سيكولوجية الشائعات الامريكية

سيكولوجية الشائعات الأميركية





سيكولوجية الشائعات الأميركية
نماذج من الشائعات المسوقة في أميركا

د. محمد احمد النابلسي / الشاهد اذار 2004

الصراعات الدائرة في عالمنا تشير الى أن الحرب الباردة تفرعت من آحادية مع الاتحاد السوفياتي الى حرب متعددة الرؤوس. فما يجري بين اميركا بوش وأوروبا القديمة هو أحد فروع الحرب الباردة الجديدة. ومثلها الخلافات مع الصين وكوريا الشمالية والعالمين العربي والإسلامي وغيرها... حتى أمكن القول أن فقدان أميركا للعدو الشيوعي كان وبالاً عليها فخلف لها قائمة من الأعداء الموزعين حول العالم وعلى صعد متعددة.

وها هي الولايات المتحدة تخوض هذه الصراعات معتمدة على مباديء الحرب النفسية التي إستعملتها في حربها الباردة مع الاتحاد السوفياتي. فهل ضمنت الولايات المتحدة الحصانة ضد هذا النوع من الحروب؟. أم أنها كسائر الدول عرضة للتأثر بالحرب النفسية وبالشائعات خصوصاً؟. وبمعنى أدق هل تؤثر أخبار العراق وشائعاته على الجمهور الأميركي؟.

في ما يلي نعرض لبعض الشائعات التي تركت بصماتها على الجمهور الأميركي. وفي الإستعراض شائعات قديمة قابلة للدراسة بعيداً عن ضغوط الراهن وتحليلاته النتأثرة بهذه الضغوط بما يفقدها الموضوعية...

ما هي شروط انتشار الشائعة؟. يجيب الأخصائيون على هذا السؤال من خلال مناقشتهم لحادثة المفاعل النووي في جزيرة ثري مايل في بنسلفانيا. فقد أثارت هذه الحادثة عدداً من الشائعات التي يمكن اتخاذها كمثال لدراسة أسباب انتشار الشائعة وأسباب تكرار ظهور بعض الشائعات بصور مختلفة.

ظهرت الأخبار الأولى عن الحادث الذي جرى في المنشأة النووية في جزيرة ثري مايل بالقرب من هاريسبورغ في بنسلفانيا في 28 آذار 1979 وبعد ثلاثة أيام انتشرت شائعة في المدن المجاورة تقول بأن المفاعل سينفجر. وتمضي القصة قائلة بأن الانفجار سوف يدمر كل شيء على مساحة أميال حوله وينفث الإشعاع النووي في مناطق واسعة. وعلى الرغم من وجود مخاطر حقيقية كثيرة فلم يكن هناك خطر انفجار وشيك. ولتأكيد هذه النقطة ظهر هارولد رابي دانتون من لجنة تنظيم الشؤون النووية على التلفزيون ليعلن بوضوح أنه على الرغم من أن مفاعل المنشأة لا يزال تحت خطر جدي فإن غاز الهيدروجين المجتمع فيه لم يصل بعد إلى درجة قريبة من درجة الانفجار.

كما أنه لم يكن هناك احتمال لانفجار نووي من مستوى قنبلة هيروشيما وحصول انفجار كيميائي لغاز الهيدروجين سيكون أقل قوة بكثير. على الرغم من أنه قد يتسبب بحصول تصدع في غلاف الوعاء الحاوي مما يؤدي إلى نشر الإشعاع النووي في المنطقة الريفية المجاورة. وكانت شائعة الانفجار واحدة من عشرات الشائعات التي سرت في منطقة هاريسبورغ وجوارها في الأيام التي أعقبت الحادثة. ذلك لأن حادثة جزيرة ثرى مايل كانت مثالا رائعا للظروف المؤاتية لانتشار الشائعات. ففي الدرجة الأولى كانت النتائج المحتملة للحادث قاسية وكانت تشكل تهديداً للحياة نفسها. ثانياً ، كان هناك قلق كبير وحيرة بين الأهلين الذي كانوا يحاولون اتخاذ قرار حول ما إذا كان عليهم الفرار من بيوتهم أم لا .

فكم من الناس ،عدا المهندسين والعلماء، يمتلكون فهماً كافيا لكيفية تمديد الأنابيب في المنشآت النووية ؟. وكان هناك جانب مرعب آخر في الحاثة وهو يتمثل في طبيعة العدو الغامضة، فقد كان ذلك العدو إشعاعاً مميتاً لا يرى ولا يمكن التنبؤ بنتائجه.

وفي محاولة لإيقاف موجة الشائعات أفتتح الحاكم ديك ثورنبرغ مركز السيطرة على الشائعات في هاريسبورغ وكان يمكن لأي شخص أن يتصل بالهاتف بهذا المركز ليحصل على الحقائق. وعندما بدأت بعض الشائعات المتفائلة بالانتشار، شعر جويل ثمروتثالر وهو أحد مسئولي طوارئ الولاية في المنطقة بأن الأمر يشبه ما يحدث في رواية روسية بقوله: ... ويستمر الوضع في الهبوط والهبوط، والهبوط حتى نرى أنه لم يعد هناك مجال للمزيد من الهبوط، ثم يحدث شيء ما ويبدأ الصعود....

لقد مررنا بأسبوع من الشائعات الفظيعة أما اليوم فهناك ما يمكننا أن نحسبه شائعة طيبة. ولكن الناس ستفقد ثقتها بالأخبار الطيبة لفترة من الزمن في حال حصل تسرب إشعاعي جديد ،أوأي إنذار آخر من أي نوع هناك، في المنشأة. فعندها لا أظن أن ثقة الناس التي ضعفت بسبب الحادث سوف يمكنها أن تتحمل ذلك، وهذا الآن ما يثير قلقنا أكثر من قضية الإجلاء.

ومع أن الشائعات التي نجحت عن حادثة جزيرة ثري مايل كانت من النوع القصير الأمد، فإنها بالتأكيد سوف تعاود الظهور لدى حصول أية أزمة مشابهة في المستقبل. فحتى الشائعات التي تبدو تافهة تغوص في أعماق النفوس ليس لأنها تكون موضوعا للقيل والقال، والثرثرة الاجتماعية المثيرة بل لأنها تلامس الحيرة والقلق العميقين السائدين في زمن الشائعة. فقد حصل في سنة 1978 مثلاً أن ظهرت شائعات حول بعض المنتجات الغذائية المشهورة، وتقول أحدها أن شركة ماكدونالد، تضيف الديدان إلى سندويشات الهامبرغر التي تنتجها لتقوي المحتوى البروتيني فيها. وتقول شائعة أخرى أنك إذا ما شربت الصودا وأكلت حلويات من ماركة بوب روكس فسوف تتفجر معدتك. وحدث أن ذكر مذيع احدى الإذاعات هاتين الشائعتين وسارع إلى القول بأن كلتا الشائعتين على خطأ ولكنهما انتشرتا في مناطق مختلفة من البلاد خلال تلك السنة.

وقد اضطرت شركة ماكدونالد وشركة جنرال فودز ،منتجة بوب روكس، إلى إنفاق آلاف الدولارات في مجالات إعلانية ونشاطات أخرى لدحض الشائعات . وتعتقد شركة ماكدونالد أن قصة الديدان بدأت في الصيف السابق في مدينة تشاتانوغا في ولاية تينيسي.

وكانت الشائعة في البداية تقول بوجود عنصر غامض في سندويشات هامبرغر ويندي وهي شركة منافسة لماكدونالد. ويلاحظ أحد علماء النفس أن الخوف من وجود الديدان الهامبرغر هو خوف معقول ومبرر لأن لحم الهامبرغر النيئ يفرم بشكل لولبي يشبه الديدان، ولكن سرعان ما انتقلت الشائعة لإلصاق صورة الديدان بسندويشات ماكدونالد . وظهرت قصة حلويات بوب روكس في غضون أسبوع واحد من إطلاق هذه المادة في إحدى مناطق البلاد وتقول الشائعة أن أحد الأولاد في الجانب الآخر من المدينة أو أحد مشاهير التلفزيون قد أكل ثلاثة أكياس من تلك الحلويات بينما كان يشرب الصودا فمات من جراء الانفجار الذي حصل بعد ذلك في معدته.

وتستهوي هذه الشائعات حول ماكدونالد وبوب روكس أكثر ما تستهوي الأطفال الذين يحبون قصص الشقاوة والقصص الفظيعة. ونستطيع أن نتصور كيف أن الأطفال الذين يروجون مثل هذه القصص يباهون أمام رفاقهم بأنهم أكلوا من هذه المنتجات وبأنهم من المغامرين. لكن هناك ما هو أكثر وأعمق من ذلك فاستمرار هاتين الشائعتين في الرواج قد يفسره القلق والحيرة الشائعتين في المجتمع حول ما يضاف إلى المنتجات الغذائية والكولسترول والمخاطر الصحية في بعض أنواع الطعام الذي تتناوله والتوترات والمخاوف التي تنتقل من الأهل إلى الأطفال.

ويكفينا بالنسبة لهذه الدراسة أن نعرف الشائعة بأنها رواية منتشرة بين الناس دون أن يكونوا متأكدين من صحتها. وقد تعلم علماء النفس الكثير عن نشوء مثل هذه القصص وانتشارها منذ ظهور كتاب ( علم النفس الشائعة ) لغور ودون والبورت وبوستمان وهذا الكتاب هو أصل الأعمال في هذا الحقل.

هذا ويعتمدون قانون الشائعة الأساسي حسب هذا الكتاب ،وهو القانون الذي كان مقبولا حتى وقت قصير مضى، يعتمد جزئيا على نظرية الجيشتالت في علم النفس. التي تؤكد على أن الإدراك الحسي للأشياء ينحو دائما نحو البساطة والانتظام والإحساس بالاكتمال. وبأن الشائعات تنبثق لتشرح المواقف المميزة التي تهمنا ولتريحنا من توتر الحيرة. ويفترض البورت وبوتسمان أيضا أن عدد الشائعات يتغير حسب أهمية موضوع الحدث ومقدار الغموض في الموقف.

بالرغم من القبول الواسع الذي لقيه هذا القانون الأساسي في علم النفس الاجتماعي فإنه لم يثبت تجريبياً. وتشير نتائج تحقيقات عديدة الآن إلى أن هناك متغيرات أخرى بالإضافة إلى الأهمية والغموض تؤثر على منشأ الشائعات ودوامها. فقد قامت الدارسة في علم النفس الاجتماعي سوازان انطوني ،في كلية ثمالوديت في واشنطن، بإحدى هذه الدراسات. وهي قامت مؤخرا باختبار الفكرة المتضمنة في إحدى نظريات كارل يونغ والتي تقول: " إن الإثارة العاطفية ضرورية لاستمرار حياة الشائعة ". وقد أجرت أنطواني اختبارا قياسيا في القلق المزمن لعدد من الطلاب الثانويين في فيلادلفيا، وعلى أساس نتائج الاختبار قامت باختيار الطلاب الذين كانوا يتميزون إما بدرجة عالية من القلق أو بالهدوء النسبي. ثم إختارت بضعة طلاب من كل نوع وأخضعتهم لمقابلة مع مرشد توجيهي للتحدث حول النوادي التي كانوا ينتمون إليها. وخلال تلك المقابلة قام المرشد ،بطلب من الباحثة، بإطلاق شائعة تقول بأن صعوبات مالية قد تجبر النوادي على وضع حد لبعض أنشطتها ثم ذهب المرشد بعد ذلك تاركاً الطلاب مع أعضاء آخرين في النوادي .

عندما سئل الطلاب فيما بعد إذا كانوا قد ناقشوا الشائعة فيما بينهم وجدت انطوني أن الطلاب ذوي الدرجة العالية من القلق نشروا الشائعة بحماس أكثر كثيرا مما فعله الطلاب الآمنون .

وقد قام الباحث روسنو بالعمل مع أنطوني والعالمة النفسية ماريان جايفر بييريان من مدرسة لندن لاقتصاد في تجربة كان من شأنها أن أثبتت ووسعت ما اكتشفه أنطوني في تجربتها. وقام هؤلاء بإجراء دراسة في ثمانية من صفوف الكلية فنشروا شائعة تقول إن طلاباً في صفوف أخرى قد ضبطوا وهم يدخنون الماريجوانا في امتحان نهائي. وكانوا قد قاموا قبل بضعة أيام بقياس درجات القلق المزمن عند الطلاب متبعين المثل الذي وضعته أنطوني في تجربتها السابقة، وبعد أسبوع سأل الطلاب إذا ما كانوا قد نشروا القصة.

وكانت النتائج التي توصل اليها الباحثون بالإضافة إلى الأبحاث التي نشرت في كتاب ( الشائعة والقيل والقال، وعلم النفس الاجتماعي والشائعة ) الذي ألفه روسنو بالاشتراك مع العالم الاجتماعي غاري ألان) إن هذه الأبحاث تدعم النظرية التي تقول إن الشائعة ننتج عن الامتزاج الأقصى بين الحيرة والقلق. وباختصار، فإن الشائعة تعيش إما لتحقيق الحاجات والتوقعات التي إثارتها أو حتى تخفض مستوى القلق.

كان القانون الأساسي لدى البورت وبوتسمان يتفاعل مع الشائعات القصيرة الأمد التي تنتعش في غياب الأدلة التي تنقضها. ولكنها سرعان ما تحدث عندما تجد ما يدفعها أو عندما تصب في نواح ذات مغزى بالنسبة لحاجات الجمهور. وهناك حاجات وتوقعات لا تسكن ولا تهدأ ومن بينها الحاجة لفهم الوضع الإنساني والجوع لما هو فوق الطبيعة. مما يجعل من الشائعة حاجة إنسانية واجتماعية. لذلك فإن أهم الشائعات هي تلك التي تستجيب لهذه الحاجات فتعاود الظهور تكراراً وتتجذر في بنية المجتمع الإيمانية والفلكلورية.

وقد كان الناس منذ قرون ولا يزالون يتبادلون الشائعات غير المألوفة التي كان أبطالها غالباً من المخلوقات الأسطورية أو الوحوش أو من القادمين من كواكب أخرى.

وكان يونغ يسمى هذه الحكايات بالشائعات التخيلية أو بالأساطير الحية، وكان يعتقد بأن الشائعات العادية تعتمد على الحشرية والسعي وراء الأشياء غير العادية أما الشائعات التخيلية فتحتاج إلى شيء غير ذلك إذ تحتاج إلى عاطفة عميقة مشتركة بين العديد من الناس. وكان يونغ ينظر إلى حكايات الصحون الطائرة كشائعات تخيلية ناجمة عن توتر عاطفي وكرب جماعي من حالة العالم. إضافة إلى رغبة لا واعية بمجيء قوة خارقة من ما وراء الطبيعة للتخفيف من المخاوف. فمشاهدات من نوع الصحون الطائرة يبلغ عنها منذ القرن السادس عشر. إلا أن هناك تزايداً في الإبلاغ عن هذه المشاهدات عم العالم كله منذ الأربعينيات من هذا القرن. ويبدو أن حكايات معاصرة عن الصحون الطائرة وركابها تدعم تفسير يونغ. ومعظم هذه الحكايات تتركز إما حول مخلوقات عليا طيبة أتت لإنقاذ الإنسانية أو حول مخلوقات شريرة بتهديها أهل الأرض بأجمعهم وتلعب دوراً في توحيد أصحاب العقائد المختلفة ضد عدو مشترك.

ومن أقدم الشائعات التي راجت في الولايات المتحدة مجموعة من الروايات حول الأطفال الشيطانيين. وأول هذه الروايات المذكورة تدور حول طفل افترض أنه ولد لامرأة تدعى السيدة ليذر من ليدزيونيت في ولاية نيوجرزي في عام 1735 . وتقول الرواية إن السيدة لم تكن راضية بعيشها في الحياة. وأنها كانت أماً لإثني عشرطفلا وأنها لذلك دعت إبليس لأن يلعن حملها الثالث عشر. وتمضي الرواية قائلة إن الطفل نبتت له مع مرور الوقت أجنحة وذيل كذيل السحلية وحوافر ووجه كوجه الحصان. وكما يمكننا أن نتوقع فإن شيطان ليدز، المعروف أيضا باسم شيطان جرزي لا يموت. وكان يشاهد لسنوات عديدة في النواحي الجنوبية لنيو جرزي. وخاصة في المستنقعات في منطقة باينبارينز. وفي القرن التاسع عشر سرت شائعة مفادها أن أحد القضاة المحليين قد عقد صداقة مع ذلك الوحش. وكان الاثنان يتناولان طعام الإفطار سوية ويتباحثان في الشؤون السياسية. ويبدو أن ذلك الشيطان كان لا يزال حياً حتى عام 1966 وبصحة جيدة. فقد روى أحد جنود الولاية أنه شاهد أثر حافر أكبر من كف الإنسان، وقد أطلق هذا الكلام موجة جديدة من التكهنات حول ذلك الوحش الشيطاني. ويمكن تفسير بعض الشائعات القديمة أيضا بكونها انعكاسات للصور الخطية الأصلية وموت الأبرياء. وهي فكرة تتناقلها الأجيال المتعاقبة في تراثها وتشكل أحد الموضوعات التي تستمر في العيش في التراث والأساطير الشعبية.

ولقد سرت شائعة من هذا القبيل في الولايات المتحدة في أواخر عام 1969 تقول إن بول ماكارثي عضو فرقة البتلز الغنائية قتل في حادث سيارة وأن بديلا له أخذ مكانه. وسرت الشائعة كالبرق عبر البلاد وتناقلتها صحف الجامعات والأحاديث بين الطلاب تغذيها الهمزات والتلميحات. وتشبه شائعة ماكارثي أسطورة الإله الإغريقي ديو نيزيوس، الذي قيل إنه لقي مصرعه بعنف ثم أعيد إلى الحياة. هذا ويؤكد دارسو الكوارث أن المواقف الكارثية تنتج نوعا غريباً من الشائعات الدائرية التي تبدو في ظاهرها مثيرة للقلق ولكنها في الواقع قد تؤدي إلى خفضه. فالناس الذين يتجمعون مصادفة في أعقاب كارثة ما، مثلا قد يتناقلون بعض الشائعات التي يمكن أن تؤدي إلى التخفيف من القلق حول المشاكل المشتركة. فبعد الزلزال الذي حصل في الهند في عام 1934 مثلا سمع الناجون شائعات بوقوع كوارث أسوأ. ويفترض عالم النفس ليون فيستنفر في كتابه ( نظرية التفاوت المعرفي ) أن الشائعات ساعدت في تخفيض التفاوت العاطفي الناجم عن شعورهم بالذنب لبقائهم على قيد الحياة بعد الزلزال. ويمكننا القول بأن إعطاء الناجين من الزلزال شائعات ترعبهم فإن هذه الشائعات سوف تساعد في صرف انتباههم عن القلق الذي ينتابهم لكونهم نجوا من الكارثة بينما هلك أصدقاؤهم وأقرباؤهم. وبما أن الشائعات تفسر الأحداث وبذلك تخفف من التوتر الذي ينجم عادة عن الغموض، فهي تنتعش في أجواء السرية والتنافس. ويعلم العاملون في المكاتب مثلا، كيف تسري الشائعات بسرعة عبر ممرات المكاتب عندما يستلم رئيس جديد أو عندما تنتقل المكاتب إلى بناء آخر...الخ. والشيء نفسه يحصل عندما يتفاوض رؤساء الدول فتنتج المفاوضات طوفاناً من الشائعات عن سير المفاوضات.

ونعطي مثالاً على ذلك شائعة عالمية خطيرة سرت عام 1977 عندما ألقي القبض في موسكو على المراسل الصحفي الأميركي روبرت توث من صحيفة لوس أنجلس تايمز بتهمة الحصول على أسرار رسمية حول الأبحاث السوفيتية في حقل الإدراك الحسي. وعقب ذلك نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً في صفحتها الأولى ألمحت فيه إلى احتمال وجود علاقة بين حادثة إلقاء القبض على المراسل وبين تصريح أدلى به رئيس الحزب الشيوعي السوفياتي بريجينيف ( أشار فيه إلى سلاح جديد غامض أكثر هولاً من أي سلاح عرفه العالم حتى الآن. وهناك دليل على أن بريجينيف كان يشير إلى الأبحاث حول الإدراك فوق الحسي). ولكن بالنظر إلى العلاقة السوفياتية الأميركية المتوترة في ذلك الحين. فإن تصريح بريجنيف كان غامضاً بما فيه الكفاية ليطلق شائعات مفادها أن الاتحاد السوفياتي هو في سبيله للتحضير لشيء ما يمكن تسميته ب " حرب العقل ". وقد تختفي مثل هذه الشائعات لسنوات ثم تظهر في يوم ما وتجتاح البلاد.

ومن الأمثلة المثيرة على مثل هذه القصص قصة مزحة الملفوف الكبرى. وهي شائعة انطلقت في واشنطن في الأربعينيات من القرن الماضي كردة فعل على حملة ضبط الأسعار خلال الحرب العالمية الثانية. وتقول القصة إن مكتب ضبط الأسعار أصدر مذكرة حول تحديد أسعار الملفوف. ولم يكن هناك شيء غير عادي في المذكرة سوى أن المذكرة كانت تتألف من 26911 كلمة. وانتشرت قصة المذكرة في الأوساط الحكومية لفترة من الزمن مسببة الإحراج الذي سببته لأهل البيروقراطية الإدارية ثم اختفت وعادت القصة إلى الظهور عام 1951 في مؤتمر عقدته رابطة صانعي الألبسة الجنوبية، عندما قدم عريف المؤتمر مدير مكتب تثبيت الأسعار وقال مازحاً أن خطاب غيتيسبيرغ كان يتألف من 2997 كلمة وكانت الوصايا العشر تتألف من 266 كلمة. وتضمن إعلان الاستقلال 1348 كلمة بينما تضمنت مذكرة مكتب تثبيت الأسعار 26911 كلمة. وظهرت القصة خلال الأشهر التالية في عشرات الصحف مع بعض التحريف أحيانا. فقد قالت بعض الصحف أن مكتب تثبيت الأسعار أصدر مذكرة من 26911 كلمة لضبط أسعار أبواق الضباب. وقد عاشت كلتا الروايتان عن مذكرة الملفوف لبضع سنوات ثم اختفت لتعاود الظهور في نيسان 1988 عندما عادت الشائعة إلى ظهور ثانية. وكان ظهورها هذه المرة في إعلان لشركة موبيل نشر في صحف مشهورة ويظهر في الإعلان شكل كرتوني يدعى بابيلدني بيت وهو يعد كلمات الصلاة وخطاب غيتيسبرغ وإعلان الاستقلال ثم تساءل كيف إذن تحتاج الحكومة الاتحادية إلى 26911 كلمة لتصدر مذكرة لضبط أسعار الملفوف؟!.

وكان للصحافة دورها إذ ذكر والتر كرونمكايت، الرواية في نشرة الأخبار المسائية في أحد التلفزيونات المحلية التابعة لشبكة سي بي أس، وفي هذه المرة اتخذت الشائعة أبعاداً دولية ومرت بتحول جديد. وقد نقلت جريدة لندن كلاماً لأحد الخطباء في مؤتمر غذائي جاء فيه " إن في الصلاة 56 كلمة وفي الوصايا العشر 297 وفي إعلان الإستقلال الأميركي 300 كلمة أما في التوجيه الإداري للسوق الأوروبية المشتركة حول تصدير بيض البط فهناك 26911 كلمة.

إن هذا النط الدائري لشائعة الملفوف يعكس المد والجزر في الحيرة والقلق اللذان ينتابان المجتمع الأميركي. فحيثما يكون هناك شعور بالقلق من الحكومة وحيرة حول نواياها ومصداقيتها تعود الشائعة إلى الظهور وهذا ما حصل بعد فضيحة ووترغيت. حيث قصة الملفوف تعزز المخاوف القديمة من عدم كفاءة الأجهزة الحكومية ومن الأسلوب البيروقراطي في إصدار التعليمات ذات الكلمات الجوفاء الغامضة وتكرار سماع الشائعة يعزز إمكانية تصديقها في بداية الأمر، ولكن هذا التكرار يؤدي إلى عكس ذلك عندما تنخفض حدة الحيرة والقلق. وعندما يصل القلق إلى نقطة دنيا تختفي الشائعة ولكن مؤقتا.

في العادة تتراجع الشائعات عندما يصبح المجهول معلوماً وتزول أسباب الغموض. ولكن المواضيع والأفكار العميقة المتضمنة في بعض الشائعات تبدو كأنها لا تموت وهي تصبح جزءا من البنية الاعتقادية للمجتمع وانعكاساً لما يشغل بال الناس ولما يحلمون به. إن طرفة الملفوف شائعة حديثة العهد نسبياً ولكن أمثالها من الشائعات تعمر طويلا. ومن المحتمل أن تعيش طالما كان هناك بيروقراطيون وكان توماس كارلايل وقد وصف التاريخ بأنه عملية تقطير للشائعات : وإن أوهامنا تتفاعل مع احتياجاتنا وآمالنا وينتج عن هذا التفاعل ظروف خصبة تعيش فيها الشائعات التي تنتشر الآن بسرعة أكبر من ذي قبل بواسطة الراديو والتلفزيون ووسائل الإعلام المتطورة. فحينما يتم الإبلاغ عن مشاهدة صحن طائر مجهول الهوية في مكان ما من البلاد نجد أن ذلك ينتج سلسلة من البلاغات عن مشاهدات مماثلة في أنحاء أخرى. وعندما يصل الناس في نفاذ الصبر من البيروقراطية الحكومية إلى حد ما تعود قصة الملفوف إلى الظهور من جديد وتأخذ الصحف والتلفزيون والراديو في نقلها من أقصى البلاد إلى أقصاها في ظرف ساعات معدودة.

إن فعالية وسائل الأعلام قد أوجدت طاحونة شائعات متمادية من شأنها إما أن تقرب الناس من بعضهم البعض أو ترفع من حدة قلقهم وأوهامهم وفي كلتا الحالتين نجد أن تكرار الشائعات التي لها جذور ممتدة في القرون الماضية يرينا أن الناس لم يتغيروا كثيرا عبر التاريخ. قد تكون أساليب حياتهم مختلفة الآن عما مضى إلا أن قلقهم وأوهامهم لا تزال كما هي. خاصة بعد أن تحول العالم الى صراعات أكثر مثاراً للقلق وبعد أن اضيفت عوامل اجتماعية وبيئية ( ثقب الآوزون) وسياسية كمصادر جدية للقلق...
 
أعلى