بيوتنا ومحنة أهل غزة

الموضوع في 'نصرة قضايا الأمة الإسلامية' بواسطة الطموحة, بتاريخ ‏7 مايو 2010.

  1. الطموحة

    الطموحة عضو مميز

    بيوتنا ومحنة أهل غزة


    جيهان أبو زيد
    9 - 1 - 2009​

    أثار العدوان الصهيوني على قطاع غزة مضاجع كل عربي مسلم غيور على دينه ووطنه السليب، وحُصرت الأنفس في حناجرها بذلك العدوان الغاشم الغادر، كما لو أنها تتنسم الهواء من سم الخياط، وأطبقت على القلوب أقفاصها وكأنها في سجن مظلم كئيب، وأظلمت على النفوس جوانبها ولكأنها غارقة في بحر من الظلمات بعضها فوق بعض.

    فهذه المذبحة المروعة ـ وهي بذلك جديرة ـ شغلت الجميع من أبناء هذه الأمة صغيرها وكبيرها، واحتلت مكانًا بارزًا على المستوى الإعلامي، وعلى مستوى الشارع العربي والإسلامي، ويجب كذلك أن تحتل مكانها اللائق من الاهتمام في بيوتنا وبيوت أهلينا وأبنائنا.

    وهذا الاهتمام يأتي في البداية كفرضية دينية عقدية أمر بها الشارع الحنيف، حينما جعل المسلمين جميعهم كالجسد الواحد، يتألم كل عضو فيه بتأثر صاحبه وإصابته، كما جاء في الأثر الذي رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) [متفق عليه، رواه البخاري، (6011)، ومسلم، (6751)].

    فأهل غزة قلب الأمة الإسلامية النابض بالجهاد والكفاح، والرباط في مواجهة عدوهم الغاصب المحتل، وكل قطرة تنزف من هذا القلب حتمًا لابد وأن تتداعى لها سائر أعضاء الجسد ما بقيت فيها حياة، وإلا كان ذلك العضو في عداد الموتى فَقَدَ نبض الحياة وشعور الأحياء، أو هو جزء دخيل على هذا الجسد ولا ينتمي إليه من قريب أو بعيد.

    وهو اهتمام يأتي كذلك من كون هذه القضية ليست قضية شعب معزول، أو قضية ذات أبعاد سياسية أو جغرافية وفقط، بل هي قضية دينية، فالعدوان على فرد أو شعب مسلم هو اعتداء على الأمة كلها، لاسيما وأن العدو غاصب محتل، يقاتل ويمارس أفعاله الإجرامية عن حقد دفين على المسلمين جميعهم، وقد قال عز وجل في أعداء المسلمين وفي مقدمتهم اليهود: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 8].
    فالمجازر الإسرائيلية المتكررة في حق أبناء فلسطين عامة وغزة على وجه الخصوص ليست قضية شعب يقف وحيدًا يواجه آلة عسكرية موتورة مجنونة، ولكنها كانت وما زالت قضية صراع تمتد جذوره إلى الأبعاد العقدية والدينية، راحت تختلط منذ زمن بالوضعيات السياسية المتقلبة داخل الكيان وخارجه؛ لتفرز ذلك الوضع الممجوج.

    وعلى الأمة كلها أن تنهض إذا ما نزل الكرب والبلاء بدار من ديار المسلمين لنصرتهم والذود عنهم، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا))، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذ كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا، كيف أنصره؟! قال: ((تحجُزُه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره)) [رواه البخاري، (6952)]

    وتتعدد صور الاهتمام بهذه القضية في هذه الآونة، خاصة حينما يراد للقضية الفلسطينية أن تموت، أو على الأقل تسوق وكأنها صراع جغرافي أو صراع أجناس مختلفة، ويتم خطف القضية من بعدها الديني والعقدي وخلفياتها المصاحبة لها، ووضعها على طريق القضايا السياسية والعرقية.

    ولذا؛ فمن أهم مجالات الاهتمام بالقضية في بيوتنا أن نغرس في نفوس الأبناء ونحفز ذاكراتنا لاسترجاع خلفية هذا الصراع وأبعاده، وأنه ليس صراعًا بين "إسرائيليين" و"فلسطينيين"،ولكنه صراع بين "اليهود" و"المسلمين"، وأنه ليس صراعًا على قطعة من الأرض، ولكنه صراع على ديار مسلمة فيها بقعة مقدسة ومسجد ما زال أسيرًا نزل بها عدو غاصب محتل.

    وإضافة لهذا البعد العقدي الهام، ينبغي كذلك أن نلقن الأبناء تطورات الأحداث الحالية، ونحثهم على مشاهدة الأحداث الحية، والخراب والدمار، ومظاهر القتل التي صنعتها الآلة العسكرية الصهيونية في غزة؛ لتنمية شعورهم المناهض لهذا الاحتلال، وغرس روح البغض والكراهية لهذا العدو الغاصب، وتنمية التعاطف مع قضية هذا الشعب بكافة أبعادها، وأن نتناول الحادثة ببعدها الديني الشعوري العاطفي، وليس فقط بمنطق التحليل السياسي البارد.

    وبعد ثالث نرى له أولوية في هذا الميدان، ألا وهو تنمية روح الجهاد في نفوس الأبناء، بحيث يظل هذا الشعور مصاحبًا لهم عند كبرهم، وقبل ذلك إحياء هذا الشعور داخل النفس، ونفض الغبار عنه، وإخراجه من بين الركام، وإزالة ما علق به من وهن وشعور بالعجز والضعف، وليكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: ((من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق)) [رواه مسلم، (5040)] منهجًا للأسرة المسلمة ومفهومًا تربى عليه الأبناء.

    والبعد الأخير الذي نلفت الانتباه إليه في مجال الاهتمام بالقضية داخل بيوتنا هو المشاركة الايجابية ولو بشيء يسير، حتى لا ينقلب الاهتمام بها إلى مجرد شعور سلبي، يقف عند حد المشاهدة والتحسر والتألم، لننشئ جيلًا قادرًا على الحراك والفعل لا جيلًا عاجزًا مرتعدًا جبانًا، والمجالات الإيجابية الت