تفسير قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو...)

الموضوع في 'منتدى علوم الشريعة' بواسطة عبد الله المصري, بتاريخ ‏22 ابريل 2010.

  1. تفسير قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو...)

    ثم تلا تلك الآية آيات ست آيات مسترسلات بعضها بعد بعض، فقال الله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [الأنعام:59-65]. قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام:59] هذا أسلوب حصر، ومن أساليب الحصر في اللغة: تقديم ما حقه التأخير، وأصل الآية: مفاتح الغيب عنده. فقدم الله الخبر على المبتدأ ليصبح المقام مقام حصر، أي: ليست عند أحد غيره مفاتح الغيب، ولو قال: ومفاتح الغيب عنده فإن المعنى يحتمل أن مفاتح الغيب عنده وعند غيره، ولكنه قال وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام:59] فجعل الأمر محصوراً؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ، وتقديم ما حقه التأخير أسلوب من أساليب الحصر في بلاغة العرب. وقوله تعالى: وَعِنْدَهُ [الأنعام:59] أي: عند الله مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام:59]. و(مفاتح): جمع مفتاح، وهي عند النحويين اسم ممنوع من الصرف لأنه على وزن مفاعل. يقول الله: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:59]. والنفي مع الاستثناء كذلك أسلوب من أساليب الحصر.



    بيان المراد بمفاتح الغيب



    ولم يذكر الله في هذه الآية مفاتح الغيب، ولكن السنة فسرت القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عمر -: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34]). فنقول: إن مفاتح الغيب أمر لا يعلمه إلا الله، ولا يعطى لأحد، أما غير ذلك من الغيب فيمكن أن يطلع الله جل وعلا عليه بعض عباده، قال الله: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27]. فقد يطلع الله بعض عباده على بعض غيبه، ولكن مفاتح الغيب اختص الله جل وعلا بها، فلا يطلع عليها أحدا كائنا من كان إلا وقت المراد من الغيب نفسه. وبناء على آية لقمان أصبح أعظم الغيبيات علم الساعة، وهي أعظم الغيبيات بدلالة القرآن والسنة، فجبرائيل سيد الملائكة يسأل نبينا صلى الله عليه وسلم: (أخبرني عن الساعة؟ فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) أي علمي وعلمك فيها سواء. والله يقول: لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187]. بل إن إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور لتقوم الساعة، يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد أحنى جبهته وأصغى أذنه والتقم القرن ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ) فإسرافيل لا يعلم متى ينفخ، فمن باب أولى ألا يعلم الناس ذلك، فالساعة أعظم الغيبيات. يقول تعالى: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان:34]. وإنزال المطر لا يعلم تحديد وقته إلا الله، أما ما تراه من إرهاصات فهو مقدمات تصيب وتخطئ، ولا يجزم بها أحد، وقد نقل القرطبي رحمه الله عن بعض علماء المسلمين أن من جزم بنزول المطر، فقال: غداً سيكون مطر، فإنه يكفر؛ لأنه خالف صريح القرآن في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34]. وقوله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34] (ما) هنا موصولة تدل على العموم، أي: يعلم ما في الأرحام، فإن كان ما في الرحم سقطا سينزل، أو سيتم خلقه فإنه يعلمه، ويعلم الله جل وعلا إن كان شقيا أو سعيدا، ويعلم الرب تبارك وتعالى إن كان سيعمر أو لا يعمر، في أمور شتى تتعلق به، ويعلم أنه سيكون ذكراً أو أنثى، وغير ذلك مما يتعلق به ولا يعلمه إلا الرب تبارك وتعالى. يقول تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان:34]. إن هناك فرقاً بين جدول العمل وبين ما تحصل عليه من العمل، فإن المعلم يعلم جدول حصصه قبل العام، وكذلك كثير من الناس ممن لهم أمور مرتبة وجداول وأعمال، ولكن هل يحصل هذا العمل الذي يسمى في اللغة كسبا؟! إن هذا لا يعلمه إلا الرب تبارك وتعالى، فقد يحول الله بين المرء وبين ما يريد قبل أن يقع الأمر بلحظات. ثم قال سبحانه: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34] وفي المسند أن من أراد الله أن يقبض روحه في أرض جعل له حاجة إليها. ومن جهل المكان فمن باب أولى أن يجهل الزمان. والمقصود من هذا كله إجمالا أن مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الرب تبارك وتعالى.







    سعة علم الله تعالى



    يقول تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]. فهذه من أعظم آيات الربوبية في القرآن، يخبر الله جل وعلا فيها عن سعة علمه، وعظيم إحاطته بخلقه، وأن ما تراه العيون، وما لا تراه، ومثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وورق الأشجار على كثرته واتساعه وعظيم عدده، لا يعلمه إلا الرب تبارك وتعالى، فكل تلك الأمور أينما كانت، وأينما غابت عن عيوننا، الغيب وغياهب البحار، ومفاوز البر، وكل ما يقع فيه، وما يكون في ليل أو في نهار أو في أي مكان قد اطلع، الله جل وعلا عليه وقد علمه وكتبه وأراده وشاءه، قال الله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام:59] ثم تتناقلها الرياح ميمنة وميسرة، وشمالاً وجنوباً، ثم تهوي، كل ذلك يعلمه الله جل وعلا، لا يخفى عليه من خلقه خافية أينما كانت، قال تعالى عن لقمان : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]. والإنسان -ستره الظلام أو كان في الضوء- قد اطلع الله جل وعلا عليه، سواء أسر في نفسه أم أعلن، فالله جل وعلا يعلم ذلك كله، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، ولا تخفى عليه من خلقه خافية. يقول تعالى: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ [الأنعام:59] أي: ولا حبة تسقط فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ [الأنعام:59]. وقوله تعالى: وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ [الأنعام:59] أسلوب قرآني يسمى عطف عام على خاص؛ لأن كل ما سلف لا يخلو من كونه رطباً أو يابساً، وحياً أو ميتاً. قال تعالى: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ [الأنعام:59] من كل ذلك إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59] أي: في اللوح المحفوظ، فالله أول ما خلق القلم، قال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، جفت الأقلام وطويت الصحف، فأنت تسعى وراء رزق سيأتي إليك، أو تطلب شيئا لن يأتيك أبدا. فالعاقل من أحسن صلته بربه جل وعلا، وأهل والفضل العلم يقولون: من خسر مع الله جل وعلا فماذا ربح؟ ومن ربح مع الله تبارك وتعالى فماذا خسر؟ فمن ربح مع الله لم يخسر شيئا، ومن خسر مع الله لم يربح شيئا ولو أوتيت له الدنيا بحذافيرها.
     
  2. علاءأبو الفضل

    علاءأبو الفضل عضو مميز

    رد: تفسير قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو...)

    السلام عليكم

    مشكور أخي على الفائدة