تابع للبحوث المشاركة في الملتقى الدولي الثاني حول تعديل الدساتير العربية

الموضوع في 'منتدى الحقوق' بواسطة علي الجزائري, بتاريخ ‏25 يونيو 2008.

  1. علي الجزائري

    علي الجزائري عضو جديد

    موضـــوع البحـــث:








    [mark=FF0000]مؤسسات المجتمع المدني و اشكالية الدور في ضوء التعديلات الدستورية في الدول العربية[/mark]






    الأستــاذ المحاضــر: الدكتور
    قاسم محمد عبد الدليمي
    أستاذ زائر
    جامعة أدرار/ كلية الحقوق
    Email: bkasem2000@ yahoo.com




    المقدمــــــة

    مع التغيرات التي شهدها المجتمع الدولي منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي ووصلت إلى ذروتها مع حلول عام 2001 تسارعت خطى التحول في المجتمع الدولي لصالح مفاهيم ومصطلحات جديدة بعيدة عن مفاهيم الحرب والصراع وسباق التسلح ، وهذه المفاهيم تمثلت بمفاهيم الديمقراطية والعولمة ،والخصخصة ، وحقوق الإنسان ، ومؤسسات المجتمع المدني، والشفافية، وكان تأثير بعض هذه المصطلحات وخاصة الديمقراطية والتعددية ومؤسسات المجتمع المدني تأثيرا بالغا في الأنظمة العربية والمجتمع العربي بشكل عام فأصبح تطبيق أو الإقتراب من تطبيق هذه المفاهيم دليل على مدى تطور ديمقراطية نظام ما ، حتى وإن كان التغيير مفروضا بالقوة والسلاح، وعلى الرغم من ضرورة هذه المفاهيم إلا أنها جاءت في وقت بدت وكأنها ، وفي كثير من تطبيقاتها عامل ضغط خارجي على هذه الأنظمة وبالتالي جاء تطبيقها سلبيا ومشوها في كثير من الأحيان وأعطى نتائج عكسية على المستوى السياسي، والإقتصادي أما السبب فهو تطور الفهم لهذه المصطلحات وكيفية توظيفها في المجتمع العربي ، أو بسبب الضغوطا ت الخارجية التي حرفت كثير من المفاهيم لصالحها في المنطقة العربية ومن هذه المصطلحات مؤسسات المجتمع المدني .
    إن مؤسسات المجتمع المدني مؤسسات مهنية تخدم مصلحة معينة في مجتمع معين وتتمتع بالإستقلالية التامة عن الدولة والسياسة وهذا يعد شرط أساسي لتسمية مؤسسة ما بأنها مؤسسة مجتمع مدني ومتى ما تداخل عملها مع عمل مؤسسات السياسة وسعت لتحقيق أهداف سياسية انتفت عنها صفة المدنية والمهنية واليوم نشهد مؤسسات مجتمع مدني بشكل كبير وواسع كان لها دور في إجراء التعديلات الدستورية والإصلاحات السياسية في الدول العربية، من خلال تنوع أنشطتها وعليه سيتم دراسة هذا الموضوع من خلال المحاور التالية :
    المحور الأول : مؤسسات المجتمع المدني ( إطار مفاهيمي )
    المحور الثاني : مؤسسات المجتمع المدني العربية والمتغيرات الدولية بعد أحداث 11أيلول 2001
    المحور الثالث : دور مؤسسات المجتمع المدني في إجراء التعديلات الدستورية في الدول العربية
    الخاتمة: وتتضمن ماآلت إليه الدراسة من استنتاجات
    قائمة المراجع







    المحور الأول : مؤسسات المجتمع المدني ( إطار مفاهيمي )

    تعددت الأراء حول ماهية المجتمع المدني ومؤسساته ، وهذا التعدد سببه اختلاف الرؤى حول المصطلح والمفهوم، سواء من ناحية النشوء أو التكوين والتطور ، أو من ناحية المفهوم والمصطلح ، وبشكل عام ورغم تعدد الأراء والمفاهيم والتوجهات ، إلا أن هناك محددات لايمكن مغادرتها أو تجاهلها عند الحديث عن المجتمع المدني .
    فيما يتعلق بمفهوم المجتمع المدني فقد تضاربت الآراء حوله بين من يرجعه إلى الفكر الغربي وبين من ينسبه إلى الفكر الإسلامي والإشكالية هنا هي الخلط بين المصطلح والمفهوم ، فالمجتمع المدني مصطلحا ذو مرجعية غربية ويؤكد أصحاب هذه الرؤيا أن المفهوم وتطوره وما دار حوله من جدل نظري منذ نهاية القرن الثامن عشر ثم إسقاط جدار برلين عام 1989 بعد زحف الجماهير الشعبية وحركة العصيان المدني في بلغراد كل ذلك يراها أصحاب هذا التوجه أنها مقدمات مهمة لبروز مؤسسات مجتمع مدني خاصة وأن هذه الأحداث تواكبت مع تطورات وصراعات سياسية واجتماعية تمخضت عن اتفاقات شعبية ، ولذلك فإن المجتمع المدني وجد بذرات وجوده في المجتمع الغربي الذي تضمن ظروفا سياسية واجتماعية وفكرية أسهمت في تطور هذا المفهوم ، ثم تطور هذا المفهوم ليصبح مفهوما كونيا متواكبا مع مفاهيم أخرى مثل الحداثة والديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان ، وارتبط بمؤسسات اجتماعية وثقافية وسياسية مختلفة في إطار علاقة وثيقة بهدف التعبير عن الرأي وتغيير مايمكن تغييره بطرق سلمية ،وعبر قنوات اجتماعية غير مرتبطة بالسلطة السياسية ، ومن هنا توثقت العلاقة بين المجتمع المدني والإعلام مثلا ، والمجتمع المدني والمؤسسات الإقتصادية أو المنظمات الإقتصادية الدولية والداخلية والإقليمية ، وكل ذلك يصب في هدف واحد هو منع احتكار السلطة وامتلاك القدرة على التأثير رغم اختلاف المصالح وتباين الرؤى.(1)
    إن المجتمع المدني كمصطلح تهيئات له ظروف نشأة في أوربا على الرغم من أنه كان موجود في الفكر الإسلامي والماركسي كمفهوم وسلوك ، وهذه النشأة كانت فيها مؤسسات المجتمع المدني تلعب دور المؤهل السياسي وعامل مهم في عملية التأهيل السياسي ككل من خلال بعض المؤسسات والأدوات ، بحيث أصبحت هذه الوسائل والأدوات طرف غير مباشرة للتأثير بدءا من العائلة إلى السلطة السياسية ، ولذلك كانت المدارس والمنظمات الدينية ، والوحدات الإجتماعية التي تؤثر في توجه الفرد السياسي فيما بعد ، فضلا عن بعض المنظمات والجمعيات المهنية التي أسهمت بشكل كبير في عملية التأهيل ، ولذلك يمكن أن تسمى مؤسسات المجتمع المدني على أنها الخطوة الأولى نحو البناء السياسي بشكل كلي .(2)
    إن النشأة الأوربية لمؤسسات المجتمع المدني لا تلغي حقيقة أن لهذه المؤسسات جذور إسلامية عميقة عبرت عنها ممارسات وسلوكيات إسلامية كانت مثالا لمثل هذه المؤسسات بمفهومها المتطور الآن ، ولذلك فإن المفهوم ليس دخيلا على ثقافتنا الإسلامية ويعيد البعض تاريخ النشأة لهذه المؤسسات إلى الوقت الذي سمى النبي صلى الله عليه وسلم يثرب بالمدينة في دلالة رمزية على الربط بين الإسلام ومفهوم المجتمع المدني وإلى الشورى كقاعدة من قواعد الحياة الإجتماعية المسلمة ، والتي تقر بالتعددية والحوار والسلم في إطار صيغة واسعة ومتطورة من حرية الإعتقاد ، ومع مجيء الخلافة الراشدية وبسبب سيطرة روح المجتمع القبلي عليها لم تتهيأ البيئة الملائمة لنمو هذه المؤسسات وظهورها ونموها ، إلا أن ذلك لايلغي أن هناك تطبيقات كثيرة لم ترتقي إلى المستوى النظري الواضح ، وبذلك بقي المفهوم مشوش وغير واضح المعالم.(3)
    إن الخلاف حول تطورمؤسسات المجتمع المدني وبداياته كبير وواسع وربما يعود السبب في ذلك إلى أن هذه المؤسسات ترتبط بشكل مباشر بالإنسان ولذلك فهي تمر بالتطورات التي يمر بها الإنسان فكريا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا ، كما أنها تتميز كونها تمثل المجتمع المدني الذي تنشأ فيه ولذلك فإن المسميات تختلف وإن تشابهت الأهداف ، وعليه فإن المصطلح ، والمصطلحات التي تعاقبت فيما بعد والمتعلقة بالمجتمع المدني أخذت بعدا دوليا ، مما أدى إلى تناولها كما هي بمسمياتها في جميع المجتمعات بغض النظر عن الطابع الثقافي والإجتماعي والسياسي ، وهذا لا يلغي كون أن لكل مجتمع له خصوصيته في تطور مؤسسات مجتمعه المدني ومنه المجتمع الإسلامي رغم أعجمية المصطلحات .
    أما عن تعريف المجتمع المدني فإن تعريفات متعددة تناولت ماهية هذا المجتمع ومما يتكون وماهي أهدافه ، إلا أن الجميع يتفق على حدود مهمة في كل تعريف وهذه الحدود تتمثل في :
    1- أن المجتمع المدني مجموعة من التنظيمات المدنية الطوعية الحرة المستقلة والتي تمثل جسرا بين الفرد والدولة لتحقيق مصلحة جماعية قائمة على أساس التراضي والتسامح والسلام.
    2- إن المجتمع المدني يعد تعبير عن البناء الديمقراطي لدولة ما وبالتالي فإن الديمقراطية والمجتمع المدني في إطار علاقة طردية ، فأينما وجدت الديمقراطية وجدت مؤسسات المجتمع المدني بشكلها ومضمونها الصحيح .
    3- إن المجتمع المدني لا يعني تأييد أومعارضة السلطة، بقدر مايعني شكل من أشكال التفاعل الذي يفرز استقرار الكيان الإجتماعي والثقافي والسياسي لمجتمع ما .
    4- إن المجتمع المدني يعرفه البعض على أنه البديل عن المجتمع الديني والنظام القبلي والمجتمع الطائفي والسلطة الإستبدادية ، وهذا فيه خطأ كبير ، فمؤسسات المجتمع المدني ولدت في رحم مجتمع ما مر بمراحل التطور الطبيعية للمجتمع وهذه المراحل تضمنت كل ماسبق وعليه فإنه ليس بديلا وإنما هو سياق ضمن سياقات التطور التاريخي للمجتمع .
    5- أن المجتمع المدني يقرأ وفقا لمؤسساته وتنظيمه، بمعنى أن قيمة المجتمع المدني وتأثيره وفعاليته تعتمد على قوة تنظيمه ومؤسساته .
    6- إن مؤسسات المجتمع المدني يجب أن تكون مستقلة عن السلطة السياسية اقتصاديا وماليا وإداريا، وهذا الأمر يصيب في قوة هذه المؤسسات من عدمه ، هذا من جهة، من جهة أخرى أن نشاط هذه المؤسسات يجب أن ينتظم وفق نظام مرن وقادر على الإستجابة لشروط المجتمع المدني دون أن يفرغ من مضمونه من خلال هيمنة قوانين أو أنظمة على نشاطه أو أن يكون استجابة لحاجات المجتمع وتركيبته الإجتماعية والثقافية.
    وبناء على ما تقدم فإن المجتمع المدني عرف تعريفات مختلفة لم تبتعد عن هامش ولو بسيط من الإتفاق فهناك من عرفها على أنها تلك المؤسسات السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية المستقلة عن السلطة السياسية وتهدف لتحقيق أغراض متعددة ، فعلى المستوىالسياسي تهدف إلى تحقيق الإستقرار السياسي من خلال المشاركة في صنع القرار ، وعلى المستوى الثقافي تهدف إلى التوعية الثقافية والمحافظة على الهوية والتراث.(4)
    أما مؤسسات المجتمع المدني فهي مؤسسات إرادية أوشبه إرادية تتمتع بالمرونة في العضوية أوالإنسحاب منها وبذلك فهي مؤسسات مدنية في مجتمع مدني متحضر وديمقراطي وهي على عكس مؤسسات المجتمع البدوي أو القروي التي تتميز بكونها طبيعية وصارمة يندرج بها الفرد منذ الولادة بدون إرادة ولايستطيع الإنسحاب منها لأنها تمثل النسيج الإجتماعي والإقتصادي والسياسي لذلك المجتمع.(5)
    ووفقا لما تقدم من تتبع لمفهوم المجتمع المدني ومؤسساته فإن المجتمع المدني يلعب دورا مهما ليس فقط على المستوى الإجتماعي بل على مستوى أهم وأخطر وهو المستوى السياسي ، وهذا الدور هو الذي جعل تأثير مؤسسات المجتمع المدني قويا على توجهات الدولة وقوانينها، وهو ذات الأمر الذي استدعى إحداث تعديلات دستورية في كثير من الدول لتتلائم مع توجهات ومطالب المجتمع المدني ، وفي إطار عملية ديمقراطية متكاملة ، وعليه فإنه يمكن التوصل إلى تعريف يتلائم مع مؤسسات المجتمع المدني ودورها الحالي الذي اختلف بشكل جوهري عن تلك التي جاءت في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم حيث يمكن تعريفها اليوم على أنها تلك المؤسسات التي تعمل في وسط حر بين الدولة والفرد وبشكل طوعي وتمتلك القدرة على التأثير وعلى أعلى المستويات ، باعتبارها شكل من أشكال الديمقراطية أو يمكن القول أنها انعكاس لصورة ديمقراطية لبلد ما ، ومن هنا جاء الترابط بين مؤسسات المجتمع المدني والتعديلات الدستورية التي شهدتها بلدان عربية عدة خلال السنوات العشر الماضية والتي حاولت فيها هذه الدول إبراز هويتها الديمقراطية بشكل أو بآخر لتبرير نظمها أو طبيعة حكمها أو لعكس صورة جديدة لنظام عربي ديمقراطي جديد .
    وبناء على ما تقدم يمكن أن نخلص إلى أن المجتمع المدني قد مر بمراحل من حيث الفهم والتحليل ، وعليه فقد قدمت تعاريف متعددة لبيان المفهوم ومدى التداخل الذي وقع فيه العديد من الكتاب والمفكرين وهوبطبيعة الحال يعود إلى الخلفية الفكرية التي ينتمي لها الكاتب أو المفكر فضلا عن انتمائه السياسي من عدمه فقد عرفه الأستاذ ريموند هينيبوش كونه يتمثل « بشبكة من الإتحادات الطوعية التكوين والتي تبدو مستقلة عن الدولة والجماعات الأولية، في الوقت الذي تعمل فيه على احتواء الإنقسامات الإجتماعية وتشكيل منطقة عازلة بين الدولة والمجتمع فإنها تعمل على ربطها بالدولة وسلطتها .(6)
    فضلا عن ذلك فقد نظم مركز دراسات الوحدة العربية ندوة علمية موسعة حول المجتمع المدني في عام 1992 وقدم تعريفا قيما للمجتمع المدني حيث يقصد به المؤسسات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها مختلفة في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة منها أغراض سياسية كالمشاركة في صنع القرار السياسي على المستوى الوطني والقومي ومثال ذلك الأحزاب السياسية ومنها أغراض ثقافية كما في اتحادات الكتاب والمثقفين والجمعيات الثقافية التي تهدف إلى نشر الوعي الثقافي وفقا لاتجاهات أعضاء كل جماعة ومنها أغراض للإسهام في العمل الإجتماعي لتحقيق التنمية ».
























    المحور الثاني : مؤسسات المجتمع المدني العربية والمتغيرات الدولية بعد أحداث
    11 أيلول 2001

    لقد رمت التحولات الدولية بضلالها على مسيرة تطور المجتمع المدني حيث المفهوم والتنظيم والأهداف ، وعلى الرغم من أنه مجتمعا مدنيا يفترض به الإستقلالية ، إلا أن تأثره بالمستجدات الدولية أثر كثيرا على طبيعته ومدى قدرته على تحقيق الأهداف الحقيقية المرجوة منه ، فمنذ نهاية الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفياتي برز المجتمع المدني بشكل واسع وغير مسبوق وقد توضح ذلك بتزايد عدد تنظيماته، وكانت تحكمه أهداف ارتبطت بالبيئة الدولية التي تولدت بعد نهاية الحرب الباردة والهيمنة الأمريكية وتسارع دول المجتمع الدولي لملئ الفراغ الذي تركه الإتحاد السوفيتي من خلال التطور الإقتصادي والتكنولوجي ، وهنا برز المجتمع المدني باعتباره ركيزة مهمة من ركائز التنمية السياسية للدول وفق قواعد ديمقراطية محددة وباعتباره أيضا أداة سلمية لمد جسور العلاقة بين السلطة والشعب وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في دفع عجلة تطور مؤسسات المجتمع المدني وقدرتها على التأثير إلا أنها وطوال مدة عقد التسعينيات من القرن العشرين كانت تعمل باتجاه التنافس الدولي في الهيمنة في إطار نظام دولي متعدد القطبية وهذا في كثير من الأحيان جعلها انعكاس للواقع السياسي في دولها مما أفرغها من محتواها ، وأهدافها الحقيقية وفي الدول العربية أصبحت مؤسسات المجتمع المدني تعيش حالة من التناقض بين المصلحة العامة التي تمثلها والمصلحة الخاصة التي تمثل السلطة الحاكمة .(7)
    أن ما يميز مدة التسعينيات فيما يتعلق بمؤسسات المجتمع المدني هي أنه هناك اتفاق على أهمية مؤسسات المجتمع المدني كونها تعبر عن المصلحة العامة ، فضلا عن أن هذه المؤسسات واضحة المعالم والأهداف والتمويل والتوجيهات وكل ذلك أثر في مصداقيتها وشرعيتها في دولها ولذلك فقد سجل هذا العقد تزايد كبير لهذه المؤسسات وعلى مختلف المستويات وجميعها تعنى بقضايا اجتماعية صحية اقتصادية ، خاصة وأن أغلب الدول في هذه المدة عاشت مرحلة تحول خطير على المستوى الإجتماعي والثقافي مثل دول أوربا الشرقية والجمهوريات الإسلامية وبعض الدول الأخرى .(8)
    إن مؤسسات المجتمع المدني اتخذت بعدا آخر بعد أحداث 11 أيلول 2001 حيث تأثرت بالتطورات الدولية المتلاحقة التي أعقبتها ، وتزايد هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية العالمية وخاصة على المنطقة العربية ، خاصة بعد احتلال أفغانستان والعراق وتزايد معدلات التواجد العسكري في الخليج مما استدعى شبكة علاقات دولية وإقليمية وعربية جديدة وانفتاح الساحة العربية بشكل واسع أمام الوافد الثقافي والإقتصادي والسياسي وكل ذلك أدى إلى جملة من التغيرات اعترت المجتمع المدني يمكن إجمالها في الآتي :



    1- التغير في الأهداف والتوجهات :
    وضمن هذا المتغير لم تعد مؤسسات المجتمع المدني تمثل أهدافا داخلية محلية تعبر بشكل حقيقي وواضح عن المجتمع الذي تولد فيه و أنما ابتعدت نحو أهداف وتوجهات عالمية وهذا لأنها انخرطت وراء مبادئ عالمية جديدة كالديمقراطية والشفافية والكونية والعالمية في إطار مفاهيم تدعو إلى مد الجسور للحوار والتلاقي ، وإذا كان هذا الهدف بقراءته المجردة هدفا ساميا أو هدفا محببا للدول التي تمتلك حرية قراراتها السياسية ، ولا تعافي من الهيمنة والتبعية في كثير من قراراتها فإن ذلك لا يصدق على أغلب الدول العربية ودول عالم الجنوب التي اتخذت المبادئ السابقة وسائل لضربها واحتلالها أو للهيمنة عليها ، وإحداث تغيرات هامة فيها على المستوى السياسي والإقتصادي .
    فضلا عن أن أحداث 11 أيلول 2001 حملت في طياتها توجهات أمريكية وأوربية تجاه مؤسسات المجتمع المدني المسلمة عموما والعربية خاصة فعملت على الربط بين أكثرها وبين الإرهاب ، وأصبحت هذه المؤسسات في موقف المتهم الذي يجب أن يدافع عن نفسه دائما ، وهذا الدفاع يتجلى إما بتوثيق العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الأوربية بشكل يفقد هذه المؤسسات أهم خصائصها ومشروعية وجودها وهو الإستقلالية المادية والفكرية ، أو عن طريق تبني توجهات وأهداف ذات صيغة انعزالية إما متطرفة أوتعصبية لصالح ثقافة اجتماعية أو دينية محددة ، وهدا الأمر أدى إلى انقسام مؤسسات المجتمع المدني بالتوجه والأهداف في وقت من المفترض أن هناك شبه إجماع على أهداف وصفات وتوجهات مؤسسات المجتمع المدني أينما تكون ، فأوجدت مؤسسات مجتمع مدني إما غريبة عن واقعها الإجتماعي أو متقوقعة داخل أطرها الإجتماعية الضيقة، وهذا التغير أفقدها الكثير من مشروعيتها ومصداقيتها .

    2- الإستقلاية المهنية :
    مع تغير مفهوم الامن بعد أحداث 11 أيلول وتصدره عن قائمة الأولويات العالمية خاصة الأمن الأمريكي وتلازمه بشكل وثيق مع قضية الإرهاب وبروز مفاهيم جديدة تحتوي على الكثير من مبررات الهيمنة ومنها قضية الإرهاب ومحاربته ، فمن لم يقف مع الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد الإرهاب فهو مع الإرهاب ، وهذا المبدأ كان سببا في النظر إلى الكثير من مؤسسات المجتمع المدني الإسلامية والعربية على أنها مؤسسات إرهابية ، فهي إما تشجع الإرهاب أو تعمل على تمويله ، ولذلك فقد شنت الولايات المتحدة الأمريكية حملة كبيرة على المؤسسات المالية الإسلامية والمؤسسات الخيرية وغيرها من المؤسسات ذات الأهداف الإنسانية والدينية والثقافية والصحية وهذا الأمر أدى إلى تقليص مؤسسات المجتمع المدني أوتغيير توجهاتها خاصة وأن الكثير من المؤسسات المالية بدأت تتجنب دعم هذه المؤسسات خشيت من اتهامها بمساندة ودعم الإرهاب ، وهذا بدوره أدى إلى قطع التمويل الداخلي عن كثير من مؤسسات المجتمع المدني العربية والإسلامية ، مما أسهم في توجه هذه المؤسسات نحو الخارج في تمويلها ، وانعكس ذلك على طبيعة توجهاتها وأهدافها فأصبحت غالبا ماتتماشى مع التوجهات العالمية حتى وإن كانت لاتتناسب مع قيم المجتمع الثقافية والدينية كما هو الحال في المؤسسات المعنية بالمرأة والطفل وغيرها من المؤسسات التي بدأت تناقش حتى الثوابت الموجودة في ديننا الإسلامي ةالمنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .(9)
    أن هذا الوقع الجديد لمؤسسات المجتمع المدني وفقدانها أهم عامل من عوامل مصداقيتها أدى إلى انقسام الآراء حولها بين مؤيد لهذه المؤسسات ودورها في المجتمع بغض النظر عن تمويلها أو توجهاتها وبين معارض لهذه المؤسسات ، بدعوى عدم جدواها في ظل مايعانيه العالمين العربي والإسلامي في مشاكل وعدم استقرار بسبب إما الإحتلال أو الهيمنة أو الإرهاب ، ولكل من الطرفين لهما بعض جوانب الحق والصحة فيما يتعلق بمؤسسات المجتمع المدني الحالية ، إلا أنها تبتعد عن الحقيقة التي يراها طرف ثالث يجد في مؤسسات المجتمع المدني ضروة لأي مجتمع ، ويربطها بصفة الشرعية ، ويعرفها على أنها تشكيلات أوتنظيمات ثقافية أوحقوقية أو جمعيات أو مؤسسات أهلية أو منتديات ووجودها يعد ضروريا ومفيد للمجتمع والحكومة ، كونها تجمع الناس على أسس مدنية بعيدا عن التعصب وهي قنوات يستطيع من خلالها المواطن إبداء رأيه وتحقيق أهدافه واحتياجاته ، وهذا الرأي لاينفي أن هناك جوانب سلبية لهذه المؤسسات خاصة تلك التي تلقى دعما من خارج دولها أومن سفارات الدول ، أومن بعض المنظمات الإقليمية والدولية مقابل قيامها ببعض الأعمال المشبوهة ، إلا أن ذلك لايلغي إن تزايد عدد مؤسسات المجتمع المدني هو أمر إيجابي خاصة في ظل تزايد عدد السكان في بعض الدول العربية ، وزيادة المشكلات الإجتماعية والثقافية التي يعاني منها المجتمع العربي وتفاقمها بشكل يحتاج ألى معالجة سريعة وفعالة .إلا أن ذلك لايعفي بعض المؤسسات من الوقوع في خطر التمويل الذي يؤدي إلى التبعية الثقافية والفكرية والسياسية .(10)

    3- تزايد الدور السياسي والإصلاحي لمؤسسات المجتمع المدني :
    أن تزايد دعوات الإصلاح السياسي في المنطقة العربية تماشيا مع تصاعد وبروز دعوات الديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان وهي ملفات فتحت على مصراعيها بوجه الدول العربية ونظمها السياسية ، أدت إلى أن تلعب مؤسسات المجتمع المدني دورا مهما في المجال السياسي ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن بعض هذه المؤسسات بدأت تلعب دور الأحزاب أكثر من كونها مؤسسات مجتمع مدني وربما أحيانا أقوى من الحزب في التأثير، فهي إما مؤيـد أو داعم لعملية الإصلاح أومعارض وهذا على حساب مهامها الأساسية في التثقيف والتوعية باعتبارها كما قلنا تشكيلات وتنظيمات للتواصل بين الدولة والأفراد دون أن يكون لها مغزى سياسي ، إلا أن بروز مصطلح الديمقراطية باعتباره مصطلحا ذو أولوية في تعزيز مدى صلاحية نظام سياسي من عدمه .فضلا عن عدم وجود محددات واضحة لتحديد مدى ديمقراطية نظام سياسي أدى إلى ترك هذا الأمر للإجتهادات بين مؤيـد ومعارض للديمقراطية ،فبعض الإسلاميين يرون فيه مصطلحا غريبا ، وهم ينظرون إلى الديمقراطية بصيغتها الإسلامية وهم يسعون عبر مؤسسات المجتمع المدني في التأثير بشكل أو آخر في مجريات العملية السياسية ، وآخرون ينظرون إلى الديمقراطية باعتبارها ضرورة بغض النظر عن نشأتـهـا الغربية ، وهم أيضا يعتمدون آليات من ضمنها مؤسسات المجتمع المدني ، وهذا الأمر جعل مؤسسات المجتمع المدني مؤسسات مهمة في جذب الناخب باتجاه أهداف وبرامج تعدها الأحزاب وبذلك ابتعدت عن مضمونها ومقاصدها الأساسية أولا وفتح لها المجال للتأثير بالإصلاحات السياسية والتعديلات الدستورية من جهة ثانية وهو محل حديثنا في المحور الثالث.




























    المحـور الثـالـث : دور مؤسسـات المجتمع المدنـي في إجـراء التعـديلات الدسـتورية في الـدول العـربية

    مع التحولات الدولية حدثت منذ إحتلال العراق في 09 أفريل 2003 ، أضحت هناك تغييـرات كبيرة على مستـوى النظام السياسـي و الاجتماعي والثقـافي العربي ككل ، فادعاءات امـتلاك أسلحة الدمار الشـامل ، وفقدان النموذج الديمقراطي أصبحت سيفا مسلطا على الأنظـمة العربية فتـسارعت نحو إحداث تغييرات سيـاسية لتجنب الاتهامات بعدم وجود الديمقـراطية فيها وهذا التسـارع تجنبا للتغيير ، ربـما يكون مفروضا بالقـوة والسلاح ورغم ذلـك فإن هذه التغييرات في أغلبها جاءت نتيجة ضغط خارجي على هذه الأنظمة ، وبالتالي جاء تطبيقها سلبيـا ومشوها في كثير من الأحيان وأعطى نتـائج عكسية على المستـوى السياسـي والاقتصادي .
    إن هذه التطورات على المسـتوى السياسـي استدعت تغيـيرات جذرية على مستـوى النظم السياسيـة في البلـدان العربيـة ، وهذه التغيـيرات كان لابد لها من تعديـلات دستورية ، خاصة وأن أغلب دسـاتير الـدول العربية هي دسـاتير جامدة ، كما أن أغلـب النظم العربيـة هي نظم ممتـدة ومتوارثة ولذلك فإن الدسـتور باعتباره هو الذي يضع النظـام القانـوني للدولة وينشئ سلطاتها العـامة ويحدد مالـها من اختصاصات ،ويعد العقبة الأولى مع أي تعـديل دستـوري يتلائـم مع التطـورات الدولية الجـديـدة خـاصة إذا علـمنا أن الدسـاتير نوعـان ، دسـاتير مرنة والتي يمكن تعديل أحكـامها باتبـاع نفس الإجراءات التي تتبع في تعديل أحكام القانون العادي ، وهذا الدستور يتميز بسهولة تعديله مما ييـسر تـلائمه مع تطور ظروف المـجتمع ودساتيـر جامدة والتـي يشـترط في تعـديل أحكامها اتباع إجراءات أشـد ، وهذا النوع يتفق مع طبيعة القواعد الدستورية وعلو مكانتها من النحية الموضوعية عن مكانة القوانـين العادية ، وهذا النوع يضفي على الدستور قدرا من الـثبات والإستـقرار ويحميه من اعتـداءات السلطة التشريعية ، ورغم أنه لا يصل إلى تحريم التعديـل إلا أنه يمثل عقبة أساسيـة أمام أي تعـديل ، ومعظم دسـاتير الدول العربـية هي من الدسـاتير الجامدة ومنها الدسـتور المصري حيث تتضمن إجراءات محددة للتعـديل تبدأ باقـتراح التـعديل في الحكومة ثم إقرار الـتعديل الذي يجب أن يتم بنفـس الطريقة التي تم بها إقـرارالدسـتور سواء كان بالإستفتـاء أو الإنتخـاب .(11)
    والحكمة من الدسـاتير ليس في وضعها فقط وإقرار الحـقوق والحـريات وإنما في جعلها موضع التطـبيق والممارسة ولكي يتم ذلك لابد من ضمانات ولذلك فكل نظام سياسي له ضمانات خاصة تضمن تطبيق قوانـين الدسـتور ومن هـذه الضمانـات تكوين المحكمة الدستورية واستـقلالية السـلطة القضـائية ، والإقـرار بمبدأ الـتداول السلمي للسـلطة ، والذي يعد من أهـم الضمانات التي تسهم في كسر الجمود والـديمومة ويساعد على تجديد الأشخاص والإضراب والممارسات السيـاسية والإنتخـابات الحرة النـزيهة ، بشكـل دوري ومنـتظم ، كل هذه الضمانات وسيلة مهمة لبناء دولة القانون . وإذا ما عدنا إلى الـدول العربيـة نجد أن أكثر هذه الضمانـات غير موجودة وبالتـالي فإن أي محـاولات لإرساء الديمقـراطية دون تعديلات دستورية تسهم في إرسـاء تلك الضمانات تعد خطوة مشوهة لا تقود إلى ديمـقراطية حقيقيـة .((12
    إن حقيقة الواقع العربي تشير إلى إخفاق واضح على جميع المستويات وخاصة المستوى السياسي وهذا ماتوصل إليه تقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية في الوطن العربي لعامي 2002 و2003 ، والمعد من قبل خبراء عرب ، وقد تناول التقريران الواقع الإقتصادي والإجتماعي والثقافي وقد عبر عن واقع مؤلم حيال هذه النواحي ، أما الناحية السياسية فتشير إلى تدني في مستوى الديمقراطية ، ومع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية مشروع الشرق الأوسط الكبير ، برزت إلى السطح قضية الإصلاح وأصبحت بمثابة ضرورة ، إذا لم تكن لأسباب داخلية فهي إما بالضغط أو القوة ، وهذا الإصلاح يرتكز على ثلاث أسس كما وضحه المشروع تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح ، وبناء مجتمع معرفي ، توسيع الفرص الإقتصادية وقد كانت حصة الإصلاحات مدرجة ضمن الأساس الأول الذي أعطى (إسرائيل) كمثل على البلد الديمقراطي الوحيد في منطقة الشرق الأوسط، أما البلدان العربية فقد حصلت على أدنى درجة في مجال الحرية و الديمقراطية وأعطى التقرير علاجا لهذه المشكلة تتمثل بالإصلاح الديمقراطي تتخذ خطوات محددة تبدأ بمبادرة الإنتخابات الحرة التي تتضمن تقديم المساعدات ماقبل الإنتخابات ومابعدها وتدريب النساء على القيادة ، ومبادرة وسائل الإعلام المستقلة ، ومبادرة المجتمع المدني . وهنا اعترف المشروع بأن مؤسسات المجتمع المدني قوة دافعة للإصلاح السياسي .(13) ولذلك يجب تطوير هذه المؤسسات عن طريق: (14)
    أ‌- تشجيع حكومات المنطقة على السماح لمنظمات المجتمع المدني على العمل بحرية ودون مضايقة أو تقييد .
    ب‌- زيادة التمويل المباشر لهذه المؤسسات وخاصة تلك المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية .
    ج- تهيئة برامج تدريبية لزيادة القدرة التقنية لهذه المؤسسات في وضع البرامج والتأثير على الحكومة وكسب الرأي العام .
    و إزاء هذا الدعم اللامتناهي لهذه المؤسسات في الدول العربية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ، جعلها أداة ضغط قوية تجاه السلطة السياسية خاصة مع زيادة مصادر التمويل مما أعطى لها قوة على التأثير في العملية السياسية وفي عملية الإصلاح بالذات فأصبحت عامل ضغط كما هي الأحزاب السياسية ، وعلى الرغم من أن هذا الواقع الجديد لدور هذه المؤسسات قد أخل كثيرا بأسس وأهداف مؤسسات المجتمع المدني الحقيقية إلا أن هناك من يؤكد ويؤيد دور المؤسسات في الإصلاح الدستوري للدول العربية من خلال قنوات متعددة أهمها :
    1- العمل على طرح برامج للتعديل تتوافق مع خطوات بناء نظام ديمقراطي يضم كافة الأحزاب والشرائح الإجتماعية في المجتمع ، ومبني على مبدأ تداول السلطة بصورة سلمية والإنتخاب .
    2- تشكيل دورات تدريبية حول الممارسة الديمقراطية من خلال التدريب على الإنتخاب والإقتراع والإستفتاء وكيفية اختيار المنتخب وماهي الأسس التي يجب أن تعتمد في الإختيار ، وهي تؤكد على ضرورة أن يكون هذا الإختيار بعيدا عن الصيغة الطائفية والعرقية أو القومية .
    3- الإطلاع على التجارب الديمقراطية العالمية وتوعية المجتمع بضرورة تكوين مجتمع ديمقراطي على غرار المجتمعات الديمقراطية الأخرى .
    4- السعي نحو التوعية الإجتماعية والدعوة إلى مشاركة فعالة للمرأة في المجال السياسي وقد تجاوزت بعض المؤسسات في الدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة في المجال السياسي ، والملفت للنظر هنا أن المرأة دور كبير في مؤسسات المجتمع المدني الجديدة وهي عامل ضغط قوي اليوم كونها صوت جديد يضاف إلى مجموعة الأصوات الداعية إلى التعديل والإصلاح.
    أن ما تقدم خلق مؤسسات مجتمع مدني جديدة تداخل عملها مع عمل الأحزاب والمؤسسات السياسية وأصبح هدفها الأساسي السلطة والدولة مما أفرز خارطة جديدة لهذه المؤسسات في الدول العربية تتمثل في:

    أ‌- مؤسسات مجتمع مدني مهنية:
    هي تلك المؤسسات التي تزايدت في الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم وذات أهداف إقتصادية واجتماعية أو سياسية محددة ، كتلك الجمعيات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان أو المتعلقة بحماية البيئة، والجمعيات الزراعية المختصة بنشر الوعي الزراعي ، والتنمية الإقتصادية ، وهذه المنظمات تمثل الوجه الحقيقي والصحيح لمؤسسات المجتمع المدني الحقيقية بسبب وضوح أهدافها ودورها وتوجهاتها .

    ب‌- مؤسسات مجتمع مدني داعمة :
    وهي مؤسسات وجدت من الضغوطات الخارجية تدخلا صريحا في الشؤون الداخلية لبلدانها الأمر الذي جعلها تدرك حجم المخاطر التي تحيط بدولها فيما لو انخرطت مع الجماعات الداعمة لهذه التوجهات ولذلك وقفت في صف دعم أنظمة الحكم في بلدانها خاصة بعدما توضحت التجربة العراقية ، وفي دول أخرى معروفة، ومن جانب آخر ، ورغم ماتحمله هذه المؤسسات من رؤيا قد يكون في جانب منها صواب إلا أنها من جانب آخر تتلقى الدعم والمساعدة من النظام الحاكم في دولها وهي بذلك تفقد أهم صفة من صفاتها وهي الإستقلالية المالية من جهة وكذلك الإستقلالية عن السلطة السياسية من جهة أخرى ، ويصح عليها القول في هذه الحالة تنظيم سياسي أو حزب سياسي تابع أو مؤيد للسلطة الحاكمة .



    ج- مؤسسات مجتمع مدني ضاغطة :
    وهذا النوع من مؤسسات المجتمع المدني يجد في نفسه مثل إيجابي للديمقراطية الحقيقية وتمثيل وتجسيد حقيقي لدعوات الإصلاح التي وردت في مشروع الشرق الأوسط الكبير وهذا النوع من المؤسسات هو الأكثر أهمية وتأثير لأنه يمثل عامل ضغط حقيقي و قوي على الأنظمة السياسية وقوة دافعة باتجاه إحداث التغييرات والتعديلات الدستورية فيها خاصة تلك التي تحاول قوى خارجية إقليمية ودولية خلقها وتأصيلها في المجتمع العربي على المستوى السياسي والإقتصادي الإجتماعي والثقافي وقد تجلى تأثير هذه المؤسسات من خلال التعديلات الدستورية التي حدثت في المنطقة العربية منها التعديلات الدستورية في مصر ، والكويت ، والأردن ، وغيرها من الدول العربية ، وهذه التعديلات لم تكن جميعها لمصلحة هذه المنظمات وأنما في أحيان كثيرة لتجنب ضغط هذه التنظيمات والإلتفاف حول الدستور خاصة مايتعلق بالإنتخاب وتداول السلطة وحرية تشكيل الأحزاب، ومجمل التعديلات الدستورية التي أضحت اليوم مطلبا مجتمعيا هاما.
    إن مؤسسات المجتمع المدني والتعديلات الدستورية اليوم يسيران باتجاه واحد وبتزايد طردي، فمع موجة التعديلات الدستورية تجد هذه المؤسسات أرضا خصبة للإستمرار والبقاء خاصة وأن هذه المؤسسات ترمي بثقل التخلف الإقتصادي والثقافي والإجتماعي على كاهل السلطة السياسية وتخلف الأنظمة السياسية وعدم قدرتها لمواكبة التطورات الدولية ، وهذا تبرير لتوجهاتها السياسية التي أفقدتها الكثير من مصداقيتها ومشروعيتها على الأقل فيما يتعلق بجانبها المالي والإقتصادي.













    الخـــاتمـــــة

    تعد مؤسسات المجتمع المدني واحدة من أهم التنظيمات المؤثرة في المجتمع كونها تمثل حلقة مهمة من حلقات التوعـية والتواصل والإندمج الإجتماعي ، ولذلك يعد وجودها مظهرا حضاريا ، وعاملا من عوامل التقدم في أي بلد ، وهذه الرؤيا تنطلق من حيادية واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني التي تعني المدنية والتحضر ، ولكنها متى ما ارتبطت توجهاتها بالسلطة سواء كانت داعمة أو ضاغطة ومتى ما إن انضوت تحت لواء التمويل الخارجي والإقليمي لخدمة أهداف خارجية أو حتى داخلية لجهة أو فئة معينة في المجتمع فقدت هذه المؤسسات فحواها ومعناها الأساسي ومبرر وجودها في المجتمع .
    لقد مرت مؤسسات المجتمع المدني بتطورات مهمة غيرت كثيرا من أدوارها وانحرفت بها عن هدفها الأساسي الذي وجدت من أجله لتصل بعد أحداث 11 أيلول 2001 إلى مؤسسات سياسية بحتة ترجع الإصلاح السياسي على أنه العصا السحرية التي سوف تحل جميع المشاكل التي يعاني منها المجتمع العربي وهذه الدعوة أما بسبب الضغط الداخلي بسبب تخلف السلطة السياسية أو بدافع خارجي كعامل من عوامل الضغط على النظام السياسي. وفي جميع الأحوال قاد هذا التغيير في الدور إلى تغيير في الوسيلة حيث اعتمدت هذه التنظيمات قضية التعديلات الدستورية قضية رئيسية على جدول أعمالها باعتبارها حلا جذريا لمشاكل المجتمع العربي السياسية والإقتصادية والإجتماعية ، وهي بذلك قد ابتعدت كثيرا عن معناها التربوي والتعبوي الذي أنشئت من أجله.














    المصـــادر

    1- لمزيد من التفاصيل أنظر: د.الحبيب الجنحاني، د. سيف الدين عبد الفتاح اسماعيل ، المجتمع المدني وأبعاده الفكرية ، دار الفكر ، دمشق، ط1 ، ا ب ، 2003 ، ص45-49
    2- للمزيد حول نماذج التأهيل السياسي ودور مؤسسات المجتمع المدني أنظر : جابرييل إيه.ألموندجي.بنجهام باويل ألاين، السياسات المقرنة في وقتنا الحاضر ، ترجمة هشام عبد الله ، الدار الأهلية للنشر والتوزيع ، المملكة الأردنية الهاشمية ،1998، ص 59-73
    3- أبوبلال عبد الله الحامد ، ثلاثية المجتمع المدني ، عن سر نجاح الغرب وإخفاقنا ،الدار العربية للعلوم ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2004، ص17-20.
    4- لمزيد من التفاصيل أنظر : د/ محمد عابد الجابري ، إشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي ، مجلة المستقبل العربي، العدد 15، كانون الثاني 1993 ص08-10
    5- المصدر نفسه ،ص9-10
    6- لمزيد من التفاصيل أنظر : متروك الفالح ، المجتمع والديمقراطية والدولة في البلدان العربية : دراسة مقارنة لإشكالية المجتمع المدني في ضوء ترييف المدن ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، ط1 ، 2003، ص25-27
    7- ثناء فؤاد عبد الله ، آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي ، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية 1997 ،ص 281 لمزيد من التفاصيل أنظر : د. عزمي بشارة ، المجتمع المدني، دراسة نقدية ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1998 ، ص 58-61
    8- ولمزيد من التفاصيل حول التحولات الدولية المعاصرة أنظر د. محمد فراج أبو النوار ، روسيا في مطلع القرن : القضايا والآفاق، مراجعة في آفاق التحولات الدولية المعاصرة ، دار الشروق الأردن ،2000، ص 107-118.
    9- لمزيد من التفاصيل حول تأثير أحداث 11 أيلول 2001 على مؤسسات المجتمع المدني، أنظر شبكة المعلومات الدولية الانترنت الموقع :
    http:/www.aljazeera.net))
    وكذلك : (http://www.aljazeera-net /2001/htm )
    10- لمزيد من التفاصيل أنظر : فيصل الصوفي ، مؤسسات المجتمع المدني ضرورة ...لماذا ؟
    أنظر : شبكة المعلومات الدولية الأنترنت الموقع :
    Fil : documents and setting /wahiba w /bureau) )
    11- د. ماجد راغب الحلو ، النظم السياسية والقانون الدستوري ، منشأت المعارف الإسكندرية ، مصر ، 2005، ص434-437.
    12- لمزيد من التفاصيل أنظر توفيق المديني ، التعديلات الدستورية العربية في خدمة الإستبداد ، شبكة المعلومات الدولية اللإنترنت ، الموقع:
    (http ://info a alakhbar wep .com)
    13- أنظمة مشروع الشرق الأوسط الكبير (النص) ، المقدم إلى مؤتمر الدول الصناعية الثمانية المنعقد في الولايات المتحدة الأمريكية، يونيو 2004 ، شبكة المعلومات الدولية الإنترنت:
    (http:// www.21632959104-search)
    14- ملف الشرق الأوسط الكبير ، شبكة المعلومات الدولية الإنترنت :
    http://www.moaten.org /folders ))

    لمزيد من التفاصيل أنظر أيضا : الشرق الأوسط الكبير مشرروع أمريكي لتسويق الديمقراطية بالإكراه: (http://www.katreet.egypty.com. )