حدود القوّة الأمريكية

حدود القوّة الأمريكية
جوزيف ناي.‏
جوزيف ناي عميد في جامعة هارفرد، رئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي ومساعد وزير الدفاع في عهد ‏إدارة كلينتون، له العديد من الكتابات في أشهر الصحف مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست والوول ستريت، وله ‏العديد أيضا من الكتب والمؤلّفات أبرزها كتاب "الطبيعة المتغيّرة للقوّة الأمريكيّة"، وهذه الدراسة مأخوذة من جزء من ‏كتابه بعنوان: "تناقض القوّة الأمريكيّة".‏

ترجمة: علي حسين باكير/ باحث من جامعة بيروت.‏


الانحدار أو الانحطاط يميل إلى إنتاج وتوليد سلوك حذر جدّا قد يؤدّي إلى الإحباط من تحقيق انتصار جديد ‏ويؤدي بالتالي إلى فقدان خطير لضبط النفس، بالإضافة إلى إظهار الغرور والعجرفة. لذلك، فالتحليل الأكثر حذرا ‏يساعد الولايات المتّحدة على اتّخاذا قرارات أفضل لحماية مواطنيها وإعلاء قيمهم وقيادة العالم لمستقبل أفضل خلال ‏العقود القليلة القادمة.‏

لم تستطع أمة أن تفرض سيطرتها وتهيمن على الآخرين كلّيا منذ أن فعل الرّومان ذلك باستثناء الولايات ‏المتّحدة، وكما قالت -الايكونوميست- "فإنّ الولايات المتحدة تعيد تركيب العالم كما تريد، فهي تسيطر على قطاع ‏الأعمال والتجارة والاتصالات واقتصادها من أنجح الاقتصاديات في العالم وهي الأقوى والأفضل عالميا من حيث ‏القوّة العسكريّة"(1).‏
هذا وقد ذكر وزير الخارجيّة الفرنسيّة "هوبير فيدرين" في عام 1999 أن الولايات المتّحدة قد تخطّت مرحلة ‏القوّة العظمى في القرن العشرين إلى أكثر من ذلك "فالهيمنة الأمريكيّة امتدّت إلى كافّة النواحي الاقتصاديّة والماليّة ‏والعسكريّة العالميّة لتطال طرق الحياة واللغة والنتاج الفكري والثقافي للآخرين، لتعيد تشكيل الأفكار وتسحر حتّى ‏أعداءها"(2)."فالنظام الدولي اليوم لم يعد يقوم على توازن القوى كما كان عليه الأمر سابقا و إنما أصبح نظام القطب ‏الواحد والهيمنة الأمريكية"(3)، حيث زاد الاعتماد العالمي عليها ممّا دفع بالكثيرين للقول إن العولمة في هذا العصر ‏ما هي إلا امبرياليّة أمريكيّة متنكّرة بأشكال عديدة، فالعولمة بحسب المجلّة الألمانية "داشبيغل" ترتدي ملصق "صنع ‏في الولايات المتّحدة الأمريكيّة"(4).‏
لا شكّ بأن الولايات المتّحدة اليوم هي القوة رقم واحد في العالم، لكن إلى متى تستطيع الاستمرار في ذلك ‏والحفاظ على مرتبتها وقوّتها؟ ماذا يجب علينا أن نفعل بهذه القوّة؟
يقول بعض المثقّفين والباحثين إن هذه الأحادية القطبية والقوة الأمريكية والهيمنة الواسعة ما هي في حقيقة ‏الأمر إلا نتيجة سقوط الاتحاد السوفيتي السابق، وعليه فإن "مرحلة الأحادية القطبيّة" ستكون مؤقتة وقصيرة(5)، ‏ولذلك فإن على الولايات المتّحدة أن تستخدم القوّة والهيمنة على العالم بشكل انتقائي. هذا بينما يرى آخرون أن ‏الولايات المتّحدة تمتلك من القوّة ما يمكّنها من الهيمنة والسيطرة على العالم لعدّة عقود مقبلة، والأحادية القطبيّة ستمتد ‏من فترة مؤقّتة إلى عصر أو حقبة كاملة (6) . فقد ذكر تشارلز كروثامير في بداية 2001 أنه وبعد مرور عقد على ‏انهيار الاتّحاد السوفيتي، يجب على الولايات المتّحدة أن تدشّن الحقبة الحقيقة في سياستها الخارجية لما بعد الحرب ‏الباردة، بحيث يجب على الإدارة أن تعيد أولا تأكيد مفهوم الحرّية الأمريكي وأن ترفض لعب دور المواطن الدولي ‏السلس في ظل التفرّد الدولي والأحادية القطبيّة (7).‏
هذا وقد كان كل من المحافظين والليبراليين حتى قبل أيلول من عام 2001 يعتقدون أنهم واقعيون وأن قانون ‏الطبيعة في السياسة الدوليّة يفترض، وفي حال أصبحت أمة قوية جدّا دفع الآخرين إلى التكتل والتوحد ضدها لإعادة ‏التوازن في القوى، و"بنظرهم، فالتفوق الأمريكي الحالي هو تفوق عابر"(8) ، وهو الأمر الذي قد يدفع البعض للقيام ‏بتحالفات إستراتيجية مستقبلية مثل محور روسيا، الصين والهند في محاولة للتخفيف مما يبدو أنه عالم الأحادية ‏القطبية الخطيرة(9)، والأمر نفسه دفع الرئيس الفنزولي هوجو شافيز وخلال مؤتمر للدول المنتجة للنفط إلى القول: ‏‏"إن العالم في القرن الواحد والعشرين يجب أن يكون عالما متعدد الأقطاب"، وأضاف: "على جميع الدول العمل من ‏أجل الوصول إلى ذلك "(10).‏
وحتى المصادر الصديقة كمجلة "الايكونوميست" توافق على أن "عالم القوّة الخارقة الواحدة لن يدوم، وأن ‏الصين (مليار ونصف نسمة) خلال العقدين القادمين ستكون صاحبة اقتصاد قوي ومتطور وتتمتع بنظام سياسي ‏وسلطة مستقرّة، وبالتالي ستسعى للاهتمام بمصالحها الخاصة، وستحاول روسيا -يلستن- السابقة عاجلا أم آجلا ‏لملمة نفسها لتعود إلى التأثير في الساحة الدولية من جديد"(11) .‏
ومن وجهة نظري، وعلى الرغم من تصاعد الإرهاب إلا أن التفوق الأمريكي سيدوم إلى نهاية القرن الحالي، ‏لكن فقط إذا عرفت الولايات المتّحدة كيف تستعمل القوة بحكمة. وعلى الرغم من أن توقّع نهوض وسقوط الأمم هو ‏أمر في غاية الصعوبة، إلا أن الناشر الكبير هنري لوس ادعى وبجرأة في عام 1941 أن القرن هو القرن الأمريكي. ‏وفي الثمانينات أثناء التباطؤ الاقتصادي والانكماش الحاصل اعتقد الكثير من المحللين أن رؤية هنري قد تحققت، ‏عندها تساءل الاقتصادي ليستر ثورو في عام 1985 "لماذا صمدت روما 1000 سنة كجمهورية وإمبراطورية، بينما ‏بدأنا نحن بالانحدار بعد 50 عاما فقط"(12). "لقد أظهرت الاستفتاءات أنّ نصف الجمهور وافق على أنّ الأمّة كانت ‏تنكمش في القوّة والسمعة"(13)..‏
في القرن الثامن عشر وعندما فقدت بريطانيا مستعمراتها الأمريكية رثا هوراس والبول بريطايا آنذاك واصفا ‏إياها بأنّها أصبحت مجرّد جزيرة صغيرة بائسة ليس لها أهمية كسردينيا والدنمارك(14)، ونلاحظ هنا أن توقع ‏هوراس كان مصطبغا بالتجارة الاستعمارية والمستعمرات، ففشل في أن يرى أنّ الثورة الصناعيّة التي جاءت بعد ‏ذلك قد منحت بريطانيا موقعا أسمى. وهذا هو وجه التشابه مع أولئك الذين شككوا بقول هنري، فقد فشلوا في أن يروا ‏حينها أن الولايات المتّحدة أصبحت قائدة للثورة المعلوماتية العالمية.(15)‏
لكن من جهة أخرى، نستطيع القول أن لا شيء يدوم إلى الأبد في عالم السياسة. منذ قرن خلى، كانت العولمة ‏الاقتصادية تقوم على بعض المعايير نفسها التي تقوم عليها اليوم، والنظام المالي العالمي وقتها كان يستند إلى الذهب، ‏و لهجرة كانت في مستويات مرتفعة والتجارة كانت تتصاعد وبريطانيا حينها كانت الإمبراطورية التي لا تغيب ‏الشمس عنها، ولا بد أن الباحثين السياسيين والاقتصاديين في عام 1900 كانوا بلا شك يصفون ويرون القرن ‏العشرين بأنّه استمرار للتنافس الإمبراطوري في ظل الهيمنة الأوروبية على العالم مع استمرار سيطرة الأوروبيين ‏على مستعمراتهم في آسيا وأفريقيا ونشوء حكومات دستورية صلبة ومستقرة في أوروبا، ولا شكّ أنهم كانوا يرون ‏أيضا ازدهارا متناميا وتطوّرا علميا ومعرفيا نافعا للبشريّة ....الخ.‏
لكن كلهم كانوا على خطأ(16)، فما حصل لاحقا كان عكس ذلك، فقد اندلعت حربان عالميّتان وانتشر الاستبداد ‏الفاشي والشيوعي وانتهت الإمبراطوريات الأوروبيّة وانتهت أوروبا حينها كمصدر للقوّة العالمية وتراجعت العولمة ‏الاقتصاديّة كثيرا لدرجة أنها انتظرت عقد السبعينيات للوصول إلى ما كانت عليه في عام 1914. وهذا ما يمكن أن ‏يحدث مرّة أخرى في المستقبل.‏
هل بإمكاننا أن نقوم بأداء أفضل عند دخولنا القرن الواحد و لعشرين؟
إن ممارسة اليوغا المشكوك فيها، تحذرنا دائما بأن لا نتنبأ، خاصة فيما يتعلق بالمستقبل، ومع ذلك فلا خيار ‏أمامنا، فتوقّع المستقبل شرط ضروري من أجل تنظيم أعمالنا. فعلى الصعيد الوطني، نحن بحاجة إلى مثل هذه ‏التوقّعات أو الصور الذهنيّة وذلك من أجل توجيهنا على الصعيد السياسي وإخبارنا بطريقة استخدام قوّتنا التي لم ‏يسبق لها مثيل. طبعا ليس هناك من مستقبل واحد، فهناك العديد من الصور المستقبلية المتعددة، لذلك فنوعية سياستنا ‏الخارجية المتبعة بإمكانها أن ترسم بعض الصور المستقبلية المحتملة أكثر من غيرها. فعندما تتورط الأنظمة في ‏مشاكل وردود معقدة، من الممكن حينها أن تحدث الأسباب الصغيرة تأثيرات كبيرة، وعندما يتدخل الناس فإن ردة ‏فعل الإنسان على التوقع نفسه، من الممكن أن تجعله يفشل في أن يتحقق، وبالتالي فإن التوقع لن يصبح حقيقيا أبدا.في ‏هذا السياق نحن كبشر لا يمكننا أن نأمل بتوقع المستقبل، ولكن يمكننا أن نرسم صورنا الخاصّة به بدقّة لنتجنّب بعض ‏الأخطاء الشائعة التي مررنا بها.(17) فلو كان قد تمّ تقديم تحليل حذر للقوّة الأمريكيّة من عشر سنوات خلت، لأنقذنا ‏ذلك من التصورات الخاطئة عن الانحدار الأمريكي. وعلى الرغم من وجود توقّعات أكثر دقّة حول كوارث الإرهاب ‏مؤخّرا، إلا أن ذلك فشل في تجنيبنا مأساة دفعت البعض من جديد للتنبؤ بانهيارنا، لذلك من المهم جدّا أن نتفادى ‏أخطاء الانتصار والانحدار أو الانحطاط. فالانحدار أو الانحطاط يميل إلى إنتاج وتوليد سلوك حذر جدّا قد يؤدّي إلى ‏الإحباط من تحقيق انتصار جديد، ويؤدي بالتالي غالى فقدان خطير لضبط النفس بالإضافة إلى إظهار الغرور ‏والعجرفة. لذلك، فالتحليل الأكثر حذرا يساعد الولايات المتّحدة على اتّخاذا قرارات أفضل لحماية مواطنيها وإعلاء ‏قيمهم وقيادة العالم لمستقبل أفضل خلال العقود القليلة القادمة.‏
لذلك سأبدأ تحليلي هذا باستعراض وفحص مصادر القوّة الأمريكيّة.‏
يعتقد الكثيرون، وبشهادة التاريخ، أن تفوق الولايات المتحدة سيحفز على تشكيل تحالف مضاد وموازي لقوّتها ‏وسيحد في نهاية الأمر من قوتها..ولكن إذا امتلكت الدولة القائدة القوّة الناعمة وتصرّفت في إطار يفيد الآخرين، ‏فظهور تحالف مضاد لها سيكون بطيئا جدا عندها.‏
بدأنا نسمع كثيرا في السنوات الأخيرة عن مدى حجم القوة التي بلغتها الولايات المتحدة، لكن ماذا نعني بالقوة؟ ‏القوة بكل بساطة هي القدرة على التأثير على النتائج لتتفق مع ما تريده. على سبيل المثال، نجحت قوة الناتو (حلف ‏شمال الأطلسي) العسكرية في إيقاف عمليات التطهير العرقي التي قام بها ميلوزوفيتش في كوسوفو، واستطاعت ‏الوعود بتقديم المعونات الاقتصادية إلى صربيا المدمرة أن تساعد حكومة صربيا وتغريها لتسليم ميلوزوفيتش لمحكمة ‏لاهاي.‏
إن قدرة الحصول على النتائج التي نريدها غالبا ما تكون مربوطة بامتلاكنا لموارد معينة، ومن هنا نستطيع أن ‏نعرّف وبشكل مباشر القوّة بأنّها امتلاك أكبر قدر ممكن من هذه الموارد أو العناصر: كالسكان، أو الموارد الطبيعية، ‏الاقتصاد القوي، القوات العسكرية، الاستقرار السياسي. فالقوّة بهذا المعنى تعني أن تمتلك أعلى الأوراق في لعبة ‏بوكر دولية. وبطبيعة الحال إذا لعبت وأنت تمتلك أوراقا ليست عالية، فمن الممكن أن تخسر أو أن لا تحقق النتيجة ‏التي كنت تصبو إليها على الأقل. على سبيل المثال فالولايات المتّحدة الأمريكية كانت أكبر قوة بعد الحرب العالمية ‏الأولى ومع ذلك فقد فشلت في منع ظهور هتلر أو حدوث بيرل هاربر. لذلك فإن تحويل مصادر القوة الأمريكية إلى ‏قوة حقيقية يتطلب سياسة مخطط لها جيدا وقيادة محترفة وماهرة.‏
تقليديا، اختبار القوّة العظمى كان "قدرتها على خوض حرب"(18). فالحرب كانت اللعبة القصوى والتي من ‏خلالها يتم استعراض كافة أوراق السياسة الدولية وتأكيد تخمينات القوة النسبية للآخرين.‏
وعلى العموم فقد تطورت وتغيرت مصادر وعناصر القوة مع مرور القرون والتطور التكنولوجي، ففي ‏المجتمعات الزراعيّة الأوروبية التي سادت في القرن السابع عشر والثامن عشر، كان العنصر السكاني مصدر قوة ‏لأنه كان بمثابة قاعدة لتأمين المال للضرائب وللمتطوعين المشاة (والذين كانوا بمعظمهم من المرتزقة)، فهذه التركيبة ‏أو المعادلة من الرجال والمال أعطت قوة دفع لفرنسا آنذاك. لكن في القرن التاسع عشر، ومع تصاعد أهمّية الصناعة ‏كانت بريطانيا (والتي حكمت الأمواج بقوّة بحرية لم يسبق لها مثيل) أوّل المنتفعين، ثمّ تلتها ألمانيا التي استخدمت ‏الإدارة بكفاءة، حيث استغلّت أيضا سكك الحديد لنقل الجيوش من أجل تحقيق انتصارات سريعة في القارة مع العلم أنّ ‏روسيا حينها كانت الأكثر سكّانا وقوّة عسكريّة. وفي أواسط القرن العشرين، ومع حلول العصر النووي، لم تمتلك ‏الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي القوّة الاقتصاديّة فقط بل أصبحت تمتلك الترسانات النووية والقذائف والصواريخ ‏العابرة للقارّات.‏
مأسسة القوّة اليوم أصبحت تبتعد شيئا فشيئا عن مفهوم تأكيد القوة بالقوات المسلحة أو الغزو. وللمفارقة فإن ‏الأسلحة النووية كانت واحدة من الأسباب التي دفعت إلى ذلك. فكما نعرف من تاريخ الحرب الباردة فقد أثبتت ‏الأسلحة النووية أنها مرعبة جدا ومدمرة أيضا لدرجة أن استعمالها سيكون مكلفا جدّا وكارثيا، لذلك فإن استعمالها ‏يكون نظريّا وفي الحالات القصوى فقط.(19)‏
التغيير الثاني المهم الذي حصل هو صعود القوميّات، وهو الأمر الذي عقد مهمة الإمبراطوريات في حكم ‏شعوب يقظة. في القرن التاسع قام بضعة مغامرين مع حفنة من الجنود باحتلال معظم أفريقيا في حين قامت بريطانيا ‏أيضا بحكم الهند بواسطة قوة استعمارية تتألف من عدد صغير من السكان الأصليين، أما اليوم فإن الحكم الاستعماري ‏ليس مدانا بشكل واسع فقط، وإنما مُكلف جدّا أيضا كما اكتشفت القوتين العظمتين خلال الحرب الباردة في فيتنام ‏وأفغانستان، فجاء انهيار الإمبراطورية السوفيتيّة بعد انتهاء الإمبراطوريات الأوروبيّة بعدّة عقود فقط.‏
السبب الثالث المهم أيضا هو التغير الاجتماعي الحاصل داخل القوى الكبرى. فالمجتمعات (ما بعد الزراعيّة) ‏تركّز على الرفاه والرخاء أكثر من تركيزها على المجد والعظمة، لذلك تراهم يشمئزون من العدد العالي والمرتفع ‏للضحايا، إلا إذا كان حقّهم في النجاة أو البقاء في خطر. و هذا لا يعني انّهم لن يستعملوا القوّة حتى و لو كانوا ‏يتوقعون سقوط عدد كبير و مرتفع من الضحايا, و الشاهد على ذلك حرب الخليج عام 1991 أو ما يحصل في ‏أفغانستان اليوم. لكن غياب مبدأ (خلق) المحارب في الديمقراطيّات الحديثة, يعني أنّ استخدام القوّة يحتاج إلى تبرير ‏أخلاقي متقن و قوي لضمان الحصول على دعم شعبي وموافقة (إلا في الحالات التي يكون فيها حق البقاء في خطر ‏أو مهدد بالضياع). هذا ونستطيع أن نقول (إذا أردنا التحدث بفظاظة) أن هنالك ثلاث أنواع من الدول في العالم ‏اليوم: الدول الفقيرة (الما قبل صناعية) والتي غالبا ما تكون عبارة عن بقايا فوضوية للإمبراطوريات المنهارة, الدول ‏الصناعيّة الحديثة مثل الهند والصين, والمجتمعات (الما بعد صناعية) التي ظهرت في أوروبا وأمريكا الشمالية ‏واليابان. وبناء على هذا التقسيم فالقوة ما زالت أمرا شائعا بالنسبة للدول من النوع الأوّل, في حين أن القوّة مازالت ‏مقبولة بالنسبة للنوع الثاني من الدول, بينما هي أقل إجازة في الدول من النوع الثالث. فكما قال الدبلوماسي البريطاني ‏‏"روبرت كوبّر": "عدد كبير من أقوى الدول ما عادت ترغب في أن تصارع أو تحارب أو تغزو"(20). الحرب ‏مازالت احتمالا, لكنّها أقل قبولا بكثير ممّا كانت عليه قبل قرن أو نصف قرن من الآن. (21)‏
أخيرا, نستطيع أن نقول أنّ استعمال القوّة من قبل معظم القوى الكبرى يشكّل خطرا على أهدافهم و تطلّعاتهم ‏الاقتصاديّة. وحتى الدول الغير ديمقراطيّة والتي تشعر بأنّها أقل شعبية و التزاما أخلاقيا فيما يتعلّق باستخدام القوّة ‏فعليها أن تأخذ بعين الاعتبار التأثيرات السلبية لاستعمال القوّة على أهدافها الاقتصاديّة. وكما قال توماس فريدمان, ‏الدول تضبط بـ"قطيع كهربائي" من المستثمرين الذين يسيطرون على وصولهم وحصولهم على رأس المال في ‏اقتصاد معولم.(22) وكما كتب ريتشارد روزينكرانس, "في الماضي, كان من الأرخص أن تقوم بالاستيلاء على ‏أراضي الدول الأخرى بالقوّة بدلا من أن تقوم بتطوير معاييرها الاقتصاديّة و التجاريّة المعقّدة لتستفيد من التبادل ‏التجاري معا فيما بعد"(23). وقد استخدمت الإمبراطورية اليابانيّة هذا المفهوم عندما أنشأت أعظم نطاق مزدهر في ‏شرق آسيا في الثلاثينيّات, لكن يابان ما بعد الحرب العالمية الثانية أثبتت أنّها أكثر نجاحا بكثير من السابق باعتمادها ‏على التبادل التجاري الأمر الذي جعل من اقتصادها الوطني ثاني أكبر اقتصاد في العالم, لذلك فمن الصعب الآن ‏تصوّر سيناريو تحاول اليابان فيه استعمار دول الجوار أو أن تنجح في ذلك.‏
وكما هو مذكور أعلاه, لا شيء من هذا يقترح أنّ القوّات العسكرية لا تلعب دورا في السياسة الدولية اليوم. ‏فالثورة المعلوماتيّة يجب عليها أن تحوّل معظم العالم...خاصة بعد أن تفشت الحروب الأهليّة في العديد من أجزاء ‏العالم حيث تركت الإمبراطوريات المنهارة فراغا في السلطة. علاوة على ذلك, وإذا استعرضنا التاريخ, فإننا ‏سنلاحظ أن ظهور قوى عظمى جديدة ترافق دائما مع تخوّفات أو حالات قلق شديدة عجّلت في بعض الأحيان باندلاع ‏الأزمات العسكريّة. فعلى سبيل المثال, الحرب "البيلوبونيجية" في اليونان القديمة كان سببها ظهور قوّة أثينا والخوف ‏الذي صنعته في سبارطة(24), الحرب العالمية الأولى تتعلّق كثيرا بصعود ألمانيا القيصر والخوف الذي أثارته في ‏بريطانيا (25) . والبعض في هذا القرن يتنبئون بديناميّة مشابهة تأتي نتيجة لصعود الصين والخوف الذي تخلّفه في ‏الولايات المتّحدة الأمريكيّة.‏
الجيواقتصاديون لم يستبدلوا بالجيوسياسيين, على الرغم من أنّه وفي بداية القرن الواحد والعشرين كان التشويه ‏في الحدود التقليدية بين الاثنين واضحا. وعلى العموم، فإن تجاهل دور القوّة ومركزية الأمن سيكون أشبه بتجاهل ‏الأوكسجين. ففي الظروف العاديّة يكون الأوكسجين شيئا عاديا ومتوافرا بكثرة وبالكاد ننتبه إلى ذلك وندركه, ولكن ‏حينما تتغير هذه الظروف ونصبح بحاجة إليه فلن يكون باستطاعتنا التركيز على شيء آخر باستثنائه(26). حتى في ‏تلك المناطق حيث التوظيف المباشر للقوّة، فإنّ القوّة تسقط من الاستعمال بين الدول, مثلا (ضمن أوروبا الغربيّة أو ‏بين الولايات المتّحدة واليابان) لكن الفاعلين غير الحكوميين أو التابعيين للدولة مثل الإرهابيين على سبيل المثال يمكن ‏أن يستخدموا القوّة, علاوة على ذلك فانّ القوّة العسكريّة مازال بإمكانها اليوم أن تلعب دورا سياسيا هامّا بين الدول ‏المتقدّمة. فعلى سبيل المثال, معظم الدول في شرق آسيا ترحّب بوجود فرق أمريكية على أراضيها كضمان ضدّ أي ‏من جيرانها غير الجديرين بالثّقة, بالإضافة إلى ذلك فإن ردع التهديدات وضمان الوصول إلى مصادر حاسمة كالنفط ‏في الخليج الفارسي مثلا يزيد من تأثير أمريكا على حلفائها, وفي بعض الأحيان الرابط يكون مباشرا, وغالبا ما ‏يكونون موجودين في مؤخّرة عقول رجال الدولة. وكما تصفها وزارة الدفاع, فانّ واحدة من مهام الفرق الأمريكيّة ‏المتمركزة وراء البحار هي

‏"تغيير المحيط" أو "إعادة تشكيل المحيط"، يقصد الدول المجاورة أو التي تتمركز الفرق الأمريكيّة فيها.‏
بناء على ذلك, فالقوّة الاقتصاديّة أصبحت أكثر أهميّة مما كانت عليه سابقا, وذلك لسببين الأول هو الارتفاع ‏النسبي في حدود التكلفة لاستعمال القوّة, وثانيا لأنّ الأهداف الاقتصاديّة تطغى بشكل كبير في قيم المجتمعات ( الما ‏بعد صناعيّة)(27).‏
ففي عالم العولمة الاقتصاديّة, كل الدول تعتمد إلى حدّ ما تعتمد على قوى السوق بعيدا عن سيطرتهم المباشرة. ‏عندما كان الرئيس كلينتون يصارع من أجل تحقيق التوازن في الميزانيّة الاتّحاديّة عام 1993, صرّح أحد مستشاريه ‏قائلا أنه لو كان ولد مرّة أخرى لاختار أن يعود من جديد كـ "سوق", لأنّه كان من الواضح جدّا أن السوق هو ‏اللاعب الأقوى (28) . لكنّ الأسواق تعيق وتقيّد دولا مختلفة وبدرجات متفاوتة, ولأنّ الولايات المتحدة أنشأت مثل ‏هذا الجزء الكبير من السوق في التبادلات التجاريّة والماليّة فمن الأفضل لها أن ترتّب وتضع شروطها الخاصّة بدلا ‏من الأرجنتين أو تايلاند على سبيل المثال, وإذا كانت البلدان الصغيرة مستعدّة لدفع ثمن الانسحاب من السوق ‏فبإمكانهم عبر هذه الطريقة أن يخفّفوا من تأثير قوّة الدول الأخرى عليهم, لذلك فإن العقوبات الاقتصاديّة الأمريكيّة ‏كان لها تأثير محدود على هذه الدول, على سبيل المثال فيما يخص تحسين سجل حقوق الإنسان في مينمار. إن رغبة ‏صدّام حسين الشديدة في البقاء بدلا من الاهتمام برفاهيّة الشعب العراقي جعل العقوبات الشديدة، ولأكثر من عقد من ‏الزمان، تفشل في إزاحته من السلطة. كما أن العقوبات الاقتصاديّة قد تعرقل ولكن لا تردع الإرهابيين. لكنّ ‏الاستثناءات تثبت القاعدة, فالقوّة العسكريّة تبقى حاسمة في بعض الحالات, لكن سيكون من الخطأ الشديد إذا ركّزنا ‏أو نظرنا من زاوية ضيّقة على الأبعاد العسكريّة للقوّة الأمريكيّة.‏

القوّة الناعمة ( الليّنة )‏

من وجهة نظري, فإن الولايات المتّحدة إذا أرادت أن تبقى قويّة, فعلى الأمريكيين أيضا أن ينتبهوا إلى قوّتنا ‏الناعمة (الليّنة). ماذا أعني بالقوّة الناعمة (الليّنة) بالتحديد؟ القوّة العسكريّة والقوّة الاقتصاديّة كلاهما أمثلة على القيادة ‏القاسية والتي يمكن استعمالها لإقناع الآخرين بتغيير مواقفهم ومواقعهم. فالقوّة القاسية يمكنها أن تستند إلى مبدأ ‏‏"العصا والجزرة", لكن هناك أيضا طريقة أخرى وغير مباشرة لاستخدام وممارسة القوّة. فبإمكان دولة أن تحصل ‏على النتائج التي تريدها في السياسة الدوليّة لأنّ الدول الأخرى تريد اللّحاق بها وإتباعها إعجابا بقيمها أو تقليدا ‏لنموذجها أو تطلّعا للوصول إلى مستوى ازدهارها ورفاهها وانفتاحها. في هذا الاتّجاه, من الأهميّة بمكان أن تضع ‏برنامجا في السياسة الدوليّة يجذب الآخرين إليك, كما أن تجبرهم على التغيير من خلال التهديد أو استعمال القوّة ‏العسكريّة أو الأسلحة الاقتصاديّة. هذا المظهر أو الجانب من القوّة (جعل الآخرين أن يريدوا ما تريد أنت) هو ما ‏أسمّيه أنا بالقوّة الناعمة ( الليّنة )(29), هذه الطريقة تكسب الناس بدلا من إجبارهم.‏
القوّة الناعمة تستند إلى القدرة على وضع برنامج سياسي يرتّب الأولويّات بالنسبة للآخرين. على المستوى ‏الشخصي, الأبوان الحكيمان يعلمان أنّه إذا قاما بتربية أولادهم على القيم والمفاهيم الصحيحة, فإن قوّتهم ستكون أكبر ‏وستدوم لفترة أطول مما لو كانوا اعتمدوا فقط على الضعف والتوبيخ أو قطع المصروف أو أخذ مفاتيح السيّارة مثلا. ‏كذلك الأمر فيما يتعلّق بالمسئولين السياسيين والمفكّرين مثل أنتونيو جرامشي الذين فهموا طويلا القوّة الناجمة عن ‏وضع جدول أعمال وخطّة عمل بالإضافة إلى تحديد إطار عمل لنقاش معيّن.‏
إن القدرة على تأسيس الأولويات تميل دائما إلى الارتباط بمصادر القوّة المعنويّة, كأن تكون ثقافة جذّابة ‏أيديولوجيا أو مؤسسات. فإذا استطعت أن أجعلك تريد أن تفعل ما أريد أنا, فعندها لن يكون عليّ إجبارك على أن ‏تقوم بما لا تريد أن تقوم به. فلو أنّ الولايات المتّحدة تمثّل قيما يريد الآخرون إتباعها لكانت الكلفة التي ندفعها للقيادة ‏‏(قيادة العالم) أقل. أن القوّة الناعمة (الليّنة) ليست تماما كالتأثير, مع أنها مصدر من مصادر التأثير المتعدّدة, في ‏النهاية أنا باستطاعتي أيضا التأثير عليك بالتهديد أو الترغيب. القوّة الناعمة أيضا لا تعني الإقناع, فهي أكثر من ‏الإقناع والبرهنة بالجدال, فهي الإغراء والجذب, والإغراء والجذب غالبا ما تؤدّي إلى الرضوخ والتقليد.‏
القوّة الناعمة هي جزء من قيمنا, هذه القيم موجودة في ثقافتنا وفي سياساتنا التي نتّبعها داخل دولتنا وفي طريقة ‏فرض نفسنا على الصعيد العالمي. في بعض الأحيان, تجد الحكومة أنه من الصعب السيطرة على القوّة الناعمة ‏وتوظيفها. فالأمر شبيه بالحب, فهو صعب القياس والتحمل وليس شيئا ملموسا لكنّ ذلك لا يلغي أهمّيته. وكما قال ‏هوبير فيدرين: "الأمريكيون أقوياء لهذه الدرجة لأنّ باستطاعتهم استلهام أحلام ورغبات الآخرين, والفضل في ذلك ‏يعود إلى سحر الصور المعولمة التي تبث من خلال الأفلام والتلفاز, ولنفس هذه الأسباب، فإن عددا كبيرا من ‏الطلاّب من دول أخرى يذهبون إلى الولايات المتّحدة لإتمام دراساتهم"(30). لذلك فإن القوّة الناعمة هي حقيقة مهمّة.‏
لا شك بأنّ القوّة القاسية والقوّة الناعمة ترتبطان ببعضهما البعض وتدعمان بعضهما. فكلاهما مظهر من ‏مظاهر القدرة على انجاز أهدافنا عبر التأثير على طريقة تصرّف الآخرين. هذا وبإمكان بعض مصادر وعناصر ‏القوّة في بعض الأحيان أن تؤثّر على مجمل تصرّفات وسلوك الآخرين من الإجبار إلى الجذب والأغراء (31) . لكن ‏على الأرجح أنّ الدولة التي تعاني من انحطاط وانحدار اقتصادي وعسكري ستفقد قدرتها على صياغة أجندتها الدوليّة ‏كما أنها ستفقد قدرتها على الجاذبية والإغراء. هذا وقد تنجذب بعض الدول إلى دول أخرى عبر القوّة القاسية عن ‏طريق "أسطورة المناعة أو الحتميّة" (بمعنى أن إتباع هذه الدولة أمر حتمي أن لا مناعة لنا في مواجهتها). فقد حاول ‏كل من هتلر وستالين تطوير هكذا أساطير, إذ من الممكن أيضا استعمال القوّة القاسية في تأسيس إمبراطوريات و ‏مؤسّسات تضع أجندة الدول الأخرى الأصغر منها, مثال على ذلك (الهيمنة السوفيتيّة على دول شرق أوروبا). لكن ‏في المقابل لا نستطيع أن نقول إن القوة الناعمة هي بكل بساطة انعكاس للقوّة القاسية (ليست الوجه الآخر). فالفاتيكان ‏لم يخسر قوّته الناعمة عندما خسر الدويلات البابوية في إيطاليا في القرن ال19. و بالعكس فقد فَِقَدَ الاتّحاد السوفيتي ‏كثيرا من قوّته الناعمة عندما اجتاح هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا على الرغم من أن مصادر القوّة الاقتصاديّة والعسكريّة ‏استمرّت آنذاك في النمو. فالسياسات التعسّفيّة التي طبعت القوّة السوفيتيّة القاسية طغت في حقيقة الأمر على قوّته ‏الناعمة. في حين أنّ بعض الدول مثل كندا, هولندا والدول الاسكندنافيّة تمتلك نفوذا سياسيا يفوق بكثير قدرتها وقوّتها ‏الاقتصاديّة والعسكريّة وذلك بسبب تجسيدها لأسباب الإغراء والجاذبية مثل المساعدات الاقتصاديّة أو حفظ السلام, ‏وتأكيدها في مفهومهم للمصلحة الوطنيّة. وهذه دروس يجب أن يتعلّمها الأحاديّو الجانب المؤمنون باستقلالية السياسة ‏الخارجية خلال تعرّضهم وتعرّضنا للخطر.‏
لقد طوّرت كل من بريطانيا في القرن التاسع عشر, وأمريكا في النصف الثاني من القرن العشرين قوّتهم من ‏خلال إنشاء قواعد ومؤسسات اقتصاديّة ليبرالية دولية منسجمة مع المبادئ والهياكل الليبرالية والديمقراطيّة للرأسماليّة ‏في بريطانيا و أمريكا (التجارة الحرّة ونظام الذهب في حالة بريطانيا, البنك الدولي ومنظمة التجارة العالميّة ‏ومؤسسات أخرى في حالة الولايات المتّحدة).‏
إذا استطاعت دولة أن تشرع قوتها في عيون الآخرين فأنها ستواجه مقاومة أقل لرغبتها, إذا كانت ثقافتها ‏وأيديولوجيّتها جذّابة فسيرغب الآخرون أكثر في إتباعها, إذا استطاعت أن تؤسس قواعد دوليّة تتماشى مع مجتمعها ‏ستكون رغبتها في التغيير أقل, وإذا كان باستطاعتها أن تساعد دعم المؤسسات التي تشجّع الدول الأخرى على ‏التّحول, أو التي تحدّ من نشاطاتهم بوسائل تفضّلها هي, فعندها من الممكن أن لا تحتاج إلى هذا الكم المكلف من ‏العصي والجزر، (نسبة إلى مبدأ العصا والجزرة).‏
باختصار, فإن عالمية ثقافة دولة ما, وقدرتها على وضع قواعد مفضلة ومؤسسات تحكم مناطق النشاط الدولي, ‏هي مصادر حاسمة للقوّة, كقيم الديمقراطيّة والحريّة الشخصيّة والتطور السريع والانفتاح – الذي غالبا ما يتمثّل في ‏الثقافة الشعبيّة الأمريكيّة, التعليم العالي, والسياسة الخارجيّة- المتعلّقة بالقوّة الأمريكيّة في مناطق متعدّدة. من وجهة ‏نظر الصحافي الألماني جوزيف جوفي, فإن: "قوة الولايات المتحدة الأمريكية الناعمة تفوق مقدراتها الاقتصادية ‏والعسكريّة. فالثقافة الأمريكيّة سواء أكانت ضعيفة أم رفيعة المستوى تشعّ خارجيّا بشكل لم يحصل له مثيل منذ ‏الإمبراطورية الرومانية. إن تأثير ثقافة كل من الرومان وروسيا السوفيتية توقّفت عند حدودهما العسكرية, بينما ‏استطاعت القوّة الناعمة الأمريكية أن تسيطر على إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس أبدا "(32).‏
بالطبع, فالقوّة الناعمة الأمريكيّة هي أكثر من مجرد ثقافة القوّة. فقيم الحكومة الأمريكيّة داخل بلادها ‏‏(الديمقراطيّة على سبيل المثال), في المؤسسات الدولية (الاستماع إلى الآخرين), وفي السياسة الخارجية (دعم السلام ‏وحقوق الإنسان) من شأنه أن يؤثّر أيضا على خيارات الآخرين. أمريكا باستطاعتها أن تجذب (أو تنفّر) الآخرين ‏عبر تأثير نموذجها عليهم. لكن القوّة الناعمة لا ترتبط بالحكومة الأمريكيّة مباشرة بنفس الدرجة التي ترتبط بها القوّة ‏القاسية, إذ إن بعض مظاهر القوّة القاسية (مثل القوّات المسلّحة) ترتبط ارتباطا حاسما وحصريّا بالحكومة, مظاهر ‏أخرى قد تكون حكوميّة بالوراثة (مثل احتياطات ومخزونات النفط والغاز), ومظاهر عديدة أخرى ممكن أن تنقل إلى ‏السيطرة الجماعية (مثل الموجودات الصناعيّة والتي يمكن نقلها في حالة الخطر والضرورة).‏
في المقابل, العديد من مظاهر القوّة الناعمة لا ترتبط بالحكومة الأمريكية مع أنّها قد تساهم جزئيّا في تحقيق ‏أهدافها. في الحقبة الفيتناميّة على سبيل المثال, عملت كل من سياسة الحكومة الأمريكية والثقافة الشعبية لأهداف ‏مختلفة. اليوم, قامت الجماعات والعناصر غير الحكومية بتطوير القوّة الناعمة الخاصّة بها والتي قد تتطابق أو ‏تتصادم مع أهداف السياسة الخارجية الرسمية, وهذا سبب آخر لدفع الحكومة للتأكّد من أنّ مساعيها تدعم ولا تتصادم ‏مع القوّة اللينة الأمريكيّة. فأهميّة كل مصادر وعناصر القوّة الناعمة آخذة في الازدياد خاصّة في عصر العولمة و ‏المعلوماتيّة لهذا القرن. ولكن وفي نفس الوقت, فإن الغرور وازدراء آراء الآخرين والنظرة الضيّقة لمصالحنا ‏الوطنيّة والتي يدافع عنها الانفراديّون هي طرق مؤكّدة لتقويض القوّة الناعمة الأمريكيّة.‏
فالقوّة في عصر العولمة والمعلومات أصبحت أقل ظهورا وأقل استخداما للقهر خاصّة بين الدول المتقدّمة, لكن ‏معظم العالم لا ينتمي إلى المجتمعات (الما بعد صناعيّة), وهذا بذاته يحدّ من تحوّل القوّة.‏
فكثير من دول أفريقيا والشرق الأوسط لا تزال محصورة في تراث المجتمعات (الما قبل صناعيّة), وبمؤسّسات ‏ضعيفة وحكام متسلّطين. دول أخرى مثل الصين, الهند, والبرازيل لديها اقتصاديّات صناعيّة مشابهة في بعض ‏جوانبها لما كان عليه الغرب في منتصف القرن العشرين (33) . في هكذا عالم متنوع, فإن كل عناصر القوّة ‏العسكريّة والاقتصاديّة والناعمة تبقى مترابطة ولكن بدرجات مختلفة وبعلاقات مختلفة. ومع ذلك, فإذا ما استمرّت ‏الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية الحالية, فإن الزعامة أو القيادة في ظل ثورة المعلومات والقوّة الناعمة, ستصبح ‏أكثر أهمّية.‏
الجدول رقم واحد يزوّدنا بوصف مبسّط عن تطوّر عناصر القوّة خلال القرون القليلة الماضية.‏

الدول القياديّة ومصادر قوّتها، 1500-2000.‏

فالقوّة في القرن الواحد والعشرين سوف تعتمد على خليط من عناصر القوّة القاسية والناعمة. وليس هناك من ‏دولة على الإطلاق تحقق لها مثلما تحقق للولايات المتحدة الأمريكية في المجالات الثلاث العسكرية ولاقتصادية والقوة ‏الناعمة, لذلك فمن الخطأ الكبير في هكذا عالم أن نسقط في تحليل الزاوية الواحدة, ومن الخطأ أيضا أن نؤمن أن ‏الاستثمار في القوة العسكرية وحدها سيؤمن لنا القوة اللازمة.‏
يعتقد الكثيرون، وبشهادة التاريخ، أن تفوق الولايات المتحدة سيحفز على تشكيل تحالف مضاد وموازي لقوّتها ‏وسيحد في نهاية الأمر من قوتها..ولكن إذا امتلكت الدولة القائدة القوّة الناعمة وتصرّفت في إطار يفيد الآخرين، ‏فظهور تحالف مضاد لها سيكون بطيئا جدا عندها.‏
إن قوّة الولايات المتحدة – القاسية والناعمة– هي فقط جزء من القصّة. كيف يتفاعل الآخرون مع القوّة ‏الأمريكيّة هو أمر مساوي في الأهمية للسؤال المطروح عن الاستقرار والحكم في عصر المعلومات.‏
يمجّد العديد من الواقعيين (أتباع المدرسة الواقعيّة) فضائل ومزايا توازن القوى الأوروبي الكلاسيكي الذي ساد ‏في القرن التاسع عشر، والذي تتبدل فيه التحالفات بشكل مستمر لاحتواء طموح أي قوّة عدوانيّة متميّزة. إنهم يحثّون ‏الولايات المتّحدة على إعادة اكتشاف مزايا توازن القوى على المستوى العالمي اليوم. مع العلم أن ريتشارد نيكسون ‏كان قد ذكر سابقا قبل هذا وفي السبعينات "الوقت الوحيد في تاريخ العالم الذي حظينا فيه على فترات ممتدّة من ‏السلام، كان الوقت الذي ساد فيه التوازن في ميزان القوى، وأنّه عندما تصبح أمّة واحدة أقوى بكثير و بشكل غير ‏محدود ولا متناهي عن منافسيها الحيويين، فإن خطر الحروب يبدأ بالظهور"(34).‏
فالحرب كانت دائما رفيقا ثابتا وآلة حاسمة لميزان القوّة المتعددة الأقطاب. توازن القوى الأوروبي التقليدي ‏أعطى استقرار في اتّجاه المحافظة على استقلال معظم الدول، لكن على الرغم من ذلك كان هناك حروب بين القوى ‏العظمى لـ 6% من السنوات منذ عام 15(35) . إن التشبّث المستمر والمتكرّر في ميزان القوى والتعدّدية القطبيّة قد ‏يثبت أنّه أمر خطير بالنسبة إلى الحاكميّة العالميّة أو الإدارة العالميّة خاصّة في عالم قد تتحوّل الحرب فيه إلى حرب ‏نوويّة.‏
لقد شهدت مناطق عديدة من العالم وفترات متعددّة من التاريخ استقرارا وثباتا في ظل الهيمنة، عندما كانت قوّة ‏واحدة متفوّقة، وقد حذرت مارجريت تاتشر من الانجراف نحو "مستقبل اورويلي من أوقيانيا وأوراسيا وشرق آسيا.. ‏ثلاث إمبراطوريات تجاريّة عالمية تشكل أطراف عدائية بشكل متنامي... بمعنى آخر فإن عام 95 من الممكن أن ‏يبدو مثل عام 1914 ولكنه معروض بشكل ما على خشبة مسرح أكبر"(36).‏
إن وجهات نظر كل من نيكسون وتاتشر تبدو آلية جدا وذلك لأنهم يستبعدون القوّة الناعمة كلّيا. أمريكا استثناء، ‏كما يقول الصحافي الألماني جوزيف جوفي: "لأنّ هذه القوّة الخارقة هي أيضا المجتمع الأكثر إغراء وإغواء في ‏التاريخ. كان على نابليون أن يعتمد على الحراب حتى ينشر عقيدة الثورة الفرنسية"(37).‏
إن التعبير "توازن القوى" يستعمل أحيانا بطرق متناقضة، الاستعمال الأكثر إثارة لهذا التعبير يكمن عند ‏استخدامه كمتنبّئ لما ستكون عليه تصرّفات الدول، بمعنى هل سيتّبعون سياسات تمنع أي دولة أخرى من تطوير ‏قوّتها التي من الممكن أن تهدّد استقلالهم؟.‏
يعتقد الكثيرون، وبشهادة التاريخ، أن تفوق الولايات المتحدة سيحفز على تشكيل تحالف مضاد وموازي لقوّتها ‏وسيحد في نهاية الأمر من قوتها. وكما يقول عالم السياسة (الواقعي) كينيث والتز: "سيتفاعل كل من الأعداء ‏والأصدقاء كأنّهم دول عليها دائما أن تكون تحت التهديد، أو أنّ أحدهم يسيطر على الآخر: سيعملون على إعادة ‏التوازن في ميزان القوى، فالوضع الحالي في السياسة الدولية غير طبيعي"(38).‏
من وجهة نظري، أعتقد أن هكذا توقّع آلي وميكانيكي يخطأ الهدف، وذلك لسبب واحد وهو أنّ الدول تتفاعل ‏في بعض الأحيان إثر صعود قوّة أحادية فتنضم إلى الأقوى بدلا من الانضمام إلى الجهة الأضعف (عكس النظرة ‏السابقة-المترجم)، وهذا ما فعله موسوليني بالضبط عندما تحالف مع هتلر بعد سنوات من المتردد. أضف إلى أنّ ‏مدى اقتراب الخطر والتصوّرات المتعلّقة به يؤثّر على طريقة تفاعل الدول.(39)‏
لقد استفادت الولايات المتّحدة من بعدها الجغرافي عن أوروبا وآسيا، لذلك بدت وكأنّها أقل خطرا على تلك ‏المناطق من البلدان المجاورة لها. وبالفعل في عام 1945، كانت الولايات المتّحدة إلى حدّ بعيد أقوى أمّة على ‏الأرض، وبحسب التطبيق العملي لنظرية توازن القوى، كان يجب أن يتم تكوين تحالف ضدّها. لكن بدلا من ذلك، فقد ‏تحالفت أوروبا واليابان مع الولايات المتحدة الأمريكيّة، وهذا لضعف الاتحاد السوفيتي بشكل عام، بينما يشكّل تهديدا ‏عسكريا أعظم بسبب قربه الجغرافي وطموحاته الثورية الطويلة الأمد. اليوم، لا يحبّذ كل من العراق وإيران وجود ‏الولايات المتّحدة في المنطقة لذلك من المتوقع أن يعملوا سويّا لموازنة القوّة الأمريكيّة في الخليج الفارسي، ولكنّهم ‏يخشون أيضا أكثر من بعضهم البعض. القوميّة أيضا من المتوقع لها أن تعقّد التوقعات. على سبيل المثال، إذا أعيد ‏توحيد كل من كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، سيكون عندهما دافع كبير للحفاظ على تحالف قوي مع قوّة بعيدة مثل ‏الولايات المتّحدة الأمريكيّة وذلك من أجل الحفاظ على توازن أكبر مع جاريها العملاقين الصين واليابان. لكن القوميّة ‏المتشدّدة التي تؤدي إلى معارضة الوجود الأمريكي من الممكن لها أن تغيّر هذا، خاصّة إذا كانت الدبلوماسيّة ‏الأمريكيّة قاسية. الفاعلون غير الحكوميون أيضا يمكنهم أن يؤثّروا كما لاحظنا ذلك في التحالف ضدّ الإرهابيين ‏والذي أدّى إلى تغيير تصرّفات بعض الدول بعد أيلول 1 .‏
هذا ومن الممكن أن تكون عدم المساواة في القوّة مصدر سلام وثبات بغض النظر عن كيفية قياس هذه القوّة. إذ ‏يجادل بعض المنظّرين بأنّ التوزيع المتساوي للقوّة بين الدول الرئيسيّة كان نادرا في التاريخ، لكن الجهود المبذولة ‏للحفاظ على التوازن كانت غالبا ما تؤدّي إلى الحروب. من جهة أخرى، فإن اختلال التوازن في القوّة كان غالبا ما ‏يؤدّي إلى السلام والثبات بسبب عدم مقدرة أي من الأطراف على إعلان الحرب على الدولة المسيطرة. لقد قال عالم ‏السياسة روبرت جيلبن: "إنّ السلام البريطاني والسلام الأمريكي مثل سلام روما، ضمن نسبيا نظاما عالميا يتخلله ‏الأمن والسلام". في حين أضاف الاقتصادي تشارلز كايندرليبيرجر أنه: "من أجل أن يكون الاقتصاد العالمي مستقرّا ‏يجب أن يكون هناك جهة تؤمّن له هذا الاستقرار، جهة واحدة ".(4)‏
إن الحاكمية العالمية تتطلبّ دولة ضخمة تتولى القيادة. ولكن ما هو النوع المطلوب والضروري في عدم ‏المساواة في القوّة؟ وكم وكيف وإلى متى؟
إذا امتلكت الدولة القائدة القوّة الناعمة وتصرّفت في إطار يفيد الآخرين، فظهور تحالف مضاد لها سيكون بطيئا ‏جدا عندها. ولكن من جهة أخرى، فإنه إذا حاولت الدولة القائدة الحفاظ على مصالحها وحدها من نظرة ضيقة ‏واستخدمت ثقلها وقوّتها بغطرسة وفوقيّة فإنها تدفع الآخرين بهذه الطريقة إلى تنسيق جهودهم في التخلّص من ‏هيمنتها.‏
بعض البلدان تغضب من وزن القوّة الأمريكيّة أكثر من غيرها. والهيمنة تستعمل أحيانا كتعبير عن خزي وعار ‏من قبل القادة السياسيين في روسيا، الصين، الشرق الأوسط، فرنسا، وآخرين. فيما يتم استخدام المصطلح بشكل أقل ‏سلبيّة في البلدان التي تكون القوّة الناعمة الأمريكيّة ذات نفوذ قوي. وإذا كانت الهيمنة تعني القدرة على الإملاء أو ‏على الأقل السيطرة على القواعد والترتيبات المتضمّنة للعلاقات الدوليّة، كما جادل جاشوا جولدشتاين، فالولايات ‏المتّحدة بالكاد تهيمن اليوم(41) . صحيح أنّ للولايات المتّحدة صوت فوق الأصوات المسموعة في صندوق النقد ‏الدولي، لكنّها لا تستطيع لوحدها أن تختار المدير. ولم تكن قادرة على التغلّب على أوروبا أو اليابان في منظمة ‏التجارة العالمية.‏
لقد عارضت معاهدة الألغام الأرضيّة ولكنّها لم تستطع في النهاية منعها من الصدور. لقد بقي صدّام حسين في ‏الحكم لأكثر من عقد على الرغم من الجهود الأمريكيّة لإبعاده. لقد عارضت الولايات المتّحدة الحرب الروسية في ‏الشيشان والحرب الأهلية في كولومبيا ولكن في النهاية دون فائدة. لو يتم تعريف الهيمنة بشكل معتدل أكثر على ‏أساس أنّها الحالة التي يكون فيها بشكل واضح لدولة معيّنة مصادر قوّة وطاقات أكثر من الآخرين، كان ذلك بكل ‏بساطة يعبّر عن التفوّق الأمريكي وليس بالضرورة عن السيطرة أو التحكّم(42). بعد الحرب العالمية الثانية، عندما ‏كانت الولايات المتّحدة تسيطر على نصف الإنتاج الاقتصادي العالمي (لأنّ اقتصاديات جميع الدول الأخرى كانت ‏مدمّرة بفعل الحرب) ما كانت قادرة على تحقيق جميع أهدافها(43).‏
فالسلام البريطاني على سبيل المثال في القرن التاسع عشر كان غالبا ما ينظر إليه كمثال للهيمنة الناجحة ‏بالرغم من أنّ بريطانيا صنّفت وراء الولايات المتّحدة وروسيا، وبريطانيا لم تكن متفوّقة في الإنتاج على بقية العالم ‏كما كانت الولايات المتّحدة منذ عام 1945، ولكن كان لبريطانيا أيضا درجة من القوّة الناعمة. الثقافة الفيكتورية ‏كانت مؤثرة حول العالم، وبريطانيا كسبت سمعةً وشهرة عندما عرّفت مصالحها بطرق تستفيد منها الأمم الأخرى ‏أيضا (على سبيل المثال، فتح أسواقها أمام حركة الاستيراد، والقضاء على القرصنة).‏
تفتقر الولايات المتّحدة إلى إمبراطورية إقليمية عالمية من الناحية الجغرافيّة كما كانت بريطانيا في ذلك الوقت، ‏إلا أنّها تمتلك بدلا عن ذلك اقتصادا كبير الحجم يعتبر مقياسا قاريّا وله قوّة ناعمة أعظم. هذه الاختلافات بين بريطانيا ‏وأمريكا تقترح بقاء أكبر لقوّة الهيمنة الأمريكيّة. يقول عالم السياسة وليام وولفورث: "إن الولايات المتّحدة تبدو في ‏المقدّمة حتى الآن، ذلك أنّ منافسيها الحيويين يعتبرون أنّه من الخطر بمكان التركيز على عداوة أمريكا، وباستطاعة ‏حلفاء أمريكا الشعور بالثّقة دائما لأنّه يمكنهم أن يستمرّوا بالاعتماد على أمريكا لحمايتهم(44) . وهكذا فإن قوات ‏الموازنة الاعتيادية ستضعف. ومع هذا، فإذا كانت الدبلوماسيّة الأمريكيّة أحاديّة الجانب ومتغطرسة فإن تفوّقنا لن ‏يستطيع منع الدول الأخرى والفاعلين غير الحكوميين من اتّخاذ الأعمال التي من شأنها أن تعقّد الحسابات الأمريكيّة ‏وتمنع حريّة حركتها وعملها(45) . على سبيل المثال، بعض الحلفاء قد يتبعون العربة الأمريكيّة خاصّة في القضايا ‏الأمنية الكبرى ولكنّهم قد يشكّلون تحالفات لموازنة السلوك الأمريكي في ميادين أخرى كالتجارة أو البيئة، خاصّة أنّ ‏المناورة الدبلوماسيّة القصيرة للحلفاء بإمكانها أن تحصَل بعض التأثيرات السياسيّة، وذلك كما لاحظ وليام سافير ‏عندما التقى كل من فلادير بوتين والرئيس بوش مع بعضهم البعض للمرّة الأولى: "كان مدركا لموقفه الضعيف ‏فحاول الرئيس بوتين أن يحاكي إستراتيجية نيكسون بلعب بطاقة الصين، لذلك سافر بوتين مباشرة قبل لقائه بوش إلى ‏شنغهاي ليعقد نصف تحالف وتعاون إقليمي مع جيانغ زيمين وأصدقائه الآخرين"(46). وطبقا لأحد المراسلين فإن ‏‏"تكتيكات بوتين وضعت بوش في موقع دفاعي ممّا جعل بوش يقول بجهد وانزعاج أنّ أمريكا ليست على وشك ‏المضي لوحدها في العلاقات الدوليّة "(47).‏
من المحتمل أن يدوم السلام الأمريكي ليس فقط لأنّه لا يوجد أحد يضاهي أمريكا في قوّتها وإنما لأنّ الولايات ‏المتّحدة "هي الوحيدة القادرة استثنائيا على التدخّل في المناطق الإستراتيجية والساخنة لتأكيد الشركاء وتسهيل ‏التعاون"(48). إن الطريق المفتوح والمتعدّد الذي تُصنع فيه السياسة الخارجية الأمريكيّة بإمكانه غالبا أن يخفّف من ‏المفاجآت ويسمح للآخرين بأن يكون لديهم صوت مسموع ومساهمة في القوّة الناعمة. أضف إلى ذلك، أنّ التفوّق ‏الأمريكي يلين (يصبح ناعما) عندما يغلّف بشبكة من المؤسسات المتعدّدة الأطراف والتي تسمح للآخرين بالمشاركة ‏في القرارات وتعمل كنوع من الدستور العالمي الذي يحدّ من تّقلب القوّة الأمريكية.‏
ذلك كان الدرس الذي تعلمته الولايات المتحدة بينما كانت تكافح لتشكيل تحالف ضدّ الإرهاب في أعقاب ‏هجمات سبتمبر/أيلول من العام 1. فعندما يكون مجتمع وثقافة المهيمن جذّابة، فإن اتجاه التهديد والحاجة لموازنته ‏ينخفض جدّا(49) . وسواء ستتّحد الدول الأخرى لموازنة القوّة الأمريكيّة أم لا، فإن ذلك سوف يعتمد على الطريقة ‏التي ستتصرّف بها الولايات المتّحدة وعلى مصادر القوّة لدى المنافسين الحيويين.‏

المصدر: مجلة العصر، بترخيص من المترجم.‏


الهوامش:‏
‎(1) America's World, "The Economist, 23 October 1999.‎
‎(2) Lara Marlowe, “French Minister Urges Greater UN Role to Counter US Hyperpower,” The Irish ‎Times, 4 November 1999. In 1998, Ve´drine coined the term “hyperpower” to describe the United States ‎because “the word ‘superpower’ seems to me too closely linked to the cold war and military issues.”Hubert ‎Ve´drine with Dominique Moisi, France in an Age of Globalization (Washington, DC: Brookings ‎Institution Press, 2001), 2‎
‎(3) Robert Kagan and William Kristol, “The Present Danger,” The National Interest (Spring 2000).‎
‎(4) William Drozdiak, “Even Allies Resent U.S. Dominance,” Washington Post, 4 November 1997.‎
‎(5) See Charles Krauthammer, “The Unipolar Moment,” Foreign Affairs (Winter 1990—1991): 23—33;‎
Christopher Lane, “The Unipolar Illusion: Why New Great Powers Will Arise,” International Security ‎‎(Spring 1993): 5—51; Charles Kupchan, “After Pax Americana: Benign Power, Regional Integration and ‎the Sources of Stable Multipolarity,” International Security (Fall 1998).‎
‎(6) William Wohlforth, “The Stability of a Unipolar World” in Michael Brown et al., America’s Strategic ‎Choices, rev. ed. (Cambridge, MA: MIT Press, 2000), 305, 309; also from a liberal perspective, G.John ‎Ikenberry, “Institutions, Strategic Restraint, and the Persistence of American Postwar Order,”International ‎Security (Winter 1998—99): 43—78.‎
‎(7) Charles Krauthammer, “The New Unilateralism,” Washington Post, 8 June 2001.‎
‎(8) Kenneth Waltz, “Globalization and Governance,” Political Science and Politics (December 1999): 700.‎
‎(9) Sunanda K. Datta-Ray, “Will Dream Partnership Become Reality?” The Straits Times (Singapore),‎
‎25 December 1998.‎
‎(10) Hugo Chavez quoted in Larry Rohter, “A Man with Big Ideas, a Small Country . . . and Oil,” New ‎York Times, 24 September 2000.‎
‎(11) “When the Snarling’s Over,” The Economist, 13 March 1999.‎
‎(12) Paul Kennedy, The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from ‎‎1500—2000 (New York: Random House, 1987); Lester Thurow, The Zero Sum Solution (New York: ‎Simon and Schuster, 1985).‎
‎(13) Martilla and Kiley, Inc. (Boston, MA), Americans Talk Security, no. 6, May 1988, and no. 8, August ‎‎1988.‎
‎(14) Quoted in Barbara Tuchman, The March of Folly: From Troy to Vietnam (New York: Knopf, 1984), ‎‎221.‎
‎(15) Daniel Bell, The Coming of Post-Industrial Society: A Venture in Social Forecasting (New York: ‎Basic Books, 1999 [1973]), new introduction.‎
‎(16) William Pfaff, Barbarian Sentiments: America in the New Century, rev. ed. (New York: Hill and ‎Wang, 2000), 280.‎
‎(17) On the complexities of projections, see Joseph S. Nye, Jr., “Peering into the Future,” Foreign Affairs ‎‎(July-August 1994); see also Robert Jervis, “The Future of World Politics: Will It Resemble the Past?” ‎International Security (Winter 1991—1992).‎
‎18) A. J. Taylor, The Struggle for Mastery in Europe, 1848–1918 (Oxford, UK: Oxford University Press, ‎‎1954), xxix.‎
‎(19) Whether this would change with the proliferation of nuclear weapons to more states is hotly debated ‎among theorists. Deterrence should work with most states, but the prospects of accident and loss of control ‎would increase. For my views, see Joseph S. Nye, Jr., Nuclear Ethics (New York: Free Press, 1986).‎
‎(20) Robert Cooper, The Postmodern State and the World Order (London: Demos, 2000), 22.‎
‎(21) John Mueller, Retreat from Doomsday: The Obsolescence of Major War (New York: Basic Books, ‎‎1989).‎
‎(22) Thomas Friedman, The Lexus and the Olive Tree: Understanding Globalization (New York: Farrar, ‎Straus and Giroux, 1999), chap. 6.‎
‎(23) Richard N. Rosecrance, The Rise of the Trading State (New York: Basic Books, 1986), 16, 160.‎
‎(24) Thucydides, History of the Peloponnesian War, trans. Rex Warner (London: Penguin, 1972), book I, ‎chapter 1.‎
‎(25) And in turn, as industrialization progressed and railroads were built, Germany feared the rise of ‎Russia.‎
‎(26) Henry Kissinger portrays four international systems existing side by side: the West (and Western ‎Hemisphere), marked by democratic peace; Asia, where strategic conflict is possible; the Middle East, ‎marked by religious conflict; and Africa, where civil wars threaten weak postcolonial states. "America at ‎the Apex," The National Interest (Summer 2001).‎
‎(27) Robert O. Keohane and Joseph S. Nye, Jr., Power and Interdependence, 3rd ed. (New York: Longman, ‎‎2000), chap. 1.‎
‎(28) James Carville quoted in Bob Woodward, The Agenda: Inside the Clinton White House (New York: ‎Simon and Schuster, 1994), 302.‎
‎(29) For a more detailed discussion, see Joseph S. Nye, Jr., Bound to Lead: The Changing Nature of ‎American Power (New York: Basic Books, 1990), chap. 2. This builds on what Peter Bachrach and Morton ‎Baratz called the "second face of power" in "Decisions and Nondecisions: An Analytical Framework," ‎American Political Science Review (September 1963): 632–42.‎
‎(30) Ve´ drine, France in an Age of Globalization, 3‎
‎(32) Josef Joffe, "Who’s Afraid of Mr. Big?" The National Interest (Summer 2001): 43.‎
‎(33) See Cooper, Postmodern State ; Bell, The Coming of Post-Industrial Society.‎
‎34) Nixon quoted in James Chace and Nicholas X. Rizopoulos, “Towards a New Concert of Nations:‎
An American Perspective,” World Policy Journal (Fall 1999): 9.‎
‎(35) Jack S. Levy, War in the Modern Great Power System, 1495–1975 (Lexington: University Press of ‎Kentucky, 1983), 97.‎
‎(36) Margaret Thatcher, “Why AmericaMust Remain Number One,” National Review, 31 July 1995, 25.‎
‎(37) Josef Joffe, “Envy,” The New Republic, 17 January , 6.‎
‎(38) Kenneth Waltz, “Globalization and American Power,” The National Interest (Spring ): 55–56.‎
‎(39) Stephen Walt, “AllianceFormation and the Balance of Power,” International Security (Spring 1985).‎
‎(4) Robert Gilpin, War and Change in World Politics (New York: Cambridge University Press, 1981),‎
‎144–45; Charles Kindleberger, The World in Depression, 1929–1939 (Berkeley: University of California ‎Press, 1973), 35.‎
‎(41) Joshua S. Goldstein, Long Cycles: Prosperity and War in the Modern Age (New Haven: Yale ‎University Press, 1988), 281.‎
‎(42) See Robert O. Keohane, After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy ‎‎(Princeton: Princeton University Press, 1984), 235.‎
‎(43)‎
‎(44) Wohlforth, “The Stability of a Unipolar World.”‎
‎(45) Stephen Walt, “Keeping the World ‘Off-Balance’: Self-Restraint and US Foreign Policy,” Kennedy ‎School Research Working Paper Series –13, October .‎
‎(46) William Safire, “Putin’s China Card,” New York Times, 18 June 1.‎
‎(47) Patrick Tyler, “Bush and Putin Look Each Other in the Eye,” New York Times, 17 June 1.‎
‎(48)Ikenberry, “Institutions, Strategic Restraint,” 47; also Ikenberry, “Getting Hegemony Right,” The ‎National Interest (Spring 1): 17–24.‎
‎(49) Josef Joffe, “How AmericaDoes It,” Foreign Affairs (September-October 1997).‎
‎(34) Nixon quoted in James Chaceand Nicholas X. Rizopoulos, “Towards a New Concert of Nations: An ‎American Perspective,” World Policy Journal (Fall 1999): 9.‎
‎(35) Jack S. Levy, War in the Modern Great Power System, 1495–1975 (Lexington: University Press of ‎Kentucky, 1983), 97.‎
‎(36) Margaret Thatcher, “Why America Must Remain Number One,” National Review, 31 July 1995, 25.‎
‎(37) Josef Joffe, “Envy,” The New Republic, 17 January , 6.‎
‎(38) Kenneth Waltz, “Globalization and American Power,” The National Interest (Spring ): 55–56.‎
‎(39)Stephen Walt, “Alliance Formation and the Balance of Power,” International Security (Spring 1985).‎
‎(4) Robert Gilpin, War and Change in World Politics (New York: Cambridge University Press, 1981), 144–‎‎45; Charles Kindleberger, The World in Depression, 1929–1939 (Berkeley: University of California Press, ‎‎1973), 35.‎
‎(41) Joshua S. Goldstein, Long Cycles: Prosperity and War in the Modern Age (New Haven: Yale ‎University Press, 1988), 281.‎
‎(42) See Robert O. Keohane, After Hegemony: Cooperation and Discord inthe World Political Economy ‎‎(Princeton: Princeton University Press, 1984), 235.‎
‎(44) Wohlforth, “The Stability of a Unipolar World.”‎
‎(45) Stephen Walt, “Keeping the World ‘Off-Balance’: Self-Restraint and US Foreign Policy,” ‎KennedySchoolResearch Working Paper Series –13, October .‎
‎(46) William Safire, “Putin’s China Card,” New York Times, 18 June 1.‎
‎(47) Patrick Tyler, “Bush and Putin Look Each Other in the Eye,” New York Times, 17 June 1.‎
‎(48) Ikenberry, “Institutions, Strategic Restraint,” 47; also Ikenberry, “Getting Hegemony Right,” The ‎National Interest (Spring 1): 17–24.‎
‎(49) Josef Joffe, “How AmericaDoes It,” Foreign Affairs (September-October 1997).‎
‎ ‎
 
أعلى