خطر اللسان على الانسان

بسم الله الرحمن الرحيم

التاريخ :3/9/1429 هـ منبر الجــمــعـــة الشيخ / صالح بن عبدالرحمن الخضيري
خطر اللسان على الإنسان
{بسم الله الرحمن الرحيم}

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين ، أَلَّف بين قلوب المؤمنين ، وجعلهم إخوةً متحابين ، على الخير متعاونين وفيما بينهم متراحمين .

أهل الإيمان عن اللغو أعرضوا ، وعن الشر سكتوا ، وبالخير نطقوا فطوبى لهؤلاء وحسن مآب .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك والوهاب ، أسبغ نعمه على عباده ، وأعطاهم الجوارح لينتفعوا بها ويستفيدوا منها " ألم نجعل له عينين ، ولساناً وشفتين وهديناه النجدين " .

وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الناصح الأمين ، أرسله الله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً .

اللهم صل وسلم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وبعد فاتقوا الله يا مسلمون ، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون .

يا عباد الله : كم تعالى علينا من نعمهٍ ، أَمَا هدانا للإسلام أمَا وفقنا لاعتقاد أهل السنة والجماعة وجعلنا من أصحاب العقائد الصحيحة أَمَا سخر لنا ما في البر والبحر وسخر لنا الشمس والقمر دائبين ، وسخر لنا الليل والنهار " وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفّار " .

أما وهبنا العقول والأسماع والأبصار وأنعم علينا بالأمن والغذاء واللباس والأولاد والمراكب والمساكن وأنواع الثمرات فلله الحمد على نعمه وآلائه .

أيها المسلمون : أن من هذه النعم نعمةَ فيعبّر الإنسانُ بلسانه عما في جَنانه قال تعالى: ( الرحمن .. عَلّم القرآن .. خلق الإنسان .. علّمه البيان ) فعلّمه الله النطق ليتحدث بالخير وما لا بدله منه .

إن هذا اللسان حجمه صغير ، وأثره على صاحبه كبير ومن هنا قيل : ( المرء بأصغريه قلبه و لسانه ) .

هذا اللسان سلاح ذو حدّين فإن استعمله الإنسان في طاعة الله كتلاوة القرآن ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتعليم العلم ، ونصر المظلوم فقد شكر هذه النعمه وإن استخدمه في طاعة الشيطان وتفريق جماعةَ المسلمين والكذب وقول الزور والغيبة والنميمة وانتهاك أعراض المسلمين كان صاحبة قد كفر هذه النعمة ونعرّض للنعّمة .

وفي اللسان ـ أيها الإنسانُ ـ آفتان عظيمتان :

الأولى : آفة الكلام بالباطل .

والثانية : آفة السكوت عن الحق .

فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاصٍ مراءٍ مداهنٍ إذا كان لا يخاف على نفسه من قتل ونحوه ، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق متعرض لوعيد الله ومقته .

أيها المسلمون : لقد بَيّنَ الله سبحانه في كتابه بأن كل ما يلفظ به الإنسان من خيرٍ أو شٍ يكتب قال تعالى : " عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد " .

وكل عملٍ وقولٍ يحصى على العبد فيوافي به يوم القيامة قال تعالى : ( يوم تجد كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً وماعملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤفٌ بالعباد ) .. وقال تعالى : ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتابِ لا يغادر صغيرً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووحدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً ) .. وقال تعالى : ( وكلَّ إنسانٍ ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ، أقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) .

أيها المسلم : إذا تجمّل الناس بحسن اللباس فتجمل أنت بحسن المنطق أو بالصمت لكي تنجو ففي مسند الأمام أحمد وسنن الترمذي أن النبي ـ r ـ قال :( من صمت نجا ) وفي سنن الترمذي وأبن ماجه ومسند أحمد :( من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ) يقول الأوزاعي :( كتب إلينا عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ أما بعد.

( فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ومن عَدَّ كلامه من عمله قَلَّ كلامه إلا فيما يعنيه )

لقد كان الصالحون من هذه الأمة يتعلمون الصمت ويخشون من خطر اللسان ، وحق لهم هذا ألم يقل رسول الله ـ r ـ :( إن الرجل ليتكم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه ) ( خرجه مالك والترمذي وأبن ماجه وفي لفظ " يهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً " وفي صحيح البخاري ومسلم أنه e قال :( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق ) ..وفي رواية مسلم :" أن العبد ليتكم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ) .. وفي صحيح البخاري أن النبي ـ r ـ قال :( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالاً يرفعه بها درجات ،وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوي بها في جهنم ) .. أمَا جاء في سنن الترمذي أن سفيان بن عبدالله ـ t ـ قال يا رسول الله حدّثني بأمرٍ أعتصم به قال : ( قل ربي الله ثم أستقم : قلتً : يا رسول الله ما أخوفُ وما تخاف عليّ ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال :( هذا ) .

ولّما أخبر النبي ـ r ـ معاذ بن جبل بما يدخل الجنة ويباعد من النار وذكر له أركان الإسلام وأبوابَ الخير قال له : ( ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت بلى يا بني الله فأخذ بلسانه وقال :" كُفَّ عليك هذا " فقلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال : ثكلتك أمُّك يا معاذ ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم ـ إلا حصائد ألسنتهم ) ( خرجه ت .. جه .. ح.م ) .

أَما أوصى الناصح الأمين رسول الله محمد ـ r ـ عقبة بن عامر حين قال : يا رسول الله ما النجاة ؟ قال : ( أمسك عليك لسانَك ، وَلْيَسَعْكَ بيتُك ، وأبك على خطيئتك ) ( ح.م .. ت ) .

أما ضمنت الجنة لمن حفظ لسانه وخرجه في صحيح البخاري عَنْ سهل بن سعد قال
قال رسول الله ـ r ـ : ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمنُ له الجنة ) .

عن أسلم أن عمر بن الخطاب دخل يوماً على أبي بكر الصديق ـt ـ وهو يجبذ لسانه فقال مَهْ غفر الله لك فقال أبو بكر : هذا أوردني بشر الموارد ( يعني لسانه ) .

ومن كلام أبن مسعود ـ t ـ :( والله الذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان ) .

لذلك كانوا يتعلمون الصمت كما نتعلّم الكلام يقول مورّق العجلي رحمه الله : تعلّمت الصمتَ عشر سنين وما قلتُ شيئاً قط إذا غضبتُ أندمُ عليه إذا زال غضبي ـ وذكر أبو إسحاق الغزاري : أن إبراهيم بن أدهم ـ رحمه الله ـ يطيل السكوت فإذا تكلّم ربّما أنبسط قال : فأطال ذات يوم السكوت فقلتُ : لو تكلمت ؟ فقال : الكلام على أربعة أنواع :( فمن الكلام كلامٌ ترجو منفعته وتخشى عاقبته والفضل في هذا : السلامة منه ، ومن الكلام كلامٌ لا ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته فأقلُّ مالك في تركِهِ خِفّة المؤنة على بدنك ولسانك ، ومن الكلام كلامٌ لا ترجو منفعته وتأمن عاقبته فهذا قد كُفي العاقل مؤنته ، ومن الكلام كلامٌ ترجو منفعته وتأمن عاقبته فهذا الذي يجب عليك نشره ) .

وقال حَسّان بن عطية : ( كان شداد بن أوس في سفر فنزل منزلاً فقال لغلامه : أعطنا السفرة نبعث بها فأنكرتُ عليه فقال : ما تكلمت بكلمة منذ أسلمتُ إلا وأنا أخطمها وأزمّها إلا كلمتي هذه فلا تحفظوها عليّ ) .

أيها المسلمون : إن ما ينطق به اللسان يُعَبّر عما في القلب يقول يحي بن معاذ : ( القلوبُ كالقدور تغلي بما فيها وألسنتها مغارفُها فأنظر إلى الرجل حين يتكلمُ فإن لسانَه يغترفُ لك مما في قلبه حلو وحامضٍ وعذبٍ ومالحٍ وغيرِ ذلك ويُبين لك طعمَ قلبه اغترافُ لسانه ) .

أي كما تطعمُ بلسانه طعمَ ما في القدور من الطعام فتدركُ العلمَ بحقيقته كذلك تطعمُ ما في قلب الرجل من لسانه فتذوقَ ما في قلبه من لسانه كما تذوقُ ما في القدر بلسانِك ( أ.هـ الجواب الكافي ص 43 ) .

قال ابن القيِّم في الداء والدواء ( ص 244 ) : ( ومن العجب أن الإنسان يَهُونُ عليه التحفظ والاحترازُ من أكل الحرام والظلم والزنى والسرقةِ وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغيرِ ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى ترى الرجلَ يُشار إليه بالدين والزهد والعبادةِ وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يُلقي لها بالاً ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعدَ مما بين المشرق والمغرب وكم ترى من رجل متورّعٍ عن الفواحش والظلم ولسانهٌ يغري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي بما يقول وإذا أردت أن تعرف ذلك فأنظر إلى ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جُندُب بن عبدالله قال: قال رسول الله ـ r ـ : " قال رجل : والله لا يغفر الله لفلان فقال الله عز وجل من ذا الذي يتألَّى عليَّ أني لا أغفر لفلان ؟ قد غفرت وَحبطت عملك كلَّه ... " ( رقم 2621 ) فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه الكلمةٌ الواحدة عملَهُ كلَّهُ ) .

نسأل الله لنا ولك العفوَ والعافية .

أيها الإخوة : جاء في صحيح البخاري ومسلم أن رسول الله ـ r ـ قال :( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) وفي لفظٍ لمسلم قال :( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمراً فليتكلم بخيرٍ أو ليسكت ) .

وهذا هو الميزان لاحق جعلنا الله ممن يعرضون عن اللغو ويشتغلون بذكره عن ذكر غيره ـ والله المستعان وحده ولا حول ولا قوة إلا به .

الخطبة الثانية :

اللهم إني أحمدك على نعمائك ، ثم أحمدك حمداً بعد حَمْد ، عوداً على بَدْءٍ ، فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين ، وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم وأسأل الله أن يصلي ويسلم على خَاتِم النبيين محمدٍ وآله وصحابته أجمعين .. وبعد .

فإن من حكمة الله سبحانه أن خلق للإنسان لساناً واحداً مع أنه أعطاه أذنين وكأن هذا فيه إشارة إلى الواجب عليه أن يسمع أكثر مما يقول فهل يتدبّر هذا الأمر مع ما سبق من وعيد ـ أولئك الثرثارون الذين لا يلجمون ألسنتهم لحظةً واحدة بل أطلقوا أعنة ألسنتهم ففدت عقارب لا تكف عن اللديغ مشاء بالنميمة وغيبةٌ وكذبٌ وشهادة بالزور وقولٌ للزور وجدالٌ بالباطل ، وقول على الله بغير علم ومخاصمة ومماراة وجدلٌ عقيم ولعنٌ وشتم وسب وقذف وفحش ومدحٌ بالباطل واستهزاءٌ وسخرية بالمؤمنين والمؤمنات وغناءٌ فاحش وشعر كاذب وتلفظ بكلمات كفريه نعوذ بالله من حال أهل السوء .

إن علينا معاشر المسلمين : أن نتقي الله في كل قولٍ نقوله , وقبل التلفظ بالكلام ينبغي التفكير في فائدة وعواقبه .

أين نحن من أسلافا كان أحدهم يحاسب نفسه في قوله " يوم حار ويومٌ بارد " فالله المستعان ياليت إننا كففنا عن الحرام فضلاً عن المباح .

ذكر أبن القيم : أبن بعض الأكابر في العلم والدين رؤي في المنام بعد موته فسُئل عن حاله فقال : أنا موقوفٌ على كلمة قلتُها : قلتُ : ما أحوج الناس إلى غيثٍ فقيل لي : وما يدريك أنا أعلم بمصلحة عبادي ) ( الجواب الكافي ) .

أن مما يعين العبد على ضبط لسانه : أن يتذكر ما سمع من الوعيد على أطلاق اللسان ، وأن جميع الكلام ضررُهُ وخطره على صاحبه واضح أي ما كان ذكراً لله .

وقد روي في الحديث عند الترمذي وأبن ماجة :( كل كلام أبن آدم عليه لا له : إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر وأذكرً لله عز وجل ) .

ومن العلاج : ألا يسأل الإنسان عما لا يعنيه لكي لا يتكلم فيه .

ومن ذلك : عدم إطالة المجلس فيقتصر المرء على الحاجة ثم ينصرف ، أمَّا الإسراف في المجالس فهي سببٌ لكثرة للغو ورديء الكلام .

قال الزهري : ( إذا طال المجلس صار للشيطان فيه نصيب )

ومن ذلك : اشتغال الإنسان بكثرة الاستغفار ولزوم ذكر الله على كل حال ، وتلاوة القرآن قال تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) .

وبعد فيا مسلمون : يقول ربنا وجل وعز :( أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد ) فلا يكن المرء منا يتكلّم ويلغو ويحسب الأمر هينا وهو عظيم .. قال سبحانه : ( إذ تلقون بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم ) .

قال ابن مسعود : ( أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل ) .

ربنا ظلمنا أنفسنا ... ربنا لا تؤاخذنا بما فَعَلَ السفهاء منا ... ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ... اللهم يا مقلّب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ... واللهم أحفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين ... واللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ـ r ـ ... اللهم أذل أعداء الإسلام المؤذين ... اللهم اجعلهم حصيداً خامدين وأخصص بذلك الظالمين من اليهود والنصارى ... اللهم فكك دولهم ... وأزل ملكهم ... واقذف الرعب في قلوبهم ، ومزقهم كل ممزق ، ومكن المسلمين منهم ... اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ولاة أمرنا واجعلهم على الخير أعواناً ... اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين وانتصر للمظلومين ، واشف مرضى المسلمين ،ورحم موتاهم ، وعافِهم واقض ديونهم ووقفهم لشكر نعمك ... اللهم عليك بمن أراد بالإسلام وأهله شراً ... اللهم حلْ بينه وبين ما يريد .
 
أعلى