سر الحجاب

الموضوع في 'منتدى الطالبات' بواسطة الطموحة, بتاريخ ‏7 مايو 2010.

  1. الطموحة

    الطموحة عضو مميز

    سر الحجاب


    هشام عبد الله
    25 - 10 - 2008​



    مع انتشار فوبيا الحجاب في أوروبا، بل وفى بعض الدول العربية مثل تونس وغيرها، لوحظ اهتمام المراقبين بالظاهرة، والغريب أن كثيرًا ممن تناولوها بالدرس والتحليل والنقد أهملوا دراسة نفسيات هؤلاء الباطشين، الذين سمحوا لأنفسهم بالتدخل في أخص خصوصيات الإنسان، واستخفوا بحقوقه وحريته وإرادته، واضطهدوه لأجل اختياراته الشخصية التي تعنيه هو في المقام الأول، ولا تعني أحدًا غيره.



    أهمل المراقبون والدارسون البحث في الأسباب التي أشعلت الحرب على الحجاب، ليس في دول أوروبا فقط، بل في بلاد إسلامية الدين عربية اللسان، وراحوا يبحثون عن ذلك السر الخطير وراء إصرار امرأة أو فتاة على ارتداء قطعة من القماش، تغطي بها رأسها ونحرها وربما وجهها!



    راحوا يتساءلون عن السر وراء كل هذا العناد والتحدي والإصرار على ارتداء تلك القطعة من القماش، في مقابل كل صنوف الإهانة والتهميش والتضييق والإقصاء عن مصدر الرزق، ويقولون: إن المحجبة هي السبب في كل ما يحدث لها، علام تتمسك بحجابها؟! ولماذا لا تخلعه لتنعم بالسلام والأمن، ولتنقذ نفسها من التهميش والمطاردة والملاحقة والإقصاء؟!



    إنهم فعلوا كمن حمَّل أهل البلد المحتل مسئولية احتلال بلدهم؛ فبدلًا من أن يبحثوا عن السبب الذي دفع الغزاة لارتكاب جرائمهم وبشائعهم، راحوا يحللون نفسيات الشعب المهزوم، ومدى قابليته للاستعمار!



    أما السر وراء التمسك بتلك القطعة من القماش ـ حسب تعبيرهم ـ فتمتلكه المحجبة وحدها، وليس أحد غيرها؛ إذ هي التي تستشعر وحدها مذاق وحلاوة العيش في ظلاله، ولو كلفها ذلك التعرض للملاحقات والتضييق، كما لو كانت إحدى المجرمات اللاتي يشكلن خطرًا على أمن المجتمع وسلامته.



    ولكننا قد نستطيع ببعض من التأمل استنباط بعض المعاني، التي تعيننا على اكتشاف سر الحجاب الخطير، الذي أعيا المحللين وأغاظ الحاقدين:



    والفكرة الأولى تخرج بها المحجبة كنتيجة طبيعية من المقارنة بين واقعين: الأول يوفر لها سبل التكريم والتوقير، ويعلي شأنها ويصون إنسانيتها ويحترم خصوصيتها كأنثى، والثاني يتفنن في امتهانها حتى النفس الأخير، ويلعب بكرامتها على طاولة التربح والاستثمار.



    المحجبة أولًا وأخيرًا كائن بشري، ينتسب إلى الأب الأول آدم عليه السلام، وهي ترنو إلى تكريم أبيها في بداية الخلق بسجود الملائكة الكرام له في السماء، ثم هي قد وقفت على مصير العصيان في القصة المشهورة، وارتبط في ذهنها ذلك المشهد الذي وصفه المولى ـ جل شأنه ـ للشيطان وهو: {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا} [الأعراف: 27].



    إن المحجبة ببساطة شديدة تبحث عن طريق يصونها، وعن شريعة تحترم شخصيتها، وتحميها من الأبالسة الذين يجتهدون في نزع لباسها عنها وكشف سوءتها، وهي قد اهتدت إلى الطريق، ونعمت بالطمأنينة والأمن في ظلاله الوارفة، وقد استمعت بقلب شغوف وروح تواقة لذلك التحذير الإلهي من أن تتكرر المأساة، وأن ينجح الشيطان في فتنتها وتعريتها: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف 26-27].



    إن المحجبة تشعر وهي في كنف الحجاب برضا ربها عنها، وهي لا تتصور نفسها أبدًا بدون حجابها؛ ففى هذه الحالة تتخيل الشيطان والعصيان والتمرد والعري، وهذه المفردات لها أن تجوع وتقهر وتهان وتسجن طوال عمرها، دون أن تتلبس بها أو تقترب منها.



    إن السر في تشبث المحجبة بحجابها سر كوني يعود إلى نشأة الخلق ويختصر حكاية البشرية، ويكشف تفاصيل الصراع الأبدي بين الشيطان والإنسان.


    والذي لا يعلمه هؤلاء الذين يسخرون من تمسك المحجبة بقطعة قماشها، أنها تعتز بحجابها كمظهر للجمال كما يعتز الطائر بريشه.

    وهؤلاء الأبالسة الذين ينزعون عن المرأة المسلمة حجابها في أوروبا، بل وفي دولة مسلمة مثل تونس، إنما يعذبونها أقسى العذاب وأشده؛ فإن أقسى الألم وأشده هو ذلك الذي يشعر به الطائر وريشه ينتف، وهو ينظر بعينيه إلى عنوان جماله وهو يمحى بالقوة.