تركيا من أتاتورك الى أردوغان حرب الأشقاء.. وخلافات الإسلاميين

الموضوع في 'منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية' بواسطة محمد., بتاريخ ‏2 مايو 2010.

  1. محمد.

    محمد. عضو جديد

    تركيا من أتاتورك الى أردوغان (الحلقة الثانية): حرب الأشقاء.. وخلافات الإسلاميين
    إسلاميون أتراك يرون أن تجربة أردوغان «سرقت» تجربتهم ثم «شوهتها».. وأضرت الإسلام السياسي في تركيا

    الأوضاع الاقتصادية في تركيا مثار خلاف بين حزب العدالة وأحزاب المعارضة (أ.ب)

    اسطنبول: منال لطفي
    «فزنا لأننا قدمنا أفضل تصورات للاقتصاد التركي، وليس لأننا حزب إسلامي، نحن لا نصف انفسنا على أننا حزب اسلامي. وحزب العدالة ليست لديه أصلا فكرة أسلمة تركيا»، قالت اديبة سوزان النائبة عن حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي ووراءها صورة كمال اتاتورك على حائط مكتبها، وعلى الحائط الاخر في المكتب صورة رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب العدالة. وتابعت سوزان وهي تضبط شعرها القصير المرتب بعناية، وهي واحدة من نائبات كثيرات للعدالة غير محجبات،: «بحكم أن مكتبي مكتب حكومي يجب أن أضع صورة أتاتورك. لكن حتى اذا لم أكن مضطرة بحكم القوانين، كنت سأضع صورته، فأنا أحترمه كثيرا لما فعله لتركيا» ثم أضافت لـ«الشرق الاوسط»: «علينا الان ان نتحرك للأمام.. ما زالت لدينا الكثير من المهمات». بعد سيطرة حزب العدالة والتنمية، ذو الجذور الاسلامية، على الحكومة والبرلمان والرئاسة في تركيا، كان العلمانيون في حالة غضب واضح، يريدون ان يفهموا لماذا فاز حزب العدالة بـ46% من الاصوات. اجتمعت لجان في حزب الشعب الجمهوري، الحزب الذي أسسه اتاتورك، لمناقشة نتيجة الانتخابات، والتحضير للانتخابات المحلية بعد عام ونصف العام. ودعا البعض الى استقالة دينز بايكال زعيم الحزب. بعد ذلك استقال رئيس الحزب الديمقراطي التركي محمد اغار، ليبحث الحزب عن زعيم جديد واستراتيجية جديدة. لكن بينما كان كل هذا الغضب علنيا ومفتوحا، كان هناك فصيل سياسي واحد في حالة غضب مكتوم، لكنه غضب مجروح ايضا. هذا الفصيل يمثل الاسلاميين الاتراك الذين خرجوا من عباءة نجم الدين اربكان، الذي ولدت على يديه تجربة الاسلام السياسي في تركيا قبل نحو 30 عاما من خلال أحزاب «السلامة الوطني» و«الرفاه» و«الفضيلة» و«السعادة». اربكان وغيره من الاسلاميين الاتراك الذين ينضوون الان تحت راية حزبي السعادة والفضيلة يشعرون بالخديعة، يشعرون ان تجربة حزب العدالة والتنمية «سرقت» تجربتهم، ثم «شوهتها». وبالتالي فإن أشد الانتقادات لأردوغان لا تأتي من الاحزاب العلمانية، بل من الاحزاب الاسلامية في تركيا، التى ترى ان حزب العدالة نجح بطريقة ما في فصل نفسه عن تجربة باقي الاحزاب الاسلامية في تركيا، وتصوير نفسه على انه «تجربة جديدة.. بنفس جديد معتدل».
    وتقول اويا اكجونينش أحدى القيادات البارزة في «حزب السعادة» الاسلامي، الذي تشكل بعد حل حزب الفضيلة الاسلامي في هذا الصدد: «بطريقة ما استطاع حزب العدالة باستخدام الكثير من الدعاية، فصل نفسه عن تجربة حزب الفضيلة، والتركيز على أنه حزب جديد وتجربة جديدة وأفكار جديدة. ظلوا يرددون: نحن حزب جديد مختلف في كل وسائل الاعلام وفي خطابهم السياسي، وبدا هذا جذابا جدا للكثير من الاتراك». وتابعت اكجونينش لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يقولون انهم مختلفون سياسيا، فهذا صحيح، لانهم تركوا الآيديولوجية التي جعلت حزب الفضيلة مهما، ووجوده ضروريا. وباتوا حزبا (سياسيا شعبويا) عاديا مثل الكثير من الاحزاب السياسية في العالم. انتهجوا سياسات شعبوية من اجل الحصول على اصوات الناس. لكن في الحقيقة ليس هناك شيء جديد فيما يطرحونه. كانت وراءهم آلة دعائية هائلة، واستخدموا كل الاساليب الممكنة من اجل التأثير على الاتراك. على سبيل المثال يتم تصوير طيب اردوغان في دعايتهم على انه يستطيع تحقيق المعجزات، اردوغان اعرفه من حزب الفضيلة وهو شخص عادي معروف بحبه للعب كرة القدم، تعلم في مدرسة دينية، وتدرج في حزب الفضيلة، وانتخب عمدة لاسطنبول، والحزب كله كان وراءه وساعده على النجاح والتقدم، لكنه وصل الى نقطة ظن فيها انه الحزب، وان الحزب هو. وعندما وجد معارضة من داخل قيادات في الحزب، بدأ يظهر عداء لقيادات الفضيلة. ثم صور الامر على انه تنافس بين الجيل الجديد في الحزب، وبين المحافظين. وساعدت الظروف على بيع هذه الصورة، ففي التسعينيات انتخب توني بلير في بريطانيا وبيل كلينتون في اميركا وكلاهما صغير السن. اردوغان استفاد من هذا المناخ وقرر الانشقاق عن حزب الفضيلة وتأسيس حزب جديد. وتم تصوير الامر ساعتها على ان اردوغان «الاكثر اعتدالا» يغادر حزب الفضيلة «الاكثر محافظة»، لكن طبعا الامر ليس هكذا. الحقيقة هي ان حزبي الفضيلة والسعادة حزبان للطبقة الوسطى والفقراء. فهما يتخذان السياسات التي يمكن ان تساعد الاتراك العاديين فيما يتعلق بالتعليم مثلا او السياسات الاقتصادية ومحاربة الفساد، بينما حزب العدالة حزب رجال الاعمال والاثرياء، فهم اكثر من استفاد من سياساته، كما ان هناك من عناصره من هو ليس بعيدا عن الفساد. فوز اردوغان ليس نصرا للاسلاميين. فشعاراتهم وان ظهر فيها شيء اسلامي، إلا انهم عمليا يعملون مع اميركا ويخدمون الاغنياء ويقدمون للفقراء الفتات». لكن اكجونينش لا تنفي ان حزب السعادة الذي استخدم أجندة انتخابية تركز على مهاجمة صندوق النقد الدولي، وتحذر من تأثير سياساته على الطبقة الوسطى التركية، كان معقدا على فهم رجل الشارع في تركيا.
    ويحذر اسلاميون اتراك اخرون من ان وصف حزب العدالة في الكثير من وسائل الاعلام المحلية والدولية بـ«الاسلامي» ساعد الحزب كثيرا، بالرغم من ان الحزب نفسه حريص على نزع وصف «اسلامي» عن اسمه «حزب العدالة لا يرى في عيون الكثير من الاتراك على انه حزب اسلامي. فهو حزب مؤيد لاميركا، مؤيد لاوروبا، وليبرالي في سياساته الاقتصادية. الكثير من مؤسسي الحزب جاؤوا من جذور اسلامية، ولهذا نجحوا بسهولة في التواصل مع الاتراك. لكن سياسات الحزب وآيديولوجيته ومواثيقه الاساسية ونشاطاته خلال خمس سنوات في السلطة تركز على علاقات جيدة مع اوروبا ومع اميركا واسرائيل. وبالتالي لا حزب العدالة نفسه او المحللون السياسيون الذين يتابعون مساره يقبلون وصفه بـ«الاسلامي»، كما يقول نعمان كورتوليمش نائب رئيس الشؤون السياسية في حزب الفضيلة. ويوضح كورتوليمش ان سبب الانتصارات الانتخابية التي حققها العدالة تعود الى ان تركيا في ظل استقطاب سياسي غير مسبوق تحولت الى ما يشبه ساحة لمباراة كرة قدم بين فريقين معاديين، وان ضعف الاحزاب السياسية عموما في تركيا منذ انقلاب الجيش عام 1980، وغياب قواعد اجتماعية لها، زادا من ازمة السياسة التركية. ويضيف لـ«الشرق الاوسط»: «كان هناك استقطاب سياسي غير مسبوق. فريق مستقطب نحو الديمقراطية والحرية، وفريق اخر نحو الحفاظ على مبادئ الجمهورية التركية العلمانية. ولهذا لم يحدث اي نقاش حقيقي طوال فترة الانتخابات حول القضايا الحقيقة التي تعني غالبية الشعب التركي مثل الفقر ومشاكل المدن والبطالة والتضخم والازدحام، كذلك لم تناقش مشاكل السياسة الخارجية التي تعني تركيا مثل الشرق الاوسط. وسائل الاعلام وعدد من السياسيين والاقتصاديين البارزين نجحوا في ان يجعلوا النقاش حول الانتخابات يتمحور حول الصراع المفترض بين فريقين او جناحين، احدهما يمثل الحداثة والاخر يمثل المحافظة الدينية. كان الامر اشبه بمباراة لكرة القدم، وتصويت الناس في الانتخابات كان مثل تشجيع فريق كرة على فريق آخر، خصوصا بعد تحذير الجيش يوم 27 ابريل (نيسان) الماضي في بيان على الانترنت لحزب العدالة بخصوص اختيار الحزب لعبد الله غل لرئاسة الجمهورية، وهو البيان الانترنتي الذي سمى في تركيا مجازا (انقلاب عسكري ما بعد حداثي)، لانه لم يحدث بالدبابات، بل الانترنت. هذا التحذير خلق شعورا بين غالبية الاتراك ان الجيش لا ينبغي ان يتدخل في السياسة». ولكن، وفيما ترى تيارات اسلامية تركية حزب العدالة وتجربة اردوغان بمثابة هزيمة للمعنى الحقيقي للاسلام السياسي، او «طعنة غربية» للاسلام السياسي التركي، بعد تجربة اربكان في الحكم، ترى الاحزاب العلمانية التركية ان حزب العدالة يتسلل خطوة خطوة بالخطاب المعتدل الليبرالي الذي يطرحه، وأنه حقيقة يخفي «أجندة اسلامية» بهدف أسلمة تركيا. وتقول ميروى بيتيك جوربوز مسؤولة العلاقات الخارجية بحزب الشعب الجمهوري «هناك دائما خطر.. فتركيا هي الدولة الاسلامية الوحيدة التي تنتهج العلمانية. لدينا ميراث قوي جدا للعلمانية في تركيا. ولا يمكننا القول ان 46% من الأتراك الذين صوتوا لحزب العدالة والتنمية يريدون دولة دينية في تركيا. اذا سألهم أحد ما اذا كانوا يرغبون في ان تتحول تركيا الى دولة دينية، بمعنى نظام حكم اسلامي، فإنني لا أعتقد ان الـ 46% كلهم سيقولون نعم. لكننا رأينا أشياء تثير القلق. فمثلا اردوغان قال يوما ان الديمقراطية ليست غاية، بل وسيلة. نحن لدينا شكوكنا في حقيقة حزب العدالة والتنمية. نحن رأينا لافتات سياسية لحزب العدالة والتنمية في بعض القرى والمدن تقول: يمكنك ان تضرب زوجتك. لكن لا تضربها على وجهها. هذا شيء لا يمكننا فهمه في تركيا». وتتخوف ميروى بيتيك جوربوز من ان حزب العدالة يغطي على اجندته الحقيقية بإظهار ان علاقاته مع اميركا واسرائيل استراتيجية. وتتابع: «رئيس الوزراء اردوغان قال حول بعض التغييرات الاسلامية ان الوقت ما زال مبكرا عليها. اي ليس الان. آية الله الخميني بعد 14 عاما في المنفى بباريس، عاد الى إيران بعد انتصار الثورة الإيرانية، وخطوة خطوة غيّر كل شيء. هذا ما حدث في إيران. نحن نعيش في وضع جغرافي استراتيجي خطير جدا. جيراننا ليسوا المانيا واسبانيا. لدينا في تركيا بنية دولة قوية. اذا اراد العدالة تغيير الدولة فلا بد من هدم النظام القائم خطوة خطوة، ثم اعادة بناء شيء جديد. وجهة نظري الشخصية هي ان علاقات اردوغان مع اميركا واسرائيل مرحلية. هذه ليست علاقات بين مصطفى كمال أتاتورك وحبيب بورقيبة (بورقيبة كان متأثرا جدا بتجربة أتاتورك في تركيا، وقال ان تجربته ألهمته كثيرا). هذا شيء اخر، ولا أعتقد ان علاقات العدالة مع اميركا واسرائيل ستستمر طولا. فتح الله كولن (زعيم ديني تركي بارز) وعبد الله غل واردوغان كانوا يقولون خلال فترات طويلة من حياتهم السياسية ان اسرائيل هي ممثلة الصهيونية التي تكره المسلمين. وان اميركا هي الشيطان الأكبر، واسرائيل هي الشيطان الأصغر. فكيف خلال فترة عامين او 3 أعوام فقط يصبحون حلفاء سياسيين؟». ويتهم اسلاميون مثل اكجونينش من حزب السعادة، المعارضة العلمانية في تركيا بالمساهمة في فوز حزب العدالة بمهاجمة كل ما هو اسلامي. وتتابع «هناك فصيل صغير داخل حزب الشعب الجمهوري، كلما رأى سيدة محجبة.. فزع وصرخ وقال إنها تهديد للدولة. قبل الانتخابات بقليل نشرت الصحف ان مستشفى حكوميا رفض علاج سيدة مسنة ترتدي الحجاب، وطلب منها أن تخلعه اولا، فرفضت. الناس تعبت من هذه التصرفات، وكان هذا هو رد الفعل». إلا ان ميروى بيتيك جوربوز تنفي ان يكون العلمانيون تصرفوا كـ«فاشيين» في التصدي لكل شيء يصدر عن حزب العدالة. وتقول «دعمنا في البرلمان كل القوانين الاصلاحية التي اتخذها حزب العدالة والتنمية للوفاء بمعايير الانضمام للاتحاد الاوروبي ومن بينها توسيع حريات الرأي والتعبير. لكننا احيانا لاحظنا وجود مواد في هذه التشريعات الجديدة لا علاقة لها بالاتحاد الاوروبي. على سبيل المثال ارادوا ان يسمحوا بتخصيص مساجد للصلاة في المؤسسات الحكومية، وهذا شيء لا يمكنك ان تفعله في تركيا. فعندما تفعل هذا تصبح هذه الاماكن الفناء الخلفي لبعض الطرق الدينية. نحن لدينا مساجد في كل مكان. فلماذا تخصيص مساجد في المؤسسات الحكومية؟ هل تريدون بناء فناء خلفي لطريقتكم الدينية. قانون تجريم الزنا، اذا لم نعارضه بالطريقة العنيفة التي عارضناه بها لكان البرلمان مرره. هل سمعتم عن قانون الخط الاحمر؟ قبل عامين صاغوا قانونا يمنع على الناس شرب الكحوليات بموجب القانون في مناطق معينة من اسطنبول تحاط بخط احمر. انا لا أقول انه ينبغي على كل الناس ان تشرب، هذا ليس هو الموضوع. لكنك لا يمكنك ان تقسم بين الناس على اساس اختياراتهم الشخصية اذا اردنا ان نطبق معنى الديمقراطية. ومع اننا استأنفنا لدى المحكمة الدستورية التركية ورفضت القانون، الا ان ما يقلقنا ان حزب العدالة يسير خطوة خطوة». وبين النقيضين، اي حزب العدالة والتنمية من ناحية وحزب الشعب الجمهوري من ناحية اخرى، تعاني باقي الاحزاب السياسية التركية من مشكلة توصيل صوتها للناس. فهي احزاب اصغر حجما، واقلها ثراء، وبعضها يعاني ازمة زعامة، بل ويتأرجح بين أفكار اليمين واليسار. ويقول اوباهان اوبا اوغلو رئيس اللجنة التكنولوجية في الحزب الديمقراطي التركي ان هذه الاحزاب الصغيرة ظلمت ايضا بسبب غياب القضايا المهمة عن الساحة السياسية، لصالح الاستقطاب الآيديولوجي. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «اكثر حزبين استفادا من الازمة الحالية حول هوية الدولة هما العدالة والشعب الجمهوري. استفادا واشعلا الاستقطاب السياسي في تركيا. الشارع التركي في الواقع يمكن ان يحل معضلة كونه علمانيا ومسلما في الوقت ذاته». ويبدو هذا الكلام صحيحا الى حد كبير، فالكثير من الاتراك لم يصوتوا بسبب الاجندة الدينية او العلمانية لهذا الحزب او ذاك. الغالبية صوتت طمعا في تحسين اوضاعها الاقتصادية. الكثير من الاتراك في الاحياء الفقيرة من أنقرة قالوا لـ«الشرق الاوسط» انهم صوتوا للحزب الذي وزع زيتا للتدفئة او طعاما او ملابس للشتاء. وقال حسن وهو تركي في العقد الخامس من العمر كان يجلس في مقهى مع ثلاثة اشخاص اخرين كلهم بلا عمل لـ«الشرق الاوسط»: «ابني يعمل وزوجتي تعمل ومع هذا لا يكفينا ما نحصل عليه. كنت اعمل ثم فصلت، الان اذا كان هناك اي عمل، اي عمل من اي نوع، سآخذه فورا. اي شيء». وتلاحظ اكجونينش أنه «خلال الحملة الانتخابية استغل حزب العدالة كل شيء، توزيع طعام على الفقراء في الاحياء المعدمة والعشوائيات، توزيع مخصصات الشتاء للفقراء مبكرا. الانتخابات كانت في يوليو وهو شهر حار في تركيا، ومع ذلك وزعت مخصصات الشتاء بشكل مبكر، ووزع زيت التدفئة مجانا وكأن رسالة الحزب للناس (اعتني بي.. أعتني بك). المال لعب دورا كبيرا في هذه الانتخابات وفي شراء اصوات الناس». ومع ان الكثير من رجال الاعمال الاتراك يعترفون بان سياسات اردوغان الاقتصادية ادت الى الحد من التضخم والبطالة، وساعدت على جذب رؤوس الاموال والاستثمارات الاجنبية، الا ان البعض الاخر يرى ان سياسات حزب العدالة ساعدت البعض وليس الكل. فمثلا المهن التقليدية عانت من تباطؤ النمو. ويقول مصطفى اوزافار وهو تاجر مصوغات ذهبية في بازار إسطنبول انه شخصيا لم يستفد من هذه السياسات، موضحا لـ«الشرق الاوسط»: «كنت في ايام ابيع كيلو او كيلوين من الذهب يوميا. حاليا تمر علي ايام ابيع 200 جرام فقط». ومن دواعي قلق الكثير من الأتراك من غير الداعمين لحكومة حزب العدالة والتنمية تأثيرات هذه السياسات الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد. وتقول ميروى بيتيك جوربوز من حزب الشعب الجمهوري، ان معدلات زيادة الاستثمارات الاجنبية في تركيا ليست دلالة على تحسن في اداء الاقتصاد التركي، بل إن سببها الأساسي هو نسبة الفائدة الكبيرة التي تعطيها الدولة التركية لروؤس الاموال الوافدة، وان نسبة الفائدة العالية هذه ستكون سببا في أزمة اقتصادية. وتضيف لـ«الشرق الاوسط»: «اذا كان لديك 100 الف جنيه استرليني فما هو معدل الفائدة الذي يمكن ان تحصل عليه في بريطانيا خلال عام؟ 5% على الأكثر. في تركيا اذا أتيت بـ100 الف جنية استرليني فإن معدل الفائدة هو 17%.. وبالتالي لا يجب على أصحاب رؤوس الاموال ان يستثمروا في اي شيء. يكفي فقط ان يأتوا بهذه الاموال، ويضعوها في أحد البنوك، ويأخذوا نسبة الفائدة الكبيرة جدا هذه، حتى النقطة التي يستطيعون بعدها، بالارباح التي حققوها، شراء هذا البنك. هذا هو الوضع في تركيا. ولهذا تأتي الاستثمارات الاجنبية الينا. انا أستطيع تفهم موقف المستثمرين الدوليين. ولو كنت مكانهم، ربما فعلت الشيء نفسه. لكن ما من عاقل يستطيع ان يسمي هذا استقرارا اقتصاديا. هذا استقرار اقتصادي قصير العمر. فنحن الان لا نواجه صعوبات في السيولة المالية، لكن هذه الصعوبات ستأتي لاحقا». ويتندر البعض في تركيا على قصة يخت ابن رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان. فابن اردوغان، الذي تخرج من الجامعة منذ سنوات قليلة، يعمل الان في مجلس إدارة احدى الشركات الكبرى في تركيا، وقبل فترة أصبح لديه يخت. الصحف التركية تحدثت كثيرا عن اليخت وكيف يمكن لشاب صغير ان يمتلك يختا في هذه الفترة القصيرة. وبسبب الضجة التي أثارها موضوع اليخت اضطر اردوغان للتعليق على الموضوع بقوله «لا ادري لماذا كل هذا الكلام حول اليخت. هذا اليخت صغير جدا». ضحك سينان تافشان، وهو صحافي تركي يعمل مراسلا لصحيفة «نيكاي» اليابانية وهو يروي لـ«الشرق الاوسط» هذه القصة، موضحا ان إحدى مشاكل تركيا هي الفساد، وحتى حكومة اردوغان لم تنج من الانتقادات فيما يتعلق بهذه القضية الحساسة، لكن يعتقد الكثير من الأتراك ان سجل حكومة اردوغان أفضل من غيره في موضوع التصدي للفساد. «اردوغان رجل تقي لا يمكن ان يكون فاسدا. هذه الاخبار البسيطة تأخذها الصحف وتضخمها لمصالح البعض» كما قال تاجر تركي في بازار اسطنبول لـ«الشرق الاوسط». هناك خوف في تركيا على مستقبل الديمقراطية، فالاحزاب التركية الحالية ضعيفة بطريقة او بأخرى، وأكثرها ضعفا هي الاحزاب الليبرالية واليسارية والقومية التي ادت الانقلابات العسكرية العديدة في تركيا الى تفكيكها. وتقول ميروى بيتيك جوربوز «حتى 1946 كان حزب الشعب الجمهوري هو الحزب الوحيد في تركيا. عام 1946 نحن أقررنا تطبيق التعددية الحزبية في تركيا. لكن مذاك مرت تركيا بـ3 انقلاب عسكرية. في كل مرة كان يتم اتهام حزب الشعب الجمهوري بأنه وراء انقلاب الجيش. لكن في الحقيقة حزب الشعب الجمهوري هو الذي دفع ثمن هذه الانقلابات العسكرية. فالانقلابات العسكرية اضرت باليسار والاحزاب الديمقراطية الاشتراكية والمثقفين، وهذه أزمة معقدة. نحن العلمانيون في حزب الشعب الجمهوري، حزب اتاتورك، كنا دائما نتهم بأننا حزب الجيش والدولة، لكن كلما حدث انقلاب عسكري دفعنا نحن الثمن. على سبيل المثال في انقلاب 1980 على يد كنعان افرين، كان حزب الشعب الجمهوري أول حزب حظر، ورئيس الحزب سجن ومنع من ممارسة السياسة لمدة 7 سنوات. إذا كنا حزب الجيش في تركيا، لماذا يحظروننا؟ انا لا ارى اننا حزب الجيش، وهذه الانقلابات العسكرية اضرتنا واضرت اليسار كله والديمقراطيين الاشتراكيين. وللأسف بسبب سمعة الاتحاد السوفياتي السابق لدى اهل الاناضول، فإن اليسار كله كان إلحادا. وليس من السهل اقناع الناس بغير ذلك. اكثر نسبة حصل عليها اي حزب يساري في تركيا كانت 30%، وبالتالي كان اليسار دوما في حكومات ائتلافية. لكن هذه المعركة لم تنته، فهناك انتخابات محلية في تركيا خلال عام ونصف العام، ثم انتخابات البرلمان. ستكون هناك دائما انتخابات. نريد ان نكون في الحكومة. الناس لم تعد تهتم بالآيديولوجيات، الناس اليوم تهتم فقط بمن يمكن ان يدير البلاد بشكل أفضل. وعلينا، وهذا ربما اعتراف، ان نحل مشاكلنا داخل حزبنا. ليست لدينا مشكلة فيما يتعلق بالسياسات التي نقرها، بل لدينا مشكلة في طريقة تطبيق هذه السياسات. لهذا لم ننجح حتى الان. سنأخذ وقتا لكن ليس هناك مشكلة في هذا. نحن لسنا حزب العدالة والتنمية.. (عمره 6 سنوات) نحن اقدم حزب في تركيا، سيأتي ويذهب أناس والحزب سيبقى».








    تركيا من أتاتورك الى أردوغان(الحلقة السادسة) ـ الرجل الذي يحبه أتراك... ويخافه أتراك
    حركة فتح الله كولن العمود الفقري للاسلام الاجتماعي في تركيا.. لكن البعض متوجس من تأثيرها

    كولن الأب الروحي للإسلام الاجتماعي في تركيا («الشرق الأوسط»)

    أسطنبول: منال لطفي
    على عكس نجم الدين اربكان الذي يعد أبو الإسلام السياسي في تركيا، فإن فتح الله كولن هو أبو الاسلام الاجتماعي. فهو مؤسس وزعيم "حركة كولن"، وهى حركة دينية تمتلك مئات المدارس في تركيا، ومئات المدارس الدينية خارج تركيا، بدءا من جمهوريات أسيا الوسطى، وروسيا وحتى المغرب وكينيا واوغندا، مرورا بالبلقان والقوقاز. كما تملك الحركة صحفها ومجلاتها وتلفزيوناتها الخاصة، وشركات خاصة وأعمال تجارية ومؤسسات خيرية. ولا يقتصر نشاط الحركة على ذلك بل يمتد الى إقامة مراكز ثقافية خاصة بها في عدد كبير من دول العالم، وإقامة مؤتمرات سنوية في بريطانيا والاتحاد الاوروبي واميركا، بالتعاون مع كبريات الجامعات العالمية من اجل دراسة الحركة وتأثيرها وجذورها الثقافية والاجتماعية.
    ما تتميز به «حركة كولن» عن باقي الحركات الإسلامية في المنطقة والعالم هو أنها غالبا تلقى ترحيبا كبيرا من الغرب. اذ تعتبر هي "النموذج" الذي ينبغي ان يحتذى به بسبب "انفتاحها" على العالم، وخطابها الفكري. فمثلا اذا كان اربكان يرى اميركا عدوا للعالم الاسلامي بسبب تحكم "الصهيونية العالمية" في صنع القرار فيها، فإن كولن يرى ان اميركا والغرب عموما قوى عالمية لابد من التعاون معها. واذا كان اربكان يرى ضرورة الوحدة بين العالم الاسلامي، وهي الافكار التي بلورها عمليا في تأسيسه مجموعة الثماني الاسلامية، فإن كولن لا ينظر إلى العالم العربي وإيران بوصفهما المجال الحيوي لتركيا، بل يعتبر القوقاز وجمهوريات اسيا الوسطى والبلقان هم المجال الحيوي لتركيا، فهذه البلدان تضم اقليات تركية هامة، وهو يرى انه إذا كان لتركيا يوما ما ان تعود لمكانتها بوصفها واحدة من أهم دول العالم، كما كانت خلال الدولة العثمانية، فلابد من نفوذ قوي لها وسط الاتراك في كل مكان في العالم. لكن كولن من البراغماتية والذكاء بحيث لا يستخدم تعبير "القيادة التركية" في المنطقة، كما لا يدعو الى استقلال الاقليات التركية في وسط اسيا، ولا تمارس جماعته انشطة تعليمية في البلاد التى يمكن ان تتعرض فيها الاقلية التركية لمشاكل من قبل النظم الحاكمة مثل الصين وروسيا واليونان.
    وأول ما يلفت النظر في كولن هو أنه لا يفضل تطبيق الشريعة في تركيا، ويقول في هذا الصدد ان الغالبية العظمى من قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس، فيما الاقلية منها تتعلق بإدارة الدولة وشؤونها، وانه لا داعي لتطبيق احكام الشريعة في الشأن العام. ووفقا لهذا يعتقد كولن ان الديمقراطية هي افضل حل، ولهذا يكن عداء للانظمة الشمولية في العالم الاسلامي. ومع ان اربكان ينظر اليه بوصفه استاذ رئيس الوزراء التركي رجب طيب اروغان، الا ان تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم تشير الى ان كولن هو أستاذ اردوغان الحقيقي.
    عندما تتحدث مع الأتراك سواء علمانيين او اسلاميين غالبا ما سيأتي ذكر "حركة كولن". فجوتشكه غل وهى شابة تركية كانت تشتكي من صعوبات الحصول على عمل جيد بعد التخرج من الجامعة قالت لـ"الشرق الاوسط": "اذا كان لك صلة بحركة كولن او عملت معها او تطوعت في احد انشطتها.. تتفتح لك الطرق في تركيا، وتحصل على أفضل الوظائف". شريف ماردين المفكر والاكاديمي التركي قال لـ"الشرق الأوسط": أنه غير قادر على التنبؤ بما تريده الحركة فعلا، موضحا ان الزمن وحده يحمل الجواب. وبرغم تعدد انشطتها وعملها في الشأن العام، ما زالت الحركة غامضة في نظر البعض، وتثير الكثير من الألتباس بين الأتراك وغيرهم، خصوصا فيما يتعلق بنواياها بعيدة المدى. أزدهرت حركة فتح الله كولن في إطار انتعاش الحركات والطرق الدينية في تركيا في الثمانينيات من القرن الماضي. فبعد الانقلاب العسكري بقيادة كنعان افرين عام 1980، والقرارت التي اتخذتها الحكومة العسكرية والمتعلقة بتحرير الاقتصاد وخصخصة الاعلام واتاحة حرية عمل اكبر، للمنظمات المدنية بما في ذلك الجماعات الدينية، بدأت الطرق الدينية في الإزدهار ومنها "طريقة النور" التي أسسها الصوفي التركي سعيد النورسي (1873- 1960) والتي خرجت منها وتأثرت بها لاحقا حركة كولن. وجوهر فلسفتها ايجاد مجتمع اسلامي ملتزم، لكن في الوقت نفسه متلهف للمعرفة والتكنولوجيا الحديثة والتقدم لإنهاء تقدم العالم الغربي على العالم الاسلامي. واليوم يقترن اسم فتح الله كولن بمصطلح الاسلام التركي المتنور او المعتدل، اذ حاول فتح الله كولن مع مؤيديه تأسيس حركة دينية سياسية اجتماعية حديثة تمزج الحداثة، بالتدين بالقومية بالتسامح بالديمقراطية. ووضع الاسلام والقومية والليبرالية في بوتقة واحدة. وكتبت الكثير من الدوريات الغربية عن كولن تصوره كزعيم حركة اجتماعية اسلامية قومية غير معاد للغرب، ووجه المستقبل للاسلام الإجتماعي في الشرق الاوسط، لكن معارضيه يقولون عنه انه الخطر الحقيقي على العلمانية التركية، ويتهمونه بمحاولة تقويض العلمانية التركية عبر اسلمة الممارسات الاجتماعية للاتراك. وتقول ميروى بيتيك جوربوز من حزب الشعب الجمهوري العلماني في تركيا ان حركة كولن تستغل امتداداتها في المجتمع من اجل تحقيق أهداف سياسية في المستقبل، موضحة أن مريدي الحركة مثل الكثير من مريدي الطرق الدينية في تركيا يصوتون بشكل جماعي غالبا لصالح الحزب الذي يتفقون عليه، بل ان النساء من مريدات الحركة يرتدين الحجاب بطريقة مختلقة عن المحجبات العاديات:"اذا ذهب شخص الى مناطق معينة في تركيا، سيجد محجبات يرتدين الحجاب الذي ينتهي على شكل نصف هلال من الامام والخلف، فيما اخريات يلبسن حجابا ينتهي بمثلث من الامام والخلف. هذه الحركات لها أهداف اكثر من مجرد الاهداف التعليمية والتثقيفية او هذا ما أعتقده الى ان يثبت العكس"، قالت ميروى بيتيك جوربوز لـ"الشرق الأوسط". لكن قاسم مصطفى قاسم وهو شاب تركي ناشط في حركة كولن، يدرس في جامعة برمنجهام البريطانية ينفي هذا ويوضح لـ"الشرق الأوسط": "من المستحيل ان تكون لدينا أهداف سياسية، أو اجندة خفية كما يدعي البعض دون اى دليل. اهدافنا تعليمية تربوية محضة. في تركيا حوكم فتح الله كولن مرات بتهمة وجود اجندة خفية لاسلمة المجتمع التركي، لكن حكم عليه بالبراءة في كل مرة لان هذه محض ادعاءات". امتداد "حركة كولن" حول العالم كبير وشبكة علاقاتها هائلة. فهي تمتلك نحو 300 مدرسة داخل تركيا، و200 مدرسة اخرى حول العالم، من تنزانيا الى الصين، ومن تركمنستان الى المغرب ومصر والفلبين. لكن اغلب هذه المدارس يقع في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق التي يشكل فيها العرق التركي اغلبية. اما النموذج الفلسفي والفكري الذي يقدمه كولن عبر مدارسه فهو يتركب من عدة عناصر:" الميراث العثماني، والميراث العلماني، واقتصاد السوق، والديمقراطية". ويقول المحلل التركي ساهين الباى:"الملاحظ هو ان خريجي هذه المدارس (مدارس كولن)، يتخرجون ليشغلوا مناصب عالية في مجالات الحياة التي يتخصصون فيها في جمهوريات اسيا الوسطى..من البلقان حتى الصين، يريد كولن ان ترى النخب في هذه البلدان تركيا نموذجا لها".
    اما مئات المدارس التي تتبع حركة كولن داخل تركيا، فتخضع للاشراف من قبل السلطات التركية، وهي وان كانت تتشابه مع باقي المدارس التركية في المناهج، وفي فترات الدوام، الا انها تركز اكثر على الاخلاقيات العامة، والدين، وأساتذتها من خريجي أفضل الجامعات التركية. ولا تجد هذه المدارس مشكلة في التمويل، فرجال الاعمال الاتراك والمهتمون يقومون بتمويلها، وهي تتمتع بسمعة تعليمية ممتازة، وتضم طلبة مسلمين وغير مسلمين، ولغة التعليم الاولى فيها هي الانجليزية، وهي تجتذب ابناء النخبة وكبار المسؤولين. لكن كولن يشدد دائما على انه لا يمتلك هذه المدارس "تعبت من القول انني لا امتلك أي مدارس"، في اشارة الى انها جزء من نشاطات حركته وليست مملوكة بشكل شخصي له. وهدف حركة فتح الله كولن من فتح مدارس في اسيا الوسطى هو نشر الثقافة التركية وقيم الإسلام. ويقول مصطفى قاسم في هذا الصدد لـ"الشرق الأوسط":"نعم لدينا مدارس في وسط اسيا وروسيا والبلقان والقوقاز وشمال المغرب ولدينا مراكز ثقافية في الكثير من دول العالم، منها اسيا واوروبا والاردن ومصر والسعودية، ولا تسمى هذه المراكز الثقافية بمراكز كولن، بل تسمى بأسماء محلية او شخصيات اسلامية بارزة. لكن اهدافنا واضحة وهي تعليم قيم الاسلام والثقافة التركية. لكن لا شئ اجباريا. ففي مدارسنا يتعلم الطلاب بثلاث لغات. اللغة الانجليزية ولغة البلد الموجودة فيه المدرسة، ولغة ثالثة اختيارية، واللغة التركية من بين اللغات الاختيارية". ويشير مصطفى قاسم الى ان مدارس حركة كولن تأخذ مصروفات دراسية، وتعطي منحا فقط للطلبة المتفوقين.
    وبسبب الاهتمام الذي يوليه كولن للقومية التركية حول العالم، اسس مع 16 اخرين، بنكا استثماريا هو "اسيا فاينناس" وهو بنك لا يهدف للربح، والمقترض لا يدفع نسبة فائدة، وهدف هذا البنك، الذي يبلغ رأس ماله 125 مليون دولار، تشجيع الاستثمارات الاجنبية لجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. ولكن ولان السلطات في جمهوريات اسيا الوسطى الاسلامية لا تتسامح ازاء أي تنظيمات او حركات تستغل الاسلام لدواع سياسية، تعمل مدارس ومنظمات كولن بالكثير من الحذر وتراعي عدم اثارة الحساسيات الدينية او السياسية. ويقول مصطفى قاسم:"تعم احيانا تكون لدينا خلافات مع السلطات المحلية في هذا البلد او ذاك. لكننا نعمل في اطار القوانين المحلية لكل بلد، ونحترم هذا". وبالرغم من اصرار الحركة على ان هدف انشطتها مدني تربوي محض، الا ان سينان تافشان، وهو صحافي تركي يعمل مراسلا لصحيفة "نيكاى" اليابانية قال لـ"الشرق الاوسط" ان السبب الحقيقي وراء خروج كولن من تركيا وأستقراره في اميركا هو شريط فيديو له تحدث فيه لانصاره عن التحرك ببطء لتغيير طبيعة النظام التركي. ويقول سنان ان شريط الفيديو الذي وضع على موقع "يوتيوب" اثار في تركيا جدلا كبيرا وشدد الخناق على تحركات كولن.
    وليس هناك سبب علني رسمي لأسباب مغادرة كولن تركيا الى اميركا. لكن متاعب كولن مع السلطات التركية بدأت في 18 يونيو(حزيران) عام 1999 عندما تحدث في التلفزيون التركي، وقال كلاما أعتبره البعض انتقادا ضمنيا لمؤسسات الدولة التركية. وبعد ذلك بدأ المدعي العام للدولة تحقيقا في تصريحات كولن، وساعتها تدخل رئيس الوزراء التركي انذاك بولنت اجاويد ودعا الدولة الى معالجة الامر بهدوء، بدلا من فتح الموضوع للنقاش على المحطات التلفزيونية التركية، كما دافع عن كولن وعن مؤسساته التعليمية وقال: "مدارسه تنشر الثقافة التركية حول العالم، وتعرف تركيا بالعالم. مدارسه تخضع لإشراف متواصل من السلطات". بعد ذلك اعتذر كولن علانية عن تصريحاته، الا ان بعض العلمانيين ظلوا متشككين في أهدافه، ولاحقا وجهت له اتهامات بمحاولة تحقيق مكاسب سياسية على حساب مؤسسات الدولة بما في ذلك الجيش. وبعد أسبوع من بث البرنامج ارسل الرئيس التركي سليمان ديميريل تحذيرا الى كولن قال له فيه :"اعتقد ان رجل الدين لا ينبغي ان تكون له اطماع سياسية. ان تكون رجل دين هذا بحد ذاته شئ صعب، لكن ان تكون رجل دين محترما يلزم ان تسير حسب تعاليم ديننا.. هذا يمكن ان يحدث بإعطاء نصيحة جيدة للانسانية وليس بالانخراط في الشؤون الدنيوية". بعد تلك الأزمة حدثت ازمة لقطة الفيديو الشهيرة التي بثت على "اليوتيوب" وظهر فيها كولن وهو يقول لعدد من أنصاره أنه سيتحرك ببطء من اجل تغيير طبيعة النظام التركي من نظام علماني الى نظام اسلامي، كما تحدث عن نشر الثقافة التركية في أوزبكستان، مما اثار موجه غضب في الجيش التركي وباقي المؤسسات العلمانية في البلاد. كما أدى الى أزمة دبلوماسية بين تركيا وأوزبكستان دفعت بولنت اجاديد للتدخل مجددا في محاولة لحلها. وقال اجاويد:"الرئيس الاوزبكستاني لديه مخاوف غير مبررة تتعلق بتركيا. تركيا لا تتدخل في الشؤون الداخلية لاوزبكستان. لا يمكن ان نسمح بالاساءة الى العلاقات بين البلدين بسبب مخاوف غير ضرورية". لكن اوزبكستان قررت اغلاق عدد من المدارس التابعة لكولن. ويبدو انه خلال هذا الوقت كانت المؤسسة العلمانية في تركيا بدأت هى ايضا تستشعر قلقا متزايدا من كولن ومؤسساته التعليمية، فأصدرت هيئة التعليم العالي في تركيا قرارا يقضي بعدم الاعتراف بالشهادات العلمية التي تعطيها مدارس كولن، لكن هذا القرار كان مؤقتا.
    وأعتذر كولن عن الحديث لـ"الشرق الأوسط" حول نشاطات حركته اليوم، موضحا انه بسبب تلقيه العلاج في اميركا، والاوضاع في تركيا لا يريد ان تصدر منه تصريحات يمكن ان يساء فهمها. واليوم يتمتع كولن بعلاقات ممتازة مع الكثير من السياسيين الأتراك، فمنذ عام 1994 التقى رؤساء اتراك ورؤساء وزراء اتراك، وكل قادة الاحزاب السياسية، ورجال اعمال نافذين. كما اجرت معه الصحف التركية الكبيرة لقاءات عدة مطولة. وفي عام 1997، قبل الرئيس التركي سيلمان ديميريل جائزة من "مؤسسة فتح الله كولن التعليمية"، كما التقى كولن مع بولنت اجاويد، رئيس وزراء تركيا الراحل. ولا يمانع كولن في ان يلتقي أي رجل دين، فقد التقي رجال دين يهودا من اسرائيل، كما التقي رئيس الكنيسة الارثوذكسية وبابا الفاتيكان في روما، لكن هذا لم يرض بعض رجال الدين في تركيا، اذ قال بعضهم أن كولن يعطي لنفسه مكانة اكبر من مكانة الدولة، فيما راى اخرون ان كولن يريد ان يكون المتحدث باسم الاسلام في تركيا. لكولن ايضا صلات مع صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية ورجال اعمال. وبالتالي وعلى الرغم من وجوده في اميركا، الا ان قوة حركته لم تتأثر بالسلب. ويقول مصطفى قاسم لـ"الشرق الأوسط":"لدينا قناة تلفزيونية أساسية وهي (اس تى في) و4 تلفزيونات اخرى، تلفزيون اخباري على غرار الـ سي ان ان، اى يقدم الاخبار على مدار الساعة. وتلفزيون خاص بالاطفال، وآخر ثقافي، اما الرابع فهو عام. ايضا لدينا تلفزيون خاص ناطق بالانجليزية في اميركا، كذلك ننتج برامجنا الخاصة، وتقوم الكثير من المحطات المحلية التركية بشرائها. لدينا صحف مثل صحيفة "زمان" اليومية الواسعة الانتشار، ومجلات". لكن ملكية صحيفة "زمان" لحركة كولن ليست مباشرة، كما استطرد مصطفي قاسم، موضحا أن الصحيفة "مملوكة لاصدقاء وأشخاص يمكن الثقة بهم". هذا بالضبط هو سبب قلق الكثير من الأتراك وبينهم اويا اكجونينش أحدى القيادات البارزة في "حزب السعادة" الاسلامي التي قالت لـ"الشرق الأوسط":"لا احد يعرف على وجه الدقة علاقات حركة كولن داخل تركيا. هناك الكثير من وسائل الاعلام ورجال الاعمال يعملون معها او انصار لها، او متعاطفون معها. لكن هذا ليس شيئا واضحا. وهذه مشكلة". كذلك لا يعرف احد على وجه الدقة عدد انصار او اتباع فتح الله كولن المعروفين باسم "اتباع فتح الله"، وهو اسم يعارضه كولن تماما، لكن التقديرات لعدد المتأثرين بافكاره تتراوح بين 200 الف الى 4 ملايين شخص. وربما أحد أسباب انتشار مريدي كولن حول العالم هو انه يؤمن بأهمية التواصل والاعلام والحوار المباشر والشخصي وفتح النوافذ. فموقعه على الانترنت بـ12 لغة من بينها الانجليزي والاذاري والفرنسي والبولندي والاسباني والتركي والعربي. كما انه خطيب مفوه، اعتاد على إلقاء خطب دينية منذ كان في الرابعة عشر من عمره. فهو عندما حفظ القرآن، وبسبب مغادرة عائلته القرية، اضطر الى ترك المدرسة، وركز على التعليم الديني في منزله. وعندما بلغ 14 عاما اعطى اول درس ديني له، وعندما بلغ 18 عاما كان يلف القرى التركية ويعطي دروسا دينية في المساجد والمقاهي. وقد ركز كولن منذ البداية على طلبة المدارس الثانوية والجامعية، فكانوا هم جمهوره، والكثير منهم عمل في حركته بعد التخرج، ومن لم يعمل بشكل مباشر معه، ساهم في الترويج لافكاره. وكانت موضوعات المواعظ الدينية التي يعطيها كولن مختلفة عن نوع المواعظ الدينية التي يعطيها غيره من رجال الدين الاتراك، فقد كان يتحدث حول نظرية النشوء والارتقاء، وحول اساليب التعليم الحديثة، والعلوم، والاقتصاد والعدالة الاجتماعية. وكان يلقي دروسه الدينية بكثير من العاطفة والحماسة والبلاغة، ولا يمانع ان تنزل دموعه خلال الدرس، مما جعل شعبيته تتجاوز الحدود، لدرجة ان درسه الديني كان يصور بالفيديو او بالتلفونات المحمولة، ويتناقله انصاره ومؤيدوه فيما بينهم. وساعدت الافلام المصورة لدروس كولن الدينية في مساندة حركته ماليا بسبب التبرعات التي كانت تأتي اليه. وخلال دروسه الدينية كان تلاميذه يطلقون عليه لقب "خوجا افندي" او "الاستاذ المحترم"، اذ يجمع كولن بين المعرفة الدينية الكلاسيكية وبين الالمام بالفلسفة الغربية، خصوصا الفيلسوف الالماني امانويل كانط. وهو متحدث لبق وكاتب جيد جدا، وبعض كتبه كانت من أكثر الكتب مبيعا في تركيا. كاتب العمود التركي البارز نوري اكمان يوصفه كالتالي:"هو رجل كلاسيكي الطراز، مثل هؤلاء الشخصيات التي قرأنا عنها في الكتب، وشاهدناها في الافلام، عندما يتحدث يردد دائما "استغفر الله" في كل عبارة ينطق بها، يتحدث بأدب جم، وهدوء. وهو متواضع جدا. وصوته يتدفق بنبرة واحدة، يعلم ما سيقوله، ولا يخطئ في قواعد النحو، ويستخدم كلمات عثمانلية". لكن هذه الشعبية كلفته في عقد السبعينات من القرن الماضي 3 سنوات في السجن بتهمة الترويج لنشاطات تهدد أسس الدولة العلمانية. وهي تهمة وجهت بعد ذلك كثيرا الى كولن، لكن رده عليها كان دائما أنه هو ايضا علماني مسلم، وما يريده ليس دولة اسلامية ولكن "تركنة الاسلام" أي صبغ الاسلام في تركيا بالصبغة والنكهة التركية. و"اسلمة الايدلوجية القومية التركية"، بطريقة اخري، كل ما يطمع اليه كولن هو استعادة العلاقة بين الدولة والدين في تركيا كما كان عليه الحال خلال الدولة العثمانية، عندما كانت شؤون الدولة وفقا للقوانين الوضعية، لكن الناس في نفس الوقت لديها حرية التعبير عن ميولها وممارساتها الدينية بدون أي تضييق. ويعتقد كولن ان هناك خصوصية للاسلام التركي، او كما يسميه "الاسلام الاناضولي"، يفصل بين اسلام تركيا واسلام العرب وغيرهم من المسلمين. وهو يعتقد ان اسلام الاتراك هو مزيج بين الاسلام وبين القومية التركية، وان الاصل فيه ليس بالاساس ممارسة شعائر الدين، بل التصرف في الحياة اليومية وفقا للقيم والمبادئ التي قدمها الاسلام للبشرية. ولا يحمل كولن توجهات معارضة للعلمانيين وغير المؤمنين في تركيا، ويرى ان الحفاظ على هذا يحفظ لتركيا ارثها العثماني الذي تميز بالتنوع العرقي والديني واللغوي. وليست آراء كولن حول النساء أقل اثارة للجدل، فهو يعتقد ان حجاب النساء "مجرد تفصيلة صغيرة" في التاريخ الاسلامي، وانه لا ينبغي على احد ان يقيس مقدار تقدم النساء بالملابس التي يلبسنها. اما في افكاره التعليمية، فيرى ان التعليم الذي يجب ان تنتهجه الدول الاسلامية هو التعليم الذي يساعد على الاندماج في العالم المعاصر، وتعلم التكنولوجيا والعلوم الحديثة، ولهذا يؤيد كولن ضرورة وجود قوي للمسلمين في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، كما انه من أكبر المتحمسين لانضمام تركيا للاتحاد الاوروبي، ومن المعارضين المستميتين لتسييس الاسلام، فهو يرفض تماما مزج الدين مع شؤون الدولة حفاظا على الطرفين. لكن معارضيه من العلمانيين لا يعتقدون انه حقيقة بعيد عن السياسة، بل يشيرون الى انه خلال السنوات الخمس الماضية ظهر نفوذ حركته السياسي من خلال دعم حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الاسلامية في الانتخابات. لكن مصطفي قاسم يقول لـ"الشرق الأوسط": نحن لا نؤيد كتنظيم أي حزب سياسي بعينه. أفرادنا يصوتون لأي حزب او شخص يريدونه، لكن صحيح ان الاغلبية منا صوتوا لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة".
    * الواعظ المتجول
    * تعلم فتح الله كولن القرآن كله في شهر واحد وكان في الرابعة من عمره. وهو ما زال يتذكر عندما كان طفلا صغيرا، كيف أن والدته خلال نومه في الليل كانت تأتي اليه وتوقظه لتعلمه القرآن الكريم. ويبدو انه اعتاد على هذا النوم القليل وعلى الوعظ منذ كان في سن صغيرة في القرى المختلفة بين الأتراك العاديين، حتى بات يعرف بالواعظ المتجول. ولد فتح الله كولن في 27 ابريل (نيسان) 1941، في قرية «كوروجك» الصغيرة التابعة لقضاء «حسن قلعة» ‏المرتبطة بمحافظة أرضروم، ونشأ في عائلة متدينة، وكان والده رامز أفندي معروف بميوله العلمية والدينية. وكانت والدته رفيعة هانم واسعة المعرفة الدينية. أنشأ كولن في بيت والده مركزا لتجمع العلماء والمتصوفين المعروفين في تلك المنطقة. قام والده بتعليمه اللغتين العربية والفارسية الى جانب التركية. غير أنه درس في المدرسة الدينية في طفولته وصباه، وكان يتردد على «التكية» (الكتاب) أيضاً، حيث تلقى العلم على أيدي علماء معروفين من أبرزهم عثمان بكتاش الذي كان من أبرز ‏فقهاء عهده. وبالرغم من أن كولن درس النحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه والعقائد، إلا أنه لم يهمل دراسة ‏الفلسفة والمنطق والعلوم الوضعية. وفي أثناء أعوام دراسته تعرف كولن على كتاب «رسائل النور» وتأثر به كثيراً، فقد كانت حركة تجديدية وإحيائية ‏شاملة بدأها وقادها العلامة بديع الزمان سعيد النورسي مؤلف «رسائل النور»، الذي أثرت أفكاره في حركة فتح الله كولن لاحقا. عندما بلغ فتح الله كولن العشرين من عمره عيّن إماماً في جامع «أُوجْ شرفلي» في مدينة أدرنة حيث ‏قضى فيها مدة سنتين ونصف السنة في جو من الزهد والتقشف، لدرجة أنه قرر المبيت في الجامع وعدم الخروج إلى ‏الشارع إلا للضرورة. ‏بدأ عمله في إزمير بجامع «كستانه بازاري» في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للجامع. ثم عمل ‏واعظاً متجولاً، فطاف في جميع أنحاء غرب الأناضول. ولفتح الله كولن 60 كتابا، وقد حصل على العديد من الجوائز على كتبه هذه، وأغلبها حول التصوف في الإسلام ومعنى التدين، والتحديات التي تواجه الإسلام اليوم.