس مفسد للبأس، والآمال، لا تدرك بغير الأعمال والخيال أوله لذة وآخره خبال، والأوطان، لا تخدم باتباع خطوات الشيطان.


يا شباب الجزائر... هكذا كونوا... أو لا تكونوا.






 
رد: شبابٌ عربي مسلم لا يعرف أنه لا يعرف

بوركتما اخوي على المرور الطيب
جزاك الله كل خير اخي المجاهد فعلا اعدتنا الى زمن الامام الشيخ محمد البشير الابراهيمي رحمه الله
كانه بهذا يخاطبنا نحن شباب اليوم في كل كلمة خطاها بيده
يا شباب الجزائر... هكذا كونوا... أو لا تكونوا. ويا شباب الامة الاسلامية كونوا او تكونوا
 
التعديل الأخير:
أعلى