بحوث متنوعة

رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

النخبة العسكرية بمصر:

شكل ضباط الجيش الجماعة الاستراتيجية الأولى فى مصر منذ بدأت حركة التحديث على يد محمد على. فقد بدأت هذه الحركة ببناء الجيش، ولقد درج محمد على على منح كبار الضباط إقطاعات من الأرض؛ ومن ثم فقد أصبح الجيش مكوناً فى بناء السلطة وفى بناء المجتمع فى آن واحد. ولقد ذهب إيفرز إلى أن السبق الزمنى للجماعة الاستراتيجية يؤدى إلى أن تحتل هذه الجماعة مكانة أكبر من الجماعة التى يتأخر ظهورها الزمنى(26). ومن هنا يمكن أن نفسر غلبة الجماعة العسكرية الاستراتيجية على جميع الجماعات الأخرى، لظهورها المبكر الذى أدى إلى أن تحصل على أعلى درجة من المكاسب عبر مسيرة المجتمع، وكان مكسبها الأكبر هو صعودها إلى سدة الحكم، واحتلالها مكانة مركزية فى عملية صناعة القرار.
احتلت هذه النخبة مكانة مركزية بعد عام 1952، وظلت هكذا حتى بداية التغيرات الاجتماعية والاقتصادية فى منتصف السبعينات. واستمر تأثيرها بعد ذلك فى أنها أصبحت مصدراً لتوافد أعضاء جدد إلى النخبة المركزية وإلى النخب الوسيطة. ولذلك فإن هذه النخبة تظل هى أكثر النخب تأثيراً برغم توافد نخب جديدة كنخبة رجال الأعمال إلى دائرة الممارسة السياسية. وبالرغم من أن نهاية حكم عبدالناصر قد شهدت تحولاً نحو المدنية، يشهد على ذلك الانتقال إلى الاعتماد على "أهل الخبرة" الأمر الذى سمح بدخول عناصر غير عسكرية إلى دائرة الضوء، نقول إنه بالرغم من ذلك إلا أن ضباط الجيش قد ظلوا قوة موازية لقوة عبدالناصر المدنية(27). فقد كان ضرورياً أن يحافظ النظام بشكل أو بآخر على توازن بين القوى يمثل فيه الضباط مكانة بارزة. ولقد ظهر ذلك جلياً فيما بعد وبعد أن حقق الجيش انتصاراً عسكرياً فى العام 1973. حقيقة أن هذه الحرب قد أكدت مهنية الجيش وحرفيته، ولكنها أكسبته مكانة جديدة، وأصبح أبطال أكتوبر من الضباط يحكمون هنا وهناك فى أماكن مدنية (فى الوزارة وفى مجلس المحافظين وأماكن أخرى). وقد رأينا من قبل كيف أن الوزارات المتعاقبة من عام 1981 حتى 1995 خدم بها 15 وزيراً من بين صفوف الجيش. حقيقة أن أعداد العسكريين تتناقص أمام أعداد التكنوقراط والبيروقراط ولكن تظل المؤسسات العسكرية محتفظة بقوتها التقليدية أمام المؤسسات الأخرى، ويظل الضباط أكثر قوة من أى جماعة أخرى، يتجلى ذلك فى أمور عديدة منها:
ب-1: أن هذه الجماعة هى التى يأتى منها الرئيس، ولذلك فإن مؤسسة الرئاسة تتأسس فى جانب منها على أسس عسكرية وتصبح القوات المسلحة أقرب المؤسسات إلى مؤسسة الرئاسة، حيث يمكن جمع رئيس الجمهورية بين منصب الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
ب-2: ولظروف الأمن القومى فإن القوات المسلحة هى أكثر المؤسسات استقلالاً حيث تتمتع بميزانية منفصلة، وتحاول تحقيق اكتفاء ذاتى فى البناء والمرافق وإنتاج الطعام ومحاولة تحقيق اكتفاء فى إنتاج السلاح؛ بل إنها أصبحت المؤسسة الأكثر كفاءة إلى درجة أنها أصبحت مالكة لزمام الحسم فى إدارة الأزمات خاصة الكوارث(28).
ب-3: وأخيراً فإن هذه المؤسسة بجانب مؤسسة الشرطة تدفع بالكثير من أفرادها إلى الحياة المدنية بعد التقاعد فنجدهم يديرون المؤسسات، ويحتلون مواقع حساسة فى أجهزة الدولة (وكلاء وزارات ورؤساء مجالس مدن وسكرتيرى محافظات) وفى القطاع الخاص (حيث يتحول بعضهم إلى رجال أعمال).


المراجع:

26- انظر عرضاً لنظرية الجماعات الاستراتيجية فى كتاب الدولة فى العالم الثالث السابق الإشارة إليه.
27- أحمد عبدالله، الجيش والديموقراطية فى مصر مقدمة المحرر، فى: أحمد عبدالله (محرر) الجيش والديموقراطية فى مصر، القاهرة: سينا للنشر، ط1، 1990، ص 5-6.
28- عبدالسلام نوير، النخبة السياسية فى مصر، فى: على الصاوى (محرر) النخبة السياسية فى العالم العربى، ص571.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

الإقتراب النسقي:
إنتقل مفهوم النسق من حقول الدراسات الفيزيائية و الطبيعية إلى حقل الدراسات السياسية، و صاحب فكرة النسق burtallanfy الذي نظر إلى هيئات الكائنات على أنها نسق مفتوح يحيا في بيئة يتفاعل معها تاثيرا و تأثرا .فهو نسق مفتوح له فتحتان ، فتحة مدخلات ، و فتحة مخرجات . تم نقل هذه الفكرة "دافيد إستن" إلى حقل الدراسات السياسية ليدرس التفاعلات السياسية في المجتمع على أنها نسق "system" من التفاعلات و كان ذلك عام 1953 في كتابه الشهير "political system" النسق السياسي.

- النسق عند "دافيد إستن" هو التوزيع التحكمي للقيم.
- عند تالكوت بارسونز : النسق هو السعي نحو تحقيق الاهداف ، يقول بارسونز أن هناك نسق كلي global system
نسق جزئي sub system
تعريف النسق:
هو مجموعة من العناصر المتفاعلة فيما بينها تفاعلا وظيفيا و تشكل كلا متميزا يؤدي وظيفة أو مجموعة من الوظائف .و أي تغير في احد العناصر أو الأجزاء يؤدي إلى تغير في النسق.
-----------------------------------
المرجع:
محاضرة لمحمد شلبي .أستاذ بجامعة الجزائر. عام2005
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد على" الإتجاهات السيكولوجية في دراسة الجمهور":

هذا المقال يدرس الجمهور سيكولوجيا:

مقدمــة :

تعتمد في الغالب العلوم الاجتماعية والإنسانية على الفلسفة من جانب المنظرين لها ولا تخرج في إطارها العام عن واحدة من ثلاث ، الأولى فلسفة خيالية أبعد من استيعاب وفهم وإدراك العامة وهي إلى حد ما لتنبؤ ما قد يحدث مستقبلاً والثانية فلسفة واقعية لما يجري على أرض الواقع دون النظر إلى شمولية المؤثرات في هذا الواقع والثالثة فلسفة لا هذه ولا تلك ولا حاجة لأحد بها لأنها غير منطقية.
وواقع الحال يوحي بأن غالبية المتشبثين بالعناوين دون منهم المضامين والجري وراء المصطلحات والنماذج التي تظهر بين الحين والآخر من قبل منظرين هنا وهناك يكون حالهم حال الغراب والحمامة والإدارة هنا إذا لم تستطيع أخذه النماذج والنظريات والمصطلحات بعين العناية والحذر والتطوير غير المخل لما يتناسب مع واقعنا واحتياجنا في ضوء الأهداف المحددة والإمكانات المتاحة فهي ولا شك إدارة فاشلة.
فعلى سبيل المثال هناك نظرية الهندرة الإدارية نظرية ما يعرف بالعصف الذهني أوجدها الغرب وطبل لها ووظفها أحسن توظيف لكن اليابانيين لم يقفوا عند حد هذه النظريات والمصطلحات فحسب بل أنهم وظفوها وطوعو هذه النماذج وأوجدوا ما يعرف بحلقات الجودة في الإنتاجية ثم سوّقوا على الغرب نماذجهم في قوالب مبهرة حقاً فكانوا أساتذة الإنتاج بعدما كانوا تلاميذه.
والباحث هنا في هذه الجزئية يأمل أن يكون لنتائج هذا البحث وتوصياته حظ عكاشة عند المصطفى حتى لا تضيع الجهود سدا باعتبار إن هذا الجزء هو من دراسة علمية محكمة تعد بداية أساسية للدراسات التقويمية لبرامج العلاقات العامة في المؤسسات الحكومية وهذا البحث جزء منها.
الباحث

الجمهور الاستراتيجي : Strategic Public

"هو الجمهور الذي يمثل فرصةً أو تهديداً للمنظمة في وقت ما" ( ).. وبمعنى آخر قد يكون جمهور للمنظمة أو جمهور خارجي أو المعارضة أو المتشددين أو دولة معينة أو الصحافة المحلية أو الدولية وقد يكون إستراتيجياً الآن وقد يمثل جمهوراً إستراتيجياً فيما بعد، وأن على العلاقات العامة استثمار الجهود والموارد المتاحة وتركيزها من قبل العلاقات العامة في المنظمة على الجماهير الإستراتيجية.( )
تعريف إجرائي : يقصد به جماهير الأجهزة الأمنية الداخلية والخارجية والتي يمكن أن تمنح العلاقات العامة فرصة لتحقيق أهدافها أو تمثل تهديداً مباشراً على برامج العلاقات العامة فتفشلها. وبالتالي فهي إما تعارض سياسة أو خدمات الجهاز بشكل علني أو مستتر ، أو أنها تستطيع دعم وتأييد برامج العلاقات العامة وبالتالي سياسة الأمن. ولكنها لا تفعل ذلك نتيجة لعدم معرفة العلاقات العامة هذا النوع من هذه الجماهير وبالتالي التأثير عليها إما بالإنضمام إلى مسيرة الأجهزة أو المنظمة وسياستها أو تحييد هذا التهديد.
ويمكن ضرب أمثلة لتلك الجماهير بنوعيها فيما يلي :
1 - جماهير تمنح العلاقات العامة فرصة وهي منسوبو الأجهزة الأمنية عندما تمارس معهم العلاقات العامة الدور المفترض فإنها تنمي في هذه الجماهير زيادة الولاء ، وبالتالي ينعكس ذلك على تصرفاتهم مع الجماهير الخارجية فيخلق ذلك نوعاً من الإنضمام إلى التأييد أو الحياد وهذا مثالاً ليس إلا . ويمكن تسميته بالجمهور الدائم أو الثابت لأنه لا يتغير إلا في حالات نادرة مثل الفصل أو التقاعد أو الموت.
2 - جماهير تمثل تهديداً لبرامج العلاقات العامة بشكل أو بآخر وينعكس ذلك على المنظمة من خلال معارضة سياسة أو خدمات المنظمة أو بعض قراراتها أو إشاعة بعض الأفكار المعادية أو المعارضة. ويمكن ضرب أمثلة لمثل هذه الجماهير بالشباب الذي لا يجد له عمل أو تلك الفئة التي تفكر بدون صوت مسموع، أو الخلايا المدسوسة مثلاً.
ومن منطلق المقولة المشهورة (إعرف جمهورك) فإن الباحث يعتقد أنه ليس المهم أن تتحدث بل المهم أن تجد من يستمع إليك. فإذا كانت العلاقات العامة لا تحرص على نوعية الجمهور وأسلوب الرسالة ووسيلة النقل ومكان وزمان إرسالها فإن الدور الذي تقوم به تقليدي لم يعد بالمطلوب في عصر التسارع فوق المعقول . ويمكن تسميته بالجمهور المتغير فالجمهور الاستراتيجي الخارجي اليوم ليس بالضرورة أن يكون هو المستهدف في الغد على سبيل المثال بمعنى لكل مقام مقال ولكل زمن جمهور ،وحسب مقتضى الحال. وهذه الجماهير يمكن تقسيمها إلى فئات أو درجات حسب الأهمية .
وعند الحديث عن الجمهور الاستراتيجي فإن من نافلة القول التحدث عن الاستراتيجية جماهيرية التوجه حيث يرى مينارد أن “الاستراتيجية جماهيرية التوجه يتم تبنيها عندما ترأس وحدة العلاقات العامة إدارة الأزمة. تركز هذه الاستراتيجية الاتصالية على الرغبة في إصلاح العلاقات مع الجماهير المختلفة المتعاملة مع المؤسسة"(1).

كل شيء يتغير سوى الحق عز وجــل

إذاً التغير شيء متكرر ومستمر في مذهب التنمية (الأديولوجية) والتحولات تشكل صدمة على الإنسان كل يوم والمعارف تتفجر في كل الاتجاهات وبكل الوسائل المختلفة.
أخلاقيات المهنة في التقنية ودورها في التغيير .

نموذج القوى الحقليــة
وضرورة مراعاته عند تـنفيذ برامج العلاقات العامة
-------------------------------------------------------------------
قوى المقاومة قوى الدفع
-------------------------------------------------------------------


-------------------------------------------------------------------

(( تقول قف )) ب أ (( تحرك يا أخي ))
-------------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------
ب أ
الصراع بين قف وتحرك


ثلاثة استراتيجيات : للتعامل مع مفهوم هذا النموذج :-
1 - الإذابة "قوى المقاومة" إذابة الثلج بالتسخين.
2 - التغيير .
3 - التجميد.
شــكل رقم ( 1 )

تقنيـات تطويـر التنظيـم
استراتيجيات التغييـــــر
( إدارة الأزمة والطوارئ )

دور العلاقات العامة في إدارة الأزمة من خلال عظمة السمكة أو التنظيم المصفوفي مثال : دور الإدارة العامة في إعداد جنوب أفريقيا لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين (الحرب والسلام) و (الفقر).
هناك بقع عمياء : جوها نسبج (جنوب أفريقيا)
نموذج بديل : إنطلاقة أو عودة إلى الخلف ( ما هو ) تجارب الغير (نماذج معدلة)
مؤشر التنمية : الفجوة كبيرة بين عقول الإبداع ، وعقول الماضي.
القرار إلى أيــن ؟


3 - البرامج الوقائية :
من خلال استعراض أنواع البرامج من حيث الهدف اتضح أن هناك نوعين هما. البرامج الهجومية والدفاعية، ويمكن القول بأن هناك حلقةً ثالثةً مفقودةً وهي البرامج الوقائية. وهذا النوع من البرامج يمكن تسميته بالاستراتيجية الأولى للعلاقات العامة.
فإن أحسنت إدارة العلاقات العامة عند تخطيطها لبرامجها وضعت هذه الاستراتيجية طويلة أو قصيرة المدى بحسب الحاجة ، فإنها بذلك تشكل حاجزاً قوياً أمام البرامج الهجومية فلا تنفذ إلى جماهير العلاقات العامة إذ يوجد تشبع بالمعلوماتية لدى الجماهير المختلفة فلا يكون هناك تأثيرٌ للبرامج الهجومية. وبالتالي فإن الحاجة إلى البرامج الدفاعية قد تتلاشى أمام نجاحات البرامج الوقائية في نظر الباحث.

درجة فهم كلمة جمهور:

تشير النتائج أن هناك نسبة 25% في قطاع الجوازات غير متأكد . وفي قوات الأمن الخاصة 28.6% متوسطة الفهم . وفي جهازي الدفاع المدني وحرس الحدود نسبة 20% أشاروا إلى أن درجات فهمهم لكلمة جمهور كانت بنسبة 20% . ويظهر من ذلك أن هذه الإدارات في حاجة إلى تدريب هؤلاء وتأهيلهم لعمل العلاقات العامة أو استبدالهم إذا كانوا لا يرغبون في عمل العلاقات العامة .

أهـم نـتــائـج الـدراســــة

خلصت الدراسة إلى عددٍ من النتائج المختلفة من قبل عينة الدراسة بفئاتها الثلاث ؛ موظفو العلاقات العامة ، والجماهير الداخلية ، والجماهير الخارجية. حيث يغلب طابع المفهوم التقليدي السائد لدى إدارة العلاقات العامة بالأجهزة الأمنية في جميع ممارسات الأعمال وتنفيذ البرامج على أغلبية الأنشطة والأعمال. ومن أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة من وجهة نظر الباحث ما يلـي :
1 - أوضحت نتائج الدراسة أن استخدام التخطيط متدنٍ حيث لم يشر إلى ذلك سوى 13%. وأن أنواع التخطيط التي تُمارس لا تزيد عن 15% فقط عدا التخطيط الشامل للجهاز. ويؤكد المبحوثون أن هناك فروقاً في فهم موظفي العلاقات العامة حيث أشار إلى ذلك 73% تقريباً .
2 - أظهرت نتائج الدراسة أن العلاقات العامة عند بث رسائلها للجماهير لا تحدد جماهيراً استراتيجيةً لبرامجها ، حيث لم يشر إلى ذلك سوى 5.0% فقط. في حين يرى 97.6% أهمية تحديد هذه الجماهير لبرامج العلاقات العامة .
3 - هناك بعض الفروق ذات دلالة إحصائية في أثرٌ المتغيرات الديموغرافية على متغيرات الدراسة ، وقد كانت في السن والوظيفة والجنس والجنسية إلى حدٍ ما. ولمزيد من الإطلاع .
وإجمالاً فإن النتيجة العامة تشير الى أن برامج العلاقات العامة في الأجهزة الأمنية لا تحقق في الغالب الأهداف المحددة لها .

التوصيــــــــات

ومن خلال استعراض نتائج الدراسة فقد خلص الباحث منها إلى عددٍ من التوصيات يُجمل أهمها فيما يلي :
أولاً : حيث أن عملية الاتصال بالجماهير المختلفة الداخلية والخارجية تتم بطريقةٍ تكاد أن تكون عشوائيةً دون تحديد فئةٍ معينةٍ دون غيرها تخصها برسالةٍ معينةٍ تستطيع هذه الفئة فهم وتفسير محتوى هذه الرسالة ، ليس ذلك فحسب بل أن اختيار الأسلوب والوقت والوسيلة يحقق الهدف بقدرٍ كبير .
وبالتالي فإن الباحث يوصي بأن تقوم العلاقات العامة بتعيين عددٍ من الكفاءات المتخصصة أصحاب القدرات الإبداعية والإمكانات المتميزة في مجال العلاقات العامة تقوم بتحديد الجماهير الاستراتيجية للدفاع المدني حسب دوره وأهدافه . وبذلك يمكن تحقيق عدد من المميزات لإنجاح برامج العلاقات العامة التي تحقق أهدافها وهي :
أ - أن هذه الكفاءة تستطيع أكثر من غيرها توجيه الإمكانات المتاحة قدر الإمكان إلى ما يحقق بعض أو كل أهداف العلاقات العامة.
ب - إن هذه الكفاءة تستطيع أكثر من غيرها تحديد الجمهور الاستراتيجي للمنظمة أو المنشأة أو الجهاز .
ج - إن هذه الكفاءة تستطيع أكثر من غيرها صياغة مضامين الرسائل واختيار الوقت المناسب والوسيلة الأفضل .
د - إن هذه الكفاءة تستطيع أكثر من غيرها تقدير الدراسات والبحوث العلمية وإجراء الاستطلاعات المختلفة للرأي الجماهيري سواءً الداخلي أو الخارجي. على أن يكون لدى هذه الكوادر المؤهل العلمي في التخصص والخبرة الكافية والرغبة في العمل مع وجود فن الإبداع في ممارسة العلاقات العامة عند هذه الفئة .
ثانياً : إيجاد الدراسات التقويمية المستمرة لبرامج العلاقات العامة من أجل تحديد مسار التخطيط لمثل هذه البرامج .
ثالثاً : يوصي الباحث بإيجاد دور معين للمرأة في ممارسة عمل العلاقات العامة في الدفاع المدني، لأن من ضمن جماهير هذه الأجهزة المرأة ذاتها، وهي نصف المجتمع. وقد يكون الاتصال بها من قبل الرجال غير مناسب ، وقد يكون تأثيرها في العملية الاتصالية أكثر من الرجل أحياناً . وقد طالب بهذه التوصية غالبية المبحوثين من فئات الدراسة الثلاث.
رابعاً : إيجاد شعبة في العلاقات العامة مهمتها قياس اتجاهات الرأي العام الخاص بجماهير الأجهزة الأمنية بصفةٍ مستمرةٍ وعرض النتائج على الإدارة العليا.
خامساً : أثبتت الدراسة أن هناك تسمياتٍ مختلفة للعلاقات العامة مثل الشئون العامة ، الإدارة العامة للعلاقات والتوجيه ، الإدارة العامة للشئون الثقافية والإعلامية. وهذه تسميات مختلفة رغم علم تلك الجهات بأنها تسميات لا تخدم المسمى العلمي لهذه الوظيفة التي تستخدم عدداً من الوسائل لتحقيق هدف للعلاقات العامة وإن كان هذا الهدف جزئياً حسب مفهوم العلاقات العامة الحديث . وهنا يوصي الباحث بإجراء تعديلات في المسميات وتوحيدها تحت مسمى (العلاقات العامة) وربطها بأعلى سلطة في الجهاز أو (الوزارة)، على أن تكون هذه الإدارة مرتبطة بالوزير أو نائبه مباشرةً في الوزارة وبمديري القطاعات في الأجهزة التابعة ، يع النشاطات على الأجهزة حسب الجمهور الاستراتيجي للجهاز الواحد ، وذلك لتحقيق الأهداف وتوحيد الجهود وإمكانية إيجاد العناصر الكافية التي تستطيع أن تمارس دور العلاقات العامة الفعلي.
وفي هذه الدراسة قِّدم الباحثُ هيكلاً تنظيمياً مقترحاً يمكن الاستفادة منه إذا رغب المسؤولين .
وفق ركائز دور العلاقات العامة الثلاث ؛ دراسة الأحوال السائدة ، والعمل والإصلاح، والإعلام "الاتصال" حاول الباحث الاستفادة من جميع مصادر دراسته المختلفة بحيث يكون الهيكل التنظيمي الذي اقترحه متوافقاً مع أهداف العلاقات العامة ومتطلبات جماهيرها الداخلية والخارجية . وقد خرج بالتصور النهائي لهذا الهيكل الذي يعده خلاصة فكر الآخرين من الدراسات والبحوث والكتب المتعلقة بهذا المعنى وخبرته في ميدان عمل العلاقات العامة . فكان الهيكل التنظيمي المقترح للأجهزة الأمنية أو أي إدارة علاقات عامة حديثة وفق مفهوم دور العلاقات العامة جهة استشارية لرأس السلطة وفق عملية اتصالية تسير في اتجاهات مختلفة ، هدفها تحقيق أهداف الجهاز أو المنظمة وتحقيق رغبات جماهيرها بما لا يتعارض مع أهدافها الإيجابية. ويرى الباحث أن من أهم ما تقوم به العلاقات العامة في عصر العولمة أن يكون لها مبادئٌ يمكن ذكر بعضها :
أولاً : الاتصال كيف ومتى وأين ولمن .
ثانياً : الثقافة : خلق ثقافة واعية لدى جماهير الجهاز أو المؤسسة الحكومية .
ثالثاً: السياسة : بحيث تمارس العلاقات العامة نوعاً من المسايسة أو التكيف مع حاجة الجماهير وأهدافها .
رابعاً: تقويم وقياس العملية الاتصالية وآثارها والعمل على أساس النتائج.

------------------------------------------------------------
- المراجع العربية :

آل منصور، عبد المجيد سيد. سيكولوجية الاتصال الإعلامي والمسؤولية الاجتماعية، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب ، الرياض ، 1406هـ .
أحمد، جاد أحمد . منهج القرآن في التثبت من الأخبار، دار الدعوة ، الاسكندرية، 1992م.
الأفندي، عبدالله أحمد. تخطيط برامج الإعلام الأمني، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1414هـ .
الأمن والحياة، "دور العلاقات العامة في الأجهزة الأمنية"، الأمن والحياة. ، الرياض، 1409هـ.
أنس، إبراهيم وآخرون. المعجم الوسيط، دار إحياء التراث العربي، القاهرة ، 1993م .
إمام ، إبراهيم. فن العلاقات والإعلام، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1986م.
البابطين، سلطان عبد الرحمن محمد. تقويم نظام آداء العاملين بالأجهزة الأمنية، رسالة ماجستير غير منشورة، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1414هـ .
البادي، حمد محمد. المنهج العلمي للعلاقات العامة في المؤسسات المعاصرة، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1981م .
البادي، حمد محمد. مشكلة التدريب العملي في تعليم العلاقات العامة بالجامعات، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، 1411هـ .
باناجه، إيمان عبد العزيز. تقويم آداء المكتبات والمعلومات وكليات المملكة، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1416هـ .
بدر، أحمد . أصول البحث العلمي ومناهجه ، ط6، وكالة المطبوعات عبدالله حربي ، الكويت، 1982م.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد على: نماذج التنمية في دول جنوب شرق أسيا:

تجربة الصين … دروس وعبر
مدخل…..

ان التجربة التنموية الصينية تعد من اكبر وانجح التجارب التنموية في العالم وذلك للظروف الصعبة التي واجهت هذه التجربة وفي مقدمتها كبر حجم السكان وقلة الموارد قياساً بالسكان ، لذا فان التعرف على اساسيات هذه التجربة يجعلنا نقف على الدرب السليم عند القيام بالتخطيط لاي عملية تنمية .

الوضع العام في الصين قبل التنمية …

في القرن التاسع عشر كانت الصين امبراطورية تعيش منغلقة على نفسها الى حد كبير وفي هذا القرن كثرت الحروب ، وانشرت الثورة الصناعية بشكل كبير، فبدات حرب الافيون بين الصين وبريطانيا عام (1842) وانتهت بسيطرة بريطانيا على هونك كونك ، ثم بدأ التخلي عن تايوان لليابان عام (1895) ، وحصلت روسيا والمانيا على امتيازات خطوط الحديد فيها ، وكان لهذه الاوضاع ردود فعل عميقة في البلاد وانتشار روح الثورة ضد الحكم القائم الضعيف ، وانتهت بثورة عام (1911) وقيام الجمهورية عام (1921) ، التي انهت الحكم الضعيف في الصين .

وفي العشرينات بدأ هناك جناحين الاول يرى ان النموذج الشيوعي لايناسب الصين واوضاعها العامـة ، والثاني يميل الى النموذج السوفيتي الشيوعي ويرى انه الضمان لتحقيق التغيير الايجابي . وفي عام (1925) اشتد الخلاف داخل الحكم وحسم الامر عام (1927) باخراج الشيوعيين من الحكم واضطرو الى الذهاب الى الريف الذي كان بعيد عن سلطة الدولة وكونوا هناك نفوذ قوي بقيادة قائد الحزب (ماوتسي تونغ) ثم نشبت الحرب الاهلية في نهاية الاربعينيات واستمرت عامين وانتهت الحرب بسيطرة الجيش الاحمر وهو تنظيم للحزب الشيوعي على السلطة عام (1949) .

اجراأت ما قبل التنمية …
كانت الخطوات الاولى للقيام بتنمية شاملة هي القيام بعدة اجراأت منها :

(الغاء الامتيازات الاجنبية – تأمين التجارة الخارجية – تحديد حدود دنيا للاجور ترتبط هذه الحدود باسعار الارز (سلعة الغذاء الرئيسية) – تطبيق نظام البطاقات التموينية لاستهلاك السلع الاساسية مع تحديد اسعارها – فرض نظام تراخيص العمل والاقامة في المدن – تأمين المشروعات الكبيرة ومصادرة الملكيات الكبيرة واملاك بعض الاجانب –ألغاء العملة السابقة – تنظيم الملكيات الزراعية الصغيرة والمتوسطة في شكل جمعيات تعاونية (تشبه هذه المرحلة الى حد كبير الاجراأت التي قامت في الاتحاد السوفيتي بعد الثورة) .

بداية الخطط التنموية … 1-
بدأت الخطة الخمسية الاولى بين (1953-1957) باعطاء وزن كبير للصناعة بمختلف مستويـاتها ، مع التاكيد على الزراعة واعادة تنظيم الجمعيات لضمان تقديمها لفائض اكبر لتمويل عملية التنمية ، أي ان (ماوتسي تونغ) كان يؤكد على الزراعة والصناعة معاً ، كما ان التوازن كان موجوداً بين الاستهلاك والتراكم وتوسيع نظام التعليم والقضاء على الامية . وقد نجحت الخطة نجاح كبير فارتفعت معدلات نمو الصاعة الى (20%) عما كان متوقعاً وارتفعت مستويات الصحة والتعليم بشكل واضح ، ومعدلات نمو الزراعة (41%) مما ضمن تحسناً ملحوظاً في مستوى التغذية ، وارتفع تراكم الدخل القومي الى (24%) ومعدلات الاستثمار المادي الى (71%) .

2- ادت النتائج الايجابية للخطة الخمسية الاولى الى زيادة الثقة بامكان تحقيق انجازات اكبر ، فوضعت الخطة الخمسية الثانية (1958-1962) لتحقيق القفزة العظيمة الى امام ، والهدف هو مضاعفة الانتاج خلال سنة واحدة تحت شعار (بقدر ما يجسر الانسان بقدر ماتنتج الارض) وقد ركزت الخطة على الصناعة الثقيلة وتمويلها من خلال زيادة نسبة التراكم المقرر من الانتاج المحلي ومعنى ذلك زيادة الفائض المطلوب من الزراعة والصناعة الاستخراجية ، ولم تنجح القفزة في دفع الانتاج الصناعي الى المستويات المرجوة في الوقت الذي ضعف فيه دور الصناعات الصغيرة ، فقد شهدت الفترة مابين (1957-1960) النزاع ثم الفراق بين الصين والاتحاد السوفيتي ، وتعاقب ظروف مناخية مدمرة عصفت بالانتاج الزراعي ، وكان الفشل في الصناعة واستمر التنظيم الزراعي وفق الخطة .

3- وضعت الخطة الخمسية الثالثة بين (1963-1967) وسط مشاكل عديدة ، فقد ارهقت المواجهات الخارجية الامكانيات العامة وانخفضت انتاجية الصناعة عما كان مقدراً لها وظهر فتور في حماس العاملين لضعف الحوافز المادية ، وكانت قيادة الصين تشعر ان النظام فيها كان مستهـدف ، فمن حرب في كوريا الى اخرى مع الهند والى ثالثة لمواجهة القوى التي حاولت اعادة السيطرة على الهند الصينية ، وخوفاً من انتكاس الثورة قامت حركة سميت بـ(الثورة الثقافية) عام (1966) وكان هدف (ماو) من اثارة الثورة الثقافية تكتيل قوى الشبيبة بأعتبارها صاحبة المصلحة في التغيير وانها الوحيدة القادرة على دفع الصين الى امام وماجهة الاعداء دون اعتماد على أحد من الخارج ، وقد تبع التوجه الجديد تعديل اسلوب الخطة الثالثة ومدها حتى عام (1970) لكي توائم التغيرات الجديدة ، وكانت مشكلة الثورة الثقافية ليست في المسائـل التي طرحتها ولكن في العنف الذي شملها واتساع نطاق تطبيقها في المدن التي هي المراكز الحساسة للتغير الاجتماعي مهما قيل عن الريف وطاقاته ، وقد واكب الثورة الثقافية تغيير مادي واضح من مضاعفة نصيب الصناعة الثقيلة التي اصبحت قاعدة التطور الصناعي ، وزيادة انتاج الصناعات الخفيفة والمحلية التي مكنت من تغطية نسبة هامة من احتياجات الاقاليم وكانت انتاجيتها مرتفعة الى حد جعلت الصين مكتفية ذاتياً في اغلب السلع الغذائية ويتمتع المواطنون بمستوى تغذية اعلى بكثير عما كانوا يحصلون عليه .

كما كان لها الاثرفي بروز القيم الصينية التقليدية مثل العمل باجتهاد في سبيل المصلحة الذاتية وطغيانها على بعض قيم الحزب الشيوعي ، ومن ثم عادت الاسرة لتكون الوحدة الاهم في الريف الصيني ، وبعدان كان الصيني في الماضي يخدم الشعب اصبح يخدم الاسرة ونفسه .

4- خفت حدة الثورة الثقافية عند وضع الخطة الخمسية الرابعة وفي ظل الانفراج الدولي أزاء الصين وخروجها من عزلتها وانضمامها الى الامم المتحدة ، واستمرت الخطة في سياسة الاعتماد على الذات وزيادة الاستثمار المخصص للصناعة مع استمرار الجهود الاجتماعية للقضاء على الامية وتوسيع فرص التعليم وتحسين المستوى الصحي والمعاشي للمواطنين ، اما الانتاج الزراعي فقد قفز الى ما قيمته (223) مليون دولار في السنة ، أي بمعدل (600%) عما كان عليه عام (1949) ، وقد احتلت الصين بعد هذه الخطة المركز الثالث في العالم بعد روسيا وامريكا من حيث حجم الانتاج الصناعي وتنوعه .

5- اما الخطة الخمسية الخامسة (1976-1980) والتي توفي فيها (ماو) خلال السنة الاولى بدأت سياسة اصلاح جديدة ترى ان العبرة هي في ثبات الخطوات ومواجهة الواقع وليس في القفز فـوقه ، كما وجهت الدعوى الى تحديث الصناعة واعطاء البحث العلمي والتقدم التكنلوجي دوراً اكبر تحت رعاية الدولة واعادة النظر في المشروعات وتقويمها على اساس ادائها وحسن انتاجها وليس على اساس حجم هذا الانتاج بغض النظر عن نوعيته وهي المشكلة التي واجهت الدولة الاشتراكية في المراحل الاولى لعملها . وبعد رحيل (ماو) ضعفت الايدلوجية الاشتراكية وعادت الوطنية الصينية الى البروز ومعها فكرة (انـ الصـين مـركز العـالم) .



ظهور بعض مظاهر التغيير…

أ?- في محاولة لارجاع (شنغهاي) لسابق عهدها كمركز تجاري وصناعي دولي ، اقيمت في الثمانينات (14) شركة امريكية – صينية مشتركة في مجالات (الاجهزة الكهربائية – المعدات النفطية – العطور - …الخ) اضافة الى مجموعة شركات مشتركة مع اليابان وهولندا وألمانيا .

ب?- أنشاء عدد من المشاريع الخاصة ، ففي عام (1984) كان هناك (9,3) مليون مشروع متوزعة بين النقل والبناء وصناعة الاحذية والخدمات . وقد خلف هذا طبقة برجوازية صغيرة في الصين .

ج?- انشاء مناطق حرة في عدة اقاليم على الساحل الصيني الجنوبي الشرقي لجلب رؤوس الاموال الاجنبية .

د- بدأت الصين تستجيب الى كتابات الغرب الرأسمالي حول ضرورة تحديد النسل لايجاد نوع من التوازن بين السكان والموارد ، وقد قررت فرض نوع من العقوبات على من ينجب اكثر من طفل واحد ، مما ادى الى عودة ظاهرة ( وأد البنات) في الريف التي اختفت عند قيام الثورة .



مؤشرات النجاح بالارقام حتى منتصف الثمانينات ….

1- ارتفع الدخل الصناعي بعد الخطة الاولى (128%) عما كان عليه في السابق .

2- يقدر انتاج الصين من مادة الارز بـ أكثر من (38%) من انتاج العالم .

3- ارتفع انتاجها من القمح من (30) مليون طن عام (1970) الى (41) مليون طن عام (1975) واحتلت المرتبة الثالثة في العالم بعد روسيا وامريكا ، وكان نصيب الفرد من القمح (394كغم) .

4- ارتفعت نسبة الادخار الى (40%) وهي اعلى نسبة في العالم ، حتى اعلى من اليابان .

5- ارتفع معدل الدخل القومي للفرد الصيني الى (4,7%) خلال (33) سنة من عام (1952- 1985) على الرغم من زيادة السكان (400) مليون نسمة ، وهو من اعلى المعدلات في العالم .

6- ارتفع معدل العمر من (48) سنة عام (1949) الى قرابة السبعين في نهاية السبعينات وانخفض معدل الوفيات الى حوالي (6) بالالف .



اسباب نجاح التجربة الصينية …

1- التعاون بين الدولة والقاعدة العريضة من الجماهير ، وبخاصة الفلاحين الذين يشكلون الجزء الاعظم من السكان ، كما ان بداية الثورة كانت في الريف الذي انطلق منه الحزب الشيوعي .

2- اصلاح الزراعة وهي القطاع الرئيسي في الصين من خلال القضاء على الاقطاع وتوزيع الاراضي وتكوين الجمعيات الفلاحية ونجاح الاستثمارات الزراعية وقيام بعض الصناعات في الريف وبالتالي لم ينعكس سلباً على العمالة الريفية ( واصبح الفلاح احد اهداف التنمـية ، بعد ان كان ضحية في تجارب دولية اخرى) .

3- نجاح الثورة الثقافية الى حد ما في تطوير ابناء الصين بكافة فئاتهم ونشر القيم الاشتراكيـة .

4- كفاءة الجهاز التخطيطي كان له الدور الفاعل في تعبئة الطاقات والموارد وموازنتها بشكل دقيق بحيث حققت اشباع هذا الكم الهائل من السكان والقيام بالتصدير وتحقيق مكانة متقدمة بين الدول الصناعية .

5- القيم والعوامل الاجتماعية كان لها الاثر البالغ في نجاح خطط التنمية مثل تحديد الاستهـلاك - الادخار - تحديد النسل – احترام العمل وتقديسه – التعاون .

6- الاستفادة من الاخطاء السابقة في الخطط الخمسية وتجنب الاخطاء التي وقعت بها الاشتراكية وتطبيقاتها في روسيا .

7- انخفاض معدل الضرائب الى ادنى مستوى مما ساهم في تخفيف العبىء على المواطنين (الفلاحين بالذات) .

8- الموازنة بين قطاعات التنمية والسير في تطويرها بمسارات متقاربة .

9- استقلالية النظام السياسي في الصين وعدم تبعيته بالرغم من المساعدات الهائلة التي قدمها الاتحاد السوفيتي ، الا انها انتهت بعد فتور العلاقة بينهما عام (1960) .



العبرة من التجربة التنموية الصينية …

ان اهم درس يؤخذ من هذه التجربة الكبيرة هو امكانية قيام التنمية اذا ما توفرت الارادة لذلك واذا ما توفرت القيادة التي تعتمد التخطيط السليم وتحقق التعاون مع الشعب فلن يقف حجم السكان الهائل عائق امام التنمية ، بل العكس فقد تم استغلاله بشكل جيد بحيث قفزت الصين الى مصاف الدول المتقدمة خلال فترة قصيرة ، وفي هذا درس مهم جداً لكل الدول النامية ذات الموارد المحدودة وحجم السكان الكبير في ان يستفادوا من هذه التجربة العظيمة ، مع الاخذ بنظر الاعتبار ضرورة الاستقلال السياسي والغاء التبعية التي كانت العامل الاساسي في نهضة الصين ونهضة أي دولة تحاول القيام بالتنمية الناجحة .

المصادر :

1. احمد السيد النجار ، الدول النامية في خلال الصراع التجاري بين العمالقة ، مجلة المنار ، مؤسسة المنار ، العدد (43) ، 1988 .

2. دولت احمد صادق وآخرون ، جغرافية العالم ، القاهرة ، مكتبة الانجلو المصرية ، الجزء الاول ، 1976 .

3. عبد المنعم الحسني وعادل شكارة ، التخطيط الاجتماعي ، بغداد ، دار الحكمة للطباعة والنشر ، 1992 .

4. غالب محمود عريبات ، تخلف العرب والعالم الثالث ، عمان ، المطبعة الاردنية ، 1989 .

5. ميدال لبلاش ، اصول الجغرافية البشرية ، ترجمة شاكر خصباك ، بغداد ، دار المأمون ، 1987 .

6. نهوض الصين ، مجلة المنتدى ، عمان ، منتدى الفكر العربي ، العدد (133) ، 1996 .

7. وقائع وبحوث ندوة (التنمية المستقلة في الوطن العربي ) ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1987 .

8. يوان شانغ ، الاصلاح البنيوي والتنمية الاقتصادية في الصين ، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية ، اليونسكو ، العدد (120) ، 1989 .
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد على :قراءة لكتاب العقد الإجتماعي لروسو:

جان جاك روسو العقد الاجتماعي 1712 1778 :

سجل هذا الفيلسوف خطوة بوضع نظريته في كتابه العقد الاجتماعي ، وتصوره لقيام التوافق بين الناس على العيش جماعة انطلاقا من عقد ضمني يربطهم بين بعضهم ويتضمن بنودا توافقوا عليها فأصبحت دستورا لهم . فالنظام الاجتماعي لديه هو حق مقدس وقاعدة وأساس لسائر الحقوق [ دستور ] .
وجدير بالذكر أن جان جاك روسو قد طور نظرية العقد الاجتماعي التي صاغها الفيلسوف الإنجليزي " توماس هوبز" ، الذي ركز على المكنة التي يستطيع أن يتجاوز بها النظام الاجتماعي حالة الفوضى الطبيعية التي يعيشها الإنسان . ولقد رفض " جون لوك " ما عبر عنه هوبز بالظروف التي كان يعيش فيها الإنسان ؛ وهى حالة الحرب الشاملة والانحلال الاجتماعي ؛ لأنه يرى أن الطبيعة الاجتماعية للإنسان تمنع الدولة الطبيعية من أن تعيش منعزلة ، وأن رغبة الإنسان في ترك الدولة تكمن في سعيه إلى زيادة ملكيته الخاصة والاحتفاظ بها في حالة آمنة .وقد اختلف عنهما " روسو" بالقول إن السلطة التي تنتظم حياة الناس لا يمكن أن تأتي من الخارج ، وإن انعدام الأمن والطمأنينة هو ما خلق الحاجة إلى إيجاد نظام المجتمع المدني الذي لا يتكامل إلا بحماية حقوق أعضائه ويكون فيه الإنسان حرا في تحديد مصيره طالما أنه يوجه أفعاله طبقا للقانون الذي اشترك في وضعه ؛ فأصبح مصدر السلطة القوى الاجتماعية التي تعبر عن إرادة أفرادها.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد على : مستقبل النظام الإقليمي العربي:

أمة في شِقاق: مستقبل المشروع القومي العربي في ظل التحديات الراهنة

الأوضاع العربية الراهنة تزداد سوءً يوماً بعد يوم, إذ يتفاقم الانشقاق وتضعف القدرات, وتتراجع الطموحات, ويسود شعور بالقلق من الحاضر والخوف من المستقبل، وكل ذلك يثير تساؤلاً أكيداً عن المصير الذي سيؤول إليه "المشروع" القومي العربي ذاته.
المتفحص للبنية العربية الداخلية سواء على المستوى القطري أم القومي يجد أنها لعبت دوراً مهماً في الإبقاء على الوضع الشاذ لحال الأمة العربية. وذلك من خلال إفرازات النظم و قيمها ذات الجوهر القطري, والتي استمدت مشروعيتها التجزيئية من الأسس الاستعمارية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى, والتي جسدتها اتفاقية (سايكس- بيكو)، ونتيجة لتلك التجزئة ظهرت مجموعة أنظمة متباينة في الوطن العربي الواحد. حيث ظهرت نظم جمهورية ونظم ملكية فأخذ بعضها بالنظرية الليبرالية الاقتصادية وأخرى طبقت نظريات اشتراكية، و إلى جانب هذا وذاك، برزت أشكال من الإمارات و المشيخات والتجمعات والاتحادات الإقليمية، كل ذلك كان سبباً في إحداث خلافات (عربية – عربية) سواء شخصية على مستوى الحكام أم جغرافية و التي مازالت آثار بعضها مستمرة حتى الآن.
وجاءت حقبة التسعينيات من القرن الماضي لتشهد تراجعاً واضحاً لدور الدولة في الوطن العربي بدافع عاملين الأول: عامل الكوكبة وهيمنة رأس المال المتعدي للجنسية*على حساب سيادة الدولة في سياساتها التنموية، والثاني: عجز الاقتصاد الرسمي عن استيعاب القطاعات الأوسع في المجتمع. ونتيجة لهذين العاملين و جدت الأجزاء العربية عندما شغلت في العقود الأخيرة بالتنمية أن التنمية القطرية متعذرة, وأنها توصل إلى طريق مسدود, وأن التنمية في البلدان العربية إما أن تكون قومية المنطلق متكاملة البنيان أو لا تكون. ذلك أن التنمية وفقاً للمنطلقات القومية هي الرد العملي و العقلاني الذي يستجيب لمنطق العصر و ضروراته نحو الوحدة و التحديث.
كما أن حرب الخليج الثانية في عام1990م أفرزت مجموعة من التطورات أهمها: اهتزاز ركيزة الأمن القومي العربي القائم على اعتبار أن إسرائيل التهديد الرئيسي لأمن المنطقة العربية, فقد وقع العدوان من طرف عربي ضد طرف عربي آخر. بالإضافة إلى كونها عطلت انعقاد القمم العربية سنوات عديدة حتى جاءت المبادرة اليمنية في عام 2000م بشأن إعادة دورية انعقاد مؤتمر القمة العربية والتي كان لها صدى إيجابي على المستويين الرسمي والشعبي وأحيت جو المصالحة العربية.
أما اليوم فإن العالم العربي يعيش محنة حقيقية تجلياتها متشعبة, ففي فلسطين تحاول إسرائيل فرض الحل الصهيوني للقضية الفلسطينية, وفي العراق تفرض الإدارة الأميركية وصايتها على الشعب العراقي, وفي سورية ولبنان يتزايد التدخل الأجنبي في شؤونهما الداخلية, فضلاً عن قضايا الإرهاب و الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات والتي ظهرت في ظل النظام الأحادي القطبية كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للوطن العربي الواحد. تلك المعطيات في البنية العربية جعلت المشروع القومي العربي أمام تحديات ـ ليست داخلية فقط ـ بل خارجية تهدف إلى تمزيق الوحدة المكانية والقومية العربية. فعلى سبيل المثال، نجد مشروع الشرق الأوسط الكبير يحمل ثلاثة دلائل، الأول: إلغاء الهوية العربية، فهو يضم في جغرافيته توليفة بشرية وجغرافية غير متجانسة تتجاوز حدود الوطن العربي لتغليب الهوية الجغرافية على الهوية القومية. والثاني: تقسيم الرقعة الجغرافية، حيث أنه يفصل وفقاً لحدوده الجغرافية وإن اختلفت بين عرب المشرق وعرب المغرب. والثالث: مشروع غربي- صهيوني، لأن المراد تطبيقه على جزء بعينه من الأرض العربية وبما يتيح للكيان الصهيوني أن يكون دولة مقبولة في البيئة الإقليمية العربية.
إن استمرار الحالة العربية الراهنة يوفر لقوى الهيمنة الدولية إمكانية السيطرة على الموارد والموقع والهيمنة على القرار السياسي والحد من توجه العرب نحو إقرار ما يخدم مصالحهم. كل تلك المعطيات والمتغيرات الدولية والإقليمية تجعلنا أمام حقيقة أن المشروع القومي العربي أصبح حاجة ملحة لمواجهة هذه التحديات وعليه، فإن مستقبل المشروع القومي العربي مرهون بتحقيق أمرين، الأول: القدرة على التجديد، والثاني: القدرة على المقاومة.

القدرة على التجديد
إن المشروع القومي العربي يحتاج إلى بلورة إرادة شعبية عربية تساهم في تحويله وتغييره في اتجاه التكيف الإيجابي مع معطيات وتحولات العالم المعاصر وبما ينسجم مع المصالح العليا للأمة العربية. وهذا يتطلب منا إحداث ثلاثة أمور، الأول: تفعيل الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة باعتبارها الرابطة التنظيمية والقانونية بين الدول العربية, وتظهر أهميتها في كونها تمثل طرفاً أصيلاً من أطراف النظام الإقليمي العربي تتفاعل معه بالتأثير والتأثر. فهي تتأثر به من خلال الالتزام بفكرته القومية وتؤثر فيه طالما أن كل فشل تمنى به يقلل من فعالية العمل العربي المشترك والعكس صحيح.
وبالتالي فإن الظروف المحيطة بالأمة العربية وبالعمل العربي المشترك تفرض بالضرورة أن يتم صياغة العمل العربي المشترك من خلال الانتقال بالجامعة العربية من وضعها الحالي مع كافة أجهزتها ومؤسساتها, و يستفاد من سلبياتها وإيجابياتها على مدى أكثر من نصف قرن إلى كيان عربي جديد يتوافق مع المتغيرات والتطورات الإقليمية والدولية في جميع المجالات, ويحقق الأمن القومي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد حاضر ومستقبل الأمة العربية وتعيق تقدمها وطموحاتها لتحقيق وحدة الأمة. وفي هذا الإطار، قدمت العديد من المبادرات العربية لتفعيل الجامعة العربية أهمها المبادرة اليمنية والتي تتفق في مضمونها مع الكثير مما جاء في المبادرات العربية ولتضع أسساً جديدة تتوافق ومتطلبات واحتياجات الأمة العربية حاضراً ومستقبلاً.
الثاني: العمل على تأسيس مبدأ الديمقراطية بكل جوانبها في إطار المشروع القومي العربي الذي لم يتأسس على مفهوم الديمقراطية بكل جوانبها المعرفية و الفكرية و السياسية والاجتماعية والإقتصادية ومثل غيابها عائقاً أمام استمرار تنفيذه. باعتبار أن الديمقراطية بما تعنيه من إنشاء مؤسسات فعّالة واتساع حجم المشاركة السياسية والمساواة بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العرق تؤدي إلى تعزيز الوحدة العربية وسد الثغرات التي تهددها. فالديمقراطية هي قوام الأمم الحديثة وشرط تقدمها الاقتصادي والاجتماعي والحضاري.
الثالث: الاهتمام بالموقف من الدين الإسلامي وعلاقة العروبة بالإسلام لما له من تأثير في الحياة الاجتماعية العربية وتناول تلك العلاقة بشكل يوضح دور الإسلام في التكوين القومي العربي ويدفع بالاتجاه نحو ردم الفجوة بين قوى المشروع والحركات الدينية وصولاً إلى الحوار و التفاعل معها وإيجاد أرضية مشتركة تعزز فاعلية المشروع القومي العربي.

القدرة على المقاومة
المقاومة فعل إيجابي لأنها رفض لواقع سلبي. فهي تترك أثراً إيجابياً يتمثل في تعميق الوعي بالتناقض الأساسي مع المستعمر الأجنبي, وتنمي الشعور بوحدة التحديات بين أبناء المجتمع الواحد. والمقاومة ذات بعد إسلامي يشدد على الصلة الروحية والإيمانية بين العروبة والإسلام, وبعد وطني يؤكد على وحدة كل قطر, وبعد قومي يؤكد على وحدة المعركة من الشرق إلى الغرب. كما تشكل المقاومة جزءاً مهماً من المشروع القومي العربي, وهي الوجه المضيء في مسيرة النضال العربي عبر فترة طويلة من الزمن ضد قوى الاحتلال وخصوصا الصراع العربي – الإسرائيلي الذي كان قريناً للنظام العربي وارتبط به مساره صعوداً وهبوطاً وتمحور جدول أعماله لفترات طويلة من حوله إذ ينذر أن نجد وثيقة أساسية من وثائق النظام تخلو من تأكيد الالتزام بإقامة الدولة الفلسطينية. أكثر من ذلك فإنه يمكن لنا أن نؤرخ للنظام العربي ونقسم مراحل تطوره تبعاً لدرجة الإجماع أو الانقسام حول سبل تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
إذاً المقاومة خيار شرعي رئيسي للأمة العربية ويجب اعتمادها في مواجهة الاحتلال والعدوان الخارجي غير أن تبني مفهوم المقاومة من قبل المشروع القومي يتطلب أن يكون محركاً سياسياً وفكرياً وإشاعة ثقافة المقاومة لتوليد فعل المقاومة وخلق الحاضنات السياسية والثقافية والشعبية لها وخصوصا بعد احتلال العراق لماله من انعكاسات و تداعيات خطيرة على أمتنا العربية.
وأخيراً، يمكن القول أن المنطقة العربية تعيش لحظة تاريخية عصيبة يصل فيها مستوى الصراع إلى درجة الصراع على الوجود المخرج منها وفقاً للرؤية السالفة الذكر هو المشروع القومي العربي.

المصادر

1- أحمد ثابت, القومية العربية: الأزمة والتجديد, مجلة المستقبل العربي, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, العدد272, 2001م.
2- رضوان زيادة, النظام السياسي العربي وأزمة التغيير, مجلة شؤون الأوسط, بيروت, مركز الدراسات الإستراتيجية, العدد120, 2005م.
3- علي الدين هلال ونيفين مسعد, النظم السياسية العربية: قضايا الاستمرار والتغيير, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, 2003م.
4- قيس نوري, الأصول الفكرية للتجزئة وتحديات الواقع: مكانة العقل في الفكر العربي, جامعة بغداد, 1994م.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد على : مستقبل النظام الإقليمي العربي:

أمة في شِقاق: مستقبل المشروع القومي العربي في ظل التحديات الراهنة

الأوضاع العربية الراهنة تزداد سوءً يوماً بعد يوم, إذ يتفاقم الانشقاق وتضعف القدرات, وتتراجع الطموحات, ويسود شعور بالقلق من الحاضر والخوف من المستقبل، وكل ذلك يثير تساؤلاً أكيداً عن المصير الذي سيؤول إليه "المشروع" القومي العربي ذاته.
المتفحص للبنية العربية الداخلية سواء على المستوى القطري أم القومي يجد أنها لعبت دوراً مهماً في الإبقاء على الوضع الشاذ لحال الأمة العربية. وذلك من خلال إفرازات النظم و قيمها ذات الجوهر القطري, والتي استمدت مشروعيتها التجزيئية من الأسس الاستعمارية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى, والتي جسدتها اتفاقية (سايكس- بيكو)، ونتيجة لتلك التجزئة ظهرت مجموعة أنظمة متباينة في الوطن العربي الواحد. حيث ظهرت نظم جمهورية ونظم ملكية فأخذ بعضها بالنظرية الليبرالية الاقتصادية وأخرى طبقت نظريات اشتراكية، و إلى جانب هذا وذاك، برزت أشكال من الإمارات و المشيخات والتجمعات والاتحادات الإقليمية، كل ذلك كان سبباً في إحداث خلافات (عربية – عربية) سواء شخصية على مستوى الحكام أم جغرافية و التي مازالت آثار بعضها مستمرة حتى الآن.
وجاءت حقبة التسعينيات من القرن الماضي لتشهد تراجعاً واضحاً لدور الدولة في الوطن العربي بدافع عاملين الأول: عامل الكوكبة وهيمنة رأس المال المتعدي للجنسية*على حساب سيادة الدولة في سياساتها التنموية، والثاني: عجز الاقتصاد الرسمي عن استيعاب القطاعات الأوسع في المجتمع. ونتيجة لهذين العاملين و جدت الأجزاء العربية عندما شغلت في العقود الأخيرة بالتنمية أن التنمية القطرية متعذرة, وأنها توصل إلى طريق مسدود, وأن التنمية في البلدان العربية إما أن تكون قومية المنطلق متكاملة البنيان أو لا تكون. ذلك أن التنمية وفقاً للمنطلقات القومية هي الرد العملي و العقلاني الذي يستجيب لمنطق العصر و ضروراته نحو الوحدة و التحديث.
كما أن حرب الخليج الثانية في عام1990م أفرزت مجموعة من التطورات أهمها: اهتزاز ركيزة الأمن القومي العربي القائم على اعتبار أن إسرائيل التهديد الرئيسي لأمن المنطقة العربية, فقد وقع العدوان من طرف عربي ضد طرف عربي آخر. بالإضافة إلى كونها عطلت انعقاد القمم العربية سنوات عديدة حتى جاءت المبادرة اليمنية في عام 2000م بشأن إعادة دورية انعقاد مؤتمر القمة العربية والتي كان لها صدى إيجابي على المستويين الرسمي والشعبي وأحيت جو المصالحة العربية.
أما اليوم فإن العالم العربي يعيش محنة حقيقية تجلياتها متشعبة, ففي فلسطين تحاول إسرائيل فرض الحل الصهيوني للقضية الفلسطينية, وفي العراق تفرض الإدارة الأميركية وصايتها على الشعب العراقي, وفي سورية ولبنان يتزايد التدخل الأجنبي في شؤونهما الداخلية, فضلاً عن قضايا الإرهاب و الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات والتي ظهرت في ظل النظام الأحادي القطبية كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للوطن العربي الواحد. تلك المعطيات في البنية العربية جعلت المشروع القومي العربي أمام تحديات ـ ليست داخلية فقط ـ بل خارجية تهدف إلى تمزيق الوحدة المكانية والقومية العربية. فعلى سبيل المثال، نجد مشروع الشرق الأوسط الكبير يحمل ثلاثة دلائل، الأول: إلغاء الهوية العربية، فهو يضم في جغرافيته توليفة بشرية وجغرافية غير متجانسة تتجاوز حدود الوطن العربي لتغليب الهوية الجغرافية على الهوية القومية. والثاني: تقسيم الرقعة الجغرافية، حيث أنه يفصل وفقاً لحدوده الجغرافية وإن اختلفت بين عرب المشرق وعرب المغرب. والثالث: مشروع غربي- صهيوني، لأن المراد تطبيقه على جزء بعينه من الأرض العربية وبما يتيح للكيان الصهيوني أن يكون دولة مقبولة في البيئة الإقليمية العربية.
إن استمرار الحالة العربية الراهنة يوفر لقوى الهيمنة الدولية إمكانية السيطرة على الموارد والموقع والهيمنة على القرار السياسي والحد من توجه العرب نحو إقرار ما يخدم مصالحهم. كل تلك المعطيات والمتغيرات الدولية والإقليمية تجعلنا أمام حقيقة أن المشروع القومي العربي أصبح حاجة ملحة لمواجهة هذه التحديات وعليه، فإن مستقبل المشروع القومي العربي مرهون بتحقيق أمرين، الأول: القدرة على التجديد، والثاني: القدرة على المقاومة.

القدرة على التجديد
إن المشروع القومي العربي يحتاج إلى بلورة إرادة شعبية عربية تساهم في تحويله وتغييره في اتجاه التكيف الإيجابي مع معطيات وتحولات العالم المعاصر وبما ينسجم مع المصالح العليا للأمة العربية. وهذا يتطلب منا إحداث ثلاثة أمور، الأول: تفعيل الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة باعتبارها الرابطة التنظيمية والقانونية بين الدول العربية, وتظهر أهميتها في كونها تمثل طرفاً أصيلاً من أطراف النظام الإقليمي العربي تتفاعل معه بالتأثير والتأثر. فهي تتأثر به من خلال الالتزام بفكرته القومية وتؤثر فيه طالما أن كل فشل تمنى به يقلل من فعالية العمل العربي المشترك والعكس صحيح.
وبالتالي فإن الظروف المحيطة بالأمة العربية وبالعمل العربي المشترك تفرض بالضرورة أن يتم صياغة العمل العربي المشترك من خلال الانتقال بالجامعة العربية من وضعها الحالي مع كافة أجهزتها ومؤسساتها, و يستفاد من سلبياتها وإيجابياتها على مدى أكثر من نصف قرن إلى كيان عربي جديد يتوافق مع المتغيرات والتطورات الإقليمية والدولية في جميع المجالات, ويحقق الأمن القومي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد حاضر ومستقبل الأمة العربية وتعيق تقدمها وطموحاتها لتحقيق وحدة الأمة. وفي هذا الإطار، قدمت العديد من المبادرات العربية لتفعيل الجامعة العربية أهمها المبادرة اليمنية والتي تتفق في مضمونها مع الكثير مما جاء في المبادرات العربية ولتضع أسساً جديدة تتوافق ومتطلبات واحتياجات الأمة العربية حاضراً ومستقبلاً.
الثاني: العمل على تأسيس مبدأ الديمقراطية بكل جوانبها في إطار المشروع القومي العربي الذي لم يتأسس على مفهوم الديمقراطية بكل جوانبها المعرفية و الفكرية و السياسية والاجتماعية والإقتصادية ومثل غيابها عائقاً أمام استمرار تنفيذه. باعتبار أن الديمقراطية بما تعنيه من إنشاء مؤسسات فعّالة واتساع حجم المشاركة السياسية والمساواة بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العرق تؤدي إلى تعزيز الوحدة العربية وسد الثغرات التي تهددها. فالديمقراطية هي قوام الأمم الحديثة وشرط تقدمها الاقتصادي والاجتماعي والحضاري.
الثالث: الاهتمام بالموقف من الدين الإسلامي وعلاقة العروبة بالإسلام لما له من تأثير في الحياة الاجتماعية العربية وتناول تلك العلاقة بشكل يوضح دور الإسلام في التكوين القومي العربي ويدفع بالاتجاه نحو ردم الفجوة بين قوى المشروع والحركات الدينية وصولاً إلى الحوار و التفاعل معها وإيجاد أرضية مشتركة تعزز فاعلية المشروع القومي العربي.

القدرة على المقاومة
المقاومة فعل إيجابي لأنها رفض لواقع سلبي. فهي تترك أثراً إيجابياً يتمثل في تعميق الوعي بالتناقض الأساسي مع المستعمر الأجنبي, وتنمي الشعور بوحدة التحديات بين أبناء المجتمع الواحد. والمقاومة ذات بعد إسلامي يشدد على الصلة الروحية والإيمانية بين العروبة والإسلام, وبعد وطني يؤكد على وحدة كل قطر, وبعد قومي يؤكد على وحدة المعركة من الشرق إلى الغرب. كما تشكل المقاومة جزءاً مهماً من المشروع القومي العربي, وهي الوجه المضيء في مسيرة النضال العربي عبر فترة طويلة من الزمن ضد قوى الاحتلال وخصوصا الصراع العربي – الإسرائيلي الذي كان قريناً للنظام العربي وارتبط به مساره صعوداً وهبوطاً وتمحور جدول أعماله لفترات طويلة من حوله إذ ينذر أن نجد وثيقة أساسية من وثائق النظام تخلو من تأكيد الالتزام بإقامة الدولة الفلسطينية. أكثر من ذلك فإنه يمكن لنا أن نؤرخ للنظام العربي ونقسم مراحل تطوره تبعاً لدرجة الإجماع أو الانقسام حول سبل تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
إذاً المقاومة خيار شرعي رئيسي للأمة العربية ويجب اعتمادها في مواجهة الاحتلال والعدوان الخارجي غير أن تبني مفهوم المقاومة من قبل المشروع القومي يتطلب أن يكون محركاً سياسياً وفكرياً وإشاعة ثقافة المقاومة لتوليد فعل المقاومة وخلق الحاضنات السياسية والثقافية والشعبية لها وخصوصا بعد احتلال العراق لماله من انعكاسات و تداعيات خطيرة على أمتنا العربية.
وأخيراً، يمكن القول أن المنطقة العربية تعيش لحظة تاريخية عصيبة يصل فيها مستوى الصراع إلى درجة الصراع على الوجود المخرج منها وفقاً للرؤية السالفة الذكر هو المشروع القومي العربي.

المصادر

1- أحمد ثابت, القومية العربية: الأزمة والتجديد, مجلة المستقبل العربي, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, العدد272, 2001م.
2- رضوان زيادة, النظام السياسي العربي وأزمة التغيير, مجلة شؤون الأوسط, بيروت, مركز الدراسات الإستراتيجية, العدد120, 2005م.
3- علي الدين هلال ونيفين مسعد, النظم السياسية العربية: قضايا الاستمرار والتغيير, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, 2003م.
4- قيس نوري, الأصول الفكرية للتجزئة وتحديات الواقع: مكانة العقل في الفكر العربي, جامعة بغداد, 1994م.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد إلى القلب الوافي:

خصائص الدولة الإسلامية:

أصل كلمة دولة

إن كلمة دولة عندما كانت تذكر في القديم كانت تعني أو تدل على وجود مجتمع فيه طائفة تحكم وأخرى تطيع .

والدولة جاءت أو تشكلت عبر الزمان من خلال وجود مساحة من الأرض هذه الأرض يتوفر بها أسباب العيش ، من ماء وغذاء ومرعى وطقس جيد ، فتقوم هذه الأرض المتوفر بها أسباب العيش بجذب السكان إليها ، والسكان عندما يحضروا إليها يكون عددهم قليل جدا فيتزاوجوا وينجبوا جيلا جديدا وعددا جديدا في هذا الحال ينتقل هذا العدد القليل من أسره قليلة العدد يحكمها الأب إلى عشيرة يوجد بها عدد من الأفراد لابئس به يحكمها شيخ العشيرة ، فتستمر عملية زيادة عدد الأفراد بأشكال مختلفة وينتج عن ذلك قرية ثم تتحول هذه القرية إلى قرى ثم تتحول هذه القرى إلى مدينة ثم إلى مدن ومن ثم ومع زيادة عدد المدن تتشكل الدولة التي يحكمها سلطة معينة وهي عبارة عن عدد من أبناء الشعب .

"والدولة دوما هي مفهوم نظري ، ولذا فانه لا يمكن قيامها بأي صفة ملموسة أو مادية إلا حين تعبر عن نفسها من خلال الحكومة والدولة موجودة فقط لان الشعب يؤمن بأنها موجودة ، وهي كالشركة القانونية ، كيان قانوني".

تعريف الدولة:

الفقيه الفرنسي كاري دي مالبيرج عرف الدولة بأنها"مجموعه من الأفراد تستقر على إقليم معين تحت تنظيم خاص, يعطي جماعه معينه فيه سلطه عليها تتمتع بالأمر والإكراه"
الدكتور بطرس غالي والدكتور خيري عيسى في المدخل في علم السياسة عرفوا الدولة بأنها:"مجموعه من الأفراد يقيمون بصفه دائمة في إقليم معين, تسيطر عليهم هيئه منظمه استقر الناس على تسميتها الحكومة"ويحدد المؤلفان ثلاثة عناصر لابد منه لكيان الدولة هي:مجموعة الأفراد, الإقليم, والحكومة.
رينه جان دولوي, القانون الدولي, قال"سلطة النظام الحكومي تمارسها حكومات قوية على العديد من السكان الموزعين في مناطق واسعة أوصغيرة"لذلك فهو يعتبر أن الدولة تتألف من ثلاثة عناصر: السكان, الإقليم, والحكومة.
أما ديفو يعرف الدولة"مجموعه من الأفراد مستقره في إقليم محدد تخضع لسلطة صاحبة السيادة, مكلفة أن تحقق صالح المجموعة وملتزمة في ذلك مبادئ القانون" وهو بذلك يحدد أربعة أركان لقيام الدولة هي: مجموعة من الأفراد, الإقليم, السلطة, السيادة.
الدكتور نظام بركات والدكتور عثمان الرواف والدكتور محمد الحلوة في مبادئ علم السياسة يعرفونها بأنها"كيان سياسي وقانوني منظم يتمثل في مجموعة من الأفراد الذين يقيمون على أرض محدده ويخضعون لتنظيم سياسي وقانوني واجتماعي معين تفرضه سلة عليا تتمتع بحق استخدام القوة" ويحدد المؤلفون أربعة عناصر مهمة للدولة هي: الشعب (الأمة), الإقليم (الوطن), الحكومة ,والسيادة.

نجد أن معظم كتاب السياسة والقانون يتفقون على أن الأركان الأساسية للدولة هي السيادة ، والحكومة ، والشعب ، والإقليم ،
فالدولة الإسلامية كذلك تقوم على أربعة أركان :
• الحكم بما انزل الله
• الرعية
• الدار
• أولوا الأمر


الركن الأول: الحكم بين بما انزل الله
الحكم بما انزل الله سبحانه وتعالى هو الركن المميز للدولة الإسلامية
فلقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله بقوله:
) وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق)

ولقد أمر الله سبحانه وتعالى النبيين من قبل بالحكم بما أنزل الله كما في
قوله :
) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا)
وبين تعالى أن الحكم بغير ما أنزل الله هو حكم الجاهلين ، وأن الإعراض عن حكم الله سبحانه وتعالى سبب لحلول عقابه وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين.

كما أنكر الله سبحانه وتعالى على من لم يحكم بما أنزل الله جاء في محكم التنزيل
قوله تعالى : (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون)
وقوله) : ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون)
وقوله) : ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون)

حكم المسلم الذي لا يحكم بما انزل الله:
قال تعالى : ( ومن لم يحكم بما انزل الله فأؤلئك هم الكافرون)
قال أبن العباس رضي الله عنهما في تفسيرها : من جحد ما انزل الله فقد كفر ومن اقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.
وقد فصل الإمام أبن القيم في أحوال الحكم بغير منازل الله تفصيلا محكما فقال:
"والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم"
وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب من نواقص الإسلام :
"من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أكمل من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر"
وذكر الشيخ ابن باز أن هذا الناقض يدخل فيه :"من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام أو أنها مساوية لها أو انه يجوز التحاكم اليها ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل، ويدخل في ذلك ايضا كل من اعتقد انه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة لأنه بذلك يكون قد استباح ماحرمه الله اجماعاً وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة،كالزنا والخمر والربا، والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين".

والمطلوب شرعاً لتحقيق هذا الركن الركين :

1) التزام الدولة عقيدة أهل السنة والجماعة المتلقاة من الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة ، المتميزة بالتوحد الخالص ، بجميع أنواعه من توحيد الربوبية ، وتوحيد الإلوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، ونبذ الشرك بكافة أشكاله وصوره .

2) التزام الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة .

3) تحليل ما أحله الله ورسوله ، وتحريم ما حرمه الله ورسوله ، وإيجاب العقاب المقرر لما حرمه الله ورسوله .

4) تطبيق النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الإسلامية .

5) عدم مخالفة الدولة لنصوص الكتاب والسنة ، وإجماع الأمة ، وقواعد الشريعة، وأصولها العامة.

الركن الثاني: الرعية (الشعب)

من هم الشعب؟
هم مجموعة من الذكور و الإناث يقيمون على أرض الدولة بصفة دائمة. , لا يمكن
أن تقوم دولة من الدول بدون رعية يطبق عليها نظام الدولة.
يتكون الشعب من مجموع كبير من الناس تجمعهم الرغبة في العيش المشترك, وأن كان لايمكن تحديد عدد مناسب أو حد أدنى وحد أقصى لعدد الناس أو أفراد الشعب إلا أن كثرة عدد السكان لاشك تعتبر عاملا هاما في ازدياد قدر الدولة وشأنها, وقد يتطابق تعريف الشعب مع الأمة وقد يختلف عنها كما هو حال الأمة الإسلامية المقسمة إلى دول.
فشعب الدولة يتكون من أمة أو جزء منها أو عدة أمم.
فالشعب مجموعة من الأفراد تقطن أرضا معينة, أما الأمة فهي إلى جانب ذلك تتميز باشتراك افرادها في عنصر أو عدة عناصر كاللغة والدين والأصل أو الرغبة المشتركة في العيش معا.
أما بالنسبة للأمة والدولة فالاختلاف يكمن في أن الأمة هي جماعة من الأفراد تجمعهم روابط موضوعية وذكريات وآمال مشتركه ورغبة في العيش معا, أما الدولة فهي وحدة سياسية قانونية وضعية... إضافة إلى أن الدولة عنصر من عناصر الأمة, وإذا كانت الدولة والأمة تشتركان في عنصر الشعب و الإقليم, فان الدولة تتميز عن الأمة بالحكومة التي تعد ركنا من أركان الدولة. ومن وظائف الدولة إخفاء التناقضات الداخلية بين أعضائها من صراع سياسي وطبقي وإضفاء صفة المشروعية أو الشرعية على السلطة الممارسة أو المفروضة من طرف مجموعة أو فئة أو طبقة على الأغلبية.


ينقسم الشعب إلى قسمين:

(1. مسلمون يقيمون أحكام الإسلام

(2. غير مسلمون أ- مستأمنون ب-أهل ذمة

أ‌- المستأمنون:
لغة: وهو الطالب للأمان الذي هو ضد الخوف
اصطلاحا :هو من دخل الإسلام بأمان طلبه .والأمان هو رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله.

ب-أهل الذمة :
لغة: أهل العقد
في الاصطلاح: المعاهدون من أهل الكتاب ومن جرى مجراهم . والذمي هو المعاهد الذي أعطي عهدا يأمن به على ماله ودينه .
سموا بأهل الذمة؛ لأن العلاقة بينهم و بين الدولة ينظمها عقد ذمة لا يبرمه إلا الإمام.
ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين هما:
• أن يلتزموا إعطاء الجزية في كل الأحوال .
• التزام أحكام الإسلام, وهو قبول مايحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم.

واجبات أهل الذمة :

1- الالتزام بدفع الجزية.
2- عدم إحداث دور للعبادة في بلاد الإسلام، ولا يجددوا ما خرب منها.
3-عدم إيواء الجواسيس أو الغش للمسلمين .
4-عدم التعرض لأحد من المسلمين بالإيذاء، أو الاستهزاء بالدين.
5- أن لا يمنعوا أحداً من أقربائهم أو ذويهم من الدخول في الإسلام.
6-أن يوقروا المسلمين ولا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم.
7- أن لا يظهروا شيئاً من عباداتهم أو شعاراتهم كالصلبان و نحوها.
8- أن لا يبيعوا شيئاً محرماً في الإسلام كالخمر و نحوها.

حقوق أهل الذمة :

لهم حقوق مدنية فقط و ليست حقوق دينية التي تكون للمسلمين فقط. و حقوقهم هي :
1- عصمة أموالهم و دمائهم، و جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من قتلهم،
قال الرسول صلى الله علي و سلم (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة و إن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً)
2- الانتفاع بالمرافق العامة كالمسلمين.
3- مزاولة بعض الأعمال كالتجارة و نحوها، بشرط عدم الإضرار بالمسلمين.
4-حرية الاعتقاد و إجراء أحكام الأحوال الشخصية فيما بينهم.
5- الدفاع عنهم ضد من قصدهم بأذى.


الركن الثالث:الدار( الإقليـــم)

يستقر الشعب على أرض معينه سواء كانت هذه الأرض ذا مساحة كبيرة أوصغيرة, وقد أصبحت الأرض عنصر من عناصر الدولة تسمى بالإقليم الذي لايشمل اليابسة فقط وإنما إلى جانبها المسطحات المائية التابعة لليابسة والفضاء الذي يعلو الأرض والبحار الخاضعة للدولة وفقا لقواعد السلوك الدولي. وان حق الدولة على إقليمها هو عبارة عن حق عيني نظامي يتحقق مضمونه بممارسة السيادة العامة بما تفرضه من إجراءات رقابه وإدارة للشؤون العامة.

معنى الدار : هي الوطن الذي يعيش عليه الشعب ، وتطبق فيه أنظمة الدولة،ويطلق عليه أيضاً الإقليم ،

وتنقسم الدار عند الفقهاء إلى قسمين هما :
1- دار الكفر
2- دار الإسلام

دار الإسلام : هي كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة.
وتنقسم دار الإسلام عند بعض الفقهاء إلى ثلاثة أقسام هي :
1)الحرم :
ويشمل الحرم على مكة والمدينة فيمنع تنفير صيده وعضد شجره ويختص حرم مكة بأمور منها : لا يدخله من أراد الحج أو العمرة إلا محرما.

2)الحجاز:
سميت بذلك لأنها حاجز بين تهامة ونجد . ومما تختص به لاستوطنها مشرك من ذمي ولا معاهد لقوله الرسول صلى الله عليه وسلم
(اخرجوا المشركين من جزيرة العرب (

3)ما عداهما من بلاد المسلمين
فينقسم كذلك إلى عدة أقسام . وقد ذكر الفقهاء لكل قسم من هذه الأقسام أحكاماً تخصه.



دار الكفر : هي التي تكون أحكام الكفر فيها ظاهرة أو أغلب سكان الدولة كفار
ولها قسمان هما :
1) دار الحرب: عرفها الحنابلة بقولهم): هيا التي يغلب عليه حكم الكفر)
وسميت بذلك لأن الحرب متوقعة وذلك لأنها لا ترتبط مع دار
الإسلام بعهد.

2) دار العهد:هي الدار التي ترتبط مع دار الإسلام بعهود ومواثيق ،
أما مهادنة وإما مصالحة على البقاء في الأرض بعد فتحها ، على أن تكون لهم ويدفعون مقابل ذلك خرجاً.



الركن الرابع: أولو الأمر

لايكفي أن يكون هناك شعب يقيم على مساحة من الأرض لقيام الدولة بل لابد من وجود قوة أو سلطة أو حكومة لفرض السلطة على الشعب في إطار الأرض وان تعمل هذه الحكومة على تنظيم أمور الجماعة وتحقيق مصالحها والدفاع عن سيادتها.

ولقد عرف ولي الأمر في الدولة الإسلامية بعدة ألقاب:
-الخليفة: أول من دعي به هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
-أمير المؤمنين: أول من دعي به هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
-الإمام: أول من دعي به هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

قال تعالى:"ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"
* اختلف المفسرون في معنى ”وأولي الأمر منكم“ في الآية على أقوال هي:
- هم الفقهاء والعلماء: قاله ابن عباس وجابر رضي الله عنهما
- هم الأمراء والولاة:قاله أبوهريره رضي الله عنه.
- هما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: قاله عكرمة.
- هم المهاجرون والأنصار: قاله عطاء.
- عامة في كل أولي الأمر والأمراء والعلماء وهذا هو الراجح.


شروط الإمام
أ) شروط متفق عليها
ب) شروط مختلف فيها


أ) الشروط المتفق عليها:
1- الإسلام :
فلا يجوز للكافر أن يكون رئيساً للدولة الإسلامية
قال تعالى :“ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا“

2- التكليف :
يشترط في الإمام أن يكون مكلفاً أي بالغا عاقلا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
”رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ ,وعن الصغير حتى يكبر , وعن المبتلى حتى يعقل“

3-الحرية:
الحرية ضد الرق ,فالعبد لا يصلح أن يكون إماماً للمسلمين , ومن في حكمه كالآبق والمُكاتَب والمُدََّبر

4-الذكورة:
فلا يجوز للمرأة أن تلي الإمارة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
“لن يفلح قومُ ولوّا أمرهم امرأة“.

5- العدالة :
المراد بها : من اجتنب الكبائر, ولم يصر على الصغائر , وغلب صوابه اشتراط العدالة لا يعني أن يكون معصوماً.

6-الكفاءة :
هي القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في أوقاتها ,مع الحزم والحنكة في إدارة شؤون البلاد.




ب) الشروط المختلف فيها :

1- بلوغ مرتبة الاجتهاد: اشتراط الاجتهاد كان متيسراً في العصور المتقدمة للدولة الإسلامية أما بعد ذلك فيصعب تحقيق هذا الشرط لقلة المجتهدين في هذا الزمان,فقد رأى كثير من الفقهاء عدم اشتراطه حتى لا تتعطل الولايات وعلى الإمام أن يستعين بمن هو أعلم منه

2- سلامة الحواس و الأعضاء:
قسم العلماء العيوب في الحواس والأعضاء إلى أقسام ,منها مالا يمنع عقد الإمامة, ومنها يمنع عقد الإمامة , ومنها ما لا يمنع من استدامتها ,ومنها ما يمنع من استدامتها.

3-النسب القرشي :
اختلف أهل العلم قديماً و حديثاً في هذا الشرط منهم من يرى أن الإمام يجب أن يكون قرشياً, ومنهم من لم يشترط ذلك , وجوز أن يكون الإمام من غير قريش



واجبات الأمام:

1. حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة
2. نشر العلم والمعرفة بكل سبيل, فإن تقدم الدولة رهن بما تصل إليه من العلوم النافعة
3. العمل على توفير الحياة الكريمة لأبناء الدولة
4. إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك ,وتحفظ حقوق عباده عن إتلاف واستهلاك.
5. تحصين الثغور بالعدة المانعة , والقوة الدافعة .
6. جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة إليه ومنع الناس من الدخول فيه ,لأن نشر الإسلام من واجبات الدولة الإسلامية .
7. جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً.
8. تقدير العطايا من بيت المال
9. اختيار الأكفاء لوظائف الدولة , وتعيين الأمناء على أموال الأمة



حقوق الأمام:
-الطاعة: تجب طاعة ولي الأمر في غير معصية الله تعالى
-النصرة: حتى يقوم الإمام بواجبه لا بد من نصرة رعيته له,وأن تقصير الإمام بواجباته نحو رعيته ليس مبررا للرعية أن تقصر في حقه.
-النصيحة: قال صلى الله عليه وسلم: ”الدين النصيحة ”قلنا لمن؟ قال :“لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم“ .فالنصيحة تقتضي الإخلاص وصدق المحبة للمنصوح والرغبة في الإصلاح.


الفهرس



1)منتدى أهل السنة والجماعة
http://www.ahlsounna.com/

2)أركان الدولة- كلية الحقوق- جامعة المنصورة
http://www.f-law.net/law/showthread.php?t=8734

3)منتديات قلب اليمن الثقافية
http://www.yeheart.net/vb/t2514

4)النظام السياسي في الإسلام, أ.د.سليمان العيد, د.عادل الشدي....وآخرون, 2008م
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد إلى فهيمة:
قراءة في تجربة ماليزيا التنموية



التجربة الماليزية جديرة بالتأمل وخصوصاً أنها تتميز بكثير من الدروس التي من الممكن أن تأخذ بها الدول النامية كي تنهض من كبوة التخلف والتبعية. فعلى الرغم من الانفتاح الكبير لماليزيا على الخارج والاندماج في اقتصاديات العولمة، فإنها تحتفظ بهامش كبير من الوطنية الاقتصادية. وخلال نحو عشرين عاماً تبدلت الأمور في ماليزيا من بلد يعتمد بشكل أساسي على تصدير بعض المواد الأولية الزراعية إلى بلد مصدر للسلع الصناعية، في مجالات المعدات والآلات الكهربائية والالكترونيات. فتقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لعام 2001م رصد أهم 30 دولة مصدرة للتقنية العالية، كانت ماليزيا في المرتبة التاسعة متقدمة بذلك عن كل من ايطاليا والسويد والصين. كما كانت تجربتها متميزة في مواجهة أزمة جنوب شرق آسيا الشهيرة التي شهدها العام 1997م، حيث لم تعبأ بتحذيرات الصندوق والبنك الدوليين وأخذت تعالج أزمتها من خلال أجندة وطنية فرضت من خلالها قيوداً صارمة على سياستها النقدية، معطية البنك المركزي صلاحيات واسعة لتنفيذ ما يراه لصالح مواجهة هروب النقد الأجنبي إلى الخارج، واستجلب حصيلة الصادرات بالنقد الأجنبي إلى الداخل وأصبحت عصا التهميش التي يرفعها الصندوق والبنك الدوليين في وجه من يريد أن يخرج عن الدوائر المرسومة بلا فاعلية في مواجهة ماليزيا التي خرجت من كبوتها المالية أكثر قوة خلال عامين فقط، لتواصل مسيرة التنمية بشروطها الوطنية. بينما أندونسيا وتايلاند مثلاً ما زالتا تعانيان أثر الأزمة، من خلال تعاطيهما تعليمات أجندة الصندوق والبنك الدوليين. ونظراً لتفرد التجربة فقد حرصنا على مشاركة المتخصصين الذين تناولوا التجربة بالبحث والدراسة من خلال كتب منشورة وأبحاث علمية شاركوا بها في المؤتمرات العلمية.

العوامل الاقتصادية والسياسية التي ساعدت على نجاح التجربة:

الدكتورة <نعمت مشهور> أستاذة الاقتصاد الإسلامي في كلية التجارة للبنات بجامعة الأزهر ترى أن هناك مجموعة من العوامل ساعدت على نجاح تجربة ماليزيا في التنمية وهي كما يلي:
1. المناخ السياسي لدولة ماليزيا يمثل حالة خاصة بين جيرانها، بل بين الكثير من الدول النامية، حيث يتميز بتهيئة الظروف الملائمة للإسراع بالتنمية الاقتصادية. وذلك أن ماليزيا لم تتعرض لاستيلاء العسكريين على السلطة.
2. يتم اتخاذ القرارات دائماً من خلال المفاوضات المستمرة بين الأحزاب السياسية القائمة على أسس عرقية، ما جعل سياسة ماليزيا توصف بأنها تتميز بأنها ديموقراطية في جميع الأحوال.
3. تنتهج ماليزيا سياسة واضحة ضد التفجيرات النووية، وقد أظهرت ذلك في معارضتها الشديدة لتجارب فرنسا النووية، وحملتها التي أثمرت عن توقيع دول جنوب شرق آسيا العشر المشتركة في <تجمع الأسيان> في العام 1995م على وثيقة إعلان منطقة جنوب شرق آسيا منطقة خالية من السلاح النووي وقد ساعد هذا الأمر على توجيه التمويل المتاح للتنمية بشكل أساسي بدلاً من الإنفاق على التسلح وأسلحة الدمار الشامل.
4. رفض الحكومة الماليزية تخفيض النفقات المخصصة لمشروعات البنية الأساسية، والتي هي سبيل الاقتصاد إلى نمو مستقر في السنوات المقبلة. لذا قد ارتفع ترتيب ماليزيا لتصبح ضمن دول الاقتصاد الخمس الأولى في العالم في مجال قوة الاقتصاد المحلي.
5. انتهجت ماليزيا استراتيجية تعتمد على الذات بدرجة كبيرة من خلال الاعتماد على سكان البلاد الأصليين الذين يمثلون الأغلبية المسلمة للسكان.
6. اهتمام ماليزيا بتحسين المؤشرات الاجتماعية لرأس المال البشري الإسلامي، من خلال تحسين الأحوال المعيشية والتعليمية والصحية للسكان الأصليين، سواء كانوا من أهل البلاد الأصليين أو من المهاجرين إليها من المسلمين الذين ترحب السلطات بتوطينهم.
7. اعتماد ماليزيا بدرجة كبيرة على الموارد الداخلية في توفير رؤوس الأموال اللازمة لتمويل الاستثمارات حيث ارتفاع الادخار المحلي الإجمالي بنسبة 40 % بين سنة 1970م وسنة 1993م، كما زاد الاستثمار المحلي الإجمالي بنسبة 50 % خلال الفترة عينها. ويرى د. محمود عبد الفضيل أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أنه في الوقت الذي تعاني فيه بلدان العالم النامي من مثلث المرض والفقر والجهل، فإن ماليزيا كان لها ثالوث آخر دفع بها إلى التنمية منذ طلع الثمانينيات وهو مثلث النمو والتحديث والتصنيع، باعتبار هذه القضايا الثلاث أوليات اقتصادية وطنية، كما تم التركيز على مفهوم <ماليزيا كشراكة> كما لو كانت شركة أعمال تجمع بين القطاع العام والخاص من ناحية وشراكة تجمع بين الأعراق والفئات الاجتماعية المختلفة التي يتشكل منها المجتمع الماليزي من ناحية أخرى. ويضيف عبد الفضيل أن هناك عوامل أخرى ساعدت على نجاح التجربة التنموية في ماليزيا منها:
• أنها تعاملت مع الاستثمار الأجنبي المباشر بحذر حتى منتصف الثمانينيات، ثم سمحت له بالدخول ولكن ضمن شروط تصب بشكل أساسي في صالح الاقتصاد الوطني منها:
- ألا تنافس السلع التي ينتجها المستثمر الأجنبي الصناعات الوطنية التي تشبع حاجات السوق المحلية.
- أن تصدر الشركة 50 % على الأقل من جملة ما تنتجه.
- الشركات الأجنبية التي يصل رأس مالها المدفوع نحو 2 مليون دولار يسمح لها باستقدام خمسة أجانب فقط لشغل بعض الوظائف في الشركة.
• أيضاً امتلاك ماليزيا لرؤيا مستقبلية للتنمية والنشاط الاقتصادي من خلال خطط خمسية متتابعة ومتكاملة منذ الاستقلال وحتى الآن، بل استعداد ماليزيا المبكر للدخول في القرن الحالي <الواحد والعشرين> من خلال التخطيط لماليزيا 2020م والعمل على تحقيق ما تم التخطيط له.
• وجود درجة عالية من التنوع في البنية الصناعية وتغطيتها لمعظم فروع النشاط الصناعي (الصناعات: الاستهلاكية - الوسيطة -الرأسمالية) وقد كان هذا الأمر كمحصلة لنجاح سياسات التنمية بماليزيا فيمكن اعتباره سبباً ونتيجة في الوقت عينه.
مسيرة التنمية في ماليزيا:
يرصد الدكتور عبد الفضيل تجربة التنمية في ماليزيا من خلال البعد التاريخي ومدى تطور التنمية في هذا البلد فيذكر أنه، بعد أن حصلت ماليزيا على استقلالها في العام 1958م اتجهت استراتيجية التنمية إلى الإحلال محل الواردات في مجال الصناعات الاستهلاكية والتي كانت تسيطر عليها الشركات الأجنبية قبل الاستقلال. إلا أن هذه الاستراتيجية لم تفلح في مجال التنمية المتواصلة نظراً لضيق السوق المحلي وضعف الطلب المحلي. ولم يكن لهذه الاستراتيجية أثر على الطلب على العمالة أو وجود قيمة مضافة عالية. ويبين عبد الفضيل، أن المرحلة الأولى بدأت في عقد السبعينات حيث اتجهت التنمية في ماليزيا للاعتماد على دور كبير للقطاع العام والبدء في التوجه التصديري في عمليات التصنيع• حيث بدأ التركيز على صناعة المكونات الإلكترونية. ولكن هذه الصناعات كانت كثيفة العمالة مما نتج منه تخفيض معدلات البطالة وحدوث تحسن في توزيع الدخول والثروات بين فئات المجتمع الماليزي ولاسيما بين نخبة صينية كانت مسيطرة على مقدرات النشاط الاقتصادي خلال فترات الاحتلال والسكان ذوي الأصل المالايي الذين يشكلون الأغلبية في ماليزيا. أيضاً كان لشركات البترول دور ملموس في دفع السياسات الاقتصادية الجديدة حيث كونت ما يشبه الشركات القابضة للسيطرة على ملكية معظم الشركات التي كانت مملوكة للشركات الإنكليزية والصينية. وقد تحقق لها ذلك مع نهاية عقد السبعينيات. ويوضح عبد الفضيل أن المرحلة الثانية شهدت الخمس سنوات الأولى من عقد الثمانينيات تنفيذ الخطة الماليزية الرابعة والتي ركزت على محورين هما: موجة جديدة من الصناعات التي تقوم بعمليات الإحلال محل الواردات والصناعات الثقيلة في إطار ملكية القطاع العام. بينما الفترة الممتدة من منتصف الثمانينيات وحتى العام 2000م لتشمل المرحلة الثالثة حيث شهدت تنفيذ ثلاث خطط خمسية في ماليزيا. استهدفت تحقيق مجموعة من السياسات لتنشيط عمليات النمو الصناعي وتعميق التوجه التصديري في عمليات التصنيع وأيضاً تحديث البنية الأساسية للاقتصاد الماليزي، وكذلك وجود مزيد من التعاون الاقتصادي الإقليمي في إطار مجموعة بلدان كتلة <الأسيان>، وأخيراً تطوير طبقة من رجال الأعمال الماليزيين من ذوي الأصول المالاوية.

الإسلام وتجربة التنمية في ماليزيا:

تقول الدكتورة <نعمت مشهور> تقوم تجربة التنمية في ماليزيا على أنها تجربة ناجحة وأنها تجربة اتفقت إلى مدى بعيد مع مبادئ وأسس الاقتصاد الإسلامي، وإن لم يتم الإعلان صراحة عن هذا الانتماء. فقد اهتمت ماليزيا بتحقيق التنمية الشاملة لكل من المظاهر الاقتصادية والاجتماعية، مع الموازنة بين الأهداف الكمية والأهداف النوعية، مع الاهتمام بهذه الأخيرة. وتدلل الدكتورة <نعمت مشهور> على ما ذهبت إليه من خلال ما يلي:
• في مجال التنمية المادية عملت ماليزيا على تحقيق العدالة بين المناطق، بحيث لا يتم تنمية منطقة على حساب أخرى، فازدهرت مشروعات البنية الأساسية في كل الولايات، كما اهتمت بتنمية النشاطات الاقتصادية جميعها، فلم يهمل القطاع الزراعي في سبيل تنمية القطاع الصناعي الوليد أو القطاع التجاري الاستراتيجي، وإنما تم إمداده بالتسهيلات والوسائل التي تدعم نموه، وتجعله السند الداخلي لنمو القطاعات الأخرى.
• كما اتفقت التنمية الماليزية مع المبدأ الإسلامي الذي يجعل الإنسان محور النشاط التنموي وأداته، فأكدت تمسكها بالقيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية، مع الاهتمام بتنمية الأغلبية المسلمة لسكان البلاد الأصليين من الملاويين وتشجيعهم على العمل بالقطاعات الإنتاجية الرائدة، فضلاً عن زيادة ملكيتهم لها. كما وفرت لأفراد المجتمع إمكانيات تحصيل العلم في مراحله المختلفة، وتسهيل التمرين والتدريب ورفع مستوى الإنتاجية، وترتيبات الارتفاع بالمستوى الصحي وتوقعات العمر، فنجحت في تحسين مستويات معيشة الأغلبية العظمى من أفراد الشعب كماً ونوعاً، وخصوصاً مع ارتفاع متوسط الدخل الفردي.
• كذلك انتهجت ماليزيا استراتيجية الاعتماد على الذات في الاضطلاع بالعبء التنموي، سواء البشري أو التمويلي، حيث عملت على حشد المدخرات المحلية اللازمة لاستغلال الموارد الإلهية المتاحة.
• أيضاً اهتمت ماليزيا بتجربة تحسين المؤشرات الاجتماعية لرأس المال البشري الإسلامي، سواء كان من أهل البلاد الأصليين أو من المهاجرين إليها من المسلمين الذين ترحب السلطات بتوطينهم، كما أسهم ارتفاع نصيب الملاويين في الملكية المشتركة للثروة في القطاعات الإنتاجية المختلفة، فضلاً عن القطاع المالي والمصرفي، إلى توفير رؤوس الأموال المحلية اللازمة لمختلف أوجه التنمية بصورة متزايدة والتي أسهمت في الإقلال من الديون الخارجية، وما يترتب عليها من زيادة عبء الدين الذي يرهق الموارد اللازمة للتنمية، فضلاً عن العواقب الوخيمة اجتماعياً وسياسياً.
• طبيعة دور الدولة في النشاط الاقتصادي في ماليزيا تتم من خلال القنوات الديموقراطية للشورى المتمثلة في الأحزاب الماليزية المتعددة التي توفر أوسع مشاركة ممكنة للناس في مناقشة جميع القضايا المتعلقة بالمصلحة العامة، ومتابعة السلطة التنفيذية في تطبيقها الجاد لجميع السياسات التي يتم الموافقة عليها.
• التزمت الحكومة الماليزية بالأسلوب الإسلامي السليم في ممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية وتوجيه الموارد، ففي حين عملت على تحويل ملكية مختلف المشروعات الاقتصادية إلى القطاع الخاص، فقد نمت مسؤولية الأفراد وأشركتهم عملياً في تحقيق الأهداف القومية، واحتفظت بسهم خاص في إدارة المؤسسات ذات الأهمية الاجتماعية والاستراتيجية، لعدم التخلي عن دورها في ممارسة الرقابة والإشراف عليها. ومن ناحية أخرى أسهمت الحكومة في التقليل من الآثار السلبية للتحول إلى القطاع الخاص عن طريق منح تأمين ضد البطالة للعاملين في الخدمات التي تم تحويلها إلى القطاع الخاص، مع وعدهم بأجور أعلى في المدى القريب، ولكن يؤخذ على الحكومة تجاهلها للاعتراضات الإسلامية على تحويل الموارد الطبيعية العامة إلى القطاع الخاص بدلاً من إبقائها في إطار الملكية المشتركة للمسلمين تحت مسئولية الدولة ورقابتها. وتؤكد الدكتورة <نعمت مشهور> وجهت نظرها بأن التجربة الماليزية كانت إسلامية من دون وجود لافتة تحدد هذا الانتماء من خلال أن التجربة لفتت أنظار الدارسين الذين تنبأوا بتحول القوة السياسية الإسلامية من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا، حيث يتوقع أن يؤدي الأخذ بالابتكارات التكنولوجية وتحقيق معدلات التنمية العالية، إلى تحويل دولة صغيرة سريعة النمو مثل ماليزيا، إلى أهم وجود إسلامي في العالم على الإطلاق.
التجربة تنقصها الزكاة:

وتشير الدكتورة <نعمت مشهور> إلى أن تبوء ماليزيا لدور بارز في قيادة العالم الإسلامي أمل يمكن أن يصبح حقيقة واقعة إذا ما استكملت الحكومة الماليزية مسئولياتها، فإلى جانب اهتمامها بنشر الدين الإسلامي والدعوة لمختلف أركانه من تشجيع على الذكر وحفظ القرآن الكريم وإقامة المساجد، وإحياء فريضة الصوم في ليالي رمضان، وتكوين مؤسسة الادخار لتيسير أداء فريضة الحج لأكبر عدد من أبناء البلاد، فإن على الدولة أن تهتم بتطبيق فريضة الزكاة، وخصوصاً مع ارتفاع مستويات الدخول الفردية وتزايد الثروات التي تجب فيها الزكاة. ذلك مع حماية الثروات الطبيعية التي وهبها الله تبارك وتعالى لماليزيا، وعدم تعرضها للإبادة والتدمير.
حضور إسلامي ولكن•••!!
الأستاذ <مصطفى الدسوقي> الخبير الاقتصادي بمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر يرى أن تجربة ماليزيا في التنمية لها خصوصية من حيث استفادتها من الظرف التاريخي للصراع العالمي بين الاتحاد السوفيتي ـ قبل سقوطه ـ والولايات المتحدة الأمريكية. حيث ساندت أميركا دول هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية لتكون هذه نموذجاً مغرياً لدول المنطقة التي ركنت إلى الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الاشتراكية. ولكن لابد أن نذكر هنا أن ماليزيا طوعت هذا الاتجاه لتبني نفسها وتوجد اقتصاداً قوياً. حتى مع سيطرة اقتصاديات العولمة وجدنا أن ماليزيا شاركت فيه بقوة، ولكن من منطق المشاركة أخذاً وعطاءً وليس مجرد الحضور كما فعلت كثير من بلدان العالم النامي، وبخاصة البلدان الإسلامية. وبالتالي فإن تكرار نموذج ماليزيا في بلدان العالم الإسلامي لابد أن يأخذ في الاعتبار الظروف التاريخية المصاحبة لهذه البلدان وكذلك وضعها في طبيعة الخريطة السياسية الدولية حالياً. وإن كان يؤخذ على هذه البلدان أنها لم تستفد بشكل مباشر من فترة النظام العالمي ثنائي القطبية.
أما عن تجربة التنمية في ماليزيا ومدى ارتباطها بالإسلام فيذكر <الدسوقي> أن فكر رئيس الوزراء الماليزي قائم على أن النظام الإسلامي لا يوجد به نموذج للتنمية ولكن توجد بالإسلام مجموعة من القيم والأخلاق يستفاد منها في ترشيد النظام الرأسمالي. مثل حث المسلمين على العمل والإتقان والمساواة والعدل والتكافل الاجتماعي. مع الأخذ في الاعتبار أن شخصية رئيس الوزراء الماليزي <مهاتير محمد> من الشخصيات النادرة التي تتمتع بحس سياسي متفرد يتسم بالوطنية والوعي بالأوضاع السياسية العالمية.
ومع ذلك نجد أن ماليزيا تفردت في بعض التطبيقات الإسلامية في المجال الاقتصادي من وجود شركات للتأمين تعمل وفق المنهج الإسلامي ووجود بعض الآليات في سوق المال تعمل وفق المنهج الإسلامي وأيضاً وجود جامعة إسلامية متطورة في ماليزيا تتفاعل مع متطلبات العصر وتخدم قضايا التنمية. كما أن ماليزيا تفردت أيضاً بوجود صندوق الحج القائم على توفير مدخرات الأفراد المشاركين فيه في أعمار مبكرة لكي يؤدي هؤلاء الأفراد الحج عند بلوغهم سناً معينة، ولا شك أن هذه الأموال يتم الاستفادة منها في توظيفها في عمليات التنمية باعتبارها مدخرات إلى حد ما طويلة المدى. ويضيف الدسوقي أن انفصال سنغافورا كان حافزاً على أن يثبت المالاويون ذاتهم وأن يهتموا بالتنمية•
أما عن الملاحظات على تجربة التنمية الماليزية فيرى، الدسوقي، أن هناك نقطتين رئيسيتين تعيبان التجربة الماليزية وهما ارتفاع معدلات الاستيراد كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، والأخرى ارتفاع نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي. مما قد يعرض التجربة لوجود مؤثرات خارجية تجعل الاقتصاد الماليزي يتأثر بها سلباً.
الدروس المستفادة من التجربة الماليزية:
بعد هذا السرد يمكننا أن نخلص إلى مجموعة من الدروس يمكن لبلدان العالم الإسلامي الاستفادة منها وهي:
1. الاهتمام بجوهر الإسلام وتفعيل منظومة القيم التي حض عليها الإسلام في المجال الاقتصادي وغيره ولا داعي لرفع لافتات إسلامية دون وجود مضمون حقيقي لقيم الإسلام.
2. إعمال مبادئ الشورى التي حض عليها الإسلام من خلال نظم ديموقراطية تحترم حقوق الأفراد.
3. في حال وجود عرقيات مختلفة يمكن التوصل إلى اتفاقات تتقاطع فيها دوائر المصالح المختلفة وبذلك يكون التنوع مصدر إنماء لا هدم.
4. الاستفادة من الظروف العالمية السياسية لبناء الاقتصادات الوطنية.
5. الاعتماد على الذات في بناء التجارب التنموية ولن يتحقق هذا إلا في ظل استقرار سياسي واجتماعي.
6. الاستفادة من التكتلات الإقليمية بتقوية الاقتصاديات المشاركة بما يؤدي إلى قوة واستقلال هذه الكيانات في المحيط الدولي.
7. التنمية البشرية ورفع كفاءة رأس المال البشري فالإنسان هو عماد التنمية تقوم به ويجني ثمارها.
8. أهمية تفعيل الأدوات الاقتصادية والمالية الإسلامية في مجال التنمية مثل الزكاة والوقف من خلال وجود مؤسسات تنظم عملها والرقابة على أدائها.
9. أن تتوزع التنمية على جميع مكونات القطر دون القصور على مناطق وإهمال مناطق أخرى، مما يترتب عليه الكثير من المشكلات مثل التكدس السكاني والهجرة إلى المناطق المعنية بالتنمية وتكريس الشعور بالطبقية وسوء توزيع الدخل.
10. اعتبار البعد الزمني من حيث استيعاب التقدم التكنولوجي، وأن المعرفة تراكمية، وأن المشكلات مع الوقت سوف تزول في وجود أداء منضبط بالخطط المرسومة.
11. بخصوص التطبيق لمبادئ وأسس الاقتصاد الإسلامي قد تكون هناك فترات انتقالية لتهيئة المجتمع للتطبيق الكامل ولكن لا يعني ذلك التوقف عن البدء في التطبيق، فمالا يدرك جله لا يترك كله. ويفضل البدء بما تتوافر له الشروط والظروف الملائمة.

بيانات أساسية عن الاقتصاد الماليزي:

• صادرات عالية ومتوسطة التقنية كنسبة من إجمالي صادرات السلع 67.4%.
• معدل الأمية بين البالغين (النسبة المئوية لمن تبلغ أعمارهم 15 سنة أو أكثر) 13 % في العام 1999م.
• ترتيب ماليزيا في دليل التنمية البشرية لعام 2001 م هو <65> (التقرير يشمل <162> دولة من دول العالم).
• عدد السكان في العام 1999م هو 21.8 مليون نسمه.
• المساحة الكلية 329749كم / مربع.
• سكان يستخدمون إمكانيات ملائمة من الصرف الصحي 98% في العام 1999م.
• سكان يستخدمون مصادر مياه محسَّنة النسبة المئوية 95 % في العام 1999م.
• الإنفاق على التعليم كنسبة مئوية من الناتج القومي 4.9 % خلال الفترة 95 ـ 1997م.
• الإنفاق على التعليم كنسبة من مجموع الإنفاق الحكومي 15.4 % خلال الفترة من 95-1997.
• الناتج المحلي الإجمالي في العام 1999م هو 79 مليار دولار.
• نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي العام 1999م هو 8209 دولار.
• صادرات السلع والخدمات كنسبة مئوية من الناتج المحلي 122% الإجمالي في العام 1999م.
• واردات السلع والخدمات كنسبة مئوية من الناتج المحلي 97% في العام 1999م.

البيانات الواردة في سياق المقال تم تجميعها بواسطة المحرر من تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأم المتحدة لعام 2001م.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

تابع لفهيمة:
دروس مستفادة من التجربة الماليزية في مكافحة الفقر


مدخل:

إن البلدان العربية وإن كانت قد حققت انجازات إنمائية كبيرة خلال العقود الثلاثة الماضية ، إلا أنها وهي في مطلع ق21تواجه مشاكل اقتصادية واجتماعية متعددة تمس حاضرها ومستقبلها ، ويتصدر الفقر أولى هذه المشاكل حيث يقف عائق في وجه التنمية المنشودة ، إذ يعتبر ظاهرة عالمية ولا يقتصر على دولة دون سواها .
فبينما نجد في بعض الدول نسب الفقر فيها تزداد باستمرار وتقف دولها عاجزة أمام هذه الظاهرة هناك بعض الدول تمكنت من تحقيق منجزات في فترات زمنية قصيرة نسبيا في هدا المجال ، وفي هذا الصدد سوف نتطرق إلى تجربة ماليزيا في مكافحة الفقر حيث تمكنت من أن تسابق الزمن وتحقق قفزة تنموية واقتصادية ونهضة شاملة في اقل من 30سنة، ومن هنا نتساءل: كيف تمكنت ماليزيا أن تجعل تجربتها في مكافحة الفقر تجربة رائدة عالميا؟و ما هي الفلسفة المتبعة في ذالك؟
للإجابة على هذه التساؤلات نتطرق إلى العناصر التالية :
*مفاهيم أساسية حول الفقر .
*النظرة الاقتصادية والنظرة الإسلامية لأسباب الفقر وكيفية مكافحته .
*عرض التجربة الماليزية ( أهم الخصائص والدروس المستفادة منها) .
إن عرض التجربة الماليزية ليس الغرض منه هو الإيحاء بأن تلك التجربة تمثل الحل الأمثل والقابل لتطبيق في أي قطر من أقطار الدول النامية لكن القصد من ذالك هو الاستفادة من تلك التجربة الرائدة .

مفاهيم أساسية حول الفقر :

لا يزال الفقر مشكلة عالمية متعددة الأبعاد فمن بين سكان العالم البالغ عددهم 6مليارات يعيش 2.7مليار نسمة بأقل من دولارين في اليوم ومليار نسمة بأقل من دولار في اليوم، ومن كل 100رضيع يموت 6قبل بلوغ سنة واحدة من العمر ويموت 8قبل بلوغ سن الخامسة (1).
تقدر نسبة السكان اللذين يعشون تحت خط الفقر في البلدان العربية 23%
منها% 19 في بلدان المشرق و9.2%في بلدان المغرب العربي سنة 2000 (2) .
تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 800مليون شخص سيعشون من 1دوار في اليوم وأن 1700مليون شخص سيعشون بأقل من 2دولار في اليوم وسوف تتراجع حالات فقر الدولار الواحد في اليوم عالميا من %20 عام2005الى 14 %عام 2015كما ستتغير التركيبة الإقليمية للفقر (3).
المعاني التي يدل عليها الفقر لغة تتلخص في النقص والحاجة فالفقير إلى الشئ لا يكون فقيرا إليه إلاّ إذا كان في حاجة إليه لغيابه تماما أو لوجوده دون الحاجة وقد ميّز بعض الفقهاء قديما بين الفقير الذي لا يملك قوتا، والمسكين الذي يملك قوت يومه فقط .
يعرف ابن منظور الفقر في كتابه لسان العرب :هو الحاجة وفعله هو الافتقار والفقير هو الذي نزعت فقره من ظهره فأنقطع صلبه من شدة فقره أو الفقير المكسور الفقار يضرب مثلا لكل ضعيف (4).
عرف البنك الدولي الدول منخفضة الدخل أي الفقيرة بأنها تلك الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد عن 600 دولار، وعددها 45 دولة معظمها في أفريقيا،منها 15 دولة يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 300 دولار سنويا ويضيف برنامج الإنماء للأمم المتحدة معايير أخري تعبر مباشرة عن مستوي رفاهية الإنسان ونوعية الحياة هذا الدليل وسع دائرة الفقر بمفهوم نوعية الحياة ليضم داخلها 70دولة من دول العالم أي هناك 45من الفقراء يعيشون في مجتمعات غير منخفضة الدخل (5) .
كما يعرف على انه عدم القدرة على بلوغ الحد الأدنى من الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تمكن الفرد من أن يحيا حياة كريمة .
و بذالك فالفقر يجمع بين معان مختلفة تختلف باختلاف الباحثين فمنها ما هو مادي أو اجتماعي أو ثقافي ، وبذالك فالفقر ظاهرة مركبة تجمع بين إبعادها ما هو موضوعي كالدخل والملكية والوضع الطبقي وما هو ذاتي كأسلوب الحياة ونمط الإنفاق والاستهلاك وأشكال الوعي ولا يوجد تعريف شامل جامع موحد ومتفق عليه .
الكثير من يخلط بين الفقر والتخلف رغم أن هناك فرق بين المفهومين فالفقر يفترض وجود موارد كافية يمكن استغلالها والاستفادة منها، ولكن لا يتم استغلالها حيث أن الدول المتخلفة تخلفها لا يرجع سبب تخلفها إلى محدودية الموارد الإنتاجية كما في الدول الفقيرة بقدر ما يرجع إلى الاستخدام الردئ للموارد الاقتصادية ، أما الدول الفقيرة فهي دول تقل فيها الموارد والإمكانيات المادية وقد تكون راغبة في التقدم إلا أن أوضاعها لا تسمح لها بذالك وعليه فالتخلف ليس مرادفا للفقر إنما هو خلل اقتصادي وحضاري واجتماعي ساعدت على نشوئه عوامل عديدة .
يرى بعض الاقتصاديين أن الدول المتخلفة هي التي يقل فيها متوسط دخل الفرد في السنة عن مقدار معين من الدولارات أو أن الدول النامية لا يتجاوز فيها دخل الفرد في السنة عن 1/4دخل الفرد الأمريكي( 6).
و الفقير في الإسلام هو من لا يملك قوت يوم وليلة لقوله (ص):من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار فقيل: وما حد الغنى يارسول الله ؟قال:شبع يوم وليلة (7).
وبهذا فرق الإسلام بين الفقر والتخلف والغير فقير له حق معلوم في الزكاة وموارد بيت المال ، أما المتخلف عن ركب التقدم فقد لعنه وتوعده إذا سأل وهو قادر على الكسب .
النظرة الاقتصادية والنظرة الإسلامية لأسباب الفقر وكيفية مكافحته:

نتعرض أولا إلي النظرة الاقتصادية لأسباب الفقر ة وسبل مواجهته ثم نتطرق فيما بعد إلى النظرة الإسلامية في نفس المجال .
أولا النظرة الاقتصادية :

إن مشكلة الفقر هي مشكلة اقتصادية تتمثل أساسا في الندرة أي عدم كفاية الموارد للإشباع الحاجات الإنسانية فالأمم الفقيرة هي تلك الأمم التي ليس بإمكانها الحصول على السلع والخدمات ، حيث أن الفقر ينشأ أساسا نتيجة الفجوة القائمة بين الحاجات الإنسانية المتزايدة ومحدودية الموارد الطبيعية ، و في هذا الصدد يرى مالتوس أن السكان يتزايدون بمتتالية هندسية وتتزايد الموارد بمتتالية حسابية وفي النهاية يعجز الإنسان على ملاحقة الموارد الطبيعية وتزداد فجوة الفقر في العالم .
يتفاوت توزيع الموارد الطبيعية على صعيد الكرة الأرضية من بلد إلى آخر، فعلى صعيد بلدٍ معين قد تتصف الموارد الطبيعية بالندرة أو الوفرة، فإذا اتصفت تلك الموارد بالندرة، فهذا يعني أن ذلك البلد يعاني من مشكلة الفقر، وإذا اتصفت -الموارد- بالوفرة، فهذا يعني أن هذا البلد لايعاني من مشكلة فقر•
وبناء عليه فإنه على صعيد بلد ما- إقليمي جغرافي معين - يمكن القول أن سبب مشكلة الفقر تتمثل بندرة الموارد، وأن تلك الموارد لا تفي بحاجات المستهلكين المتزايدة، الأمر الذي يؤدي إلى إيجاد المشكلة الاقتصادية، التي تتمثل في مشكلة الفقر بشكل أساسي.
و لمواجهة مشكلة الفقر أورد الفريدمان ثمانية أسس هي(8) :
- توفير مكان لحياة آمنة
- توفير المعلومات
- الإنظمام إلى المنظمات الاجتماعية
- إقامة شبكة اجتماعية مكثفة مع العالم الخارجي
- توفير وسائل العمل والإنتاج
- توفير الدعم المالي
- طرح مداخل لاستغلال الوقت
ثانيا النظرة الإسلامية:

ينظر الاقتصاد الإسلامي إلى المشكلة من جهة عدم العدالة وسوء توزيع الدخل حيث يلعب الإنسان دور مهم في المشكلة وعليه فالمشكلة في الإنسان نفسه لا في الندرة أو الوفرة، فنجد دولة غنية بالموارد ولكن فيها نسبة مرتفعة من الفقراء ، و بذالك فالنظرة الإسلامية تعترض على فكرة الندرة مصداقا لقوله عز وجل "و آتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمته لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار"سورة إبراهيم( 34)
قال تعالى:"وما من دابَّةٍ في الأرض إلاّ على اللهّ رزقُها" هود (6)
وعليه لا يمكن القول بوجود مشكلة فقر إذ انطلقت من مبدأ أن الأصل في الموارد هو الوفرة وليس الندرة، ذلك لأن الخطاب الوارد في الآيات السابقة هو خطاب عام يتناول جميع الناس، كما أن وفرة الرزق وما يستتبعه من حاجات أخرى هو للبشر جميعاً، بل إن هذه الوفرة في الموارد أو الرزق تغطي حاجات البشر .
والمشكلة لا تتعلّق بوجود الموارد الطبيعية، فهي موجودة في هذه الأرض منذ أن خلقها اللّه سبحانه وتعالى، لكنها تتعلق بمدى قدرة العقل البشري على اكتشافها، لأن اللّه سبحانه وتعالى خلق تلك الأرض، وجعلها مذللة لبني البشر، وخلق الإنسان ليعيش عليها، وزوده بالعقل الذي يستطيع من خلاله اكتشاف تلك الموارد وتسخيرها لصالحه بالشكل الذي يكفي حاجاته.
إلى جانب عوامل أخرى تساهم في إيجاد مشكلة الفقر، تتمثل فيما يلي:
1- اختلاف توزيع الموارد والكثافة السكانية على مستوى الدول والأقاليم، سواء كان ذلك على شكل أراضٍ صالحة للزراعة أو معادن أو مناخ جيد أو أيد عاملة وما إلى ذلك•
2- قصور الإنسان وتقاعسه عن استغلال الموارد، ربّما لأسبابٍ اجتماعيَّة أو سياسيَّة أو ثقافية•
3- مبالغة البشر في حاجاتهم المادّيَّة وعدم وجود رشْدٍ كافٍ في الاستهلاك سواءً على المستوى الفرديّ أو الإقليمي أو الدّوليّ، حيث تستهلك الوحدات الاقتصاديَّة بناءً على قدراتها الشرائية دون النّظر للحاجة الفعليَّة وحاجة الآخرين•
4- البقاء في دائرة الحروب مما يؤدي بدمار أفراد المجتمع وانهياره ككل وتدني مستوى الدخل وانخفاض المهارة.
5- انتشار البطالة، و ظهور وانتشار الأمراض وانخفاض مستوى الرعاية الصحية ونقص وسوء التغذية والتي تؤدي لانتشار الأمراض.
6- ظهور المشكلات الاجتماعية مثل التفكك الأسري الناتج عن عدم قدرة رب الأسرة على تحمل المسؤولية لباقي أفراد الأسرة والتي تؤدي إلى:
- اللجوء إلى نزول الأطفال إلى مجال العمل وترك الدراسة لمساعدة سد احتياجات الأسرة من مأكل وملبس.
- قلة فرص التعليم بالنسبة لأفراد المجتمع ونقص القدرة والضعف الجزئي والكلي عن المشاركة بفاعلية في الحياة الاجتماعية والاستمتاع بثمار التطور الحضاري والتنمية.
وتعتبر الزكاة إحدى أنجع الطرق التي يسلكها الإسلام لمكافحة الفقر والقضاء على البطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتدعيم التضامن والتكافل الاجتماعي ومنع تكدس الثروة في أيدي قلة ومنع احتكارها .
أما عن السياسة الجبائية وسياسة القروض فإن التوزيع العادل لثروات المتوافرة من شأنه أن يخفف من حدة الفقر ولا تعني بالضرورة مجابهة الفقر رفع مستوى الضرائب أما بالنسبة للقروض فإن تحديد معدلات الفائدة يلعب دور مهم في التأثير على الحياة الاقتصادية بحيث يجب أن تكون نسبة الفوائد مخفضة إلى اقل ما يمكن أو جعلها تساوى الصفر ذالك أن الديون أثقلت كاهل الدول النامية (9).
وعلى الرّغم من أنّ الإسلام دعا إلى تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعيَّة، لكنّ تطبيق ذلك المبدأ ليس موجباً لإلغاء الفقر من هذا الوجود، بل هو يوجب تخفيف ويلاته النّفسيَّة والمادّيَّة•وقد يكون الفقر ابتلاءً من اللّه سبحانه وتعالى لاختبار إيمان العبد وصبره، من خلال الجوع ونقص الأموال والثمرات، ولذلك قال تعالى: "ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونَقْصٍ من الأمْوالِ والأنفس والثمرات وبشرّ الصّابرين"البقرة-(155(
ويستنتج مِن كُلِّ ما تقدّم استحالة إزالة مشكلة الفقر بشكل كُلِّيّ، وإنَّ ما يمكن القيام به تجاه تلك المشكلة يتمثل بالتخفيف من آثارها، وربما إخراج بعض من يعانون منها، بل ربمّا تطهير بعض المجتّمعات منها خلال فترة زمنيَّة محدّدة، وذلك كما حصل في عهد الخليفة الرّاشد الخامس عمر بن عبدا لعزيز، حيث شكا إليه عامل الصّدقات في إفريقيا أنّه لا يجدُ فقيراً يعطيه من الصَّدقات، وبيت مال الصّدقات مملوء، فكتب إليه: سّدد الدّيْن عن المدينين، فَسَدّد، ثم شكا إليه: أنّ في بيت مال الصّدقات فَضْلاً، فكتب إليه"اشتر رقاباً وأعتقها"(10).
عرض التجربة الماليزية وأهم الدروس المستفادة منها:

ماليزيا دولة إسلامية تقع في جنوب شرق أسيا وهي عبارة عن شبه جزيرة يسكنها 25 مليون نسمة ربعهم صينيون ، لمعلومات أكثر حول البلد انظر الجدول رقم (1) .
تمكنت الدولة أن تنظم إلى ركب النمور الأسيوية وتطمح اليوم أن تلتحق بركب الدول الصناعية بحلول 2020، وإذا كانت الدولة قد دخلت العولمة من بابها الواسع وإذا كانت العولمة قد ساهمت في عولمة الفقر فكيف نجحت ماليزيا في مكافحة الفقر؟ رغم تعرضها للأزمة المالية الأسيوية1997 والتي كادت أن تعصف بالبلاد. وما هي الفلسفة المتبعة في ذالك؟
نفذت الحكومة في إطار فلسفتها وسياساتها الموجهة للفقر برامج محددة أبرزها:
1-برنامج التنمية للأسر الأشد فقراً: ويقدم فرصاً جديدة للعمل المولد للدخل بالنسبة للفقراء، وزيادة الخدمات الموجهة للمناطق الفقيرة ذات الأولوية بهدف تحسين نوعية الحياة. وقام البرنامج بإنشاء العديد من المساكن للفقراء بتكلفة قليلة وترميم وتأهيل المساكن القائمة وتحسين بنائها وظروف السكن فيها بتوفير خدمات المياه النقية والكهرباء والصرف الصحي وفي بعض الأحيان تقدم مساعدات مباشرة للفقراء .
2- تقليص اختلالات التوازن بين القطاعات ومحاربة كل أشكال التمييز وتقليص الفوارق الاجتماعية حيث تم إنشاء برنامج أمانة أسهم البوميبترا، وهو برنامج تمويلي يقدم قروضاً بدون فوائد للفقراء من السكان الأصليين (البوميبترا) وبفترات سماح تصل إلى أربع سنوات، ويمكن للفقراء أن يستثمروا بعضاً من هذه القروض في شراء أسهم بواسطة المؤسسة نفسها .
3- برنامج أمانة اختيار ماليزيا: وهو برنامج غير حكومي تنفذه مجموعة من المنظمات الأهلية الوطنية من الولايات المختلفة، ويهدف إلى تقليل الفقر المدقع عن طريق زيادة دخول الأسر الأشد فقراً، وتقديم قروض بدون فوائد للفقراء، وتقدم الحكومة من جانبها قروضاً للبرنامج بدون فوائد من أجل تمويل مشروعاته للفقراء في مجال الزراعة ومشروعات الأعمال الصغيرة.
4- منحت الحكومة إعانات مالية للفقراء أفراداً وأسراً، مثل تقديم إعانة شهرية تتراوح بين 130-260 دولارا أمريكيا لمن يعول أسرة وهو معوق أو غير قادر على العمل بسبب الشيخوخة وكذا تنمية النشطات المنتجة خاصة في الجانب الزراعي والصناعات الصغيرة والمتوسطة .
5- تقديم قروض بدون فوائد لشراء مساكن قليلة التكلفة للفقراء في المناطق الحضرية. وأسست الحكومة صندوقاً لدعم الفقراء المتأثرين بأزمة العملات الآسيوية في 1997، تحدد اعتماداته في الموازنة العامة للدولة سنويًّا، إلى جانب اعتمادات مالية أخرى رغم تخفيض الإنفاق الحكومي عقب الأزمة المالية وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وذلك لصالح مشروعات اجتماعية موجهة لتطوير الريف، والأنشطة الزراعية الخاصة بالفقراء.
6- توفير مرافق البنية الأساسية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق النائية الفقيرة، بما في ذلك مرافق النقل والاتصالات السلكية واللاسلكية والمدارس والخدمات الصحية والكهرباء، ونجحت أيضا في توسيع قاعدة الخدمات الأساسية في المناطق السكنية الفقيرة بالحضر في إطار إستراتيجية 2020م.
7- دعم أكثر الأدوية التي يستهلكها الفقراء والأدوية المنقذة للحياة، كما أن إتاحة الفرصة للقطاع الخاص في فتح المراكز الصحية والعيادات الخاصة جعل الدولة تركز على العمل الصحي في الريف والمناطق النائية، وتقدم خدمات أفضل ومجانية في جانب الرعاية الصحية للحوامل والأطفال.
8- القيام بأنشطة يستفيد منها السكان الفقراء مثل إقامة المدارس الدينية التي تتم بالعون الشعبي وتساهم في دعم قاعدة خدمات التعليم وتشجيع التلاميذ الفقراء على البقاء في الدراسة.
وكنتيجة مباشرة لتلك السياسات سجَّل مدى الفقر المدقع انخفاضاً من 3.9% في عام1990 إلى 2.2% في عام 1995، ثم انخفض إلى 1.5% في عام 1999، كما انخفض الفقر في المناطق الريفية من 15.6 % إلى 13.2 % في عامي 1995-1999 على التوالي، بينما في المناطق الحضرية انخفض من 4.1% في عام 1995 إلى3.8% في عام 1999، انظر الجدول رقم (2)، ومن الأرقام الرسمية ذات الدلالة يلاحظ أن 94% من الفقراء في ماليزيا يتاح لأطفالهم التعليم الأساسي مجاناً.
نموذج قرية شنكال(11)
من أبرز القرى التي كافحت الحكومة فيها الفقر.. قرية شنكال ويبلغ تعداد سكان القرية حوالي 2230 نسمة، كما أن 70 % من سكانها فلاحون يشتغلون في مزارع المطاط والبساتين التجارية التي تنتج الخضراوات والفواكه، بينما 10 % يعملون في المرافق الحكومية المختلفة و10% لديهم أعمال عائلية صغيرة و5% يُصنفون ضمن القطاع الخاص، والنسبة الباقية 8% عاطلون عن العمل.
وقامت وزارة التنمية الريفية الماليزية بالتعاون مع مؤسسة مكافحة الفقر في ولاية كلنتان بإقناع سكان القرية والعمل سويا من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية، وتم تشكيل لجنة تنفيذية من أهالي القرية تعهد أفرادها بالعمل على إحداث التغيير المطلوب، وقام معهد التقدم الريفي بمهمة تدريب أعضاء اللجنة على تنفيذ الأعمال والمهام الموكولة إليهم.
وتم شرح أهداف برنامج حركة الرؤية الريفية الذي تعمل من خلاله الوزارة على تقليل الفقر، وأن عملهم يتركز في تقليل عدد الأسر الأشد فقرا، وتقليل معدل البطالة من خلال توفير فرص العمل المنتج، وتطوير حقول الخضراوات والفواكه إلى مزارع تجارية، وزيادة وعي الشباب بأهمية التعليم (التعليم مجانا إلى المرحلة الثانوية)، وفوائد تقنية المعلومات، ومحو أمية استخدام الكمبيوتر.
أهداف البرنامج تتمثل في :
- تغيير الأنشطة الزراعية التقليدية إلى مزارع تجارية حديثة
- تحسين مهارات النساء الإدارية
- تحسين التحصيل الدراسي للأولاد وزيادة معرفتهم بالكمبيوتر وتنمية مهارات التفكير السديد لديهم وتحسين مخاطبتهم باللغة الإنجليزية (لغة التجارة والصناعة في البلاد).
و لتحقيق هذه الأهداف اتُّخذت جملة من الإستراتيجيات العملية لتحقيقها أبرزها:
- تأسيس شبكة عمل مع مؤسسة مكافحة الفقر في الولاية وإنشاء روابط مع الوكالات الحكومية المعنية بالتنمية والتطوير الريفي؛ وهو ما أتاح الفرصة أمام أهالي القرية للتعلم من تجارب الآخرين وتطوير قدراتهم ومهاراتهم إلى جانب تقوية شعورهم بأهمية العمل الجماعي في مواجهة مشكلة الفقر.
- التركيز على التحول إلى الأنشطة الزراعية والتجارية التي تلبي طلب الأسواق المحلية في القرى والمدن المجاورة من خلال إدخال تقنية إنتاجية جديدة وزيادة إنتاجية المشروعات الزراعية والمنشآت التجارية.
- تشجيع الفلاحين على المشاركة في أنشطة اتحاد الفلاحين في المنطقة من أجل حشد الموارد المحلية، وتعبئتها لخدمة سكان المنطقة، وتهيئة إطار تنظيمي وتعاوني بين الفلاحين يهتم بقضاياهم في المنطقة.
- إقامة حلقة عمل لمجموعة الأسر الأشد فقراً (50 أسرة)، يتم فيها مناقشة البرنامج واختيار الأسرة التي تبدي رغبة في الاستفادة من البرنامج وإتباع الخطوات المرسومة لتنفيذه.
الخطوات التنفيذية:

يتم تقسيم الأسر التي توافق على البرنامج إلى مجموعات عمل تنتخب كل مجموعة رئيسا لها، وتخضع لدورة تدريبية يتم فيها شرح طريقة عمل البرنامج والخطة التفصيلية والوسائل العملية وتقسيم الأدوار، وتقوم الحكومة والجهات الراعية للبرنامج (المصانع التي لها استثمارات في ماليزيا) بتوفير التمويل والتقنية الإنتاجية والتسويق، بينما يقوم الفلاح بالعمل على الأرض، وتقدم الهيئة الحكومية لمكافحة الفقر في الولاية الأرض الصالحة للزراعة.
يُذكر أن اللجنة التنفيذية المكونة من الأهالي يتم توزيع أعضائها حسب الحاجات المحلية للسكان بحيث تشمل الأرض والأعمال الزراعية، ورعاية الأسر الأكثر فقرا، والصحة والتعليم والبيئة، وتطوير المجتمع، والشؤون الدينية. هذا إلى جانب مشاركة الوكالات الرسمية والمنظمات الشعبية في عملية التوجيه والمتابعة في إطار شبكة عمل واحدة.
لقد نجحت التجربة وسارعت كثير من الأقاليم الفقيرة الماليزية والمناطق الريفية الأقل نموا في تطبيقها والاحتذاء بها. ولعل العالم الإسلامي يجد في هذه التجربة ما يفيده.
خصائص التجربة الماليزية في مكافحة الفقر :

إن التجربة الماليزية جديرة بالتأمل خاصة وأنها تتميز بكثير من الدروس التي من الممكن أن تأخذ بها الدول النامية كي تنهض من كبوة التخلف والتبعية واهم العوامل التي ساعدت على النجاح نذكر :
-المناخ السياسي للبلاد حيث لعب الاستقرار السياسي دور مهم في دفع عملية التنمية نحو الأمام ذالك أن الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة .
- اعتمدت ماليزيا إستراتجية تعتمد على الذات بدرجة كبيرة من خلال الاعتماد على السكان الأصليين إلى جانب اهتمامها بالتنمية البشرية .
- مكافحة الفقر كانت من أولويات السياسة الوطنية .
- استقرار السياسات الاقتصادية والمشاركة الشعبية والإدارة الجيدة أي المشاركة الفعالة من قبل مؤسسات المجتمع المدني والشفافية في الحكم والمساءلة العامة كما أن نظام الحكم قائم على عدالة توزيع الدخل بين أفراد المجتمع واللامركزية في صنع القرار .
-إقامة مشروع مصرف لإقراض الفقراء من أجل توليد دخول جديدة لهم تساعدهم على الخروج من ربقة الفقر، وهو عمل يمكن للأفراد القيام به في شكل مجموعات صغيرة وقد طبقت التجربة في ماليزيا على شكل قروض حسنة، وقد نجح في القضاء على الفقر خاصة في المناطق الريفية، كما كان لتجربة صناديق الزكاة دور في تخفيف حدة الفقر.






الخاتمة :

مما سبق نقول أن تجربة ماليزيا أصبحت تجربة إسلامية رائدة في مكافحة الفقر حيث تمكنت من إثبات عدم صحة الإدعاء القائل أن الإسلام يعيق التقدم وأن المناهج الإسلامية تؤدي إلى الفقر والتخلف ، حيث كانت تلقب الدولة بعاصمة الطين ، لكن التجربة التنموية التي قادتها البلاد فاقت كل التوقعات، ومن خلا عرض تجربتها في مجال مكافحة الفقر نقدم بعض الاقتراحات والتي من شأنها أن يسهم تطبيقها في تقليل حدة الفقر وابرز هذه الاقتراحات تتمثل في :
- ضرورة تدريس مقياس خاص بدراسات اقتصاديات النمور الآسياوية وإجراء المقارنة بين هذه الاقتصاديات المتميزة.
- تبني سياسات يكون من شانها الحد من الفقر .
- تبني المؤسسات الكبرى خاصة، ما يعرف بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية .
- تأسيس نمو اقتصادي قابل لاستمرار وإتباع سياسة توزيعية تقلل من درجة عدم المساواة في توزيع الدخل .
- السعي إلى الاستغلال المكثف للقدرات الذاتية والاعتماد على العمالة المحلية والاستفادة من الموارد المحدودة والطاقات المتاحة إلى أقصى حد ممكن .
- إعطاء أهمية قصوى لتنمية البشرية .
- ضرورة القيام بجهد عربي منسق من اجل معالجة المشكلات المنهجية والفنية المتصلة بتعريف الفقر وطرق قياسه وتوفير البيانات والإحصائيات بالجودة المطلوبة وأن الجهد المطلوب لا بد أن يستند أفضل الخبرات العالمية .
- العزم على مكافحة كل أشكال البيروقراطية ومنح وتسهيل الوصول إلى قروض مصغرة وتدعيم خلق المشاريع المنتجة .
- الاهتمام بشكل اكبر بالتنمية الريفية وتعليم وتأهيل المرأة .
- دعم العمل الجمعوى وتأهيله حيث أصبح يشكل الركن الثالث في الاقتصاد بعد القطاع العام والقطاع الخاص وأصبح عمل الجمعيات مكمل لعمل القطاع الحكومي وان لا يقتصر هذا العمل في المناطق الحضرية بل لابد من أن يتركز بشكل اكبر في الريف .

وإذا كانت الاستفادة من التجارب الرائدة في مجال مكافحة الفقر ضرورة لا بد منها، فإن عرض التجارب الفاشلة ومحاولة معرفة أسباب الفشل كذالك لا يقل أهمية ، وفي الأخير نأمل أن يقدم هذا العرض بعض الاستفادة لكل المهتمين ، و أن مكافحة الفقر لا يقع على عاتق الدولة وحدها بل لا بد أن تكون هناك نية وعزيمة من طرف المجتمع ذاته ولعل جمعيات المجتمع المدني تلعب دور مهم في توعية المجتمع وإبراز أهمية العمل الجمعوي من جهة أخرى نقول لا بد أن تولى الحكومات دور لمثل هذه الجمعيات باعتبارها تعرف مكامن الخلل بشكل جيد وأنها اقرب ما يكون إلى المجتمع .

جـدول رقم (1)

المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الماليزي(1999)
عدد السكان 21 مليون نسمة
العملة المحلية ريجنت
الدولار 3.8 ريجنت
معدل النمو المتوقع(2000) يتراوح ما بين 6.1-8.5%
معدل التضخم أقل من 3%

معدل البطالة 9.2%
قيمة الصادرات 5 مليار دولار (2% من )الصادرات العالمية)
قيمة الواردات 65.5 مليار دولار (1، 1% من الواردات العالمية)
نسبة الزيادة في نمو الصادرات 15%
الفائض في الميزان التجاري 19 مليار دولار
المصدر: http://www.islamtoday.net/hotline/hotline2.cfm


جدول (2):
معدلات الفقر في ماليزيا خلال الفترة 1995-1999م

سنة 1999 سنة1995 المؤشر(%)
الحضر الريف الحضر الريف
3.8 13.2 4.1 15.6 مدى الفقر
0.6 2.4 3.5 0.9 مدى الفقر المدقع
المصدر: http://www.islamonline.net/Arabic/economics/topic.shtml


الهوامش :

1/id_article=815 ؟www.tanmia.ma/article.php3
http://www.annabaa.org/nbahome/nba82/12.htm -2
3/ برنامج الأمم المتحدة ، تقرير التنمية البشرية 2005، التعاون الدولي على مفترق الطرق:المعونة والتجارة والأمن في عالم غير متساو، ص42
4/ www.annabaa.org/index.htm
5/ www.shaamconf.com/lectures/lect_ar_IbrahimSouleiman.pp
6/ محمد زكي الشافعي، التنمية الاقتصادية ، الجزء الأول، دار النهضة العربية ، القاهرة، بدون سنة نشر، ص 19
7/ الإمام ابن حزم، المحلى، الجزء السادس، دار التراث، مصر، بدون سنة نشر ، ص9
8/ http://www.odci.gov/cia/publications/Factbook/geos/sa.htm
9/ عبد الحميد براهيمي ، العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1997 ، ص 168
10/ http://alwaei.com/topics/view/index.php?catid=&issue=
11 / http://www.islamtoday.net/hotline/hotline2.cfm
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد إلى عبد الهادي:

ليكن في علمك الأخ ان الغستبيان هو الإستقصاء:

الاستقصاء العلمي توجه لاكتساب الثقافة العلمية: مجتمع متعلمين وبيئة آمنة

نتناول في هذه المقالة الاستقصاء العلمي كأحد الجوانب الأساسية لاكتساب الثقافة العلمية. وقد ذكر عزيز العصا في مقالته تعريفان مهمان للثقافة العلمية هما: الثقافة العلمية المدنية، وثقافة المعلومات العلمية. إذ تعرف الثقافة العلمية المدنية بأنها: فهم المفاهيم الأساسية للعلم، مثل: الجزيء، تركيب النظام الشمسي، فهم طبيعة الاستقصاء العلمي، ونمط منتظم من استهلاك المعلومات، مثل: قراءة الكتب العلمية العامة وفهمها (Hobson, 2003). وحسب هوبسون (Hobson, 2004)، هناك قائمة من العقبات التي أعاقت تحقيق الثقافة العلمية لجميع الأمريكان، من بينها الإخفاق في طبيعة الاستقصاء العلمي. كما أنه من خلال مراجعة التعريفات المختلفة للثقافة العلمية، نجد أن معظمها ركز على مخرجات العلم من مفاهيم وقوانين ومبادئ في إطار المدرسة فقط. بينما تم إهمال جوانب عدة من بينها عمليات العلوم والذي يعتبر الاستقصاء العلمي من أهمها (انظر مقالة نادر وهبة الواردة في هذا الملف). هناك تعريفات مختلفة للاستقصاء العلمي. من هذه التعريفات أن "الاستقصاء هو نوع من السلوك الإنساني الذي يظهره الفرد ويصل به إلى المزيد من المعنى في خبرته. والاستقصاء عبارة عن اتجاه العقل وحالته غير المستقرة، وطريقة في التعلم، وعملية بحث. وأخيراً هو أسلوب بحث عن الصدق. ويعرف الاستقصاء بأنه عملية يتم فيها آنياً وصول الفرد إلى تفسير صحيح لموقف محير" (عطا الله، 2002). أما أشمل هذه التعريفات، فهو ما تبناه المركز الاستكشافي للاستقصاء وهو: "الاستقصاء وسيلة للتعايش في العالم" (Explaratorium Institute of inquiry, 1996). وهو تعريف يجعل من الاستقصاء طريقة للحياة، بما في ذلك العمل والتعامل مع الناس. كمعلمي علوم، يعتبر تعلم الطلبة أساس مهنتنا. وعندما ننظر إلى تعلم العلوم نظرة تتجاوز إكساب الطلبة المعرفة العلمية المرتبطة بالمحتوى، بما تشتمل عليه من حقائق ومفاهيم ونظريات وقوانين، إلى إكسابهم الثقافة العلمية المرتبطة بالحياة، من المهم لنا التعرف على كيفية تبني الاستقصاء العلمي كمنهجية لتعلم العلوم داخل غرفة الصف، لنتجاوز ذلك أيضاً إلى أسلوب للحياة كما أفاد التعريف. يرتبط الاستقصاء العلمي بالكثير من المفاهيم التربوية الحديثة. من هذه المفاهيم التعلم النشط، ومجتمع المتعلمين، وبيئة التعلم الآمنة، والمعلم البنائي. كما أن معنى الاستقصاء العلمي يدور حول فكرتين كبيرتين هما: أن الاستقصاء العلمي هو جوهر المشاريع العلمية، والثانية أنه إستراتيجية لتعليم العلوم وتعلمها. تبدأ هذه المقالة بوصف السمات الأساسية للاستقصاء العلمي، تتضمن مثالاً على توظيف الاستقصاء العلمي في عملية التجريب داخل غرفة الصف. ومن ثم تتعرض بشكل رئيسي إلى متطلبين أساسيين لتبني الاستقصاء العلمي، هما: بيئة الصف الآمنة، ومجتمع المتعلمين.
السمات الأساسية للاستقصاء العلمي

طال الجدال العلمي لسنوات عديدة حول أيهما أكثر أهمية في تعليم العلوم، المحتوى أم العمليات؟ فالفريق الذي يتبنى تعليم المحتوى يتبنى طريقة الاستنتاج العلمي. إذ يبدأ التعليم هنا من النظريات الأكثر عموماً إلى المبادئ والقوانين والحقائق العلمية الأكثر خصوصية وارتباطاً بالواقع. وتستخدم فيه طرق المحاضرة والتوجيه المباشر للتلاميذ. أما الاستقراء العلمي، فيبدأ من الخاص إلى العام، ويستخدم فيه التدريس من خلال المختبر والعمل الميداني. ويتراوح الاستقصاء العلمي ما بين الاستكشاف المفتوح والاستكشاف المخبري الموجه، فهو يطور المهارات التقنية ومهارات التحليل المنطقي، ويعنى بكل من المحتوى وعمليات العلوم. ولنتعرف على الاستقصاء العلمي سنتناول أربع سمات أساسية للاستقصاء العلمي هي: ربط المفاهيم الشخصية للطالب بالمفاهيم العلمية، تصميم التجارب، استكشاف الظواهر، بناء المعنى من البيانات والمشاهدات (Mathematics and Education Center, 1999).
ربط مفاهيم الطالب بالمفاهيم العلمية

يتطلب تبني إستراتيجية الاستقصاء العلمي الاعتراف بكون عقل المتعلم ليس وعاء فارغاً ينتظر ملأه بالمعلومات الجديدة. وهذا من أساسيات النظرية البنائية، ونطلق على المعلم الذي يتبنى هذه النظرية المعلم البنائي. فالمعلم البنائي يعترف بوجود خلفية لدى الطالب حول المفاهيم العلمية الجديدة. لذا، يرى أن من أولى مهماته الكشف عن البنية الذهنية للطالب، وعن وجود بعض المفاهيم التي تتعارض مع المفاهيم العلمية الجديدة، ومن ثم مساعدة الطالب على مواجهة هذه المفاهيم ضمن آليتي التمثل والتلاؤم وفق نظرية بياجيه المعرفية (النظرية البنائية). ولمساعدة الطالب على الربط بين مفاهيمه السابقة والمفاهيم العلمية المعترف بها، على المعلم مساعدة الطالب على مناقشة وتفسير فهمه للظواهر العلمية مع الطلبة الآخرين، ومساعدته على تقييم مدى الترابط بين بنيته الذهنية والبنية المعرفية للمادة العلمية، وبناء الفرضيات وعمل ترابطات واضحة (Saul & Reardon, 1996). هناك ثلاث آليات مهمة تساعد الطالب على ربط مفاهيم الطالب بالمفاهيم العلمية هي التساؤل، والمشاهدة، وربط ما قد يبدو لنا لأول وهلة متباعداً. يبدأ الاستقصاء العلمي من موقف محير أو قضية غير مفهومة لا تتوافق مع توقعات المتعلم، أو موضوع ما يثير اهتمامه ويرغب في تكوين معرفة حوله. ويدل حدوث التناقض إلى أن التعلم على وشك الحدوث (Foreman, 1998). ومن هنا تنطلق تساؤلات المتعلم (Exploratorium, 1996). إذ يسعى المتعلم عندها إلى حل التناقض القائم بين معرفته أو فهمه السابق الذي يتناقض مع المعرفة الجديدة. وتثير هذه التساؤلات الدافعية لدى المتعلم للبحث، ويتصرف عندها المتعلم كعالم. كما أن المتعلم يشعر عندها بأنه أكثر امتلاكاً للمعرفة. غير أن المتعلم يحتاج إلى الوقت الكافي لبناء المعرفة بهذه الطريقة. أما المشاهدة، فلا يقصد بها المشاهدة العابرة. وإنما المشاهدة المقصودة التي تجعل المتعلم يطرح تساؤلات تثير اهتمامه، وتدفعه إلى السعي الحثيث لإجابة هذه التساؤلات، ومن ثم بناء معانٍ عميقة. ويتطلب ذلك التفاعل والقيام بإجراءات معينة تساعد الطالب على فحص خصائص هذه الظاهرة. فمثلاً، لوصف ظاهرة تحول الماء إلى جليد يفترض بالطالب ليس ملاحظة درجة حرارة التجمد فحسب، وإنما أيضاً طفو الجليد فوق الماء، ومن ثم محاولة إيجاد تفسير لهذه الظاهرة. ومن أجل بنا معانٍ عميقة للمعرفة العلمية لدى الطالب، علينا أن نساعد الطالب على مكاملة المعرفة. ويستخدم مصطلح التناسق (Consilience) الذي يعني ربط ما قد يبدو لأول وهلة منفصلاً في هذا الإطار. وهو يشير أكثر إلى توحيد المعرفة، ما يعني الترابط بين العلوم البحتة والعلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية، ويغير من طريقة ملاحظتنا وحلنا للإشكالات. وهذا هو جوهر الثقافة العلمية (AAAS, 1993 & Wikipedia Foundation, 2007). من الأمثلة على ترابط المعرفة، الترابط بين التطور في وسائل النقل وسهولة التنقل بين البلدان المختلفة. فهذا يرتبط بسهولة انتقال الأمراض بين البلدان المختلفة. ومن ثم توفر إمكانيات علاج المرض في البلدان التي انتقل إليها، من حيث الإمكانات المادية والتقدم الطبي. وهذا يرتبط أيضاً بالنواحي الأخلاقية من حيث امتناع الأفراد الذين يعانون من أمراض معينة من التنقل، والتزام الدول التي انتقل منها المرض وتوفر لديها العلاج من تقديم أشكال المساعدة كافة لتطويق المرض وتقديم العلاج. فهذا مثال مقتضب على العلاقة ما بين الاقتصاد والتكنولوجيا والصحة والأخلاق.
تصميم التجارب

يتطلب حل الكثير من المشكلات تصميم التجربة العلمية. والتجربة العلمية من الركائز المهمة في التعلم الاستقصائي. غير أن توظيف المختبر في الاستقصاء العلمي يتطلب قيام الطالب بتصميم التجربة، واختيار الطرق والإستراتيجيات لجمع البيانات، وضبط المتغيرات، واختيار المواد المستخدمة في التجربة. ويجمع الباحثون على أن التجريب العلمي يشتمل على معظم عمليات العلم؛ سواء عمليات العلم الأساسية أو عمليات العلم المتكاملة. وتضم عمليات العلم الأساسية: الملاحظة، الاستدلال، التصنيف، التنبؤ، التواصل، استخدام علاقات المكان والزمان، استخدام الأعداد، القياس. أما عمليات العلم المتكاملة فتضم: تحديد المتغيرات وضبطها، صوغ الفرضيات واختيارها، تفسير البيانات، التعريف الإجرائي، التجريب (عطا الله، 2002). ومن المهم في التعلم الاستقصائي إعطاء الطالب الفرصة لاختيار طريقة إجراء التجربة، بما في ذلك التخطيط والتصميم لجمع البيانات الرقمية والكيفية. ويتيح هذا للطالب فرصة التصرف كعالم في اختيار الطرق المناسبة. كما يسنح له الفرصة في توظيف خياله، ومراجعة خبراته السابقة في محاولة للاستفادة منها. ومحاولة الإجابة عن أسئلة كثيرة مثل: كم مرة عليّ تكرار القياس؟ وما هي المتغيرات التي سأعتبرها مستقلة؟ وأيها سأعتبرها تابعة؟ كما يحتاج للإجابة عن أسئلة تتعلق بتقنيات التجربة، مثل: ما هي الأداة المناسبة لإجراء قياس معين؟ (Doran, Lawrenz & Helgeson, 1994). وقد يبدو لأول وهلة أن شح المواد يقف عائقاً أمام قيام الطلبة بالاستقصاء العلمي من خلال التجارب المخبرية. غير أن سعة اطلاع المعلم وخبرته تعينانه على توظيف الاستقصاء العلمي باستخدام موارد أولية. ومن أكثر المهارات أهمية في هذا الإطار تشجيع الطالب على استخدام الإستراتيجيات فوق المعرفية. ونعني بالإستراتيجيات فوق المعرفية مراقبة الطالب لتعلمه ووعيه بخياراته. وبمعنى آخر، مقدرة الطالب على تقييم أدائه، وتفكيره في تفكيره. فمن المهم أن يكون الطالب واعياً لمحددات تجربته، ولسبب اختياره طريقة دون أخرى؟ وأدوات دون أخرى في أداء التجربة. وكذلك سبب اختياره لبعض المتغيرات كمستقلة وأخرى كتابعة، وغير ذلك من متطلبات أداء التجربة. ويتطلب ذلك أيضاً مقدرة الطالب على الربط بين المفاهيم العلمية وعمليات العلوم (Licata, 1999 & Hiebert, 1996). من هنا، نؤكد أن الهدف من التجربة العلمية يتعدى محاولة التوصل إلى القانون إلى التركيز على العمليات والافتراضات والإجراءات التي يقوم بها الطالب في سعيه للتوصل إلى القانون، والتي تصبح في نظر المعلم أهم من القانون نفسه.
مثال على توظيف الاستقصاء العلمي في محاولة التوصل إلى قانون زمن ذبذبة البندول:

في غرفة الصف وأمام الطلبة بندول معلق من السقف في نهايته كتلة برونزية. وعلى اللوح سؤال يقول: ما الذي يؤثر على زمن دورة البندول؟ طرح المعلم سؤالاً: حسناً، ما الأمور التي تحدثنا عنها البارحة؟ راجع الطلبة مقدمة درس البارحة عن طاقة الوضع وطاقة الحركة ومصطلح زمن الدورة. أعاد المعلم العرض لتحديد عدد ذبذبات البندول في الثانية الواحدة. وما أن أعدت برندا ساعة الوقف، حتى سحب المعلم كتلة البندول وتركها تتحرك. صاحت برندا: توقف! فأوقف المعلم الكتلة في منتصف الذبذبة. "حسناً، واجهتنا هذه المشكلة البارحة"، قال المعلم. "ما المشكلة في هذه الطريقة"؟ استنتج الطلبة أن ثانية واحدة غير كافية لقياس زمن الذبذبة الواحدة، فاقترحوا قياس زمن 15 ذبذبة بهدف تحديد زمن الذبذبة الواحدة، وأن يجمعوا كمية كافية من البيانات للحصول على قياسات دقيقة. قبل المعلم هذه الإستراتيجية، ثم عرض مشكلة جديدة للتمهيد للنشاط التالي. "تذكروا، يبدأ العلم بطرح مشكلة"، قال المعلم. "هذه هي المشكلة التي أريد منكم معالجتها خلال الأيام الثلاثة القادمة: ما الذي يؤثر على زمن دورة البندول؟ هل هناك عوامل يمكن أن تؤثر في عدد الدورات في الثانية؟ أم أنها دائماً ثابتة؟ هذا ما ستختبره أنت وزميلك في المختبر". قبل أن ينقسم التلاميذ إلى مجموعات صغيرة، قادهم المعلم في لقاء عصف فكري، فكتب أفكارهم حول ما يمكن أن يؤثر على زمن الذبذبة على اللوح. "الضغط الجوي"، اقترح توني. "حسناً، إذا ما قمنا بإجراء التجربة على كوكب آخر، أو مكان آخر فيه ضغط جوي أعلى، يمكن أن يغير ذلك من زمن الذبذبة"، وافق المعلم، "ولكن هذا متغير من الصعب علينا ضبطه". "طول الخيط"، اقترح دانييل. "حسناً، هذا جيد. هل يجعل الخيط الأقصر زمن الذبذبة أطول أم أقصر؟ هل ترغبون في النقاش حول تأثير طول الخيط قبل أن نكمل". انتظر المعلم بضع دقائق قبل أن يكمل: "هل هناك عوامل أخرى"؟ "وزن الثقل"، قالت ميلندا. "فكرة ممتازة"، قال المعلم. واستطرد "أحببت هذه الفكرة. الوزن، نعم! هل يمكن لوزن ثقيل أن يقلل أم يزيد من زمن الذبذبة؟ كيف يمكننا أن نختبر ذلك"؟ "نجرب أوزاناً مختلفة"، أجاب جريك. "صحيح"! كانت تعابير السرور واضحة على المعلم، لكنه استطرد: "هل هناك فرضيات أخرى حول زمن دورة البندول"؟ "قطر الخيط يمكن أن يؤثر"، قال ماثيو. "الخيط يمكن أن يؤثر. حسناً! فكرة جيدة. ليس لدي خيوط كثيرة مختلفة في السمك، لذا فهذا متغير لا يمكن أن يختبره كل شخص، ولكن إذا ما أردت تجربته، ماثيو، بعد أن تختبر المتغيرات الأخرى، يمكن أن تكون هذه تجربة مناسبة". قال طالب آخر. "الديناميكا الهوائية يمكن أن تحدث فرقاً". "ما الذي تقصده بذلك؟" استطرد المعلم. "يمكن أن تعيق حركة البندول". "حسناً! يفضل فحص هذا العامل أيضاً". "ماذا عن الاحتكاك في أعلى خيط البندول، حيث يثبت خيط البندول بالسقف؟" سألت برندا. "حسناً! الاحتكاك عند نقطة تثبيت خيط البندول بالسلك المثبت بالسقف". تقسم الطلبة إلى مجموعات صغيرة للقيام بتجاربهم. بدأوا حالاً بالبحث في جواريرهم، ورفوفهم، وخزاناتهم عن مواد يمكنهم استخدامها في تنفيذ تجاربهم: خيط، سلك، أوزان من كافة الأنواع. هم معتادون على هذا النمط، فقلما يعد لهم المعلم المواد قبل البدء بالتجربة. بعد جمع المواد، يبحثون في الغرفة عن مكان مناسب وأدوات لتثبيت خيط الزنبرك. وعن كل ما يحتاجونه من أوزان ومقصات لإنجاز التجربة. يتبادل أفراد المجموعة الأدوار في التوقيت وتسجيل البيانات وتثبيت البندول. بعد 25 دقيقة، عاد الطلبة إلى مقاعدهم لتسجيل البيانات التي قاموا بجمعها. كما تبين، اختبر الطلبة متغيرين؛ الوزن، وطول الخيط. "تأملوا بياناتكم، ماذا تعتقدون"؟ سأل المعلم. "أعطوني فرضياتكم". "لا أعتقد أن مقدار الوزن المعلق سيؤثر كثيراً"، قالت ميليندا، وهى تهز حاجبيها. "كيف استنتجت ذلك"؟ سأل المعلم. "لأن نتائج كل محاولة كانت متشابهة". "نعم، أزمان الدورات كانت تقريباً متماثلة، على الرغم من أننا غيرنا الأوزان ثلاث مرات. ربما تكون على حق، ربما الوزن لا يجعل البندول يتحرك أسرع أو أبطأ"، قال المعلم. "ماذا عن طول الخيط"؟ "كلما كان خيط البندول أقصر، قل زمن الدورة"، قال جينيفر. "يبدو ذلك، أليس كذلك؟" قال المعلم. "كلما قصر خيط البندول، يصبح أسرع، ألا يعني ذلك صحة الاستنتاج؟ هذا ليس مؤكداً، لأننا قمنا باختبار واحد على كل متغير. غداً، عندما نكرر التجربة، سنحتاج لاختبار أثر طول كل خيط أربع أو خمس مرات. سنحصل بذلك على بيانات كافية للوصول لقيم صحيحة نستطيع استخدام متوسطاتها لحساب زمن الذبذبة". راجع المعلم نشاط اليوم. "اليوم، طبقنا عمليات العلوم، قمنا بعصف فكري للأفكار عما يمكن أن يؤثر على زمن دورة البندول، قمنا باختبارات بسيطة على كل متغير. جمعنا البيانات وأوجدنا المتوسطات، وتوصلنا إلى بعض الاستنتاجات بالاعتماد على البيانات"، قال المعلم. "على الرغم من أن بياناتنا ليست نهائية، فقد توصلنا إلى بعض الفرضيات القابلة للاختبار. غداً، سوف نعيد اختبار بعض الفرضيات. سوف نختبر كل متغير عدداً من المرات للحصول على بيانات موثوقة". رفعت ترينا أصبعها وسألت: "ماذا إذا قمنا بتعليق الكتلة من خيطين بدلاً من خيط واحد كالأرجوحة"؟ "جيد! لا أحد اقترح هذا المتغير"، قال المعلم. "لماذا لا نجرب ذلك غداً"؟ ابتسمت ترينا وجمعت كتبها عندما قرع الجرس.


ويظهر هذا المثال مركزية الحوار في الاستقصاء العلمي.
استكشاف الظواهر

يتطلب الاستكشاف مراقبة المتعلم للتغييرات الحادثة في خطته أثناء ممارسة الاستقصاء العلمي، والاستخدام الصحيح للأدوات، وأخذ العدد المناسب للقراءات، وتنظيم البيانات، والمشاهدات المقصودة، وتوضيح العلاقة بين المتغيرات لإيجاد أنماط. فالبيانات التي يحصل عليها الطالب تتطلب طرقاً في عرضها والتعامل معها. فقد يختار الطالب عرضها باستخدام الرسم البياني أو الجداول أو المدرجات التكرارية أو غير ذلك بهدف تكوين معنى لهذه البيانات. ويقترح ليساتا (Licata, 1999) أن يتساءل الطالب: ما الذي وجدته؟ ليتأهب لعملية تنظيم البيانات التي جمعها. من المهم للطالب بناء معنى للبيانات التي حصل عليها. ويتطلب بناء المعنى العميق التفكير النقدي ومناقشة الفهم الحادث والتأمل. فقد تكون هناك بدائل لتفسير البيانات، وإيجاد العلاقات، وللمفاهيم العلمية المقبولة. ويتيح التأمل الفرصة للطالب لفحص التغير الحادث في فهمه للمفاهيم العلمية في ضوء ما قام به من جمع وتحليل للبيانات. فقد تدعم البيانات الجديدة المعرفة السابقة أو تناقضها. ومن ثم قد يختار الطالب إعادة التجربة بطرق أو أدوات أخرى، أو فحص طريقة إجرائه للقياسات، أو قراءته للقياسات، أو تحليله للبيانات. وقد يجد بدائل لتفسير النتائج.
بناء المعنى

إضافة إلى بناء المعنى من خلال التأمل والنقاش والتفكير النقدي، فإن تنويع المصادر وتكوين العلاقة بين مشاهدات الطلبة يسهم في تطوير فهم الظواهر العلمية (Saul & Reardon, 1996). ويمكن تلخيص عملية بناء المعنى من خلال التفاعل بين المصادر والمشاهدات والظواهر وتدخل المعلم ومناقشة فهم الطلبة وتفسيراتهم مع بعضهم البعض. وهناك عملية مهمة تسهم أيضاً في بناء المعنى، هي عملية التنبؤ. ونعني بالتنبؤ الاستدلال لما نتوقع حدوثه لمجموعة من المشاهدات والأحداث مستقبلاً. ويفعل التنبؤ مثلاً من خلال استخدام العلاقات البيانية وجداول البيانات لتشجيع الطلبة على استكمال المعلومات الناقصة فيها، وتطوير قدرتهم على استقراء معانٍ جديدة غير متوافرة فيها (عطا الله، 2002). ويتطلب ذلك توظيف التفكير الناقد لفحص حدود استكمال المعلومات وتوابعها. ويستدل الطالب من خلال التنبؤ على مدى صحة تفسيراته. كما أن التنبؤ يشجع الطلبة على استكمال البحث العميق لفهم الظواهر بدلاً من التوقف حال الوصول للمطلوب. كما أسلفنا، يتطلب توظيف المنحى الاستقصائي توفير جو صفي آمن، وتكوين ما يعرف بمجتمع المتعلمين (Exploratorium, 1996). وربما يكون هذان المتطلبان الأساسيان الأقل تناولاً وتركيزاً عند وصف المنحى الاستقصائي على الرغم من أهميتهما. ويكون التركيز عادة على المهارات والعمليات العلمية. لذا، ارتأيت في هذه المقالة التركيز على هذين المتطلبين الضروريين لإنجاح عملية الاستقصاء العلمي.
توفير بيئة صفية آمنة

تعتبر البيئة الصفية الآمنة متطلباً أساسياً لإنجاح عملية الاستقصاء العلمي. ويتجاوز معنى البيئة الآمنة الفضاء المادي، إلى العلاقات ما بين المعلم والطلبة، وما بين الطلبة أنفسهم، إضافة إلى الأعراف والسلوكيات السائدة. فتوفير بيئة آمنة يعني جواً صفياً يتسم بالانفتاح والإيجابية، ويخلو من الخوف. وقد اقترحت جوين دوتي (Doty, 2001) سبعة متطلبات لتحقيق ذلك، هي:
> الأمن، يتحرر الطلبة من العنف الجسدي والتسلط والألم العاطفي الناتج عن التسلط والعنف الجسدي أو التهديد أو التلاعب أو الاستفزاز أو الضغط. > الاختيار، يتبنى الطلبة اختيارات حقيقية في التعلم العاطفي والتعليمي. > الاحترام، يظهر الطلبة احتراماً لمشاعرهم ومشاعر غيرهم. > الذكاء المتعدد، يعي الطلبة نقاط القوة في تفكير الآخرين، وينمون قدراتهم المختلفة ويدعمونها. > الدافعية، يدمج الطلبة بأنشطة يجدونها مثيرة وممتعة. > التعلم ذو المعنى، يزود الطلبة بدروس يجدونها ذات معنى بالنسبة لهم، وذات علاقة بالعالم من حولهم. > الذكاء العاطفي، يقدر الطلبة مشاعرهم ومشاعر الآخرين ويناقشونها ويصادقون عليها.
أما هيننجسن وزملاؤه (Henningsen & Stein, 1997; Huffman, Lawrenz & Minger, 1997; McLeod, 1992; McRobbie & Fraser, 1993)، فقد اقترحوا تحسين ما يلي لخلق بيئة صفية آمنة محفزة لتعلم العلوم والرياضيات:
> علاقة داعمة بين المعلمين والطلبة. > مشاركة الطلبة في وضع أعراف غرفة الصف، وفي اتخاذ القرارات، وفي وضع الأهداف. > توقعات ومسؤوليات واضحة. > فرص للتعاون. > وقت كافٍ للنقاش وإنجاز المهمات. > فرص للعمل على مهام مفتوحة النهاية. > أنشطة ممتعة وذات معنى.
وترتبط غرفة الصف الآمنة بكل من تحصيل التلاميذ، ودافعيتهم للتعلم. فعلى الرغم من عدم وجود علاقة واضحة بين التحصيل وبيئة الصف الآمنة، بسبب ارتباط التحصيل بالعديد من المتغيرات، فإن الكثير من الدراسات بينت وجود أثر واضح لغرفة الصف الآمنة على تحصيل التلاميذ ونموهم الاجتماعي والعاطفي (Fraser, 1994; McRobbie & Fraser, 1993). كما بيّن بيرس (Pierce, 1994) أن بيئة الصف الآمنة ترفع من تحصيل الطلبة متدني التحصيل، ما يعني أن ضعف القدرات ليس هو السبب الوحيد لتدني تحصيل الطلبة. وتعتبر الدافعية الوسيط بين غرفة الصف الآمنة والتحصيل. ونعني هنا بالدافعية؛ الدافعية الداخلية النابعة من الشعور بالفهم والمقدرة على تحقيق الهدف. وهي تلك الناتجة عن انخراط الطلبة بأنشطة تثير اهتمامهم وتدفع بهم إلى مزيد من الرغبة في التعمق في الموضوع. وتعزز غرفة الصف الآمنة من هذه الدافعية، ما يرفع من تحصيل الطلبة. وهذا ما توصلت إليه الأبحاث من ارتباط الدافعية بالتحصيل وبغرفة الصف الآمنة (Cheng, 1994; Uguroglu & Walberg, 1986). وقد يكون من المهم ملاءمة مواصفات غرفة الصف الآمنة مع تصور الطلبة لهذه المواصفات. فتحقيق الملاءمة بالقدر الممكن له أثر على كل من دافعية الطلبة وتحصيلهم (Waxman & Huang, 1996). وأخيراً، فإن أهمية بيئة الصف الآمنة تعززها العلاقة بين التعلم والعاطفة. فبيئة الصف الآمنة يتدنى فيها وجود مثيرات الضغط والخوف. إذ يقف الاضطراب الناشئ عن الخوف والضغط عائقاً أمام عمل الدماغ. ويفرز الدماغ كيميائيات تعيق انتقال المعلومات ويقلل من مستوى الانتباه لدى الطلبة، وكذلك مقدرتهم على تكوين معنى لتعلمهم (Elias et al., 1997). بينما تتسبب العواطف الإيجابية في إفراز النواقل العصبية التي تعزز التعلم والذاكرة (Jensen, 1998). وهناك روابط عصبية قوية ما بين الدماغ العاطفي (الجهاز الحوفي) وفصوص الدماغ الأمامية، حيث موقع الذاكرة العاملة (O'Neil, 1996). وقد أشارت الأبحاث إلى وجود شرطين للحالة المثلى للدماغ لحدوث تعلم ذي معنى:
1. شعور بالأمن ونظام عصبي هادئ، ما يؤثر على المستويات العقلية والعاطفية والجسمية. 2. الدافعية الذاتية الضرورية لامتداد المعرفة إلى مستويات أعمق من المستوى السطحي (Caine & Caine 1994, p: 83-84).
ويصف هذان الباحثان هنا ظاهرة سمياها التنبيه الهادئ، ويتضمن ذلك مزيجاً من التهديد المنخفض والتحدي المرتفع. ففي جو غرفة الصف المناسبة لحدوث هذا النوع من التنبيه، سيشعر الطلبة والمعلمون بالأمن الكافي لاستكشاف طرق التعلم، والبحث عن المعلومات، والتعبير عن الآراء والأفكار، وعرض التعلم بوسائل عادية ووسائل إبداعية. ويبين الشكل أدناه طبيعة العلاقة بين سرعة التعلم ونوعيته، ومستوى الضغط في غرفة الصف.



مجتمع المتعلمين

بدأت فكرة مجتمع المتعلمين من عهد جون ديوي. وعنى ديوي بكلمة مجتمع؛ مجموعة من الأفراد في حالة من الانسجام والتعاون. وعبر عنها بعملية من التعايش والعمل والتعلم المشترك. كما آمن بأن العمليات في المجتمع، والديمقراطية، والتعليم، متداخلة وضرورية لبعضها البعض. فالمجتمع الديمقراطي يتضمن عمليات طرح الأسئلة، والتعلم، والإصغاء لوجهات نظر الآخرين، وتبادل الأفكار وتخيل البدائل. فمن وجهة نظر جوين دوتي "لا يستطيع الشخص المشاركة في الحوار مع الآخرين دون أن يتعلم- ودون أن يكون وجهة نظر أوسع، ودون أن يدرك أشياء لم يكن ليدركها ما لم يشارك في الحوار (Dewey, 1916). نعني بمجتمع المتعلمين حالياً الصف الذي تكون فيه نسبة كلام الطالب أعلى من نسبة كلام المعلم. ويساعد فيه الطلبة بعضهم البعض، ويتشاركون الأفكار ويبنون على تفكير بعضهم البعض، بدلاً من الفردية والتنافس على تحصيل العلامات. ويشارك فيها الطلبة في وضع القوانين والنظم وضمان سيرها. ويختار فيها الطلبة الطرق والإجراءات العلمية. ويتحقق فيها الطلبة بالمشاركة مع المعلم من صحة أو مصداقية الطرق والإجراءات والإجابات، بدلاً من امتلاك المعلم السلطة المطلقة للحكم على صحتها (Stepanek, 2000). هناك ثلاثة نماذج لغرفة الصف التي تساعد على نشوء مجتمع متعلمين، وهي: غرفة الصف الديمقراطية، غرفة الصف الراعية، غرفة الصف البيئية.
غرفة الصف الديمقراطية

تمتاز غرفة الصف الديمقراطية بمشاركة الطلاب في اتخاذ القرار. ويعتبر فيها الطلبة والمعلمون أنفسهم أعضاء في مجتمع من المتعلمين. ويتعاون فيها الطلبة على التخطيط للتعلم، ما يشعرهم بالاهتمام بما يتعلمونه. ويقدر فيها الاختلاف لإثراء التجارب ووجهات النظر. ويتشارك فيها الطلبة والمعلمون في أهداف التعلم. كما يحل فيها التعاون مكان التنافس (Beane & apple, 1995).
غرفة الصف الراعية

أما غرفة الصف الراعية، فتمتاز بوجود العلاقات الدافئة والداعمة بين المعلمين والطلبة وبين الطلبة أنفسهم. ويبني فيها المعلمون تعليمهم على اهتمامات التلاميذ، وعلى التعلم ذي المعنى في الحياة اليومية. كما يكون المنهاج متحدياً، ومهماً، ومبنياً حول فكرة، ومركزاً على الأهداف بعيدة المدى، ويركز فيها المعلمون على الدافعية الداخلية بدلاً من التعزيز الخارجي المبني على الثواب والعقاب. كما يساعد الطلبة في وضع معايير السلوك في غرفة الصف (Lewis, Schaps, & Watson, 1996).
غرفة الصف البيئية

اشتق مصطلح غرفة الصف البيئية من مصطلح النظام البيئي. فهناك البيئة الصحراوية والبيئة المائية وغيرها. وتحيا الكائنات الحية المختلفة في هذه البيئة بطريقة تكاملية، بحيث تعتمد في حياتها على بعضها البعض، ويعتبر وجود أحدها ضرورياً لوجود الآخر. ففي مقاربة غرفة الصف من النظام البيئي، ننظر لعمليتي التعليم والتعلم كعمليات تبادلية ومتكاملة. وكذلك الحال بالنسبة للعلاقات ما بين الطلبة والمعلمين، وما بين الطلبة أنفسهم. كما أن التنوع في النظام البيئي ضروري للحياة، فكذلك هو الحال في غرفة الصف. فالتنوع في الخبرات والثقافات والقدرات يثري غرفة الصف، ويوظف من خلال التعلم التعاوني. ومن هنا تمتاز غرفة الصف البيئية بدور المعلم القائم على ضمان التناغم ما بين التعلم وجو غرفة الصف، وعلى العلاقة التبادلية بين عمليتي التعليم والتعلم، وعلى خلق علاقات مع موضوعات أخرى خارجية كلما أمكن، والتركيز على الاتجاهات والرؤى كعناصر رئيسية في عملية التعلم. كما يعطي فيها المعلمون أهمية لأثر حياة الطلاب خارج غرفة الصف على تعلمهم (Hassard, 1990).


المراجع

< American Association for the Advancement of Science. (1993). Benchmarks for science literacy: Project 2061. New York, NY: Oxford University Press. < Beane, J.A., & Apple, M.W. (1995). The case for democratic schools. In M.W.Apple, & J.A. Beane (Eds.), Democratic schools (1-25). Alexandria, VA: Association of Supervision and Curriculum Development. < Caine, G., &Caine, R. N. (1994). Making connections: Teaching and the human brain. Menlo Park, CA: Addison-Wesley. < Cheng, Y.C.(1994). Classroom environment and students affective performance: An effective profile. Journal of Experimental Education, 62, 221-239. < Dewey, J. (1916). Democracy and education. New York, NY: Macmillan. < Doran, R. L., Lawrenz, F., & Helgeson, S. (1994). Research on assessment in Science. In D. L. Gabel (Ed.), Handbook of Research on Science Teaching and Learning (388-442). New York, NY: MacMillan. < Doty, G. (2001). Fostering emotional intelligence in K-8 students: simple strategies and ready to use ativities. California, Corwin Press. < Elias, M.J., Ziins, J.E., Weissberg, R.P., Frey, K.S., Schwab-Stone, M.T., & Hayens, N.M., Kessler, R., Schwab-Stone, M.E., & Shriver, T.P.(1997). Promoting social and emotional learning Guidelines for educators. Alexandria, VA: Association of Supervision and Curriculum Development. < Exploratorium Institute for Inquiry. (1996). Inquiry descriptions: Inquiry forum 8-9 November 1996. San Francisco, CA. (online) available from:
http://www.exploratorium.edu/ifi/resources/inquirydesc.html (accessed 16 Aug. 2007).
< Foreman, L. C. (1998). What’s the big idea? (NCSM and NCTM 1998 Annual Meetings Washington DC). Portland, OR: Math Learning Center, Portland State University. < Fraser, B.J. (1994). Research on classroom and school climate. In D.L. Gabel (Ed.), Handbook of research on science teaching and learning (493-541). New York, NY: Macmillan. < Henningsen, M., & Stein, M.K. (1997). Mathematical tasks and student cognition: Classroom-based factors that support and inhibit high-level mathematical thinking and reasoning. Journal of Research in Mathematics Education, 28 (5), 524-549. < Hiebert, J., Carpenter, T. P., Fennema, E., Fuson, K., Human, P., Murray, H., Olivier, A.,& Wesarne, D. (1996). Problem solving as a basis for reform in curriculum and instruction: The case of mathematics. Educational Researcher, 25(4), 12-21. < Hobson, A. (2003). Physics literacy, energy and the environment. Physics Education 38(2), 109-114. IOP Publishing Ltd. < Hobson, A. (2004). Review: Science Literacy in 21 Century. Physics in Perspective (Phys. Perspect. 6). < Huffman, D., Lawrenz, F., & Minger, M. (1997). Within –class analysis of ninth –grade science student’s perceptions of the learning environment. Journal of Research on Science Teaching, 34(8), 791-804. < Jarrett, D. (1997). Inquiry Strategies for Science and Mathematics Learning. Portland: Northwest Regional Educational Laboratory. < Jensen, E.,(1998). Teaching with the brain in mind. Alexandria, VA: Association of Supervision and Curriculum Development. < Licata, K.P. (1999). Narrative lab reports: Developing nontraditional lab reporting formats. The Science Teacher, 66(3), 20-22. < Lewis, C.C., Schaps, E., & Watson, M.S. (1996). The caring classroom’s academic edge. Educational Leadership, 54(1), 16-21. < McLeod, D.B. (1992). Research on affect in mathematics education: A reconceptualization . In D.A. Grouws (Ed.), Handbook of research on mathematics teaching and learning (575-596). New York, NY: Macmillan. < McRobbie, C.J., & Fraser, B.J. (1993). Associations between student outcomes and psychosocial science environment. Journal of Educational Research, 87(2), 78-85. < O’Neil, J. (1996). On emotional intelligence: A conversation with David Goleman. Educational Leadership, 54(1), 6-11. < Pierce, C. (1994). Importance of classroom climate for at-risk students. Journal of Educational Research, 88(1), 37-42. < Saul, W. & Reardon, J. (Ed.) (1996). Beyond the science kit. Portsmouth, NH: Heinemann. < Stepanek, J.(2000). Mathematics and Science Classrooms: Building a Community of Learners: It’s Just good for teaching. Mathematics and Science Education Center, Northwest Regional Educational Laboratory. < Uguroglu, M.E., & Walberg, H.J. (1986). Predicting achievement and motivation. Journal of Research and Development in Education, 19, 1-12. < Waxman, H.C., & Huang, S. (1996). Motivation and learning environment differences in inner-city middle school students. Journal of Educational Research, 90(2), 93-102. < Wikipedia, the free encyclopedia (2007). (online) available from:
http://en.wikipedia.org/wiki/Consilence (accessed 16 Aug.2007).
> عطا الله، ميشيل (2002). طرق وأساليب تدريس العلوم، عمان - الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد على عزيز زيان:

هاذا ما أمكنني توفيره لك الأخ:

شروط تأثير وسائل الإعلام

رغم الحديث المتكرر عن أثر وسائل الإعلام على الإفراد والمجتمعات, لكن الحق أن الأمر ليس على إطلاقه فالتأثير يرتبط بعدد من العوامل الخارجية والداخلية, فالإنسان – عموماً – ليس كائناً سلبياً يلتقط كل ما يصل إليه ويتشرب كل ما يلقي عليه.

ويمكن إيجاز العوامل التي تتحكم بتأثير وسائل الإعلام كالتالي:

1- المرسل (للرسالة الإعلامية)

ويعبر عن أثرها من خلال العوامل التالية:
‌أ- خبرة ومقدرة المرسل للمادة الإعلامية:
بمعني أنه كلما كان صاحب الرسالة متخصصاً أو خبيراً بالقضية التي يعرضها أو الموضوع الذي يتحدث عنه كلما كان أثر الرسالة أكبر.

‌ب- صدقيه المرسل:
قد يكون صاحب الرسالة خبيراً لكنه معروف بالكذب أو المبالغة أو إن مصدر معلوماته ضعيف, وبالتالي كلما تميز المصدر بالصدق كلما كانت رسالته أحرى بالقبول، وهذا ينطبق – بشكل عام – على الإذاعة البريطانية (العربية) حيث القبول الواسع لأخبارها وتقاريرها.

‌ج- تفرد واحتكار صاحب الرسالة الإعلامية:
حينما تغيب الحرية الإعلامية تتفرد جهات معينة بوسائل الإعلام وتتملك حق توجيه الرسالة الإعلامية التي تراها فأن الأمر يكون مستفحلاً.
فمثلاً توجيه رسالة إعلامية ضمن مقالات في الصحف عن التقاليد المكبلة للمرأة ، وأخبار عن تطور النساء في بعض البلدان, وتمثيلية في التلفاز تتهكم بالتقاليد (الإسلامية) ، وحوار في الإذاعة مع امرأة متحررة ... وهكذا فتتحقق الرسالة الإعلامية المقصودة وبقوة على أفراد المجتمع.

2- الرسالة الإعلامية (نفسها) (مضمون الرسالة)

‌أ- طريقة عرض الرسالة: (الجانب الفني)
بالنسبة للإعلام المرئي فإن المؤثرات المرئية والسمعية والخدع السينمائية وفنون الكمبيوتر جعلت المشاهد (يسحر) بما يراه ويستسلم له وينقاد, فما بالك إذا تدخل في الأسلوب خبراء علم النفس وعلماء الاجتماع وخلطوا الخيال بالحقيقة فأصبح الرائي مذهولاً بما يراه, لا يكاد يرفض شياً مما يقدم له من شدة الإتقان والحبكة.

‌ب- طريقة صياغة الرسالة الإعلامية:
إضافة للمؤثرات السمعية والبصرية فإن أسلوب صياغة المادة المقدمة سواء في صيغة تقرير إخباري (لمجازر اليهود) وفيلم سينمائي (لإذلال اليهود) وقص حب لفتاة يهودية تتعرض للإيذاء والاغتصاب من النازيين وتمثيلية فكاهية مليئة بالمواقف المضحكة (لاستغلال الأوربيين لليهود وإذلالهم لهم مثلاً)، لخرج المشاهد بانطباع قوي ويجعله مؤمناً بالرسالة الإعلامية المصاغة في قالب فني راق يخاطب العقل والعاطفة (يتعاطف مع اليهود وقضاياهم).
وليس بالضرورة أن تكون الصياغة صريحة, بل أن الأغلب والأعم الصياغة الإيحائية بطريقة غير مباشرة تقنع المستقبل ولا تتصادم بمقرراته السابقة لديه.

‌ج- تكرار عرض الرسالة الإعلامية:
تكرار عرض رسالة معينة في وسائل الإعلام تثير عنصر الانتباه لديه ثم تتحول – مع التكرار – إلى معلومة يتفاعل معها لاحقاً سلباً أو إيجاباً.
والتكرار يكون – في الأغلب الأعم – بطرق مختلفة وبضامين متغايرة أحياناً بوسائل مختلفة كلها تؤدي نفس الغرض لذلك فقد أثبتت الدراسات أن تعرض الأطفال مثلاً لسيل من قصص الجريمة والعنف يؤصل السلوك العدواني لديهم وقد يحوله فيما بعد إلى واقع تطبيقي.

من خلال هذا التكرار نجحت وسائل الإعلام (الغربية) وحتى العربية في زعزعة الكثير من قيم المجتمعات العربية خصوصاً في قضايا الأسرة, أثمرت قيماً جديدة مبناها الواقع الغربي وقيمه ومعتقداته, فتعدد الزوجات سلوك مرفوض وشهوانية مرفوضة, والطلاق قضية إفساد للأسرة, والحب - قبل الزواج - أمر طبيعي بل حتمي لينتج زواجاً ناجحاً وهكذا تم الأمر من خلال المسلسلات (المصرية) والأفلام التي تدندن على هذا الوتر بطرق متعددة وأساليب متغيرة لتؤكد هذه المفاهيم وترسخها في مجتمعاتنا العربية.


‌د- ارتباط مضمون الرسالة بقضايا عامة للجماهير:
عندما يكون لدى أحد المجتمعات قضايا عامة هي حديث الناس فإن لاهتمام الرسالة الإعلامية بها ومتابعتها تفصيلاً يلقى اهتماماً كبيراً من الناس, وهذا يتأكد عند النوازل والحوادث الكبيرة (أزمة الخليج مثلاً) فلو ركزت وسائل الإعلام على قضايا أخرى أقل أهمية أو بعيدة عن اهتمام الناس ولو كانت هامة بذاتها في وقت السلم – مثل قضية فلسطين – فإنها لن تجد تجاوباً من الجماهير وسينصرفون عنها.

3- المستقبل للرسالة وبيئته:

‌أ- نوع الجمهور (المستقبل للرسالة الإعلامية):
لاشك أن مستوى تأثير الرسالة الإعلامية يتفاوت بين الناس بحسب طبيعتهم, والملاحظ أن الأطفال أكثر فئة من الناس تأثراً بوسائل الإعلام يليهم المراهقون فالنساء (عموماً) ثم الرجال.
ولذلك لا بد من الانتباه لنوع الجمهور عند تقديم موضوعات عن البيئة والنظافة لمجتمع فقير لا يجد ما يكفيه من الطعام أو أن تقدم مواد إعلانية مناسبة للنساء فقط في ذروة استقبال الرجال للرسالة الإعلامية.

‌ب- مستوى الفرد الاجتماعي:
موقع الفرد في المجتمع (الغني أو الفقير, التعليم والأمية, المسؤول والموظف, التاجر والعامل ...) كلها تؤثر في مدى تقبل الفرد للمادة الإعلامية .. فالفقير مثلاً لا يأبه للحديث عن الاقتصاد العالمي أو العلاقات الدولية ،والتاجر لا يأبه للرسالة الإعلامية عن أسعار السلع وتقلبها, والغنى يعجبه المسلسل التلفزيوني عن الأسرة الثرية.

فالفرد يتقصى ويحاكي بشكل واقعي أدوار يراها من نفسه ومن مركزه الاجتماعي وموقعة السياسي حيث تكون وسائل الإعلام – بالنسبة له – مؤسسات اجتماعية تحدد له الدور الذي ينبغي أن يقوم به.

وغالباً ما يكون التأثير لوسائل الإعلام على الأفراد - في هذا الجانب - في القيم ونظم الحياة التي يعيشوها حيث تقدم لهم نظماً أخرى مغايرة لكنها محببة وجميلة وبأسلوب غير مباشر يدعو لتمثلها في مجتمعاتهم.

‌ج- مستوى الفرد الثقافي وخلفيته الاجتماعية:
إن تقبل الفرد للرسالة وفهمه لها لا يقتصر فقط على مستواه الاجتماعي بل يتجاوز ذلك إلى ثقافته التي نشأ عليها والتربية التي تلقاها في صغره والتوجيه الاجتماعي له من بيئته مما يتسبب في وجود قاعدة لدى الفرد تسمح له بقبول الرسالة الإعلامية أو رفضها.

مثلاً شاب نشأ في بيت متحرر, في مجتمع محافظ سافر إلى الخارج كثيراً واختلط بأناس مختلفي التوجهات, هذا الشاب بهذه الخلفية قد يتقبل الكثير من الرسائل الإعلامية (المنحرفة) المتعلقة بقضية المرأة مثلاً ، فالسفور ليس بمشكلة ومخالطة النساء الرجال طبيعي، فمرجعيته في هذه الأمور ثقافته الخاصة والبيئة التي نشأ بها.

أيضاً شخصية الإنسان الخاصة تساهم في قبول أو رفض الرسالة الإعلامية فمثلاً رجل هادئ مسالم قد يرفض مشاهد العنف والمطاردات ويراها خطرا على أبنائه.

كذلك للأهواء الشخصية وقناعات الفرد دور في هذا الأمر ليس له علاقة بخلفيته الثقافية ولا بشخصيته الذاتية, فقد يقبل شخص إعلانات السجائر رغم علمه بأضرارها نظراً لأنه يدخن بذاته.

‌د- معتقدات الجمهور
يتقبل الناس عادة الرسائل الإعلامية الموجهة لهم والقريبة من معتقداتهم ومنسجمة مع ما يؤمنون به, ويضعف تأثير الرسائل الإعلامية البعيدة عن واقع ومعتقدات الناس, وتكون – عادة – مرفوضة إذا كانت تصادم بشكل مباشر مع ما هم عليه.

لذلك يلجأ القائمون على الإعلام إلى أسلوب التدرج في إنهاك المعتقدات والأصول لدى مجتمع معين.
فيبدأ الأمر بمهاجمة المعتقدات رويدا رويدا من المعتقدات الأهم فتهدمها حتى تصل - في النهاية - إلى أصول وقواعد المجتمع فتدمرها, كما يصنع السوس في النخلة فعامل التدرج وعامل الزمن كفيل بقلب القيم وإحلال قيم ومعتقدات محلها خصوصاً أن الأمر يقدم بمضامين جذابة وبوسائل محببة ومن خلال مضمون راق فنياً, وهذا الأسلوب يتفق تماماً مع نظرية الأولويات.



‌ه- واقع المجتمع:
يؤثر واقع المجتمع سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً لجدوى قبول الرسالة الإعلامية الموجهة له, فالرسالة الإعلامية عن الحرية السياسية وحرية التعبير و(الديمقراطية) يكون لها قبول واسع في المجتمعات التي تعاني استبداداً سياسياً, فمستوى قبول الرسالة لمجتمع ما يرتبط بشكل كبير بمدي الحرمان الذي يعانيه المجتمع من هذه القضية خصوصاً إذا اقترن ذلك بتقديم نماذج (من مجتمعات أخري) لا تعاني هذا الحرمان بل تحصل على هذا الأمر وبشكل ممتع ومقبول.

‌و- وجود أصحاب الرأي ودورهم في المجتمع:
تؤثر وسائل الإعلام (بناء على نظرية التأثير على مرحلتين) في الناس بشكل واسع عندما يساهم هؤلاء الأفراد المبرزون والمقبولون في مجتمعهم في قضايا مجتمعهم ويدلون فيها بأقوالهم ويساهمون – أحياناً – بأفعالهم وهذا الأمر فطنت له شركات الإعلان بشكل خاص فاستقدمت المشهورون في المجتمع (الرياضيون أو الفنانون) واستفادت منهم في ترويج سلع تجارية معينة.
كذلك تساهم بعض القنوات الإخبارية (CNN) مثلاً في استضافة أشخاص ذو رأي ومكانة وتجعلهم يعلقون على أحداث معينة أو يعقبون على واقعة ، مما يكون له أكبر الأثر في قبول الجماهير لهذا الرأي (هذا ما حدث من قبول الناس لقدوم القوات الأمريكية في الخليج لمقارعة صدام ...)
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

إلى الأخ فؤاد:

الديمقراطية
من اليونان الى ديمقراطية الانترنت




بسم الله الرحمن الرحيم



المقدمة

لاشك ان عصرنا في كل عشر سنوات تطلق عليه صفة تسمه بسمة معينة فهو عصر الكهرباء وعصر النفط وعصر الذرة وعصر القلق وعصر الحروب العالمية وعصر غزو الفضاء وصولا الى عصر الجينوم البشري والهندسة الوراثية والاستنساخ وعصر العولمة واخيرا عصر الانترنت ، وكل يوم نجد اكتشافا خارقا يدعونا لان ندعو عصرنا به، واليوم فإن عصرنا لايمكن ان نهمل اهم صفة سياسية واجتماعية للنظام العالمي الجديد فيه الا وهي صفة الديمقراطية خاصة وان هناك من الباحثين من يعدّ النظام السياسي للديمقراطية الليبرالية هو نهاية التاريخ مثل فوكوياما وآخر يتحدث عن ان صراع حضارة الديمقراطية الغربية مع نظام الاسلام السياسي سيكون حتما صراعا تنتصر فيه الحضارة الغربية بنظامها الليبرالي الديمقراطي .
ان النظام الديكتاتوري الشمولي اخذ يغادر العالم خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتوزع دوله الى ما نشاهده اليوم ، وخلال عقد التسعينات من القرن العشرين تحولت اكثر من خمسين دولة في العالم الى النظام الديمقراطي وتشمل دولا من مختلف القارات كاوربا الشرقية وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بل ان الاتحاد السوفيتي نفسه لم يكتف بالتحول عن الشيوعية فقط، بل اخذ يمارس الديمقراطية في شكلها الجديد سواء على المستوى الاقتصادي او الاجتماعي مع وجود حزب شيوعي له اكثرية برلمانية معروفة .
ان الدعوة الى الديمقراطية بدأت تأخذ وجها آخر لم يكن لها من قبل؛ ألا وهو الفرض من الخارج على النظم الديكتاتورية وتغييرها بالقوة استنادا الى معطيات دولية معينة منها الدفاع عن حقوق الانسان واتفاقيات الامم المتحدة الخاصة بها ومنها محاربة الارهاب الدولي ومبررات واسباب بعضها حقيقي وبعضها مفتعل لأغراض أخرى غير المعلنة، ولكن شعار الديمقراطية هو المرفوع عليها أي على تلك السياسة، وبغض النظر عن المصداقيات فلا يمكن انكار حقيقة ان الديمقراطية شعار مرفوع ويطالب به كل من اراد ان ينظم الى بعض الاتفاقيات الدولية او الاتحادات كما هو الحاصل مثلا مع تركيا في محاولتها الانضمام الى الاتحاد الاوربي .
ان المجتمع الدولي وهو يتحول الى العالم الجديد الذي تتحكم فيه معطيات العولمة بكل معانيها اصبح يضع شروطا لقبول الدول في النادي الخاص به الذي يجب ان يشمل كل من يسكن على هذه الارض، ولذا فيجب على الدول ان تتكيف مع مواثيق ومعاهدات واتفاقيات الامم المتحدة والا فانها ستطرد من المجتمع الدولي وتعدّ غير شرعية وستحارب بمختلف الطرق الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية اذا ما حاولت مثلا ان تمتلك اسلحة دمار شامل او تصنع اسلحة ممنوعة في اتفاقيات الدول الكبرى او ما شابه ذلك.
لقد غزت أمريكا أفغانستان باسم محاربة الإرهاب ولاتهامها بإيواء منظمة القاعدة التي المتهمة باحداث 11سبتمبر –وها هي اليوم تغزو العراق محررة ثم تعلن عن احتلالها له لفرض نظام ديمقراطي ينسجم مع معطيات العصر وتقول انها ستبني عراقا جديدا يعدّ نموذجا لدول المنطقة كلها التي وضعت لها سياسة للتغيير على مراحل لكي تؤهلها ديمقراطيا للعصر الجديد ولكي تقضي على مكامن الارهاب الدولي التي تتهمها بها، فإيران على الخارطة الجديدة وسوريا على الخارطة وكل دول المنطقة، كما انها من جهة اخرى تحاول ان تدجن كوريا الشمالية من خلال نزع سلاحها النووي الذي يخيفها.
ان مجموعة معطيات اخذت مجالها في الفكر السياسي اليوم جعلت من العراق الساحة التي تريد امريكا ان تروجها كنموذج للديمقراطية في المنطقة فهل تراها ستنجح في ذلك بعد اقدامها ونجاحها في الخطوة الاولى الا وهي اسقاط النظام السابق الذي اتهمته بامتلاك وتصنيع اسلحة الدمار الشامل بل واستعماله لهذا السلاح حتى على ابناء شعبه…؟
ان العراق لم يمارس الديمقراطية في تاريخه السياسي الا لمدة قصيرة في ظل الحكم الملكي وكانت هذه التجربة عليها مؤاخذات كثيرة أفقدتها المعنى الديمقراطي الحقيقي، كما ان العراق لم يتحول الى الديمقراطية عبر تغيير ثوري او انقلاب داخلي على النظام السابق بل هو يتحول تحت إشراف قوة احتلال أمريكية مما يطرح تساؤلات حقيقية عن إمكانية الديمقراطية في ظل الاحتلال وإمكانيات ممارسة الحرية في ظل السلطة المقيدة وقد يستشهد لوجهة النظر الامريكية لمثل هذه الحالة بما فعلته باليابان بعد احتلالها وما فعلت بكوريا الجنوبية وحتى بألمانيا على انه على الرغم من التشابه الشكلي في الممارستين في الذهنية السياسية الأمريكية الا ان هناك ميزات واختلافات وخصوصيات للعراق شعبا وجغرافية وثروة يختلف بها عن هذه النماذج مع ملاحظة طابع العصر اليوم عنه في منتصف القرن الماضي .
ان شعب العراق شعب مسلم حيث يذكر ببعض الإحصاءات ان 97% منه على دين واحد والإسلام اليوم متهم بالإرهاب ومساحة المسلمين في العالم الذين يتعاطفون مع هذا الشعب مساحة كبيرة وموقع العراق الجغرافي في وسط حيوي جدا في السياسة الدولية فحوله دول مختلفة منها تناصب العداء لأمريكا ومنها متهمة بالإرهاب كما ان منها ما هو متعامل معها وعضو في بعض منتدياتها العسكرية وللدول الغربية الأخرى مصالح عديدة في العراق وما حوله مما قد يخلق وضعا متوترا فيه، وكذلك فان في العراق ثروة يسيل لها لعاب الدول الكبرى هي النفط والذي هو ليس ثروة اقتصادية فقط وانما أداة سيطرة وقوة تحكم أيضا واذا أضفنا الى هذا خصوصية العقلية السياسية في العراق التي تتميز بالخضوع لفترة طويلة لتثقيف أحادى الاتجاه وصلب التحيز حتى أصبحت عقلية مغلقة على آرائها التي تعتقد بها كما ان طبيعة الشخصية العراقية قد استلبت نفسيا وفكريا وثقافيا عبر أيديولوجيا دامغة للآخر وغير معترفة به مما يشكل صعوبة استثنائية على الممارسة الديمقراطية المرنة التي تقوم أساسا على الاعتراف بحق الاختلاف..
ان كل ما تقدم يجعل الممارسة الديمقراطية في العراق على المستوى الشعبي اقرب الى المستحيل منه الى الممكن فكيف ستكون الديمقراطية العراقية امام تحدي العلمانية لشعب مسلم؟ وكيف ستكون الديمقراطية الفدرالية عبر قوميتين واثنيات اخرى قامت بينهما حروب؟ مما يطرح مسألة خطورة التقسيم وهو ما تعارضه حتى الدول المجاورة لخوفها من انسحاب الموقف على شعبها كما ان هذه الفدرالية قد تقود الى قيام دولة شيعية في الجنوب لأكثرية هذه الطائفة فيها وهو من المستحيلات امريكيا رغم انف الديمقراطية ومبادئها، ترى فما هي مقومات الديمقراطية عراقيا اذا لم تكن علمانية ولا فدرالية؟ واي معنى لرأي الشعب في نظامه الذي سيدلي برأيه فيه عبر الدستور الجديد؟ وهل ستوافق القومية الكردية على التراجع عن المضمون الفدرالي الذي تعلنه في كل وسائلها الرسمية والإعلامية؟ وكيف ستتصرف اذا كان الاستفتاء فرضا جاء لغير صالح الفدرالية وهو رأي ديمقراطي لا ينازع؟
من كل ما تقدم نجد ان الديمقراطية كمفهوم وممارسة، كنظرية وتطبيق تحتاج إلى ابتكار صيغ جديدة تناسب الواقع العراقي الجديد ويجب على هذه الديمقراطية ان تناسب الجسد العراقي وهو ما رأيناه في كثير من شعوب دول العالم الثالث التي انطلقت الى الديمقراطية بخصوصياتها القومية والشعبية وحتى الفولكلورية حيث وظفت حتى المجتمعات القبائلية والعشائرية بهياكلها التنظيمية فجعلتها ضمن ديمقراطيتها كخصوصية وطنية لها وهو ما لم يعترض عليه حتى امريكيا فهناك تجارب يمكن الاستفادة منها في هذا المجال فما دامت الديمقراطية منهجا مفتوحا على المستجدات – وهذا سبب نجاحها تاريخيا – فانها تستوعب الإنسانية جمعاء على ان تكون بلا وصاية خارجية ولا احتلال أجنبي طويل الأمد فهل ترى سينجح العراق في تجربته هذه ام لا؟
ان هذا الكتيب يطرح احدث المعلومات عن الديمقراطية في عصر العولمة والإنترنت وما يسمى النتوقراطية او ديمقراطية الإنترنت ويتحدث عن تحديات الديمقراطية ليس في العالم الثالث فقط وانما في امريكا واوربا ايضا ويصف محاولات شحن الديمقراطية الامريكية بقوة دفع عن طريق احياء مؤسسات المجتمع المدني التي أخذت تتآكل وتفرغ من معناها بعد طول ممارسة كما ان البحث عن المعنى للحياة خارج المفهوم الديني ما زال يؤثر سلبا في المجتمع الأمريكي مما جعل بعض علماء الاجتماع يطالب بعودة جديدة الى القيم الدينية لخلق إسناد أخلاقي للمجتمع في القرن الحادي والعشرين، أما فوكوياما الذي ما زال يعتقد بصدق نظريته في نهاية التاريخ فقد ظهرت انتقادات للديمقراطية الليبرالية التي يؤمن بها وضعتها امام احتمال تجاوزها الى ديمقراطية الانترنت والتي هي الديمقراطية المباشرة لكل الشعب كذلك ظهرت تحديات امام الديمقراطية الاوربية جعلها تختار التركيز على الجانب الاقتصادي للديمقراطية حتى وصفت بالاشتراكية الديمقراطية كما هو الحال في فرنسا والمانيا وبريطانيا مما عزز فكرة الطريق الثالث للديمقراطية وهو بين الليبرالية والاشتراكية، وسيتبع هذا الكتيب كتيب آخر عن اشكالية العلاقة بين الاسلام والديمقراطية ثم يتبعه آخر عن العراق الديمقراطي اسلاميا وليبراليا وعسى ان تكون هذه الكتيبات مساعدة للقاريء العراقي خصوصا لكي يفهم حقيقة الديمقراطية نظريا قبل ان يمارسها تطبيقيا .
واخيرا فان مصادر هذه الدراسات الثلاث كان الانترنت في اكثر من 90% منه وخاصة عروض الكتب الجديدة الصادرة في العالم الغربي خاصة والمترجمة الى اللغة العربية والتي لم يحتفل بها السوق العراقي بعد وقد كانت طريقة العرض ذات طابع وصفي لا نقدي ولا تحليلي من باب اننا نعرض لما كتب كما هو سوى رأي المؤلفين والكتّاب انفسهم في ما يطرحونه من انتقادات.


شيء عن المصطلح والتعريف

لا شك أن كلمة الديمقراطية من اكثر الكلمات غموضا وشيوعا في التداول الثقافي والشعبي وكما قال عالم السياسة بيرنارد كريك (إن كلمة الديمقراطية هي اكثر الكلمات اضطرابا وغموضا فهي مصطلح قد يعني شيئا بالنسبة لكل شخص بحيث تكون هناك خطورة بأن تصبح الديمقراطية كلمة بدون معنى) وإذا كانت الديمقراطية لغة تعني حكم الشعب نفسه بنفسه وكانت هذه الكلمة قد ظهرت في العصر اليوناني لوصف نظام سياسي واستمرت اكثر من قرنين من الزمان ثم اختفت إلا أنها عادت وظهرت مع الثورة الفرنسية عام 1789ميلادية إلا أن مفهومها عبر هذه السنوات العديدة قد دخلت عليه إضافات تتناسب وتطور المجتمعات التي تطبقها مما ادخل الغموض والتنوع اللانهائي على معناها حتى نرى الدكتور سمير أمين يقول عنها ( ليس مفهوم الديمقراطية مفهوما علميا يمكن بالتالي تعريفه تعريفا وحيدا دقيقا لا يقبل المناقشة والشك، بل كلمة الديمقراطية هي مجرد تعبير لغوي مائع يتغير بتغير المتحدث والظروف ورغم ذلك فالإنسان – أي إنسان- يحس تماما إذا كان المجتمع المعين الذي يعيش فيه (ديمقراطيا) حسب رأيه أم غير ديمقراطي، وينطبق ذلك على الفلاح الأمي كما ينطبق على المثقف المتغرب ولكن مفهوم الفلاح لماهية الديمقراطية أو عدمها قد يختلف عن مفهوم المثقف – أزمة المجتمع العربي ص135)
لقد وصل الخلاف إلى الاختلاف حتى على الكلمة والمعنى في النقاشات التي تدور في العقل الأوربي ذاته حتى ادخلها الكاتب روبرت هـ ثاولس في باب التفكير الأعوج حيث قال (إن النزاع اللفظي قد يكون حول كلمة –الديمقراطية- في حين أن النزاع الحقيقي يكون حول الديمقراطية، أي حول نظم الحكم التي هي مدلول كلمة – الديمقراطية، وإذا كنا نظن أننا نتناقش عن الديمقراطية في حين أن موضع الخلاف في الحقيقة هو على كلمة الديمقراطية فإننا نكون في ذلك قد خلطنا في الأمر وحسبنا خطأ النزاع اللفظي بأنه نزاع واقعي – ص90 التفكير المستقيم والتفكير الأعوج).
وهكذا نرى أن الديمقراطية كما يقول علي المؤمن في بحث له عبر الإنترنت مفهوم- فضفاض ساهم في إثرائه عبر عقود طويلة من الزمن كثير من المفكرين السياسيين كل حسب نظرته لهذا المفهوم فجاء إطارا كبيرا يجمع في داخله العديد من التيارات الفكرية التي تتفق على بعض الخطوط العامة وتختلف في معظم التفاصيل بيد أن الديمقراطية تبلورت بمرور الزمن في الديمقراطيات الحديثة المطبقة –بشكل أو بآخر- في الغرب وعرفت بالديمقراطية التقليدية الغربية- .
لقد كان جان جاك روسو قد تحدث عن أن الديمقراطية مستحيل تطبيقها بدقة وقال إنها لم توجد ولن توجد أبدا بعد أن وصفها بالمثالية وانه لو كان هناك شعب من الآلهة لحكم نفسه بطريقة ديمقراطية لان هذا النوع من الحكم –كما يقول- بلغ حد الكمال لا يصلح للبشر ويقول ( إذا أخذنا عبارة الديمقراطية بكل معناها الدقيق نجد أن الديمقراطية لم توجد أبدا ولن توجد أبدا فمما يخالف النظام الطبيعي أن يحكم العدد الأكبر وان يكون العدد الأصغر هو المحكوم ولا يمكن أن نتصور بقاء الشعب مجتمعا على الدوام للنظر في الشؤون العامة ونستطيع أن نرى بسهولة انه لا يمكن إقامة لجان من اجل ذلك دون تغيير في شكل الإدارة ) أي أن الديمقراطية المباشرة كانت مستحيلة التصور حتى في عقل جان جاك روسو وهكذا تحولت الديمقراطية إلى ديمقراطية غير مباشرة عبر الأسلوب التمثيلي والبرلماني .
لاشك أن الديمقراطية كما يقول أحد الكتاب (عملية متعددة الأوجه ذات أبعاد متشابكة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية جوهرها توسيع دائرة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات والرقابة الفاعلة على تنفيذها وذلك على جميع المستويات وفي مختلف الميادين لكنها لن تتجسد حقوقيا ومؤسسيا إلا حين تجد فيها أوسع قطاعات الشعب مصلحتها فتطالب بها وتعمل على تحقيقها وصيانتها لذلك يكون من الوهم الاعتقاد بان الحريات والديمقراطية تأتي هبة من الحاكم أو تفرض فرضا من خارج المجتمع – ص6 الثقافة الجديدة ع303-2001), .
واليوم ونتيجة لكثرة المستجدات على الممارسة الديمقراطية عموما وفي العالم الثالث خصوصا وتركيزا لهذا المفهوم على خصائص معينة لتحديده وجدنا مكتب البيت الأبيض عام 1993يحدد خمس مبادئ أساسية يمكن من خلالها الحكم على الديمقراطية في أي مجتمع ، هذه الخصائص هي حرية الانتخابات ونزاهتها، حقوق المعارضين السياسيين في العمل بحرية كاملة، وضع قيود على السلطات التعسفية للدولة وبخاصة أعمال القبض والاحتجاز والتعذيب ضمن أشياء أخرى، وحقوق المواطنين في التنظيم في اقليات في العمل او حول اهتمامات اخرى وقضاء مستقل للرقابة على سلطة الدولة، واكد المكتب على انه فيما يتجاوز هذه النقاط فان هناك مجالا كبيرا لاختلاف التطبيقات الديمقراطية...
وعلى الرغم من أننا في الوطن العربي نكاد لا نجد حزبا يساريا أو محافظا أو قوميا أو اشتراكيا وحتى ماركسيا إلا ويستخدم في أهدافه لفظ الديمقراطية كشعار إلا أننا بالمقابل لا نكاد نجد نظاما واحدا يطبق مفاهيم الديمقراطية الحقيقية في مجتمعه وهذا ما ادخل كثيرا من التشوهات على مفهوم الديمقراطية ذلك الشعار الفضفاض غير المحدد حتى وصل القول إلى أن الديمقراطية غير صالحة لهذه البلدان لاسباب عديدة لعل أولها عدم فهم حقيقة الديمقراطية وآخرها عدم الإيمان بها حقيقة لأنها كما تقول بعض الأحزاب الدينية بضاعة غربية استعمارية فهي كفر على وفق قناعاتهم؛ فهل الديمقراطية حقا لا تصلح للمجتمعات الدينية وكيف تعاملت مع المسيحية التي كانت تحكم البلاد قبل وجودها وكيف تفهمت المسيحية الديمقراطية وتعاملت معها ؟
الديمقراطية والمسيحية:

حينما افتقد الغرب المفاهيم الميتافيزيقية الغيبية للدين نتيجة تعلقه بالعلوم الطبيعية وما توصلت إليه من حقائق علمية، وفي نفس الوقت مارس السلوك الديمقراطي حتى أصبحت حياته عبر السنين الماضية مطبوعة بالطابع الديمقراطي هذا، لم يكن يفتقد لمعالجة آلامه النفسية إلا البعد الديني الروحي العميق الذي كانت المسيحية قد استوعبت فيه كل آلام البشر ومعاناتهم، ولما كانت المسيحية قد تحولت بفعل الديمقراطية إلى أخلاقيات سلوكية فقط متناسية الجانب الروحي الغيبي حيث اصبح الطلاق واقعا بين الكنيسة والسياسة فقد أصبحت النفسية الغربية بحاجة إلى سلم جديد للقيم يكون مرجعا لتقويم السلوك الأخلاقي الديمقراطي في ضوئها، من هنا طرحت مفردات المواطنة والسلوك الحضاري للتعبير عن هذه المرجعية بما تعنيه من مضامين ديمقراطية تجعل الحقوق الفردية في حدودها المعينة، وهكذا وجدنا أن السلوك الحضاري بهذه المعاني يسمح للأخلاق الحميدة التي يعبر عنها بالمجاملة بحيث يمكن قيام تعاون بين أشخاص ذوي نزعات مختلفة ومتعادية على الأغلب فالمجاملة ضمن المفهوم الديمقراطي هي سلوك حضاري يسمح بعمل المتخاصمين في هيئات تشريعية تمارس سياسة مصلحة خاصة من دون حصول خلافات [تقاطعات سلبية] فالمجاملة تسمح هنا بتحقيق الأغراض الخاصة لبعض الأشخاص من دون أن يكون هناك اتفاق بين الجميع وبالرغم من عدم توافقهم يظل الأفراد المتنافسون على علاقات ودية بعضهم ببعض أي أن السلوك الحضاري وفق المنهج الديمقراطي يتكون قبل كل شيء من الأخلاق الحميدة حيث تقول القاعدة الأولى فيه : كل عمل تقوم به في الرفقة يجب أن يكون في نفس الاحترام لأولئك الآخرين وكان جورج واشنطن يؤكد على مفهوم الضمير وهو يثقف المجتمع الأمريكي على الديمقراطية حيث كان يقول ( اعمل على أن تبقي في صدرك تلك الشرارة الصغيرة من النار السماوية التي تدعى الضمير) كما كان يؤكد على أن يكون السلوك الحضاري (نوعا من الشرف أو الاهتمام بالشرف، والشرف من دون مبادئ سيكون عارا أما الشرف الحقيقي فيكمن في القيام بالأعمال العادلة النبيلة حبا بها لذاتها وليس من اجل أي مكافآت عرضية غير ذات قيمة –ص84-السلوك الحضاري والمواطنة).
لقد امتدت الممارسة الديمقراطية إلى مساحة كبيرة من العالم كما امتدت إلى مساحة كبيرة من الفكر حتى تحولت إلى أشبه ما يكون بديانة للعالم الغربي الذي حلت له الديمقراطية في عصر النهضة والتنوير مشكلة الطائفية المسيحية من بروتستانتية وكالفنية وكاثوليكية وغيرها، لقد وصف القرن العشرون من قبل كثير من الفلاسفة بانه قرن القلق بسبب غياب الروح الدينية التي تشفي النفوس وتملأ الروح بالمعاني الميتافيزيقية الغيبية حتى قال عنها بريتون يصفها في كتابه تشكيل العقل الحديث ( أن المعتقدات الجديدة يعوزها الثراء والعمق في إدراك حقيقة البشر الموجودان في الديانات القديمة ومن ثم نراها عاجزة عن حل مشكلة الإنسان حين تحدق به الشدائد فلا تمنحه السلوى والعزاء مثل الديانات القديمة حيث أن البشرية حتى في الغرب لم تقو على تبني النظرة المأساوية من دون عون عقيدة ذاتية غيبية، ولهذا يتعين على الديمقراطية أن تهتدي بصورة ما إلى سبيل لشفاء النفس إذا لم يكن لزاما عليها أن تعود إلى المسيحية وهذا ما يريده الكثيرون اليوم –ص387 تشكيل العقل الحديث).
وتظهر الروح المسيحية الدينية كحقيقة حينما نرجع إلى تأكيد العلماء أن ثمة شيئا لا يتغير أبدا ليس شيئا من التاريخ ولكنه لا يزال بعضا منا ولكن يبدو واضحا أننا معشر البشر نتشبث باليقين فأولئك الذين أضاعوا اليقين المسيحي حاولوا على الفور البحث عن يقين علمي أو يقين تاريخي أو أي يقين يكتشفونه في أي مكان، ونحن-كما يقول العلماء- نتشبث بالعلم الكامل الشامل الذي يحيط بكل شيء كصنو لليقين، ننشد قوة عليمة تحيط بكل شيء علما إن لم يكن الله ويؤكد البعض أيضا أن أهل الديمقراطية التشاؤمية إذا ارتابوا في النزعة النسبية الكاملة والمطلقة فيما يتعلق بالقيم فسوف يكون عسيرا اشد العسر إقامة مثل هذه الديمقراطية في عصرنا ، ويصلون إلى القول إذا كان لابد من دين جديد فان التاريخ الغربي كله يوحي بان هذا الدين لن يأتي على يد المفكرين بل عن طريق مصدر آخر أكثر تواضعا وانه سيكون ولو إلى حين على الأقل أمرا شديد العسر على نفوس المفكرين الرسميين ، ويصل العلماء إلى القول ( إن الديمقراطية المثالية أي ديمقراطية مؤمنة (بالمعنى السامي للعقيدة الدينية) قد تكون أمرا ممكنا على الرغم من أن ديمقراطية كهذه قد يكون عسيرا عليها أن تلائم إرثها الدنيوي والعلمي مع العقيدة الأخروية -ص387 ن م).
إن المفاهيم التي طرحت السلوك الحضاري للديمقراطية قد حاولت هضم المفاهيم المسيحية وتوظيفها لحسابها من دون البعد الغيبي والروحي لها وانما لضبط السلوك الإنساني المطلوب للديمقراطية، ونقطة الانطلاق في المفهوم الديمقراطي للسلوك الحضاري هذا يذهب إلى التبرير التالي (السلوك الحضاري المبني على فصل الكنيسة عن الدولة يعني بأن الوحي لا يطبق بالقوة ليبطل احتجاجات العقل البشري، كما يعني أن لا يجبر العقل على إصدار أحكام على ادعاءات الوحي، وهكذا تؤكد حدود الحكمة البشرية عدالة الحكومة المحدودة والمواطنة وسلوكها الحضاري –ص87 السلوك الحضاري والمواطنة).
إن المفهوم العلماني للديمقراطية والفصل بين الكنيسة والدولة في رأي الديمقراطيين ( لا يجب أن يعني فصل الأخلاق عن السياسة أو القيم عن الوقائع، بل يجب أن يعني انه يوحد الأخلاق المدينية والتعليم الأخلاقي للدين من خلال كلمة الضمير) بل ان المفهوم الديمقراطي للسلوك الحضاري يذهب إلى ان هناك حق اسمه حق الضمير حيث انه (لا يمكنه –حق الضمير- ان يأمر بأي أمر مناقض للقانون الطبيعي فحق الضمير نفسه هو أحد حقوق الإنسان الطبيعية ولابد ان يمارس على نحو يتناسق مع باقي الحقوق) لقد كان جورج واشنطن يذهب إلى ان الدين والأخلاق ليسا مجرد وسائل للازدهار السياسي فقط انهما العمودان العظيمان للسعادة البشرية والسعادة شرط او نشاط تستدعيهما الأخلاق والدين ومن دونهما لن يكون الإنسان سعيدا سعادة حقة مع انه يسلم بان تأثير التعليم المهذب على العقول بنية معينة قد يسمح للأخلاق وحدها في ان تكون كافية في حالات قليلة جدا، ويؤكد الدارسون ان السلوك الحضاري اصبح هو النقطة التي جرى عندها استمالة التقاليد الكلاسيكية المسيحية في السياسة الغربية والتي ظلت في حالة توتر لمدة طويلة حيث تم اللقاء في النهاية التقاء اعتمد على إجراء تعديلات أساسية على كل منهما والذي ظل اقل بكثير من الاتحاد التركيبي وبكلمات أخرى يمثل السلوك الحضاري التحويل الليبرالي المميز والمحبة المسيحية على حد سواء ووريثها الوحيد المتفق عليه.
ويعتقد الديمقراطيون اليوم ان السلوك الحضاري يظهر تغييرا هائلا عظيما في أمور السياسة والدين معا بحيث انه من الصعب الآن إدراك ما قبل العصرية لأي منهما فمسيحي معاصر هو بالضبط ذلك الذي يقبل صحة السلوك الحضاري كترجمة لمتطلبات المحبة وهو بكلمات أخرى يوافق على ان المحبة تتطلب ان تحجم عن القسر في أمور العقيدة وان كل قسر كهذا هو تصرف غير مسيحي بكل ما في الكلمة من معنى .لقد كان اكتشاف السلوك الحضاري أو التسامح كما اسموه هو الوسيلة للتوفيق بين متطلبات الاستقرار المدني ووجود الفرق المسيحية المتنافسة فقد هدف مكتشفوا هذا السلوك الى فك قبضة المسيحية السياسية من دون توجيه أية إساءة قاتلة للمسيحيين المعتدلين او القابلين للإقناع ،لذلك قدموا السلوك الحضاري لا على انه رفض بل على انه تحويل للمسيحية وحملوه على انه التفسير الصحيح للكتاب المقدس الذي استغلق فهمه على الطوائف المتعصبة ولهذا السبب اخذ السلوك الحضاري الكلاسي شكل تعليق على الكتاب المقدس –ص 108 ن.م-.
لقد تحول جوهر المحبة المسيحية الحقيقي إلى التسامح الليبرالي بين الطوائف المسيحية وحتى في وجود الطوائف غير المسيحية طالما كانت هذه الطوائف نفسها متسامحة ،وبالنتيجة فان ممارسة التسامح نفسه –رفض مفهوم السياسة المسيحية –ضمن وجود الإيمان المسيحي .
لقد كان السلوك الحضاري الفضيلة الجديدة أيضا وهو الذي كان عليه ان يأخذ وعلى مدى واسع مكان المواطنة في مجتمع ما بعد المسيحية الجديد فالمواطنة في المعنى القوي الكلاسي ماتت منذ زمن طويل ، وقد عبر عن هذا المعنى بالقول (ان علينا في المجتمع الديمقراطي ان نكون متسامحين وان الناس في المجتمع الديمقراطي لهم حقوق طبيعية وان من بين هذه الحقوق حرية العبادة وحرية الكلام وحرية النشر والصحافة وحرية الاجتماع ، وعلى المؤسسات ان تعمل والى آخر مدى لكي تكفل عمليات كل ما تمجده وتسعى إلى تأمينه وليس هذا كل شيء فان ركيزة الديمقراطية وجوهرها ان علينا جميعا ان نتسامح حقا وفعلا مع أولئك الذين يختلفون معنا بشأن القضايا العميقة المتعلقة بمصير الإنسان –ص22 تشكيل العقل الحديث).
الديمقراطية والعولمة

في بحث نشره عبر الإنترنت بعنوان –كيف نتفاعل مع العولمة –يقول الدكتور محمد حسن رسمي عميد كلية الحاسبات والمعلومات في جامعة القاهرة ( لو أدرك فاقد معنى ومغزى العولمة ما تحمله العولمة لمات هربا وفزعا من ويلاتها ، إنها فيضان النيل في وقت غدره لمن هو غير مستعد له …وخيره لمن بنى السدود واستعد لملاقاته بالعقل والعلم والإخلاص والإصرار على تحقيق الذات ) علما انه كان قد بدأ مقاله بوصف العولمة بأنها ( طوفان كاسح لمن يقف في طريقها رافضا ان يتفهم فكرها وفلسفتها وآلياتها ، اذا كان يملك سدا منيعا يهزم ويلاتها ويسخر لنفسه ، ونظام العولمة في حد ذاته يدعم الأقوياء ويطحن الضعفاء ويضحك الأصحاب ويبكي الضعفاء بل يمكن صانعها من التحكم والسيطرة وامتلاك مقررات ومستقبل المتفرجين المذهولين الصامتين المنتظرين لمعجزات السماء ) .
أما تأثير العولمة على الديمقراطية فيقول عنه بان من سمات العولمة ونظامها انه ( يتسم بتحرير الحرية والديمقراطية من قيودهما سواء كان الحديث عن السياسة او الاجتماع او المعلومات او الاقتصاد او التعليم ،انهما اصبحا مطلبا أساسيا لكل شعوب العالم المتطلع للتقدم ) وفي إطار كيفية التفاعل مع هذه العولمة في الإطار الديمقراطي للمجتمع يطالب الدكتور محمد حسن بتعميم فكر الانتماء والولاء للامة ويعده أمرا لازما ومعرفة تاريخ وجذور الأمة أمر ضروري والإيمان بالعطاء والتضحية من اجل قيمة العمل أمر واضح حتميا وكل هذه المفاهيم لن تحدث الا لو شعر واقتنع الفرد انه جزء من الكل وله حق ودور مثله مثل من يقود المركب ، إن ذلك هو جوهر الديمقراطية شمس هذا العالم الجديد .
وزيادة في إيضاح معنى العولمة وخطورتها نعرض لبحث آخر أعده مركز الائتلاف للبحوث والدراسات بعنوان ( العولمة تجلياتها الثقافية والنفسية ومؤشرات التعامل معها عربيا) نشر على الإنترنت جاء فيه ان أول من تبنى مفهوم العولمة في أمريكا هو بريجنسكي الذي كان مستشارا للرئيس الأمريكي في 1977-1980الذي أراد من العولمة ان تطرح النموذج الأمريكي للحداثة والقيم الأمريكية للحرية وحقوق الإنسان أي ان طرح العولمة كان لخلق توجهات( لتجانس سياسي واقامة الديمقراطية وتجانس اجتماعي وحرية التنقل وتأمين حقوق الإنسان وتجانس ثقافي أي المعلومة لمن يريدها ، وهي تجانسات سترتكز في بعض جوانبها على فن الإقناع (نفسيا) بالوسائل والأدوات المتاحة وبينها استخدام القوة ( الردع النفسي ) عند الضرورة بهدف فرض قناعات بديلة لعموم المجتمعات البشرية التي باتت قريبة من بعضها بحكم وسائل الاتصال عالية الجودة كما حصل للعراق عام 1991 ويوغسلافيا عام 1999)
ويستشهد البحث بنص من كتاب ديناميكية العولمة للمؤلف –جيمس روزنار-الذي يتحدث عن تأثير العولمة قائلا ( وتأسيسا على ذلك كان للمجال الثقافي ذو الصلة بالجوانب النفسية للعولمة أسبقية تزامنت مع بعض مجالاتها الاقتصادية وتداخلت مع أخرى او تقدمت عليها –السياسية والاجتماعية-بقصد التهيئة لتقبلها جميعا وفي ضوئها تم تكييف الثقافة وهي المنتج الاجتماعي سلعة مثل السلع المادية تتداول في سوق يسودها الأقوى ثقافيا وبوسائل إيصال للمستهلكين ميسورة –القنوات الفضائية والإلكترونيات والحواسيب والإنترنت وغيرها بقصد نقل الأفكار والمبادئ ونشر المعلومات لمستوى الشيوع بين جميع الناس ومن ثم صياغة ثقافة عالمية لها قيمها ومعاييرها لزيادة معدلات التشابه او التجانس بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات في محصلة تبرز في إطارها وعلى مستوى النفسي إمكانية تشكيل وعي وإدراك ومفاهيم وقناعات عالمية الطابع )
ومن هنا نرى ان وسائل العولمة وادواتها لم تترك المجال واسعا للاختيار بين الرفض والقبول كما كان سائدا في زمن الأيديولوجيات او عصر ما قبل العولمة لان الآراء والتوجهات وأساليب الحياة يمكن إيصالها إلى الجميع في كل الظروف والأوقات ودونما اية تحديدات ، وبمعنى آخر بالإمكان إبقائها ماثلة في وعي المستهدفين بصورة شبه مستمرة .
لقد أصبحت العلاقة بين العولمة والديمقراطية مسألة أكيدة بل مسالة مسلم بها عند جميع الباحثين والعلماء ولعل من اكثر الذين ركزوا على طابع المجتمع في القرن الحادي والعشرين في ظل العولمة هما المؤلفان –جون ميكلويت و ادريان وودريج- في كتابهما (تحدي العولمة ووعدها الخفي) وسنعرض لبعض أفكارهما فيه من خلال ما جاء على صفحة عروض الكتب على الإنترنت .
يؤكد العالمان على ان العولمة المتسارعة بعد نهاية الحرب الباردة قد تقود العالم إلى الازدهار او الدمار ويؤكدان ان العالم اليوم أمام منعطف تاريخي سوف تحدد فيه العولمة في السنوات القليلة القادمة مسار البشرية في القرن الحادي والعشرين إما الدمار وإما الازدهار ،
وفيما يخص الديمقراطية والعولمة يقولان بان العولمة تساعد على انتشار الديمقراطية في العالم وان ثمة تلازما بين الاثنتين سيما ان الظاهرتين اكتسبتا زخما متزامنا في العقد الأخير وبعد نهاية الحرب الباردة لأن العولمة اليوم حطمت –استبداد المكان-أي أتاحت المجال للناس لمزيد من التنقل والتواصل وتجاوز الحدود التي حشرتهم لعشرات السنين وأجبرتهم على نمط واحد من المعيشة وطريقة واحدة للاستثمار وفي مكان واحد وحدت آفاق قراءاتهم ورؤيتهم للعالم ،وأبعد من ذلك فان العولمة –كما يقول المؤلفان-وفرت للناس إمكانية إعادة تشكيل هوياتهم بشكل مستقل عن الآخر وهي الهويات التقليدية التي توارثوها عن أجدادهم ، على ان العولمة حدت من خيارات البشر اقتصاديا وسياسيا وثقافيا فالنموذج المعولم هي الليبرالية والديمقراطية الغربية والثقافة الغربية وهي النموذج السائد الآن والمروج له في الدول والمجتمعات .
على ان العولمة الإعلامية هي التي لها تأثير كبير مباشر جدا لان فيها تأثير إيجابي في الانفتاح السياسي وتعزيز التحول البطيء نحو الديمقراطية في الدول الدكتاتورية والمقصود هنا بالعولمة الإعلامية هو الانفتاح المذهل على المعلومات وكسر الاحتكار الرسمي لها إم عن طريق البث التلفزيوني العابر للحدود او شبكة الإنترنت التي اخذ تنتشر بسرعة .
ان العالم اليوم يسعى إلى توسيع مفهوم الديمقراطية وتأصيله بما يتفق ومطالب عصر المعلومات ووسائله وأخذت رايات الديمقراطية تتسع لتشمل أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأوربا الشرقية كل ذلك يعكس حقيقة التفاعل بين المعلوماتية والديمقراطية هو تفاعل حقيقي حيث ان وفرة المعلومات تسهل ممارسة الديمقراطية على كافة الأصعدة وتروج لها على مستوى الكرة الأرضية .ويعبر دكتور نبيل علي عن العلاقة بين المعلوماتية والديمقراطية بقوله (من ابرز ملامح العلاقة المعلوماتية –السياسية هو ما يتعلق بالديمقراطية مفهوما وممارسة حيث يزعم الكثيرون ان الإنترنت ستفضي إلى إعادة النظر في مفهوم الديمقراطية من أساسه لقد وفرت الإنترنت ساحة جديدة للرأي العام تسمح بظهور أشكال جديدة للممارسات الديمقراطية سواء في عمليات اتخاذ القرارات او متابعة ما ينجم عنها من نتائج إيجابية او سلبية وعلى مستوى السياسة العالمية فمن المتوقع ان تناصر القوى السياسية الكبرى مؤسساتها الاقتصادية بممارسة ضغوط هائلة على منافسيها على مستوى المحافل الدولية –87 الثقافة العربية وعصر المعلومات)
ويؤكد الباحث على القول ( هل لنا ان نتفاءل مع من يزعمون ان الإنترنت سوف تسقط الحلقات الوسيطة ومواطنيهم محققة بذلك نوعا جديدا من الديمقراطية المباشرة التي يشارك فيها الجميع في عملية اتخاذ القرار من دون حاجة الى تمثيل نيابي يوكل اليه هذه المهمة ؟ أم هل لنا ان نقلق اشد القلق مع من يرى في ديمقراطية الإنترنت هذه ضربا من الفوضى سيؤدي الى مزيد من تدخل الحكومة من اجل السيطرة على جماهيرنا خاصة ان الإنترنت توفر الوسائل العملية الفعالة لاحكام هذه السيطرة حيث تسجل للمواطنين مواقعهم وافعالهم لتكشف –بالتالي- عن أهوائهم السياسية والفكرية مما يجعلهم اكثر عرضة لهذه الرقابة الإلكترونية التي لا تغفو لها عين –ن م ).
من جهة أخرى نرى ان هناك استلابا لاختيار الإنسان عبر إغراقه بسيل جارف من المعلومات عبر وسائل الاتصال الحديثة وشبكة الإنترنت وكل ما يدعى بالعولمة الإعلامية حتى انه لا يستطيع ان يفرز ما يجب ان يختاره لمصلحته وما يوهمه به، هذه الحقيقة جعلت الرئيس الإيراني خاتمي يتحدث في كتابه عن الإسلام والعالم عن اثر قنوات الإعلام بحقوق الشعب وسلامة ممارستها فيكتب قائلا –نقلا عن الإنترنت-(لقد باتت هجمات المعلوماتية تسلب الإنسان إمكانية الاختيار الواعي فهو يقف اليوم مثل كائن متأثر سلبي عاجز حيال موجات المعلوماتية وأعاصيرها التي تلتف حوله من كل حدب وصوب، ان الحصول على مقدرة الاختيار الواعي في ظروف كهذه يتطلب إعدادا وسرعة في استلاب الهوية لا في مجتمعاتنا وحسب بل في العالم بأسره) ويؤكد خاتمي ان هذه المسألة ليست على مستوى محلي فقط بل في العالم الغربي أيضا (ان عولمة المعلوماتية تسبب قي قلق البلدان الغربية أيضا ولذلك نلمح في الساحة الدولية مساعي للحصول على حقوق في الفضاء الخارجي وفيما يتصل بأمواج الإرسال والبث والاتصالات في سبيل الدفاع عن حقوق الأشخاص والشعوب أمام هجمات المعلوماتية التي تركب موجة التكنولوجيا اهتماما بأزمة الهوية لدى الشعوب ) وهو يؤكد أيضا انه ( لا يريد طبعا بالتمسك بالهوية ان تعمد الأمم الى إغلاق حدودها في وجه الآخرين وتضع حدا لصلتها بالعالم بل ينبغي للمرء ان يتمكن من الاقتباس من الآخرين وهو ما لا يتحقق بشكل صحيح الا بعد ان يمتلك المرء وعيا بهويته ) .
ان خطورة المعلوماتية الإعلامية على الديمقراطية تظهر اكثر حينما نعلم ان السبب يعود (( نتيجة لتخلخل في الحدود التي تميز بين المعلوماتية وموجات الدعاية والإعلانات ، فالعديد من قنوات الإعلام التي تمتلك قدرة كبيرة على الهيمنة تتجاوز الجو الحقيقي للمعلوماتية وتأخذ بنحو مباشر او غير مباشر بالترويج لما يحقق مصالحها ) وهكذا نرى ان ( الدعاية الخفية من خلال مهارات في التكتيك وصناعة الخبر والجانب المعلوماتي تسلب المرء فرصة الموقف الواعي فيقع دونما وعي تحت تأثير أفكار يتلقاها بوصفها أخبارا ومعلومات ، وبالطبع فان من يمتلك تقنيات متقدمة في الإعلام والتكنولوجيا سيهيمن على الرأي العام أكثر من الآخرين ، ان من يحمل فكرة او يعتنق تصوراً ما سيعمل ولا شك على ترويجها ، قصارى ما هنالك ان امتزاج المعلوماتية بأنشطة الدعاية واختلاطها جعلا الإنسانية في مواجهة تعقيدات جادة ولا بد من فرز تلك الحدود والتمييز بين المعلوماتية والنشاط الدعائي)
وخلاصة القول هنا ان ممارسة الديمقراطية ستتأثر سلباً وفي محاولات الترويج الدعائي على حساب صدق المعلوماتية :.
على ان من احدث النظريات في إطار المعلوماتية والديمقراطية ومستقبل العالم هي النظرية التي طرحها الكاتبان السويديان الكساندر بيرد المحاضر الجامعي والخبير في مجال الاتصالات الصوتية بواسطة الإنترنت وجان سودير الكاتب والمنتج والمذيع التلفزيوني حيث يتحدثان عما يسمى النتوقراطية منطلقين من رفض نظرية ان الإنترنت سيعزز موقف الرأسمالية والديمقراطية عبر إشاعة المزيد من الحرية للتجارة والاقتصاد والأفراد عموماً في مختلف نواحي الحياة ومن رفض نظرية ان بالإمكان السيطرة على الإنترنت من قبل الدول وانه سيتحول لأداة كبت وسيطرة طارحين بدل هاتين النظريتين نظريتهما الجديدة عن النتوقراطية في كتابهما بالعنوان ذاته– النتوقراطية : نخبة القوة الجديدة وحياة ما بعد الرأسمالية . وكلمة النتوقراطية هي نحت لغوي من قبل المؤلفين حيث يعني الجزء الأول من الكلمة نت أي الشبكة والثاني قراطية ليخرج مصطلح جديد يعبر في رأيهما عن حقبة جديدة في تاريخ الإنسانية تأتي فوق حطام الرأسمالية والديمقراطية ، ويربطان كلمة النتوقراطية بعبارة عصر المعلوماتية الذي يأخذونه منطلقا لنظريتهم المستقبلية للعالم . وبمقدار ما يخص موضوعنا في علاقة الديمقراطية بالمعلوماتية وعولمتها عبر العولمة الاقتصادية للمعلومات نرى انهما يركزان على القول من ان المعلومة ومن يسيطر عليها يمتلك قوة هائلة وان الاقتصاد يعتمد على بيع المعلومة وأصبحت تكنولوجيا المعلومات هي التسلية والإعلام والسلعة الجديدة وباتت شيئاً فشيئاً تحل محل كثير من مؤسسات المجتمع الرأسمالي السياسية والتعليمية وبات الحديث عن حرية التجارة وانتقال رؤوس الأموال لا معنى له مع تزايد التجارة الإلكترونية الواقعة تحت سيطرة النخب المتحكمة بشبكات الاتصال والمعلومات . ويرى الكاتبان ان أهم مزايا اقتصاد المعلومة أنه لا يقوم على بيع المعلومة او حتى تحويلها لمورد دخل مالي بل ان النتوقراطية – كما يقولان – ستمتاز بنوع من الاستثمار او الاستهلاك غير الاستغلالي بمعنى ان النتوقراط قد يقررون الاستفادة من معلومة خاصة لمصلحتهم ومصلحة شبكتهم او حتى متعتهم الشخصية حصرياً وتبادلها في إطار نخبة ضيقة من النتوقراط في شبكتهم الخاصة دون ان يبيعوها او يستثمروها على نحو يدر ربحاً مالياً كما هي القاعدة في الرأسمالية ، اما انعكاس هذا الاقتصاد النتوقراطي على النظام الديمقراطي فيتحدث المؤلفان بالقول بأن هناك عدة عوامل تقود النظام الديمقراطي وسيطرة البرجوازية الاقتصادية الى نهايتهما ، فمن جهة يلعب انتشار وشبكات الاتصال الراهنة لصالح جماعات المصالح او ما يسمى المجتمع المدني ، وهذه الجماعات في الواقع تلعب دوراً يفقد الديمقراطية معناها الشائع بصفتها حكم الأغلبية ، فبفضل القوة والتنظيم – كما يقول المؤلفان – الذي تستطيع جماعة صغيرة منظمة ان تمتلكها عبر وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات الحديثة مما يمكنها ان تدفع بمصالحها الى الأمام وتجبر السياسيين على تبني وجهات نظرهم وتقييمها للبرلمانات بغض النظر عن مواقف قطاعات اجتماعية أخرى مما يجعل الحكم حكم أقليات وجماعات مصالح لا حكم الأغلبية ، ولعل من نتائج هذا الوضع انه بينما تنتعش هذه الجماعات المنظمة يتراجع اهتمام الجماهير بالمشاركة في الانتخابات العامة ، فتتناقص هذه المشاركة تدريجياً في علامة على فقدان الاهتمام بالنظام برمته . كما ان الإعلام الجماهيري الرأسمالي قد يسهم في إضعاف النظام الديمقراطي ، فالسياسة والسياسيون يوشكون على التحول الى نوع من التسلية ، فأخبارهم الشخصية وفضائحهم باتت مادة الإعلام المثيرة التي تشبع نهم القارئ لا تفاصيل القوانين والتشريعات وهذا أعطى جماعات المصالح – لا سيما ان تعاملت مع الإعلام على نحو معين –الفرصة لبلورة مشاريعها الخاصة التي تلبي مصالحها وتمررها عبر السياسيين الذي اصبح يقيس تصرفاته بصداها الإعلامي المتوقع ويتوصل المؤلفان إلى القول انه اذا كانت الديمقراطية تقوم في جوهرها على تباين الآراء والدخول في عملية حوار للوصول الى رأي من تلك الآراء ، فان الإنترنت اصبح يسمح بإعادة التجمع بين أصحاب الرأي الواحد داخل الدولة وخارجها وتسيير أمورهم بأنفسهم دون الحاجة للالتقاء بأصحاب الرأي الآخر ، وهذا يتبعه تساقط العديد من أساطير الدولة القومية من مثل احترام شرعية الدولة والقيادة والموت لأجلها ولأجل سيادتها ، كما حلت شبكات إتصالية محل الروابط القائمة على النسب والعائلة والألقاب ، بل ان الإعلام الجماهيري ذاته يتشظى الآن وبدل الشبكات التلفزيونية والراديو الخاص بكل شعب أصبحت تتراجع امام شبكات تبيع برامجها بالاشتراك وتقدم ما تريده شرائح معينة من المستهلكين كل حسب اهتمامه ودون الالتزام بحدود الدول مما يلغي تلك الأطر الإعلامية القومية وكل هذا يعني تراجع قدرات مؤسسات الدولة لصالح شبكات الاتصال والمسيطرين عليها ، وإذا كانت الشركات المتعددة الجنسية السابقة ترفع عادة أعلام دولها وتحتاج لرعايتها والتحالف معها حيث كانت رأ س حربة دولها لاستعمار دول أخرى فان الشبكات لا تحتاج ذلك وتجاوزت حاجتها للدولة وبات من مصلحتها الظهور بمظهر عالمي –غير وطني-غير محلي.
ان مجتمع النتوقراطية هذا وفي هذا السياق ستكون المعلومة فيه هي عنصر القوة والحراك الاجتماعي داخل الهرم وستكون المعلومة الأهم تلك التي لا تباع بل يستفاد منها فهم سيستثمرون معلوماتهم مباشرة وما سيبيعونه المعرفة الناتجة عنها ، أما المعلومة التي تباع ويشتريها الرأسماليون فهي غالبا ما تكون مستعملة تم الانتهاء من استثمارها .ان المعلوماتية –كما يقول المؤلفان-او مجتمع النتوقراطية ستكون زلزالا تاريخيا لا يقل حدة عن قدوم الرأسمالية في أعقاب الإقطاع ويصلان إلى الاستنتاج بان هناك حقبة عالمية جديدة ستقوم تكنولوجيا المعلومات فيها بتغيير طرق ومبادئ التفكير وسلوك البشر وسنكون أمام اقتصاد وسياسة واسرة وتعليم وحتى أفراد من أنواع مختلفة كليا عما عرفه التاريخ ،ومن جانب أيدلوجي فإذا كانت الفلسفة الشمولية قد غطت مساحة كبيرة من تاريخ الفكر الإنساني منذ سقراط وآدم سمث فان فلسفة الحركية ستغطي المساحة عبر مجتمع النتوقراطية هذا .

ديمقراطية الغد طموحات نظرية وتحديات واقعية

أولا : مستقبل الديمقراطية الليبرالية – نهاية التأريخ

قبل عشر سنوات كان الكاتب الأمريكي من اصل يوناني فرنسيس فوكوياما قد تحدث عن نهاية التأريخ بالنسبة للأنظمة السياسية ما دامت قد وصلت إلى مرحلة الديمقراطية الليبرالية – وقد خضعت هذه النظرية الى انتقادات كبيرة خلال هذه العشر سنوات ولكن المؤلف بقي على إصراره بان نهاية التاريخ هي الديمقراطية الليبرالية فالشيوعية قد سقطت وستسقط الأنظمة الدكتاتورية الأخرى ،
واليوم يعود فوكومايا ليكتب مقالا بعنوان ( عشر سنوات بعد نهاية التأريخ ) ليؤكد الحقائق السابقة ويرد على نقاده ومما قاله في هذا المجال .( طوال السنوات العشر الماضية لم يحدث أي شيء على صعيد السياسة العالمية او الاقتصاد الكوكبي يتحدى الاستنتاج الذي توصلت إليه ، وهو ان الديمقراطية الليبرالية والنظام الاقتصادي المتوجه نحو السوق هما الخياران الحقيقيان والوحيدان المتاحان للمجتمعات المعاصرة ) . ويؤكد انه خلال هذه السنوات العشر لم يحدث ما يجعله يتراجع عن رأيه ويقول بان ( البراهين التي طرحتها لإثبات ان التاريخ أحادى الاتجاه وتقدمي ، وانه يصل لمنتهاه مع الدولة الحديثة الليبرالية ما زالت سابقة سارية ونافذة ، واحد فقط من بين مئات النقاد الذي علقوا على نهاية التأريخ حدد نقطة ضعف حقيقية في الفرضية : لا يمكن ان يصل التأريخ لنهايته ما لم تنته العلوم الطبيعية ، ونحن الآن على حافة تطور مذهل في العلوم الحيوية ، سيؤدي في جوهره الى تغيير صورة الجنس البشري في ذاته ) ويرد على جميع منتقديه أنهم كانوا ينتقدونه بمحاولات لغوية ودلالية سمجة وأنهم لم يستوعبوا انه إنما استخدم التأريخ بمعناه الهيجلي الماركسي أي النشوء التطوري للمؤسسات السياسية والاقتصادية والبشرية ، وانه في ضوء ذلك فثمة قاعدتان أساسيتان لتحريك التأريخ : التكنولوجيا واستمرار الاكتشافات العلمية مما يمهد الطريق للتحديث الاقتصادي والكفاح من أجل الحصول على الاعتراف من قبل مختلف القوى الموجودة في المجتمع مما يؤدي في النهاية الى نسق سياسي يعترف بحقوق الإنسان الأساسية ، وعلى عكس الرأي الماركسي – يقول فوكوياما –افترضت ان عملية التطور التاريخي تلك قد وصلت لذروتها في الديمقراطية واقتصاد السوق والواقع انه من الصعب ان نتخيل وجود نقطة لم يتم نقد ( نهاية التأريخ ) من خلالها .
ويشير إلى التحديات التي تعرضت لها هذه النظرية وطرح البدائل عنها في السياسة الدولية مثل الحكم الديني الإسلامي والتسلطية الآسيوية .
وهو يؤكد في رده هذا على أنه لم يقل قط ان كل الدول ستصير إلى ديمقراطية في المدى القريب وان كل ما افترضته هو ان ثمة منطقاً تطورياً يخضع له التاريخ الإنساني وأنه سيؤدي الى وصول الدول الأكثر نمواً إلى السوق كاقتصاد والديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي ومن ثم فلا ينبغي الاعتداد بواقعة وجود دول فرادى خارج هذا النسق مثل صربيا وايران .
ويؤكد فوكوياما من جديد على أنه ليس ثمة أي أزمة للرأسمالية الكوكبية لان العولمة أتت لتبقى وذلك لسببين
1- لا وجود لنموذج تنموي كبديل حقيقي يقدم وعوداً بنتائج افضل من نموذج العولمة وحتى بعد أزمة 1997- 1998 وحتى المنافس الرئيسي للعولمة وهو النموذج الآسيوي للتنمية أصيب بنكسة قوية مع أزمة الاقتصاد الأسيوي التي أثبتت خواء السلطة الآسيوية الرخوة والتي حاولت ان تقيم شرعيتها على أساس الأداء الاقتصادي مما أدى الى تعرضها للخطر مع الهزات الاقتصادية .
2- يتعلق السبب الثاني الذي جعل من المستبعد تغيير دفة عجلات الزمان فيما يخص العولمة بالتكنولوجيا ، فالعولمة الحالية قد ترسخت بسبب ثورة الاتصالات التي أدت إلى انتشار الهاتف والفاكس والراديو والتلفزيون والإنترنت إلى كل بقاع الأرض وأدت هذه التغييرات إلى تمكين الأفراد وتقويتهم وكذلك نشرت الديمقراطية على مستويات عدة فلم يعد بوسع أي دولة اليوم ان تفصم نفسها عن وسائل الإعلام العالمية او تبتعد عن مصادر المعلومات الخارجية .
وهكذا يدعم فوكوياما نظريته في نهاية التأريخ عند الديمقراطية الليبرالية مؤكداً على أن ( نقطة ضعف نظرية نهاية التاريخ تكمن في أنه لا نهاية للعلم ، العلم الذي يحرك التاريخ ويدفع العملية التاريخية الى أمام ونحن على أعتاب انفجار تكنولوجي جديد في علوم الحياة والتكنولوجية الحيوية . وينهي قوله ( مع حلول نهاية القرن العشرين ظهرت لنا حدود الهندسة الاجتماعية ، وتبنى هذا النظام على بدهية الطبيعة واله الطبيعة )
إذن فمقاليد المستقبل كما يقول فوكوياما لا تكون إلا في إطار الديمقراطية الليبرالية وهذه نظرية في فلسفة التأريخ يثقف عليها العالم فما الذي يقوله العالم بأحداثه الحقيقية اليوم وكيف يرسم مستقبله عبر هذا ..؟ يتعرض الكاتب الأمريكي فريد زكريا في كتاب جديد له صدر هذا العام (2003) عن هذا الموضوع بشكل تفصيلي معتبراً ان الليبرالية هي سمة المستقبل وان كان هناك عدة دول تفصل بين الديمقراطية والليبرالية وخاصة دول العالم الثالث .يطرح زكريا في كتابه السؤال التالي (1) ( هل يمكن ان نصالح بين الديمقراطية والليبرالية أي الحرية ؟ ويؤشر حقيقة ان المجتمعات الغربية هي مجتمعات ديمقراطية ليبرالية أما المجتمعات الأخرى كالمجتمع الروسي او الفنزويلي او الفلسطيني فهنا توجد ديمقراطية وانتخابات حرة ولكن لا توجد حرية فبوتين الرئيس الروسي هو حاكم مستبد في الواقع وهو ما ينطبق على رؤساء آخرين . ويؤكد زكريا أنه توجد اليوم في العالم 119 حكومة ديمقراطية أي نسبة 62% من حكومات العالم كله وقد سقطت الأنظمة الفاشية والشيوعية وأصبحت الملكية عتيقة بالية أما الأنظمة الأصولية المتعصبة فهي محصورة ببعض الدول فقط . بل ان الأنظمة الدكتاتورية نفسها أخذت تجري انتخابات صورية ليقال عنها انها ديمقراطية ، أي ان طابع العصر اليوم هو عصر ديمقراطي رغم الاختلافات وهو يؤكد ان الثورة المعلوماتية ونمو الطبقة الوسطى وسقوط الأنظمة المضادة كل هذا ساعد على انتشار الديمقراطية ، كما ان انتصار أمريكا على الاتحاد السوفيتي روج النموذج الديمقراطي لان الناس تقلد الغالب لا المغلوب 0ويقول ( لا يمكن ان ننسى دور المعلوماتية ووسائل الاتصال الحديثة في نشر الديمقراطية فالإنترنت والهاتف النقال كل ذلك أصبح يصل الناس ببعضهم البعض بكل سهولة وهذا ما يساعد على انتشار الأفكار من أقصى الأرض إلى أقصاها ويساعد بالتالي على انتشار الأفكار من أقصى الأرض إلى أقصاها ويساعد بالتالي على انتشار العقلية الديمقراطية ) على ان من سلبيات الديمقراطية إنها قد تستخدم للعنف حيث ان العنف اصبح ديمقراطياً فبإمكان أي مجموعة بشرية قادرة على ممارسة العنف او القيام بالتفجيرات دون اللجوء إلى جهاز الدولة ، وهو يعتبر ان هذا ليس سلبياً لان استخدام الديمقراطية ممكن في الإيجاب والسلب معاً .
ويطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً هو عن علاقة الديمقراطية بالحرية ولماذا لا توجد علاقة أتوماتيكية بينهما على عكس ما نتوهم ؟ ويجيب بان الانتخابات الحرة قد تؤدي إلى انتخاب أحزاب عنصرية كما حصل في دول يوغسلافيا السابقة ، فهل يترك العنصريون يحكمون ؟ ويشير إلى انتخابات الجزائر وفوز جبهة الإنقاذ ويصفها بالأصولية فهل نتركهم يحكمون الجزائر ؟ وهناك عدة ممارسات انتخابية في كل من غانا والبيرو وفنزويلا جاءت إلى الحكم بشخصيات استبدادية وولدت ما ندعوه الديمقراطية غير الليبرالية ، ويستنتج انه لا يجب ان نربط بشكل أتوماتيكي بين الليبرالية والديمقراطية الا بالنسبة لشعوب الغرب الأوربي والأمريكي ، لان النظام فيها لا يتميز فقط بالانتخابات الحرة وانما يتميز أيضا بوجود حكم القانون والفصل بين السلطات وحماية الحريات الأساسية وتوفيرها للمواطنين كحرية التعبير والتنقل والاجتماع وتشكيل الروابط وحرية الملكية والحرية الدينية .الخ ولذلك يمكن ان يدعى هذا النظام بالنظام الليبرالي الدستوري ولكن لا توجد علاقة اجبارية بينه وبين الديمقراطية حيث لم يرتبط الاثنان معاً دائماً حتى في الغرب نفسه على الرغم من تطوره وتقدمه ويضرب مثلاً على ذلك بفوز هتلر بالانتخاب ولكنه قضى على الحريات بعد وصوله للسلطة وقمعها فهو يعتقد ان الانتخابات قد تكون وسيلة للديكتاتورية لا للحرية ، ويقول انه لو حصلت انتخابات حرة في العالم العربي لربما جاءت الى السلطة بأنظمة أصولية غير متسامحة ، ويستنتج ان الانتخابات قد لا تؤدي الى أنظمة حرة . وبعد ان يؤكد على النظام الغربي لأوربا وأمريكا بأنه ديمقراطي ليبرالي للعمق التاريخي الذي مارسه الشعب الأوربي والأمريكي على السواء في هذا المجال ويؤكد على انه بعد عام 1945 نجحت الحكومات الغربية في إقامة أنظمة دستورية او ليبرالية وديمقراطية في آن معاً وان هذا لم يتحقق في أي بلد في العالم غيرها عدا اليابان ، ولان أنظمة الغرب هذه ليبرالية وديمقراطية منذ خمسين عاماً فإننا لم نعد قادرين على الفصل بينهما ، فلم نستطع ان نتخيل وجود ديمقراطية غير ليبرالية او نظام استبدادي ليبرالي ولكن ذلك قد وجد في الماضي وان دول أوربا نفسها كانت تعيش في ظل أنظمة استبدادية ليبرالية في بدايات القرن العشرين او في احسن الأحوال نصف ديمقراطية او شبه ديمقراطية ، فبريطانيا وهي أعرق ديمقراطية في العالم كان حق التصويت محصوراً ب 2% فقط من عدد السكان عام 1830 وفي عام 1940 أصبحت معظم دول أوربا الغربية ديمقراطية بالكامل واصبح يحق لجميع المواطنين البالغين ان يمارسوا التصويت ثم أخذت هذه الدول تتبنى العديد من جوانب الحكم الدستوري الليبرالي كحكم القانون وحقوق الملكية الخاصة وفصل السلطات الثلاث عن بعضها ، ثم فصل الكنيسة عن الدولة وتأسيس النظام العلماني والقضاء على التعصب الديني ومحاكم التفتيش وحق التعبير والكتابة والنشر وحق عقد المؤتمرات والاجتماعات .ويتعرض الدكتور زكريا إلى العالم العربي والإسلامي حيث انه يقول بأن إحدى الهيئات الدولية قامت بإحصاء عام 2002 فوجدت ان 75% من بلدان العالم هي حرة كلياً أو جزئياً في حين لا تتجاوز هذه النسبة في العالم العربي اكثر من 28% ، ويستنتج ان هناك أزمة عميقة في العالم العربي والإسلامي فحتى دول القارة السوداء في إفريقيا تبدو اكثر تطوراً من الدول العربية من حيث ممارسة الديمقراطية والانتخابات الحرة وتداول السلطة ، فالسنغال مثلاً أصبحت تمارس اللعبة الديمقراطية بالكامل ويمكن القول إنها دولة حق وقانون على عكس الدول العربية والإسلامية ويعتقد المؤلف انه رغم وجود أنظمة أصولية متشددة إلا ان هذه مرحلة عابرة ( ففي النهاية سوف تسير المجتمعات العربية نحو الديمقراطية والحرية مثلها في ذلك مثل بقية شعوب الأرض ) .


تحديات الديمقراطية الليبرالية

إذا كان فوكوياما وفريد زكريا وهنتجتون وغيرهما يبشرون بان المستقبل لابد ان يكون للديمقراطية الليبرالية مهما كانت التحديات ويعتمدون وخاصة فوكوياما على منطق التاريخي الجدلي – الهيجلي –الماركسي لتقييد حركة التاريخ وحصره باتجاه هذه الديمقراطية الليبرالية وكأن هناك جبرية علمية لا ينفك عنها إلا ان الواقع سواء على مستوى النقد المستقبلي النظري او الممارسة العملية والذي يرفض هذه الأفكار جملة وتفصيلاً هو مسألة أصبحت معروفة وإذا كان هؤلاء الكتاب إنما يضعون أمامهم الديمقراطية الليبرالية في أمريكا خاصة ويسحبون أقوالهم على المجتمعات الأوربية لمسألة فرعية إلا ان كثيرا من الكتاب الأوربيين يرفضون ذلك ويضعون جداول عدة للإصلاحات المطلوبة لهذه الديمقراطية الليبرالية في مجتمعاتهم ويتحدثون صراحة عن ان هناك تحديات كبيرة أمام هذه الديمقراطية الليبرالية حتى انهم يتحدثون عن طريق ثالث بين هذه الديمقراطية الليبرالية وبين الاشتراكية وسنحاول ان نعرض بعض هذه الآراء لكي لا يفهم – وخاصة في العالم الثالث ، ان الديمقراطية الليبرالية هي فقط المستقبل الافضل للإنسان الذي يريد حياة كريمة في هذا العالم .
1- تفكك أمريكا : في عام 2002 صدر كتاب - بعد الإمبراطورية – محاولة تفكك النظام الأمريكي للكاتب الفرنسي أمانويل طود وهو الذي اصدر كتابه التنبؤي عن توقع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1976 وهو ما تحقق فعلاً ، ويتوقع الكاتب هنا ان النظام الأمريكي بما يحمله من تناقضات مع لغة العصر قد تحول إلى زرع الفوضى الدولية وانه بعد ان كان العالم في حاجة له خلال نصف القرن الماضي باعتباره ضامناً للحرية السياسية والنظام الاقتصادي وكان العالم بحاجة إليها أصبحت اليوم بحاجة للعالم ويرى المؤلف على مقولة فوكومايا إنها ستقود إلى عدم حاجة العالم إلى أمريكا ويضيف بان اطروحات فوكوياما القائلة بان الديمقراطية لا تدخل في حروب بينهما فهذا يعني انه حين تعمم الديمقراطية في العالم فان أمريكا كقوة عسكرية تصبح عديمة الجدوى بالنسبة للعالم مما يحتم عليها ان تكون ديمقراطية بين ديمقراطيات أخرى بينما كانت في السابق تقدم نفسها على أنها حامي الديمقراطية والحرية ضد النازية والشيوعية ، ولن يكون بكل الأحوال بوسع أمريكا الاستغناء عن القطبين الصناعيين والماليين أوربا واليابان ويضيف الكاتب ان مجرد تأكيد أمريكا على ضرورتها للعالم فهذا يعني ان مسألة جدواها مطروحة ويرى انه ( يجب القبول بان الهيمنة الأمريكية بين 1950 –1990 كانت مفيدة لان هذا سيساعدنا على فهم تحول أمريكا من الجدوى إلى عدم الجدوى بالنسبة للعالم ، ويلاحظ ان القوة الاقتصادية الأمريكية بدأت تتقهقر في السبعينات مع ظهور عجز بنيوي في الاقتصاد الأمريكي ، ويرى ان تسارعاً في عملية تبعية أمريكا نتج عن انهيار الشيوعية فبين عام 1990 –2000 قفز العجز التجاري الأمريكي من 100 إلى 450 مليار دولار وعليه فأمريكا بأمس الحاجة لتدفق روؤس الأموال الأجنبية ، ويلاحظ ان أمريكا في بداية الألفية الثالثة لم تعد قادرة على العيش من إنتاجها لوحده ، ويصل المؤلف الى الاستنتاج ( ففي الوقت الذي يوشك فيه العالم – الذي هو اكثر استقراراً تربوياً سكانياً وديمقراطيا – ان يكتشف ان بإمكانه الاستغناء عن أمريكا ، تدرك هذه الأخيرة انه ليس بوسعها الاستغناء عن العالم ، ومن المؤكد انه سيتعين على أمريكا ان تناضل بعد الان سياسيا وعسكرياً للحفاظ على هيمنة ضرورية لمستواها المعيشي ويضيف المؤلف ( ان قلب علاقة التبعية الاقتصادية هذه هو العامل الثاني الذي إذا أضيف إلى العامل الأول – أي تعدد الديمقراطيات – سمح بشرح غرابة الوضع المالي إلى السلوك العجيب للولايات المتحدة وارتباك الكوكب ، كيف يمكن تسيير قوة عظمى تابعة اقتصادياً ولكن عديمة الجدوى سياسياً ؟
ان المؤلف يعتقد أن أمريكا لم تعد الأمة الكبرى كما كانت في السابق وان نظامها الديمقراطي في ازمة ولذا فهي تحاول ان تحافظ وتبرر هيمنتها وشرعيتها باستهدافها بلداناً قليلة الأهمية اقتصادياً وعسكرياً مثل العراق وكوريا الشمالية ، ويستنتج بان التوازن العالمي في تحول ويرى ان النمو المستمر للبلدان غير الغربية وتزايد عدد الدول الديمقراطية يساهمان في هشاشة السيطرة الأمريكية وان عودة أمريكا إلى مصاف ( قوة كبيرة من بين قوى أخرى يبدو لا رجعة فيه ) وعلى المستوى الاقتصادي حيث يرى المؤلف تبعية أمريكا للعالم الخارجي ويورد أرقاما توضح العجز الأمريكي في الميزانية ، حيث يبدو ان الفائض التجاري التكنولوجي – سلع التكنولوجيا المتقدمة – تراجع من 35 مليار عام 1990 إلى 5 مليار دولار عام 2001 ، أما أرقام الناتج القومي فقد ضخمت بسبب المخالفات كما ظهر من فضيحة انرون حيث تبخر 100 مليار دولار وهو ما يساوي 1% من الناتج القومي الأمريكي.
ويخلص الكاتب إلى ان أمريكا تنهك ما تبقى طاقتها في مكافحة الإرهاب كبديل للكفاح من اجل الحفاظ على هيمنة لم تعد موجودة وان استمرت أمريكا في تعنتها لإظهار قوتها الخارقة للعالم فإنها في النهاية تظهر عجزها للعالم ) .

2-الفساد في الديمقراطية :

ولكي لا يظن أحد ان النظام الديمقراطي هو النظام الذي لا عيب فيه ولا فساد نجد ان منتقدي هذا النظام من أهله يركزون على إمكانية التلاعب بالعملية الديمقراطية مما يخرجها عن هدفها النبيل ، فهي نظام يمكن ان يخترق
في هذا الإطار صدر كتاب جديد للمؤلفة سوزان عام 2003 بعنوان الفساد والحكم تتعرض فيه لهذا الجانب حيث تقول المؤلفة ( تستطيع الديمقراطية تقييد النساء إذا قدمت للناس سجلا للاحتجاج وأعطت الموظفين حوافز للأمانة ومع ذلك فان الديمقراطية ليست دواء لجميع العلل والمشكلات ويجب عدم الذهاب إلى ابعد من العلاقات البسيطة من اجل تقييم أشكال الديمقراطية ) .وترى المؤلفة ان هناك ثلاثة أبعاد مركزية لحدوث الفساد السياسي حيث تؤثر هذه الأبعاد على مدى رغبة السياسيين في تقبل الرشوة وتمويل الحملات الانتخابية غير القانونية وعلى مدى تحمل الناخبين لمسألة دفع الرشوة وعلى رغبة الفئات الغنية بالدفع أما البعد الأول فهو توفر امتيازات ضيقة التركيز لتوزيعها من قبل السياسيين والبعد الثاني هو مقدرة الفئات الغنية على الحصول على مثل هذه المكاسب بطريقة قانونية والبعد الثالث هو الاستقرار المؤقت للتحالفات السياسية .ويظهر عدم الاستقرار من التنافس على غنائم المناصب ، وقد يظهر أيضا من الحكومات التي تدير مجتمعات غير متجانسة عقائديا ويمكن لعدم الاستقرار ان يدفع السياسيين والمصالح الغنية إلى الحصول على ما أمكن من المكاسب الخاصة على المدى القصير كما يمكن للإصلاحات أن تركز على أي من هذه الابعاد او عليها جميعاً وترى المؤلفة ان الانتخابات لا تعتبر علاجاً ثابتاً للفساد بل على العكس من ذلك فان بعض النظم الانتخابية تعتبر عرضة لنفوذ المصالح الشخصية اكثر من غيرها وعندما تسيطر محل السلطة فئات ضيقة المصالح فان بعضها قد يستخدم طرقاً قانونية والبعض الآخر يتبع طرق الفساد . ان اختيار بعض هذه التكتيكات يتأثر بطبيعة النظام السياسي والانتخابات التنافسية في جميع الديمقراطيات تساعد على الحد من الفساد السياسي بسبب وجود حوافز لكشف فساد المنتخبين لدى مرشحي المعارضة ، ومع ذلك فالحاجة إلى تمويل الحملات السياسية تدخل حوافز جديدة لمصلحة من المصالح الخاصة غير موجودة في الأنظمة الاوتوقراطية وهذه الحوافز قد تكون عالية حين تقوم الحملات الانتخابية بتخصيص مكآفأت للناخبين ، بمعنى ان يقوم السياسيون برشوة الناخبين ، ويمكن للتبرعات غير القانونية التي تدعم الحملات السياسية إضافة الى رشوة السياسيين ان تؤدي الى إحداث اختلال في الأنظمة الديمقراطية حتى لو قدمت الرشاوى المقدسة من قبل الأفراد الأغنياء والشركاء فائدة للجان الحملات والأحزاب والسياسيين والناخبين وليس لحسابات بنوك السياسيين فان التأثير التخريبي للدفعات السرية غير القانونية يمكن ان يكون كبيراً فمثل هذه الدفعات تقدم في الغالب للحصول على امتيازات قانونية وتنظيمية ولكن فعاليتها تعتمد على تنظيم الطرق التنفيذية والقانونية ،وتركز الشركات الفاسدة والأفراد الفاسدون على الحصول على امتيازات خاصة للشركات والأفراد ولا تكفي الانتخابات لإيقاف مثل هذه الدفعات ، وتبقى هناك ضرورة لوجود إشراف حكومي من اجل المحافظة على مساءلة الحكومة ، فالحكومات الديمقراطية يجب ان تضع سياسات واضحة للحد من حوافز الفساد .
3- سلبيات في المجتمع المدني :

اذا كان الحصن الحصين للديمقراطية الليبرالية هو المجتمع المدني الذي يستطيع ان يضغط على الحكومات اذا ما خالفت سياسات ومبادئ الدستور او المصلحة الخاصة بنقابة او مهنة او سياسة اقتصادية او صناعية وغيرها ، وهو فعلاً يقوم بهذا العمل في المجتمع الديمقراطي الليبرالي إلا ان هذا المجتمع نفسه في إطار الديمقراطية الليبرالية وخاصة الأمريكية بدأ يشكو من الخلل على كافة المستويات مما يجعل الممارسة الديمقراطية الليبرالية قد فقدت حارسها الأمين فكيف حصل ذلك في مجتمع القرن الحادي والعشرين ؟
لقد صدر كتاب – بناء مجتمع من المواطنين – المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين عام 2003 والذي شارك فيه العديد من علماء الاجتماع لمراجعة واقع المجتمع المدني واختلالاته ، لقد وضعه المؤلفون الأمريكيون للتنظير لنهضة ثقافية ومدنية في أمريكا ولاستعادة الأفكار الأساسية للتجربة الأمريكية ليجاوبوا على الأسئلة المطروحة وهي :
ما هي الأسس القائمة للإعداد لاصلاح المؤسسات العامة والمجتمع المدني التي أضعفت بشدة ؟
وكيف يمكن تقوية المبادئ الفلسفية الأمريكية من دون دفع الأيدلوجيات التي تتنافس على السلطة؟
وكيف يمكن إحياء ثقافة مع مؤسساتها وما تؤمن به دون إحياء الدولانية والديماغوجية؟
ويبدأ العالم –دافيد بلاكنهورن-في الحديث عن الركود الاجتماعي والثقافي الأمريكي وعواقبه الخطيرة على مستقبل أمريكا حيث يرى ان هناك (تراجع في الشعور بالالتزامات المدنية وانخفاض في الثقة بالمؤسسات الاجتماعية وتدني في اهتمام الناس ببعضها في المجتمع مع زيادة في تشكيلة الأمراض الشخصية مثل الصحة العقلية وانتحار المراهقين وزيادة معدل الحمل بين المراهقات والعنف وتراجع معدلات نتائج الامتحانات ) ، هذا على الرغم من ان الولايات المتحدة في المركز العالمي الأول اقتصادا وعسكرة وغنى .
على ان الخطر الأكبر على الحياة الإنسانية في أمريكا بدا في رأي المفكر المستقبلي –ريتشارد ايكسلي-بفقدان قيم منظمة للحياة مما أدى الى التفكك الاجتماعي والى (الفشل في إعطاء معنى وانتماء وهدف لحياتنا وعدم وجود إطار عمل لقيمنا وتجربتنا من معنى أوسع لحياتنا فقد دخلانا في حقبة يتزايد فيها انشغالنا بذاتنا انشغالا مرضيا)
ان السياسة لم تعد تؤثر بالأمريكيين فلا دولة الرفاه ولا انبعاث الرأسمالية مكننا من حل مشاكل المجتمع الملحة العميقة بل ان كل واحدة منهما قد ساهمت في إفساد المجتمع المدني ومؤسساته ، فحين ضعفت العلاقات بين مكونات المجتمع الوسيطة كالأسر والكنائس والمجتمعات المحلية والجمعيات التطوعية وبقي الأفراد اكثر عزلة وقابلية للانهيار داخل دولة تزداد سيطرتها اتساعا. ان فقدان العقائدية والقيم قاد إلى تشظي المجتمع وضعف المجتمع المدني ومؤسساته ، ان التضامنية في المجتمع الأمريكي مفقودة على الرغم من انه مجتمع حقق غايات سامية على المستوى المادي والحقوق ،ولكن هذه لا تستطيع ان توجد مجتمعا متضامنا ،لقد كان المؤسسون الأوائل لأمريكا قد اعتبروا ان المجتمع المدني سيمنع استغلال السلطة ما دام هناك حكم ذاتي قائم على الصفات الشخصية والمعرفة والالتزام بالمشاركة الديمقراطية ،ان صفة المواطنة تعني المشاركة وليس التفويض القائم على الانتخاب في المجالس التشريعية ، فلا يجوز لأي مواطن ان يطمح في ان يكون اكثر من مواطن ولا يفرض على أي شخص ان يكون اقل من ذلك حيث انتشر هناك مفهوم المواطن باعتباره زبونا الذي ينتخب مقابل خدمات معينة يتنافس المرشحون في تقديمها ومستوى ملاءمتها لرغبة الزبون ان المجتمع المدني الذي يتكون من شبكة العمل التطوعي والجمعيات غير الرسمية التي يديرها الأفراد في شؤون حياتهم لابد له من مجموعة من القيم والفضائل والتجمعات الصغيرة ليتحرك خلالها وهذا كان موجودا في صفة قيادية لابراهام لنكولن مثلا وهو في البيت الأبيض والواقع اليوم ليس هناك نموذج مثله ،وهذا ما يفرض الآن وجود سلوك أخلاقي ومدني للبناء لان المجتمع المدني لا يتعلق بالسياسة ولا علاقة له بالآلة الديمقراطية والدولة وانظمتها الإدارية ولكنه نظام بشري اكثر واكثر ثراء من الدولة ، فالمؤسسات التي يتكون منها المجتمع المدني تزدهر في غياب التدخلات السياسية في حين تتداعى عندما تحتل الدولة مكانها .
ويؤكد المؤلفون على نتيجة ومحصلة تقول ( جعل تصاعد الديون والحقوق التي لا حدود لها وتراجع النظام التعليمي وعدم فعالية النظام القضائي معظم الأمريكيين يتهمون الحكومة بانها متدنية الكفاءة ، وثمة إدراك بان الحوار السياسي متصلا بتجارب الحياة الحقيقية واهتمام المواطنين وان المواطنين مبعدون عن أي دور مهم في تشكيل الحكومة التي يطلب منهم تمويلها وينحصر دورهم في الانصياع للقرارات الرئيسية وليس التأثير فيها ، كما ان تلاعب مجموعات المصالح واللوبي ومحترفي السياسة بالعملية الانتخابية جعلها تبدو بعيدة بالنسبة للأفراد العاديين .وهنا يطرح السؤال : ما الذي يحدث للديمقراطية حين ينظر الى مؤسساتها على أنها تفتقر إلى المصداقية او المشروعية ؟ ان اكثر المشاكل الاجتماعية إثارة للنقاش مثل الولادات غير الشرعية والجريمة والأسر التي غاب عنها الأب والعنف تقع خارج جدول الأعمال السياسية ويصعب على اليمين واليسار حلها واكثر ما يمكن للسياسة فعله هو معالجة المشاكل الصعبة التي لا يمكن لاحد معالجتها سوى الحكومة والاعتراف صراحة بما لا تستطيع السياسة فعله .
لاشك ان السياسة قد نظر إليها الأقدمون على أنها (وسيلة لزيادة قدرة الإنسان على تحسين نفسه وممارسة حكم الذات والعمل على رفعة الإنسان من خلال المشاركة الأوسع في الدولة ولكن السمة الرئيسة للسياسات الحديثة هي انشغالها البيروقراطي الغريب بمجرد إدارة الحكم وتعديل القوانين الضريبية واحكام التشريعات الجنائية كانت إدارة الدولة تعني شيئا اكثر من مجرد تعزيز مصالح الأفراد داخل نطاق الحكومة ،وكانت إلى حد بعيد حرفة روحانية حسب تعبير الكاتب الصحفي –جورج ارويل-وهي بذلك تهتم بالأحوال الروحية والعقلية للإنسان وعاداته في الجد والعمل واعتداله وشجاعته وحيويته وقدرته على إعطاء الأحكام الديمقراطية الصحيحة وهي الصفات التي كان يعتقد أنها أساس الحكم الجمهوري ، على ان من اخطر الاستنتاجات والتي تناقض الديمقراطية هو ما عرضته الكاتبة –كولين شيهان-حينما وصفت كيف تقوض الأحزاب المشاركة المدنية ، وان النظام السياسي الذي يتخلى عن إمكانية قيام الأفراد بحكم أنفسهم سينحط سواء اعترف بذلك ام لم يعترف إلى حكم سلطوي .
ويحدد أحد علماء الاجتماع الأمريكان خريطة تدمير الحياة المدنية في أمريكا واضعاف المؤسسات الحيوية التي تحافظ على المجتمع البشري مثل الزواج والأسرة والدين ويقول بأنه اذا أريد إصلاح المجتمع المدني فلابد من تقوية الخلايا الصغيرة في المجتمع والتي توفر معنى للوجود البشري مثل قضايا الأسرة والزواج والدين ، وهنا نجد حقيقة دور الدين في حياة الأمريكيين حيث يؤكد المؤلفون على ان الأمريكيين متدينون ولكن الطريقة التي يؤثر فيها الدين على الحياة تنازعها طرفان علماني وديني مما اضر ذلك بأهمية الدين السياسية وقد سبق ان قال الرئيس كلنتون : إننا شعب مؤمن وان الدين يساعد على إعطاء شعبنا صفات لا يمكن للديمقراطية ان تعيش بدونها ، ويخطئ العلمانيون –كما يقول الكاتب- واتباع الحركات الدينية حين يحاولان السيطرة على المجتمع من خلال الدولة ، فالدولة متفرعة عن المجتمع ويجب ان تكون خادمة له وليست سيدة ،ويطرح الكاتب –وليم بوكس-حلا لدور الدين قائما على إعادة اكتشاف مبدأ المساعدة وهو المذهب القائل بان تتخذ القرارات على أدنى مستوى ممكن او من الجهة الأقرب الى الجهة المتأثرة بتلك القرارات .
لقد تسبب قيام الدولة الأمريكية بعلمنة الحياة وتهميش العقيدة الدينية في خلق حالة من عدم الانسجام في أمريكا ، كما ساهمت الأنشطة الدينية بعدم الانسجام من خلال الحركات الدينية فرض السلطة الدينية على الحكومة والشعب ، يقول –توكافيل-ان للدين تأثيرا على الناس في أمريكا اكبر من تأثيره في أي بلد آخر فيوجه عادات المجتمع المحلي وينظم الحياة المحلية وينظم الدولة ايضا ويقول أيضا : انه لا يمكن للكنيسة ان تقاسم الدولة سلطتها الزمنية دون ان تكون عرضة لعداوتها .
وهكذا يرى الكتاب ان الحل هو العودة إلى الدين في تحقيق المجتمع الصالح بوسائل طوعية وليس من خلال حركات سياسية تبحث عن حلول تشريعية لمسائل روحية وأخلاقية واحياء الثقافة وليس مجرد تصحيح سياسات الدولة وضرورة فهم ان الثقافة تؤثر على وجهة السياسة اكثر مما تتشكل بها.
4-الطريق الثالث بين الاشتراكية والديمقراطية:

لاشك أن بلوغ الحد الأقصى في الطرح الاشتراكي أدى إلى ما أدى إليه من سلبيات حتى ضياع النموذج الكبير للاشتراكية الماركسية في الاتحاد السوفيتي ، كما ان بلوغ الحد الأقصى في الديمقراطية الليبرالية قاد إلى العديد من السلبيات على الواقع التطبيقي حتى في الولايات المتحدة الأمريكية ، من هنا كان إعادة طرح نموذج جديد دعي الطريق الثالث علما ان هذا النموذج كان مطروحا منذ عام 1936 وكان يوصف بأنه(أسلوب يوائم بين رأسمالية السوق الحر والمفهوم الكلاسيكي عن الأمن والتضامن الاجتماعي ) ويقول عنه أحد الكتاب بأن له جاذبية تنبع من كونه لا يتبنى السقف الأعلى او الحد الأقصى لكل نظرية أي انه جسر بين الأيدلوجيات ، وقد صدر كتاب جديد عن هذا الطريق عام 2001 للكاتبة غادة موسى بعنوان –الطريق الثالث …تحولات الليبرالية أم أمل الاشتراكية-استعرضت فيه إيجابيات وسلبيات هذا الطريق ومما جاء في كتابها :انه على الرغم من ان الاشتراكية الثورية لم تحظ بأي قبول داخل الولايات المتحدة فان القيم والمثل الاشتراكية –خاصة قيمة العدل الاجتماعي-تغلغلت بشكل قوي في توجهات الديمقراطيين الليبراليين واليساريين على حد سواء ، كما لا يخفي على معظم المفكرين حقيقة إصابة المجتمعات الأوربية والمجتمع الأمريكي بخسائر من جراء تطبيق الأفكار الليبرالية المحضة ، وبغض النظر عن النتائج المؤسفة من جراء تطبيق القيم الاشتراكية في ظل المركزية الشيوعية فإنها تظل لها جاذبيتها في وجدان الأغلبية المستضعفة ، وترجع الكاتبة أسباب طرح مفهوم الطريق الثالث مجددا اليوم إلى عدة عوامل وظروف دولية ومحلية أبرزها ما يلي :
1- سقوط القطبية الثنائية بتهاوي الاتحاد السوفيتي وسيادة الولايات المتحدة على مسرح الأحداث العالمي متجاوزة الأطراف الأخرى ليس فقط الدول النامية ولكن بعض الدول الأوربية كذلك .
2- الوعي بخطورة سياسات الجات على الدول النامية والدول الصناعية خاصة الآسيوية ، وسعي بعض الدول الأوربية لتفادي كارثة دولية تتمثل في صراع قد ينشب بين الشمال الغني والجنوب الفقير وذلك بمحاولة إيجاد حوار بين دول العالم الثالث والدول المتقدمة لعلاج المشاكل التي تواجه الجميع في عالم واحد وهو ما جسدته الأحداث الأخيرة في سياتل عام 2000وغيرها .
3- ظاهرة الدمج بين الشركات العملاقة والوحدات الكبيرة على حساب الأسواق المحلية والشعور بالحاجة إلى دولة قوية ومجتمع قوي في آن واحد ، أي صيغة جديدة لعلاقة شراكة وليس تنافس بين الدولة وقوى المجتمع .
4- انحسار دور دول عدم الانحياز وتضاؤل الفكرة ذاتها وانكماش مجموعة ال 77 بحيث اقتصرت مؤخرا على خمسة عشر دولة تمثل ثلاث قارات –آسيا- إفريقيا -أمريكا اللاتينية-واخفقت تلك الدول في عرض مطالبها في مفاوضات الجات ، كما ان بعض الدول النامية كان الغبن عليها كبيرا ، إذ لم تجد من يمثلها التمثيل الذي يحقق مطالبها في مواجهة الدول المتقدمة لذلك فقد تولدت لدى هذه الدول الحاجة لتبني مبدأ يتجاوز سلبيات التخطيط المركزي ومساوئ الرأسمالية وأثرهما على الطبقات الفقيرة تحديدا .
بعد ذلك تتعرض الكاتبة إلى مظاهر صعود الطريق الثالث حتى في الحركات الاشتراكية الديمقراطية في أوربا وكذلك في أدبيات وخطابات الأحزاب المسيحية الديمقراطية اليمينية سواء في ألمانيا –الأحزاب المسيحية –او في إيطاليا في الفاتيكان وتعزي ذلك الصعود إلى وجود اهتمام لدى هذه الأحزاب الدينية للتقليل من حدة آثار الرأسمالية الشرسة ، كذلك نجد أيضا ان معظم أحزاب يمين الوسط قد تبنت تصورا للرفاهية الحديثة في مقابل مصالحة الأحزاب السياسية الأخرى مع الرأسمالية والسوق الحر ،وتقول الكاتبة ( يجد المتأمل للساحة الأوربية ان معظم الأحزاب السياسية التي تسيطر على مقاليد الحكم حاليا هي أحزاب يسارية ترفع شعار الاشتراكية الديمقراطية وضرورة التغير المستمر بشكل سلمي بدءا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا مرورا بالحزب الاشتراكي في فرنسا ثم حزب العمال في إنجلترا –العمال الجديد كما يقول بلير-وهي يسارية جديدة تتخلى عن الدوجماتية وتطور رؤاها بما يتفق مع الطريق الثالث وتقدم اطروحات هامة في مجال المرأة ومجال البيئة ،ومع قوة المجتمع المدني في هذه الدول واتساع هامش الحريات وحرية الصحافة أوصل الناخبون غير الموالين لأي أيدلوجية هذه الأحزاب التي يطلق عليها –الوسط الجديد- والتي تعتنق الفكر الاشتراكي الديمقراطي الى مقاعد البرلمان بأغلبية لافتة ، فبالنسبة لرجل الشارع فان هذا الطريق هو الذي يطبق –حسب تعبير المستشار الخاص لشرودر – مبدأ المساواة في البداية والمساواة في النهاية ، أي المساواة في الفرص وفي الدخل حتى وان كان ذلك حلما يسعى الجميع إلى تحقيقه ).
ان مفهوم الطريق الثالث هذا يطلق عليه –اقتصاد بلا أيدلوجية-لأنه يسعى لتحقيق غايات أساسية منها :
1- وضع اقتصاد بعض الدول على المسار الصحيح من حيث تغليب الصالح الاقتصادي الوطني بعيدا عن الارتباط بأيدلوجية بعينها ،أي تحرير الاقتصاد من الأيدلوجيا وهو ما رآه المعارضون تحريرا في ظل السيادة الرأسمالية الشرسة بما يعني الوقوع الحتمي في براثنها.
2- تمكين بعض الدول الآخذة في النمو من الفرص التي يتيحها هذا الأسلوب كأسلوب بديل في ظل الأحادية الموجودة والرأسمالية الطاغية .
3- اتباع نهج اقتصادي واجتماعي يمكن من مواجهة المثيرات السلبية للاحا دية السياسية والاقتصادية للحصول على حد أدنى من المكاسب الديمقراطية في الواقع الاستبدادي .
4- تعظيم درجة تخصيص الموارد وخاصة الناجمة عن الخصخصة لصالح البعد الاجتماعي من جهة وأيضا تعظيم زيادة قاعدة التملك للطبقات العاملة ومحدودة الدخل في الوحدات التي تتم خصخصتها –وهو ما يثور الخلاف بشأن إمكانية تحققه في ظل سياسات التكليف الهيكلي التي يديرها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي - .
5- تبني المبادئ التي تنادي بان دور الدولة يجب ان يوجه أساسا لخدمة الأهداف الاجتماعية جنبا إلى جنب مع الأهداف الاقتصادية أي وضع الدول أمام مسؤولياته في الرفاهية الواجبة تجاه مواطنيها .ان تقويم مرحلة التقدم في هذا الجانب جعل الكاتبة تضع الدول الأوربية في المقام الأول وعلى رأسها الدول الاسكندنافية وألمانيا وإنجلترا وفرنسا التي تحاول إيجاد الحلول اللازمة للتقدم على هذا الطريق وفيما يراه بعض المراقبين محاولة من الأنظمة الرأسمالية لتطوير نفسها وسد فجوات التطبيق وثغراته والطريق الثالث عند هذه الدول يعد مقياسا يتم به قياس مدى نجاحها في المواءمة بين متطلبات الاقتصاد والحد من تنافس ومبادرة وحريات فردية ومتطلبات الرفاهة الاجتماعية من خدمات وتعليم وصحة وتأمين اجتماعي واعانة المسنين والمتبطلين .
أما سبب هذا فيعود إلى ان هذه الدول وجدت نفسها في مأزق حقيقي ، فهي مازالت عاجزة عن الحفاظ على معدل إنتاج ملائم ،وفي الوقت نفسه خلق فرص عمل جديدة وأيضا تدبير نفقات تمويل الخدمات الاجتماعية خاصة للذين لا يشاركون في سوق العمل مما شكل عبءا كبيرا على كاهلها ، وتبرز هذه الأزمة في دول مثل فرنسا وألمانيا أخذا بالاعتبار هبوط الميزان الديموغرافي لصالح من هم فوق 65 سنة والمهاجرين الذين لا يجدون فرصة عمل مناسبة ويدخلون في البطالة .
لاشك ان هذا المفهوم جديد على الساحة وبالتالي فالاختلاف قائم حول طريقة الوصول إليه فهو بحاجة إلى مهلة زمنية حتى يتم تفصيله وحتى يمكن تطبيق مبادئه بشكل براجماتي لخدمة مصالح الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل ليس فقط في دول العالم المتقدم بل أيضا في دول العالم النامي فالوسط الجديد يحتاج الى دولة ولكن أي شكل من أشكال الدولة؟
هناك من يراها الدولة التي تتبنى النهج الاشتراكي الديمقراطي وتؤمن بالمنافسة العالمية لان المعلومات في مجال التكنولوجيا كما أنها تؤمن بالابتكار وتحد من سطوة جهازها البيروقراطي وتلجأ إلى حلول مبتكرة فإنها تستلهم من قوى المجتمع المختلفة للتوفيق بين الحاجات المتصارعة ،ولا يمكن القول ان هذه الأمنيات سوف تتحقق بمعزل عن مشاركة قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية فالأحزاب السياسية يجب في المرحة القادمة ان تعكس مصالح الطبقة الوسطى وان تتبين برامج براجماتية وتطور قدرات بحيث تجتذب الأجيال الشابة ، كما ان على الدولة القيام بوضع سياسات عملية تطرح حلولا جديدة مثل تحرير سياسة العمل لتسمح بالعمل الجزئي او الموسمي أو العمل المنزلي ومشاركة صاحب العمل في أعباء الضمانات الاجتماعية وان تزيد من مسئوليتها في مجال إعادة التدريب والتعليم ولكن على الجانب الآخر يرى بعض الاقتصاديين ان الحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة يتمثل في رفع يد الدولة عن الاقتصاد حتى تتمكن من تمويل نفقاتها الاجتماعية بعبارة أخرى ان تقوم الدولة باتخاذ بعض الإجراءات الليبرالية الجديدة للخروج من هذه الأزمة وتتمثل هذه الإجراءات في الآتي :
تحرير المشروعات الخاصة من أية قيود تفرضها الحكومات بغض النظر عن الآثار الاجتماعية التي ستنجم عن ذلك –مزيد من الانفتاح على التجارة والاستثمار العالميين –حرية كاملة لحركة رأس المال والسلع والخدمات –تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية ولا تشمل تلك الخدمات فقط خدمات الصحة والتعليم بل تمتد إلى أدوار الدولة الأساسية في الحفاظ على الأمن وتعبيد الطرق والإمداد بالمياه وهي الأدوار التي ظلت تلازم الدولة حتى في ظل سيادة مفهوم العولمة –إلغاء مفهوم الخدمة العامة او الخدمة الاجتماعية واحلال محله مفهوم المسؤولية الفردية وذلك من خلال الضغوط على الطبقات الدنيا لتبحث عن حلولها لمشاكلها التعليمية والصحية وتأمين نفسها بعيدا عن موارد الدولة.
يتضح مما سبق ان هذه الليبرالية الجديدة وان كان أنصارها يدعون انها على المدى الطويل تخدم فكرة تطبيق الطريق الثالث او الاشتراكية الديمقراطية في تدبيرها التمويل اللازم لنفقات الدولة الاجتماعية فإنها تعبر عن ضغط من المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي ،هذه الليبرالية الجديدة ظهرت آثارها واضحة في الضغط الذي مورس على دول مثل شيلي والمكسيك من اجل خفض أجور العمال بمعدلات تتراوح بين 40-5% في الوقت الذي زادت فيه تكلفة المعيشة بمعدل 80% ونتج عن ذلك إفلاس اكثر من عشرين ألف مشروع صغير ومتوسط ، بل حتى في الولايات المتحدة تضغط الشركات متعددة الجنسيات مستهدفة الحد من الإنفاق على برامج الرفاهية الاجتماعية والهجوم على حقوق العمال ويخشى الشعب الأمريكي ان يكون العقد الاجتماعي للجمهوريين في الألفية الثالثة هو ليبرالية محضة ،فالليبراليون الجدد يبذلون مجهودا كبيرا للحد من برامج الحماية الاجتماعية للأطفال وللمسنين والمتبطلين أي المعاناة إلى ما لا نهاية .
أما قصة الطريق الثالث مع الدول النامية فتشرحه الكاتبة بقولها بان هذه الدول تعيش مأزقا منذ نصف قرن يظهر بعدم قدرتها على استلهام نموذج سياسي اقتصادي يلائم ظروفها وطبيعتها مع ثبوت فشلها في تبني سياسات اشتراكية ماركسية وليبرالية ديمقراطية لغياب العوامل والمكونات اللازمة لترسيخ أي من هاتين النظريتين ،
لقد بدأت الدول النامية خطواتها الأولى نحو الانفتاح على السوق العالمية وتحرير اقتصادها وخصخصة مشاريعها خاصة عقب انهيار النظام الاشتراكي وفقدانها الحماس للأفكار والقيم الاشتراكية ، وفي الوقت الذي تحاول فيه ان تلعب دورا في الاقتصاد العالمي وان تشارك في فعالياته نجدها تحاول جاهدة الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي وتوفير الخدمات الاجتماعية في حدودها الدنيا ،أي الحفاظ على دولة الرفاهة مع عدم التخلف عن الركب العالمي ، فمن الناحية النظرية يبدو هذا الطريق الثالث مجديا لهذه الدول محققا لآمالها وطموحاتها دون الالتزام بالانحياز لأي فكر او أيدلوجية ما .أما من الناحية البراجماتية –النفعية- فان هذه الفكرة قد يصعب تحقيقها دون مشاركة مؤسسات المجتمع المدني وتفعيل اكبر لدور الأحزاب السياسية واحياء الطبقة الوسطى بحيث تعبر الأحزاب عن احتياجاتها وفكرها دون الضغط على موازنة الدولة او جرها للعب الدور الرئيس المركزي والحاكم في الاقتصاد الوطني مرة أخرى ،وفي الوقت ذاته دون دفعها الى مزيد من الاقتراض بحيث تصبح مثقلة بالديون ومطالبة بسداد فوائدها المرتفعة عن طريق الاستقطاع مرة أخرى من نفقات دولة الرفاهة .فكيف هي صورة تحديات الديمقراطية في هذه الدول المتنوعة المختلفة والتي بدأت تتجاوز كل السياقات الديمقراطية في الغرب إلى تكيفات وابتكارات تناسب مجتمعاتها ودرجة تطورها وطابعها العشائري والعرقي والاثني والديني …الخ .
ثانيا-مستقبل الديمقراطية في العالم الثالث :

اذا كانت الديمقراطية في الغرب المتقدم قد توصلت إلى بحث المستقبل لها على ضوء معطيات العولمة والمعلوماتية ووسائل الاتصال الحديثة حتى أطلق مصطلح النتوقراطية على المفهوم الذي قد ينبع واقعه من علاقة المعلوماتية ووسائل الاتصال الذي قمته في الإنترنت ومن ثم وجدت تأزمات جديدة على المستوى التنظيري لهذه الديمقراطية وخاصة في علاقتها بالليبرالية والمجتمع المدني ، إلا ان الواقع في العالم الثالث الذي بدأ يتحول الى الديمقراطية في التسعينات عكس تحديات كبرى أمام الديمقراطية في المجال الميداني ،.
لقد كان المؤتمر الدولي لأساتذة أكاديمية سلام العالم المنعقد في لندن عام 1989قد حدد بعض تحديات الديمقراطية الليبرالية في ظروفها الجديدة فأشار إلى ان ( الديمقراطية الليبرالية تنمو نموا بطيئا معتمدة على قبولها لأفكار وعواطف وعادات معينة وعلى وجود ممارسات اقتصادية وسياسية يتطلب تأسيسها الكثير من الوقت وربما قرون وكذلك وجود ظروف خارجية مناسبة حتى تكون بعيدة عن الانحلال والانهيار –السلوك الحضاري والمواطنة ص 9) بل كان نفس المؤتمر قد تحسس إشكاليات الممارسة الديمقراطية اذا لم تكن في الإطار الليبرالي وخاصة في مجال احتمال استبداد الأغلبية فأكد على انه ( على الرغم من ان معنى الديمقراطية هو حكم الشعب أي انه لا يجب ان يكون هناك طغيان واستبداد ولكن الواقع والتاريخ يؤكد وجود طغيان أغلبية على أقلية ، فلا يكفي اذن القول بالديمقراطية للتخلص من الطغيان وانما يجب ان تتمتع هذه الديمقراطية بالمحافظة على حقوق معينة للأفراد ومن هنا كانت ضرورة الليبرالية للديمقراطية حيث تجعل هذه الليبرالية مجالا خاصا لا تتدخل فيه السلطة الحاكمة مهما كان حجم الأغلبية خلفها –ن م ص10)
وهكذا وجدنا التأكيد في الديمقراطية الليبرالية على ضرورة حماية المجال الخاص فوق كل شيء أي ان الرأي العام فيها لا يسمح لأي إيمان او ارتباط سواء كان دينيا او أيدلوجية او قبلية او عرقية ان تكون له الأسبقية على حماية الحقوق الفردية ، فالحقوق الفردية هنا تتقدم على الأغلبية المقدسة وقد تكون هذه الحقوق الفردية هجومية على نحو سافر على اغلب أعضاء المجتمع .
وهكذا كان تقييد الديمقراطية الليبرالية الغربية الحكومة على رغم أغلبيتها الديمقراطية ، وهذا ما وجدناه محددا في حال قولها ( يحمي المجتمع الديمقراطي الليبرالي الأفراد والاقليات من سلطة الأغلبية الحاكمة التي قد تكون طاغية حينما تغلب الديمقراطية على الليبرالية ، من هنا فان على سلطات الأغلبية ان تكون محدودة في مجتمع ديمقراطي ليبرالي ، فهناك بعض الأمور التي لا يمكن ان يسمح للأغلبية ان تفعلها ن م ص 59).
وهكذا وجدنا الديمقراطية الليبرالية تعترف بان سلطة الحكومة هي اعظم تهديد على نحو غير محتمل دائما وبالفعل غالبا على حقوق الفرد ، وسر تأمين حقوق الأفراد يكون بحرمان الحكومة من سلطة التدخل في العالم الخاص ، وتؤكد ان بعض الأمور ليست من عمل الحكومة ويجب ان تجبر الحكومة على ان تبقى أيديها مرفوعة عنها ، والأمور التي هي من عمل الحكومة هي في العالم العام والأمور الباقية هي من العالم الخاص عالم الحرية الشخصية ،بل ان الديمقراطية الليبرالية اعتبرت المبدأ الأول لمجتمعاتها هو تأكيد وجود حقوق شخص بشري كصفة أساسية ، وتسلسل التفكير المنطقي ينطلق من نقطة البداية تلك ، فحماية الحقوق تتطلب وجود مجتمع حكومة لكن ولأن الحكومة غير مقيدة تفرض تهديدا لتأمين الحقوق فلا بد ان تقتصر سلطات الحكومة على ما هو ضروري لحماية الحقوق على الأقل على ما يهدد الحقوق ص50)
وتصل المفاهيم الديمقراطية الليبرالية هذه الى حد القول ( ان عدد الدول الديمقراطية جدا والليبرالية جدا قليل جدا ،فأكثرها ليبرالية هي التي يتمسك بها بالمواطنة التي تمارس على نطاق واسع ،أي ان فيها دستور مكتوب او غير مكتوب يحدد المجال الذي لا يمكن للحكومة ان تتجاوزه دون ان تنتهك المجال الفردي ، وهذا ما يفترض وجود مؤسسات وقوانين ومحاكم وشرطة قادرة على اكتشاف متى تكون الحقوق قد انتهكت وتضع حدا لانتهاكها .
إذن فالخوف من الاستبداد والطغيان للحكومة او للأغلبية خوف حقيقي عالجته الديمقراطية بالليبرالية من خلال مزيد من التحصن في القوانين المحافظة على الحقوق الفردية للمواطن ، كما ان بعض ممارسات الفدرالية واللامركزية وتفويض السلطة إلى المجتمعات الأصغر خفف من غلواء الديمقراطية وحدها .والخطر الثاني الذي نبهت عليه الديمقراطية الليبرالية هو ما تطرحه الديمقراطية من بعد اقتصادي معين لكي تحافظ على الكرامة المعنوية للإنسان من خلال تحديد مستوى الدخل الفردي الأقل الذي يجب ان يقف عند تحقيق الحاجات الاقتصادية الأساسية للفرد ويعبر عن هذه الحالة بالقول ( ان المجتمع الليبرالي الديمقراطي هو مجتمع وعي ذاتي جماعي شامل ، وهذا الوعي الذاتي الجماعي يحدد حدوداً للكرامة الإنسانية بحيث يكون الحد الأدنى من الدخل مثلاً مرتفعاً إلى حد يسمح لقطاعات هذا الدخل ان تتمتع بالكرامة المعنوية ، وبعد هذا الدخل المحترم للكرامة المعنوية يسمح بتفاوت الدخول وفروقاتها جميعاً )
ان الحرية الديمقراطية ليست كافية للمجتمع اذا لم تستطع ان تحقق معها إنجازا اقتصادياً ملموساً ، وقد كانت الديمقراطية في منتصف القرن العشرين تؤكد على هذا المبدأ ( إننا لو طبقنا الديمقراطية وحقوق الإنسان وغير ذلك على خير وجه وأتمه فسوف يفضي هذا كله من خلال التفاعل الحر بين الطموحات الإنسانية إلى شيء أشبه بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية ، فلن يكون ثمة ثري شديد الثراء او فقير شديد الفقر ، بل تباين سوى في الجزاء داخل إطار مجتمع المساواة بالمعنى الواسع ) .
إذن فالهدف الاقتصادي سواء بمفهوم المساواة أو الحقوق او الدخل المحافظ على الكرامة المعنوية كانت من طموحات الديمقراطية الغربية ومن تحدياتها أيضا .
كذلك نجد ان بعض المجتمعات تختلف اختلافاً كبيراً في أديانها وثقافاتها وأيدلوجياتها وغيرها من الأمور تقدم على ممارسة النظام الديمقراطي مما يفرض عليها تكيفاً معيناً وإضافات وابتكارات تتناسب وهذه المجتمعات التي تخرج من النظام الدكتاتوري الفردي او الطبقي لتدخل عالم الديمقراطية الجديد ،
وهكذا حصلت تحديات كبيرة على مستوى التحويل الديمقراطي في دول العالم الثالث منذ تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم وهي تطرح تازمات الديمقراطية في مجال التطبيق والحاجة إلى ممارسات وإضافات وابتكارات ديمقراطية تأخذ بالاعتبار واقع هذه الدول واختلافاتها وتنوعها لتكون حقاً ديمقراطية سليمة تبتعد عن كل الأخطار التي سبق ان تعرضت لها هذه الديمقراطية سواء في جانبها النظري والأيدلوجي او في جانبها العملي الواقعي كما ذكرنا ، فكيف هي صورة هذه الديمقراطية اليوم بعد مرور اكثر من عشر سنوات على هذه التجربة ؟
في عام 1997 صدر كتاب بعنوان الديمقراطية التحديات والابتكارات في التسعينات ) للمؤلف روبن رايت تحدث به عن واقع الممارسة الديمقراطية في العالم وما تجابهه من صعوبات وما تطرحه من ابتكارات سنعرض لأهم ما جاء فيه لنعطي صورة الديمقراطية في العالم الثالث خاصة والتكيفات التي طرأت على ممارستها ونظريتها .
ففي الجانب الاقتصادي للممارسة الديمقراطية ظهرت علامات الضياع والإحباط على نطاق واسع في أمريكا اللاتينية حيث اظهر استطلاع للرأي عام 1996 ان 27% فقط من السكان في سبع عشرة مدينة كانوا سعداء بالطريقة التي عملت بها الديمقراطية منذ عام 1990 حينما أصبحت القارة كلها ديمقراطية لأول مرة ، أما اوجه القصور التي شخصت وتعرضت للنقد فهي القصور الاقتصادي وسوء الإدارة والفساد ، ونتيجة لذلك اظهر الاستطلاع ان الناخبين صار لديهم إيمان اكبر بالقوات المسلحة التي كانت تمثل الأرض الخصبة لنمو الدكتاتورية اكثر من إيمانهم بمثليهم الذين قاموا بانتخابهم ، كما ان ثقتهم بالصحافة اكثر من ثقتهم بالقضاة او رجال الشرطة .
وفي روسيا التي تحولت إلى الديمقراطية التي أدت إلى ميلاد المشروعات الخاصة والبورصة بدأت المدن الكبرى تعاني من مشكلات جديدة بداية من تسول الأطفال إلى قيام جامعي القمامة بالبحث عن غذائهم في أكوام المخلفات ، حيث أدى هبوط الإنتاج الصناعي بنسبة 60% وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 40 % إلى ان يكون المجتمع الروسي ككل اشد فقراً في السنوات الخمس الأولى لانهيار الشيوعية عما كان عليه النظام الشيوعي في العقد الماضي.
وفي جنوب أفريقيا أدى تطبيق الديمقراطية إلى ظهور الغضب لان حكومة الأغلبية الجديدة لم تكن قادرة على الوفاء بالطلبات المتزايدة على الوظائف والإسكان والتعليم وبعض الأساسيات الأخرى ، فقد بنت الحكومة عددا من الوحدات السكنية اقل مما بنته حكومة الأقلية البيضاء وخلقت وظائف لربع عدد السكان السود فقط الذين انضموا لسوق العمل منذ الانتخابات الديمقراطية الأولى في سنة 1994 .
وفي دولة بنين بغرب أفريقيا والتي كانت من الدول الرائدة في التحول إلى الديمقراطية سنة 1991 رفض الناخبون الرئيس المؤيد للديمقراطية لصالح زعيم شيوعي سابق حكم البلاد عشرين سنة كانت من اكثر السنين عدم استقرار في القارة الإفريقية وهكذا يلاحظ ان العلاقة بين الحالة الاقتصادية ومصير الديمقراطية تتجلى على عدة مستويات وواحدة من هذه المستويات هي الطبقة الوسطى حيث لوحظ ان الطبقة الوسطى في عديد من هذه الدول حتى الغنية منها تتجه إلى الانكماش او لا تنمو بالسرعة الكافية لاستقرار نظام سياسي جديد ، ولو القينا نظرة على بعض الدول من المعسكر الاشتراكي المتحولة إلى الديمقراطية بحماسة لوجدنا ان بولندا مثلاً كان معدل النمو الاقتصادي فيها عام 1996 هو 6 % وفي عام 1995 كان 7% وهو أعلى معدل في أوربا طبقاً لبيانات البنك الدولي ومع ذلك فان الإصلاحات أدت الى تخفيض وليس ازدهار مستوى معيشة معظم المواطنين فأصبحت بولندا عام 1993 تنتخب ديمقراطياً أغلبية شيوعية ثم قيادة شيوعية سنة 1995 ، ولعل من أسباب ذلك ان النمو كان فيها غير متوازن فحوالي ثلث سكان بولندا يعيشون في مزارع بعضها ملكيات صغيرة وبعضها ملكيات جماعية سابقة وهي لم تعد قادرة على منافسة المزارع عالية الميكنة في أمريكا وكندا والتي تبيع الحبوب عبر الأطلنطي إلى جيران بولندا الأوربيين كما ان كثيراً من المدن الصناعية التي تعتمد على صناعة واحدة أصبحت إما مهددة بالإغلاق واما بالتقادم ومن ثم فهي تواجه مشكلات ارتفاع معدلات البطالة .
وحتى على مستوى الدول الغنية مثل فنزويلا التي أنتجت عام 1996 ما قيمته ثلاثون بليون دولار من النفط لعدد سكان يبلغ 23 مليون نسمة فقط فان سوء الإدارة الاقتصادية والقصور السياسي قاد إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخول وانتشار عدم الأمان الوظيفي وبشكل عام انخفض مستوى المعيشة إلى الثلث على الأقل منذ عام 1992 ففي المتوسط ارتفعت مشتريات الأسرة من 28 % من إجمالي إنفاقها سنة 1980 لأكثر من 70% في منتصف التسعينات .
لقد كان اكثر انكماش الطبقة الوسطى واضحاً بشكل كبير في التسعينات ، ففي استطلاع للرأي سنة 1996 وجد ان 75% من الناخبين في دول أمريكا اللاتينية – الأكثر ديمقراطية – والأقدم من أي دولة من دول أوربا الشرقية وأفريقيا وآسيا – فيما عدا دولتين في آسيا – عبروا عن خيبة أملهم في الديمقراطية ، وفي بحث اجري بواسطة المعهد الجمهوري الدولي سنة 1996 ظهر ان 93% من سكان فنزويلا شعروا بأن الديمقراطية لم تحقق إلا القليل او لم تحقق شيئاً على الإطلاق في مجال التوزيع العادل للثروة والعدالة ، وفي سنة 1996 قامت الحكومة على مضض بالتراجع عن موقفها وعما قامت به من قبل لإنشاء اقتصاد السوق ، كما قامت بإجراءات مالية لتنشيط النمو ولذلك لوقف التدهور الاقتصادي ، ولكن التأثيرات على المدى القصير كانت مؤلمة جداً فأسعار السلع الأساسية التي كانت مدعومة ارتفعت بشكل كبير والضرائب الجديدة ارتفعت بنسبة 16 % كما وصل معدل التضخم لسنة 1996 إلى 100 %
لقد انعكس الفشل الاقتصادي للديمقراطيات في أمريكا اللاتينية في منتصف التسعينات وعبر عن نفسه عبر الاحتجاجات والقلاقل في كل من الأرجنتين وبوليفيا والإكوادور وانتشرت جيوب الفقر في بيونس آيرس وحتى في جنوب إفريقيا . وفي العديد من هذه الديمقراطيات أدت سياسة الخصخصة الى ازدياد كبير في معدلات البطالة كما أدى تقليص حجم الحكومة الى الإطاحة بشبكات الأمان لملايين إضافية من السكان .
لقد كان من مظاهر القصور في مواجهة التحديات للديمقراطية هي اجتماع الحريات الجديدة مع الفقر المتزايد مما خلق ظروفاً أدت الى تحول الحريات إلى حالة من الفوضى ابتداء من انتشار الجرائم الصغيرة إلى ظهور المافيا المنظمة وهو ما يؤدي بالنهاية إلى الإطاحة بالقانون والنظام حيث يشعر هؤلاء انهم مستبعدون .وفي هذا المستوى اصبح الفساد هو المشكلة الأكثر انتشاراً حيث ان كم ونوعية الانحرافات الأخلاقية السياسية قادا إلى ظهور عدد من السوابق الجديدة في كثير من الديمقراطيات الناشئة فوصل الفساد الى مستوى القمة ، كما اصبح الفساد عاملاً أساسيا في إنهاء حكم كثير من الرؤساء ورؤساء الوزارات المنتخبين ديمقراطياً كما حصل في باكستان لبناظير بوتو وفي البرازيل للرئيس فرناندو كولوردوميلو الذي فاز سنة 1990 ، وقد أدت تكلفة الفساد وملحقاته الى إبطاء التحول الديمقراطي بل والتراجع عما حدث من تقدم سياسي فالعملية الانتخابية من بوجوتا حتى موسكو تم إفسادها عن طريق الجريمة المنظمة فشراء الأصوات اصبح ظاهرة عامة بداية من كينيا حتى الهند ولان الديمقراطيات الجديدة تندمج بسرعة في القرية الكونية أسرع من الدول غير الديمقراطية فان الديمقراطيين الجدد يمكن ان يكونوا أسرع تعرضاً للفساد في المراحل الانتقالية وفي بحث أجرته مؤسسة الحرية سنة 1996 وجد ان 21 من بين اكبر 31 دولة من كبار منتجي المخدرات ومهربيها هي دول ديمقراطية جديدة ، وفي مجال غسيل الأموال فان 29 بين اكبر 33 دولة تمارس هذه العملية أصبحت من الدول الديمقراطية كما ان من بينها 18 دولة من الديمقراطيين الجدد .
ومن اشد الأخطار التي تواجه الديمقراطيات الجديدة على المدى الطويل هو الشعور بالإعياء او العجز الذي يؤدي إلى انعزال الجمهور عن الحياة العامة ، وفي بعض الأحيان يكون الانعزال مرتبطاً بحدث مباشر يؤدي إلى تشكك الجماهير في قدرة الديمقراطية على الوفاء بوعودها بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة ، ففي باكستان لم يشارك اكثر من 26 % فقط من الناخبين وهو رقم منخفض قياساً إلى انتخاب رؤساء سابقين وفي مكان آخر كان الانسحاب من الحياة العامة رد فعل تراكمياً ففي الدورة الثانية للانتخابات الليتوانية سنة 1996 وجد ان 40% فقط من الناخبين ذهبوا الى الانتخابات لكي يفاضلوا بين حزبين عجز كل منهما عن تحسين مستوى معيشة المواطنين .
وفي فنزويلا أظهر استطلاع للرأي سنة 1996 ان واحداً على الأقل بين كل أربعة مواطنين يقولون ان التصويت بلا فائدة وان من بين 77% -88% قالوا ان ثقتهم قليلة او منعدمة في الكونغرس والسلطة القضائية والأحزاب السياسية والحكام والعمد وبهذا اصبح التصويت في خطر كبير باعتباره مظهراً دائما للديمقراطية في فنزويلا .
ان جميع ما تقدم أخذا بنظر الاعتبار ان الرأي التقليدي حول الديمقراطية اقر بان العملية لن تكون سهلة ، ولكن الأمم المتحدة حذرت في تقريرها الإنمائي سنة 1996 من انه لا يسمح بالتفاؤل في هذا المجال ويحذر التقرير ان القرن القادم قد يتصف بالعديد من الصفات الكئيبة مثل نمو بلا رحمة ونمو أبكم ونمو بلا جذور ونمو بلا مستقبل كما يوضح خطر انهيار بعض الديمقراطيات الجديدة الهشة هو خطر حقيقي بالفعل ….
على ان جميع هذه الأمور لم تجعل الديمقراطية تقفل أبوابها بل بدأت تطرح ممارسات جديدة منها تفويض السلطة ومنها تطور الديمقراطية نتيجة اختلاطها بالثقافات غير الغربية .أما تفويض السلطة وهو نقل السلطة من العاصمة والصفوة التقليدية إلى تجمعات اصغر تعتبر اهم صفة لديمقراطيات أمريكا اللاتينية ووسط أوربا وأفريقيا واسيا ففي بوليفيا تعتبر هذه التجربة أكثرها راديكالة حيث أنشأت بوليفيا نظاما جديدا للمشاركة الجماهيرية والذي بمقتضاه يتم نقل السلطة والموارد التي تركزت لمدة طويلة في ثلاث مراكز حضرية إلى 311 مجلساً وقد أدى هذا النظام إلى الإسراع بشكل كبير في تحقيق الديمقراطية ، فالقرى والمدن الآن لم تعد تلجا إلى السلطات الإقليمية او القومية لإنجاز كل شيء بداية من الكهرباء وحتى مقاعد التلاميذ في المدارس والهدف من ذلك هو تمكين المجتمعات المحلية من توفير الخدمات وحل المشكلات تبعاً للاحتياجات والأولويات المحلية وذلك كإجراء وقائي لمنع سوء استغلال السلطات على المستوى المركزي .
وفي إفريقيا أقامت الحكومة الديمقراطية الأولى في مالي بالتحول إلى اللامركزية كوسيلة لجذب السكان إلى الحياة العامة فقد قامت مالي بتحويل السيطرة على الوظائف الإدارية والمالية السياسية بما فيها التعليم والصحة والتنمية إلى اكثر من خمسمائة من المجتمعات المحلية المدنية والريفية حيث تقوم كل منطقة بتحديد قيمة الضرائب وتوزيع إيراداتها ، ولتشجيع التعبير عن الاحتياجات المحلية والحد من الفساد فان كل منطقة من هذه المناطق تتفاوض مباشرة مع الجهات الأجنبية المانحة للمساعدات .
ان تفويض السلطة يساعد أيضا على سد الطريق أمام محاولات الانتقال للديكتاتورية عن طريق انتشار السلطة وابعادها عن متناول الجيوش ومراكز القوى وهي مشكلة تصادفها الدول المجاورة لمالي ، حيث انتكس التقدم الديمقراطي في النيجر وجامبيا بسبب التدخل العسكري حيث تقدم الجيش النيجري لتزييف أول انتخابات ديمقراطية للدولة النفطية الغنية ، كما تمكن الدكتاتوريين السابقون من الفوز في الانتخابات الديمقراطية في كل من بنين وبوركينا فاسو وغيرها 0
من ناحية أخرى فان تفويض السلطة المحلية يوفر آلية لتخفيف التباينات العرقية والطائفية ، فأثيوبيا تتباهى بأنها واحدة من اكثر التجارب الراديكالية لتفويض السلطة في إفريقيا في محاولة منها لمنع الحركات الانفصالية حيث ان التباينات بين 80 جماعة عرقية في أثيوبيا والتي تستخدم 12 لغة رئيسية وثلاث أبجديات ، أدت إلى حدوث مجموعة كبيرة من النزاعات خلال فترة الحكم الملكي والشيوعي – انفصلت إرتريا عن أثيوبيا عام 1993 – وكجزء من التحول الديمقراطي في أثيوبيا والذي ما زال في المهد ، قامت أثيوبيا بوضع دستور جديد وزعت من خلاله السكان البالغ عددهم 55 مليون شخص على تسع ولايات على أسس عرقية ، ومنحتهم صلاحية الحكم الذاتي وأعطتهم حتى حق الانفصال .ان تفويض السلطة ينطوي على المشاركة في حل المشكلات والمشاركة في السلطة فهو يشرك عددا كبيرا من الفاعلين في تحمل الأعباء وكذلك في الاهتمام بالحصول على نتائج جيدة ، كما ان إشراك الرجال والنساء حتى في المناطق البعيدة جدا في مسؤوليات السلطة يحول دون ظهور المشاكل المرتبطة بالتنافس والصراع على الموارد ويخفف من احتمالات حدوثها
ولعل آخر التحديات التي يبحثها الكتاب هو إدماج الديمقراطية في الثقافات غير الغربية من بوليفيا إلى بوتسوانا وما وراء ذلك حيث مزجت بوليفيا بين الديمقراطية الغربية والعادات والتقاليد المحلية حيث يسمح برنامج المشاركة الجماهيرية للمجتمعات الريفية بانتخاب ممثلين محليين كما كان يحدث منذ قرون من خلال النظم القائمة على العشائرية ،وفي بوتسوانا التي تعتبر اكثر الدول الأفريقية استقرارا تم مزج الديمقراطية بالتقاليد القبلية البتسوانية وتمت مواءمة مؤسسات الدولة بما يتفق والهياكل القبلية ،كما يعتبر البرلمان امتدادا للمجلس القروي التقليدي وتعتبر قدرة الديمقراطية على التكيف مع خصائص البيئات الجديدة اختبارا حقيقيا لقدرتها على الاستدامة والاستمرار ،وللتأكيد على الحاجة إلى المرونة في التطبيق الديمقراطي حدد مكتب البيت الأبيض بالديمقراطية سنة 1993 خمسة مبادئ أساسية يمكن من خلالها الحكم على الديمقراطية وهي : حرية ونزاهة الانتخابات ، حقوق المعارضين السياسيين في العمل بحرية كاملة ، وضع قيود على السلطات التعسفية للدولة وبخاصة أعمال القبض والاحتجاز والتعذيب ضمن أشياء أخرى ، وحقوق المواطنين في التنظيم في اقليات في العمل او حول اهتمامات أخرى ، وقضاء مستقل للرقابة على سلطة الدولة ، وأكد المكتب انه فيما يتجاوز هذه النقاط فان هناك مجالا كبيرا لاختلاف التطبيقات الديمقراطية .
وهكذا ينتهي المؤلف في كتابه إلى خاتمة يقول فيها (ان مستقبل الديمقراطية وقدرتها على التغلب على التحديات المتزايدة يتحدد جزئيا عن طريق قدرتها على كل من تفويض السلطة لأطراف أخرى غير الصفوة التقليدية ، وتحقيق مزيد من التطور خارج الإطار التقليدي للمجتمعات الغربية ،وبعدما شكلت الديمقراطية بالفعل مصدر الهام لأهم التغيرات السياسية في القرن العشرين فان الديمقراطية تعد بمزيد من الاستحداثات المستقبلية في القرن الحادي والعشرين ، والتي في بعض الأحيان تكون في اتجاهات غير مألوفة ومع ذلك فان التطور الديمقراطي وتفويض السلطة للمحليات ليس من المحتمل ان يتمكن من مواجهة تحديات الديمقراطية بشكل كامل خاصة التحديات المرتبطة بالتوقعات الاقتصادية في الديمقراطيات الجديدة ولمنع النكسات على الديمقراطيات القديمة ان تكون اكثر تفهما للأعباء الاجتماعية ، وان تكون كريمة في تقويم المعرفة والمصادر التي يحتاجون إليها لتخفيف آلام عملية التحول وفي النهاية فان الديمقراطية قد تكون من اكثر الأيدلوجيات التي يعرفها العالم صلابة ،ولكنها مع ذلك معرضة بشكل كبير للانتكاس بسبب ما تحمله من وعود كثيرة بالرخاء .أما بالنسبة لتطبيق الديمقراطية في المجتمعات الدينية مثل الدول الإسلامية فقد طرح المؤلف مفردات لبعض المفكرين عن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية







بعض المصادر
1-ازمة المجتمع العربي- د سمير امين
2التفكير المستقسم والتفكير الاعوج روبرت هـ ثاولس
3- السلوك الحضاري والمواطنة
4- تشكيل العقل الحديث
5- الثقافة العربية وعصر المعلومات
6- مجلة الثقافة الجديدة
7- بعد الامبراطورية –امانويل طود
8- بناء مجتمع من المواطنين –جمع من علماء الاجتماع
9- الطريق الثالث –غادة موسى
10- الديمقراطية –التحديات والابتكارات في التسعينات
11- النتوقراطية-الكساندر بيرد –وجان سودير
12- تحدي العولمة ووعدها الخفي-جون ميكلويث وادريان وودريج
13- الفساد والحكم -سوزان
14- مستقبل الحرية-الديمقراطية غير الليبرالية-فريد زكريا
15- مجموعة مقالات عبر الانترنت
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد إلى rblaw

المؤسسات المالية الدولية:

تقديم:


مع نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ التفكير في خلق مؤسسات اقتصادية دولية ، بهدف ضبط الاقتصاد العالمي والسهر على استقرار النظام النقدي الدولي. (SMI)وكذا تمويل العجز الذي يعرفه ميزان الأداءات لبعض الدول، وأيضا قصد إعادة بناء الاقتصادات التي دمرتها الحرب بواسطة قروض لتمويل مشاريع التنمية.
وهكذا تم خلق صندوق النقد الدولي (FMI)والبنك العالمي(BM) في يوليوز من عام 1944، على اثر اتفاق بروتن وودز(Bretton Woods ) ، الذي احتضنت مفاوضاته الولايات المتحدة الأمريكية وحضرته 44 دولة في إطار الندوة النقدية والمالية الدولية للأمم المتحدة.
موازاة مع ذلك انصب التفكير على تأسيس منظمة دولية للتجارة (OIC).لكن، وأمام رفض الكونغريس الأمريكي، اجتمعت 23 دولة بهافانا عام 1947 وأعطت ميلاد الاتفاق العام للتعريفة الجمركية والتجارة، المعروف بالغات (GATT).
وفي ابريل 1994، على اثر اتفاق مراكش، تم خلق المنظمة العالمية للتجارة (OMC) التي ستدخل حيز التطبيق مع بداية عام 1995 من أجل ضبط التجارة العالمية، إدارة الاتفاقات التجارية وحل النزاعات التجارية القائمة ما بين الدول الأطراف. لكن الدور غير المعلن للمنظمة العالمية للتجارة يتجلى في تحرير جميع قطاعات الأنشطة الاقتصادية.

أولا: هيكلة وطريقة اشتغال المؤسسات المالية الدولية

تتجلى المهام الأساسية لصندوق النقد الدولي في إدارة نظام النقدي وكذا منح التمويل للدول الأعضاء التي تعرف عجزا مؤقتا في ميزان الأداءات. وأما البنك العالمي فقد كلفه اتفاق بروتن وودز بمهمة إضافية تتجلى في إعادة بناء الاقتصادات ما بعد الحرب، بواسطة قروض خاصة بتمويل مشاريع التنمية. هذه الأموال الممنوحة خصت في البداية فقط الدول الأوروبية.
قراران أمريكيان سيغيران جذريا هذه الأدوار:

أولا، مخطط مارشال لعام 1948 الذي سيحل محل البنك العالمي من أجل إعادة بناء أوروبا ليترك لهذا الأخير العالم الثالث كمجال لتدخله.
ثانيا، قرار الرئيس نيكسون لعام 1971 بوضع حد لتحويل الدولار إلى ذهب، ليقتصر بذلك دور صندوق النقد الدولي على مهمته الثانية المتمثلة في منح قروض العجز التجاري. وبعد اندلاع أزمة الديون سنة 1980 سيعود الصندوق للعب دور تدبير المديونية بواسطة برامج التقويم الهيكلي. وعلى اثر الأزمات المالية منذ 1990 سيتحول صندوق النقد الدولي إلى " شبكة الإنقاذ " المستثمرين والمؤسسات المالية للدول المتقدمة، على حساب شعوب الدول الضعيفة التي سيجبرها على سداد ما بذمتها من ديون.

1 – صندوق النقد الدولي:

تم خلق صندوق النقد الدولي للسهر على استقرار النظام المالي الدولي. وهو يشغل أزيد من 2700 شخص ويضم 184 دولة أعضاء. وتتعدى ميزانية تسييره 600 مليون دولار.
أ – أجهزة صندوق النقد الدولي :

- مجلس الحكام : اعلى هيئة بصندوق النقد الدولي . يجتمع مرة واحدة في السنة وهو مكلف باتخاذ القرارات ذات الاهمية كقبول انخراط دول جديدة ، إعداد الميزانية ... وهذا المجلس مشكل من ممثلي الدول الاعضاء (وزراء المالية او مديري الابناك المركزية ).
- المجلس الاداري : مكلف بالمهام التي يفوضها له صندوق النقد الدولي . هذا المجلس يتكون من 24 عضوا ، من بينهم 8 لهم امتياز تعيين "متصرف" ممثلا لهم (الولايات المتحدة – اليابان – المانيا – فرنسا – المملكة المتحدة – العربية السعودية – الصين – روسيا ) في حين يتم تعيين 16 عضو المتبقين عن طريق "مجموعات الدول " (يوجد المغرب في المجموعة العربية التي تضم 7 بلدان ).
ويجتمع المجلس الاداري ثلاث مرات في الاسبوع ، وهو الذي ينتخب المدير العام لصندوق النقد الدولي لمدة 5 سنوات .
- اللجنة النقدية والمالية الدولية CMFI : تضم الـ 24 ممثلا للدول المشكلة للمجلس الإداري . وتجتمع مرتين في السنة (الدورة الربيعية والدورة الخريفية) . ويتجلى دورها في إعطاء نصائح وتوجيهات لصندوق النقد الدولي فيما يخص النظام النقدي الدولي .
ب – الوحدة النقدية:

يتوفر صندوق النقد الدولي، منذ 1969، على وحدة نقدية خاصة به تنظم أنشطته المالية مع الدول الأعضاء، وتسمى ب " حقوق السحب الخاصة" (DTS). فهي إذن بمثابة عملة خاصة بالصندوق يتم تقييمها يوميا انطلاقا من عدد من العملات القوية: الدولار، الين، الأورو، الليرة الإسترلينية...
ج – حصة المساهمة: Quote-part

كل عضو مطالبة بدفع حصة مساهمتها في رأسمال صندوق النقد الدولي. غير أن هذه الحصة ليست حرة أو تلقائية، وإنما يتم احتسابها بحسب الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لأي بلد. يتم دفعها بنسبة 25 % من حقوق السحب الخاصة أو أية عملة صعبة تتشكل منها، ونسبة ال 75 % المتبقية من العملة المحلية للبلد العضو.

د – اتخاذ القرارات : حق التصويت

تتخذ القرارات صندوق النقد الدولي عن طريق التصويت. وحصة المساهمة هي التي تحدد نسبة الحق في التصويت لكل بلد. فهي تساوي 250 صوت زائد صوت واحد لكل 100 ألف من حقوق السحب الخاصة. بتعبير آخر أنها تناسب: "دولار واحد = صوت واحد". أي لكل بلد الحق في التصويت بقدر مساهمته في رأسمال الصندوق وعلى هذا الأساس تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية نسبة 17.08 % من حق التصويت ، متبوعة باليابان ( 6.13 %) وألمانيا (5.99 %)، فرنسا (4.95 %) ... وأخيرا مجموعة الدول الإفريقية التي تضم 24 دولة من إفريقيا السوداء، وتمثل أزيد من 140 ملون نسمة، لا تمتلك إلا نسبة 1.41 % من حق التصويت!
وقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية، التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية، أن تمرر في مفاوضات بروتن وودز قرارا ذا أهمية يقضي بفرض أغلبية 85 % لجميع القرارات المهمة التي تهم مستقبل النقد الدولي، كالزيادة في حقوق السحب الخاصة أو إلغائها، رفع أو خفض عدد الحكام المنتخبين في إطار المجلس الإداري، تغيير حصة المساهمة... والولايات المتحدة الأمريكية، إذ تتوفر لوحدها على أزيد من 15 % من حق التصويت فإن بإمكانها إيقاف أية محاولة لإجراء أي تغيير بصندوق النقد الدولي.

2 – البنك العالمي:

يضم البنك العالمي بدوره 184 دولة أعضاء. هيكلته مشابهة لصندوق النقد الدولي، ولكن طريقة اشتغاله تختلف نسبيا. وتجدر الإشارة إلى أنه يجب التمييز بين البنك العالمي ومجموعة البنك العالمي. هذه الأخيرة التي تضم خمسة منظمات:
o البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية(BIRD) : تم خلقه لمساعدة أوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية. غير أن دوره تطور تدريجيا مع مرور الوقت بحيث أصبح يمول التنمية بدول العالم الثالث.
o الشركة المالية الدولية (SFI) التي ظهرت عام 1956 لتمول القطاع الخاص بالدول النامية.
o الجمعية الدولية للتنمية(AID) تقوم منذ 1960 بتقديم قروض للدول الأكثر فقرا.
o المركز الدولي لفض النزاعات المتعلقة بالاستثمارات (CIRDI) ظهر سنة 1966 لتدبير نزاعات المصالح.
o الوكالة المتعددة الجنسية لضمان الاستثمارات، تم خلقها سنة 1988 لتأهيل وتشجيع الاستثمار بالدول النامية.
وأما فيما يخص مصطلح البنك العالمي، فإنه يضم كل من البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية(BIRD) والجمعية الدولية للتنمية (AID) ، ويشغل البنك العالمي ما يناهز 10 آلاف شخص بواشنطن، وحوالي 3 آلاف عامل بمائة (100) مكتب له عبر أرجاء العالم.

‌أ. أجهزة البنك العالمي:

- مجلس الحكام: يجتمع مرة واحدة في السنة (الخريف)، ويحدد التوجهات الكبرى.
- المجلس الإداري: يتكون من 24 عضوا حسب نفس القواعد لدى صندوق النقد الدولي. وهو مكلف بالتسيير اليومي للبنك العالمي، وينتخب مديرا عاما للبنك لمدة 5 سنوات . منصب مخصص لمرشح من أمريكا الشمالية، على عكس صندوق النقد الدولي الذي ينتخب مديرا من أوربا. وهي قاعدة ضمنية غير ديمقراطية.

‌ب. طريقة التصويت للبنك العالمي:

توزيع الحق في التصويت ما بين الدول الأعضاء مشابه لما هو قائم بصندوق النقد الدولي، إذ يرتكز على مبدأ "دولار واحد = صوت واحد" وقاعدة أغلبية 85 % سارية المفعول أيضا بالبنك العالمي. فالولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بسلطة الحسم في أي تغيير محتمل، بحيث تملك نسبة الحق في التصويت تصل إلى أزيد من 16 % ، متبوعة باليابان (حوالي 8%)، ثم مجموعة بلجيكا ( 10 دول ) بحوالي 5 % ، فألمانيا (4.5 % ) وفرنسا (4.3 %)، في حين تتوفر مجموعة الجزائر (7 دول) على نسبة 3.35 % من حق التصويت. وأخيرا مجموعة الدول الإفريقية (24 دولة) بنسبة 2 % فقط من حق التصويت.

‌ج. طريقة اشتغال البنك العالمي:

تختلف طريقة اشتغال البنك العالمي عن صندوق النقد الدولي. فإذا كان صندوق النقد الدولي يعتمد في تقديم القروض على موارده التي يعود مصدرها لمساهمات الدول الأعضاء في راسماله، فإن البنك العالمي يحصل على الإمدادات المالية الضرورية لتقديم القروض من الأسواق المالية. فهو يحصل على الأموال من الدول الغنية بنسب فائدة مشجعة، ويمنح قروضا للدول المحتاجة بنسب مرتفعة نسبيا لمدة تتراوح ما بين 15 و 20 سنة.
3 – سياسات المؤسسات المالية الدولية إزاء المرافق العمومية:

تغيرت مهام المؤسسات المالية الدولية بشكل جذري وأصبحت متشابهة، فمنذ 1980 نهجت المؤسسات استراتيجية تهدف إلى التقليص من دور الدولة إلى أدنى حد، عن طريق خوصصة المؤسسات العمومية، وإزالة كل تدخل للحكومات في الاقتصاد.
من أجل تدبير أزمة الديون يتدخل صندوق النقد الدولي بواسطة "قروض الإنقاذ"، ولكن أيضا بفرض شروطه عبر برامج التقويم الهيكلي. وأما البنك العالمي فيلعب دور "المستشار" للدول الخاضعة ل "العلاج الطبي" لصندوق النقد الدولي حول الطريقة المثلى لخفض العجز في الميزانية، تعبئة الادخار الداخلي، تحفيز المستثمرين الأجانب وتشجيع الاستثمارات الخارجية، تحرير الصرف والأثمنة، خوصصة المقاولات العمومية، إلخ. وبالإضافة إلى ذلك فإن البنك العالمي يساهم في برامج التقويم الهيكلي عبر تقديم قروض بشروط قاسية للدول الأعضاء.
وهكذا أصبحت المؤسسات الماليتان في موقع قوة ولا تتوانيان لحظة في فرض شروطهما على الدول في إطار برامج التقويم الهيكلي، والضغط عليها لتطبيق إجراءات من قبيل تحرير اقتصادياتها، وبخاصة التخلي عن مراقبة حركة رؤوس الأموال وإلغاء مراقبة الصرف، خوصصة المقاولات العمومية، وما إلى ذلك مما أدى إلى تراجع الدولة عن القطاعات الإنتاجية التنافسية. فحسب منطق صندوق النقد الدولي "لا مكان للدولة أينما يمكن تحقيق ربح" وعليها أن تنسحب من جميع القطاعات المدرة للربح (الماء، الكهرباء، النقل، تكنولوجيا الإعلام والاتصال، الصحة، التعليم...) وتقتصر على القمع وضبط الاستقرار (الأمن، العدالة).
إن مسألة الخوصصة ينظر إليها من داخل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بمنظور إيديولوجي: تسريع الخوصصة، الأمر الذي أدى في الكثير من الحالات إلى خوصصة بعض الخدمات حتى قبل وضع الإطار القانوني لضمان المنافسة الحرة والنزيهة.
وعموما تتم الخوصصة، التي غالبا ما يستفيد منها المستثمرون الأجانب، بواسطة مراسيم بدون موافقة البرلمان ودون حد أدنى استشارة للمنظمات والحركات الاجتماعية والمواطنين.

ثانيا: هيكلة وطريقة اشتغال المنظمة العالمية للتجارة

أمام تعذر تأسيس منظمة دولية للتجارة، إلى جانب مؤسستي بروتن وودز الماليتين، بسبب رفض الكونغريس الأمريكي، اجتمعت 23 دولة بهافانا عام 1947 وأسست ما يعرف بالكاط ، أي الاتفاق العام حول التعريفة الجمركية والتجارة. General Agreement of tarifs and traid - GATT
وكان الكاط عبارة عن اتفاقيات تجارية تمر عبر دورات، بدأت من جونيف عام 1947 وانتهت بدورة الأوروغواي سنة 1994 بمراكش بالمغرب ، إعلانا بميلاد المنظمة العالمية للتجارة (OMC) ، والتي ستدخل حيز التطبيق الفعلي ابتداء من فاتح يناير 1995 .
وتختلف المنظمة العالمية للتجارة عن الكاط ، إضافة إلى اعتبارها مؤسسة بآلياتها وهياكلها، في حين ظل الكاط عبارة عن اتفاقيات، بكونها ستشمل إضافة إلى تجارة السلع ، الفلاحة والخدمات. كما تتميز المنظمة بكونها تتوفر على جهاز لفض النزاعات : ORD (Organe de règlement des différends). يتجلى دوره في الحسم في النزاعات ما بين الدول الأطراف.

1 – هيكلة وطريقة اشتغال المنظمة العالمية للتجارة :

أسست المنظمة العالمية للتجارة أولا للقيام بمهام معينة، مرتكزة على ثلاثة مبادئ أساسية:
أ- المهـــام :
– إدارة وتنفيذ الاتفاقيات التجارية المتعددة الأطراف.
– فض النزاعات التجارية .
– مراقبة السياسات التجارية الوطنية والتعاون مع المؤسسات الدولية من أجل وضع السياسات الاقتصادية العالمية.
– فحص السياسات التجارية.
– تأطير المفاوضات التجارية.
ب- المبـــادئ :
- التجارة بدون تمييز.
- الولوج المتوقع والتصاعدي للأسواق.
- المنافسة الشريفة وتشجيع التنمية والإصلاحات الاقتصادية.
ج- أجهزة المنظمة :
* المؤتمر الوزاري : هو أعلى هيئة تقريرية للمنظمة العالمية للتجارة ، ويجتمع على الأقل مرة كل سنتين ، بمشاركة جميع الدول الأطراف التي تمثل بوزراء خارجيتها .
* المجلس العام : يضم ثلاثة أجهزة : - مجلس السلع .
- مجلس التجارة والخدمات
- مجلس حقوق الملكية الفكرية في علاقاتها بالتجارة .
بالإضافة إلى الكاط ، تشمل المنظمة العالمية للتجارة ما يناهز 12 اتفاقا ، أهمها :
- الاتفاق العام حول تجارة الخدمات (AGCS )
- الاتفاق الخاص بحقوق الملكية الفكرية في علاقتها مع التجارة (ADPIC)
- الاتفاق المتعلق بالاستثمارات في علاقتها مع التجارة (Trims)
د) – اتخـــاذ القرارات :
تتخذ القرارات من داخل المنظمة العالمية للتجارة بالإجماع، أو بالتصويت بحسب صوت لكل بلد عضو. لكن لم يحدث أبدا أن استعمل التصويت بالأغلبية لاتخاذ القرارات، بحيث يتم الضغط على الدول الأعضاء لتحقيق إجماع حول القضايا المطروحة.

2 – دور المنظمة العالمية للتجارة في تدمير الخدمات العمومية:

إن أخطر اتفاق للمنظمة العالمية للتجارة هو الاتفاق العام حول تجارة الخدمات (AGCS)، الذي يشكل تهديدا مطلقا للمواطنين. ذلك أن الهدف الأساسي من هذا الاتفاق يتمثل في خوصصة جميع الخدمات العمومية وبوثيرة سريعة.
يشمل هذا الاتفاق مجموع الأنشطة الإنسانية ، أي جميع الخدمات الموجودة أو القابلة للوجود، والتي يمكن تقسيمها إلى اثني عشرة قطاعا وحوالي مائة وستون (160) قطاعا صغيرا تابعا لها، من صحة، تعليم، ماء، كهرباء، تكنولوجيا الاتصال، النقل، البيئة، السياحة، الثقافة، الطاقة، الرياضة، المالية، السكن...
إن الاتفاق العام لتجارة الخدمات يهدد كل القطاعات العمومية، باستثناء تلك التي تقدم في إطار ممارسة السلطة الحكومية بدون أن تنبني على قاعدة تجارية ولا أن تخضع للمنافسة. بتعبير آخر أن الاتفاق العام لتجارة الخدمات يخص المرافق العمومية المؤدى عنها من قبل المرتفقين (الطاقة، النقل، الماء، البريد...) أو أيضا تلك الخاضعة لمنافسة القطاع الخاص (المصحات ، المؤسسات التعليمية...). وبهذا المنطق فإن كل شيء خاضع للتسليع ما عدا الأمن (الشرطة، الجيش...)، العدالة، البنك المركزي والحالة المدنية.
بعض قواعد الاتفاق العام لتجارة الخدمات تطبق على جميع الخدمات ، وبعضها يتوقف تطبيقها على حدود التزامات الدولة من داخل المنظمة العالمية للتجارة، لفتحها أمام المنافسة الأجنبية. لكن الدول النامية تظل خاضعة لضغط الدول المتقدمة التي تفرض عليها تحرير جميع قطاعاتها. وهو ما حدث في قمة الدوحة بقطر عام 2001، حين تمكن الاتحاد الأوروبي من فرض ما يعرف ب "لوائح الطلب" و "لوائح العرض". فبات بإمكان كل دولة عضو أن تقدم لأي بلد آخر لائحة الخدمات التي تود أن يخضعها هذا البلد أو ذاك للتحرير التجاري. وفي نفس الوقت تعرض هي لائحة الخدمات التي تلتزم بإخضاعها للتحرير التجاري أي ـ بتعبير أدق ـ للخوصصة. وسيصبح هذا الإجراء إجباريا منذ القمة الأخيرة للمنظمة العالمية للتجارة بهونكونغ.
وخلاصة القول أن صندوق النقد الدولي، البنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة / الاتفاق العام لتجارة الخدمات تسعى جاهدة إلى إزالة كل العراقيل أمام التجارة العالمية وتحرير الأسواق، بما فيها إعادة النظر في القوانين الداخلية للبلدان الأعضاء التي " تعيق المنافسة الدولية ". وبالتالي فإن هذه المؤسسات الاقتصادية العالمية تهدف إلى تدمير الخدمات العمومية أينما وجدت ووضع حد لإمكانية خلقها حيث لا توجد .
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

)Sampling( سحب العينات

عند جمع البيانات عن بعض مفردات المجتمع باستخدام 
أدوات جمع ا بيانات مثل المقابلة أ و الستبيان أوتحليل
المضمون..ألخ، تكون هناك حاجة ماسة إلي اختيار عينة
ممثلة للمجتمع، حيث يصعب علي أ ي باحث مهما كانت
قدرته، أ ن يقوم بدراسة جميع مفردات المجتمع خاصة إذا
كان كبير نسبياًً.
ويقصد بالعينة، اختيار جزء من مجموعة كلية أو مجتمع كلي 
بحيث يمثل هذا الجزء المجموعة أو المجتمع

أنواع العينات
بصفة عا ة، يمكن القول أ ن هناك مجموعتان رئيسيتان من
العينات،هما: العينات الإحتمالية، والعينات غير الإحتمالية.
)Probability Samples( العينات الحتمالية 
وفي هذه النوعية من العينات تكون كل مفردة من مفردات المجتمع
الصلي لها فرصة الظهور في العينة المختارة،
) Non-Probability Samples( العينات غير الحتمالية
ليست كل مفردة من مفردات المجتمع لها نفس فرصة الظهور في
العينة المختارة، والمشكلة الحقيقية التي نلجأ فيها لهذا النوع للعينات،
هي عدم وجود إطار العينة.

جدول يوضح أنواع العينات-4
العينة متعددة المراحل 8- العينة الحصصية
-3 العينة الطبقية 7- العينة العنقودية
-2 العينة المنتظمة 6- العينة التحكمية
-1 العينة العشوائية البسيطة 5- العينة المتاحة
العينات الحتمالية العينات غير الحتمالية

Simple Random( -1 العينة العشوائية البسيطة)Sample
يعتمد اختيار هذه العينة علي إعطاء فرصة متساوية لكل مفردة من
مفردات المجتمع الكلي لكي تظهر في العينة، ويشترط في هذه العينة
وجود قائمة كاملة بمفردات المجتمع الصلي، وعند سحب عينة
عشوائية بسيطة من مجتمع صغير، فإنه يكتب كل رقم خاص بوحدة
المجتمع علي ورقة مستقلة، وتطوي الوراق وتخلط معاًً ثم يتم سحب
العدد المطلوب منها للعينة، ولكن في حالة كثرة عدد مفردات المجتمع
يستخدم ما يلي:
)Tables of Random Numbers( -1 جداول الرقام العشوائية
)Random Generator( -2 برنامج كمبيوتر
:For more, you can visit this site
www.randomizer.org/form.html

Systematic( -2 العينة المنتظمة)Sample
يتم اختيار وحدات العينة في هذا النوع بصورة منتظمة مثل سحب
وحدات العينة المطلوبة علي فترات متساوية في إطار المجتمع، فمثل
عند اختيار عينة حجمها 10 % من المجتمع،يجب اختيار واحد من
1( من هذا المجتمع حيث يتم سحب رقم ما بطريقة / عشرة) 10
عشوائية من واحد إلي عشرة، وليكن الرقم 5 مثل، فتكون مفردات
35 ...ألخ. -25-15- العينة هي كالتالي: 5
أمثلة:
-1 اختار عينة منتظمة حجمها 5% من المجتمع الصلي.
-2 اختار عينة منتظمة حجمها 25 % من المجتمع الصلي.


) Stratified Sample( -3 العينة الطبقية
في هذه الحال ة يت م تقس يم المجتم ع إل ي طبقات أو مجموعات
متجانس ة، عمري ة أ و مهنية...أل خ، ول ب د أن تكون الطبقات
التي يقسم إليها المجتمع متجانسة، وقد يتم سحب العينة من
المجتمع كل مجتمع فرعي باحدي الطرق التية:
إذا سحب من كل مجتمع فرعي عينة عشوائية بسيطة، تسمي 
العينة الناتجة من المجتمع ”العينة الطبقية العشوائية“.
إذا سحب من كل مجتمع فرعي، عينة منتظمة تسمي العينة 
الناتجة من المجتمع ”العينة الطبقية المنتظمة“.


Multi-Stage( -4 العينة متعددة المراحل) Sample
لإختيار عينة متعددة المراحل يقسم المجتمع إلي وحدات أولية، ويتم
سحب عينة منها تسمي ”المرحلة الولي للعينة“، ثم تقسم كل وحدة من
وحدات المرحلة الولي المختارة إلي وحدات أصغر منها، ويؤخذ منها
عينة أخري تسمي ”المرحلة الثانية من العينة“، ثم تقسم كل وحدة من
وحدات المرحل ة الثاني ة إل ي وحدات أص غر منه ا، تؤخ ذ منه ا عينة
تسمي ”المرحلة الثالثة من العينة“...ألخ.حتي نصل إلي عينة مختارة
ممثلة للمجتمع.
مثال:
عينة متعددة المراحل ممثلة لطلبة المدارس الثانوية في مصر.

) Quota -Sample( -5 العينة الحصصية

الحصائية، ويتم الختيار في هذا النوع من العينات علي
أساس تقسيم المجتمع إلي طبقات طبقا لبعض معلمات
المجتمع الصلي، ثم نختار عدد من الوحدات يتناسب من
حجم هذه الطبقة في المجتمع، وبذلك نحصل علي عينة تمثل
فيها الطبقات المختلفة بنفس أهميتها في المجتمع.
وتسمي إيضا هذه العينة باسم ”العينة الطبقية غير العشوائية“.

Purposive or Judgment( -6 العينة العمدية أو التحكمية)Sample
في العينة العمدية أو التحكمية يختار الباحث مفردات العينة بصورة
متعمدة، بحيث تتوافر فيها شروط معينة، أ ي أ ن العينة تتكون طبقا
لحاجات محددة للباحث.
ويلحظ إيضا أنه لابد أن يراعي الباحث أن تكون عينته العمدية ممثلة
للمجتمع، بمعني أنه عليه أ ن يراعي نسب تواجد كل فئة من فئات
المجتمع في عينته.
وتستخدم هذه العينة بكثرة في الدراسات التي تهتم بجماعات أو
فئات معينة، مثلًً :
- دراسة عن دور المثقف العضوي في المجتمع.
- دراسة عن الجنود المريكيين الجرحي في العراق

Snowball or Network( -7 العينة العنقودية أو الشبكية)Sample
وهي عبارة عن نوع خاص من العينة التحكمية أو العمدية. 
بحيث يتم أختيار عدد محدود من أفراد تتوافر لديهم 
الخصائص التي يحتاج إليها الباحث في دراسته.
ويستخدم هؤلاء الأفراد لإنضمام آخرين، بمعني أن يطلب من 
كل فرد أن يقوم بتحديد واختيار الآخرين.
وبذلك تصبح العينة المختارة أقرب إلي الشكل العنقودي.

) Convenience Sample( -8 العينة المتاحة

هنا يتعامل الباحث بشكل عرضي مع مجموعة من أفراد المجتمع للإجابة علي 
استمارة استبيان مثلًًا.
ويستمر في ذلك مع مجموعات أخري من هؤلء الفراد إلي أن يحصل علي عدد 
الجابات المطلوبة والمناسبة والتي أتيحت عرضاًً لغراض البحث.
فتسمي هذه العينة عينة متاحة أو عينة عرضية لن أفراداها جاءوا دون ترتيب 
مسبق.
ولتقليل نسبة الخطأ العشوائي في هذا النوع من العينات، يمكن مقارنة خصائص 
هذه العينة بأخري أختيرت بصورة عشوائية من قبل، وحاول أن تنوع قدر
المكان في ايام ومواقع وتوقيتات اختيار العينة من أجل أن تعكس بهذا التنوع
جزء من الإختلف الموجود في المجتمع الصلي، وان يتم مقارنة خصائص
المعروفة عن المجتمع. )Parameters( العينة المختارة ببعض المعلمات


شكل يوضح الترتيب التفضيلي لنواع العينات
العينة العشوائية
البسيطة
العينة المتاحة العينة التحكمية العينة متعددة
المراحل العينة المنتظمة
العينة العنقودية العينة الحصصية العينة الطبقية
تزداد درجة التفضيل
العينات غير الحتمالية العينات الحتمالية
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

إلى akuntalbi:

نشأة صندوق النقد الدولي

تبلورت فكرة صندوق النقد الدولي في يوليو 1944 أثناء مؤتمر للأمم المتحدة عقد في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية عندما اتفق ممثلو خمس وأربعين حكومة على إطار للتعاون الاقتصادي يستهدف تجنب تكرار كارثة السياسات الاقتصادية الفاشلة التي أسهمت في حدوث الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن العشرين.
فخلال هذا العقد، ومع ضعف النشاط الاقتصادي في البلدان الصناعية الكبرى، حاولت البلدان المختلفة الدفاع عن اقتصاداتها بزيادة القيود المفروضة على الواردات، ولكن هذا الإجراء لم يؤد إلا إلى تفاقم دائرة الانخفاض التي يتعاقب فيها هبوط التجارة العالمية والناتج وتوظيف العمالة. ومن أجل المحافظة على الاحتياطيات المتناقصة من الذهب والعملات الأجنبية لجأت بعض البلدان إلى تقييد حرية مواطنيها في الشراء من الخارج، وقامت بلدان أخرى بتخفيض أسعار عملاتها، بينما فرض البعض الآخر قيوداً معقدة على حرية حيازة المواطنين للعملات الأجنبية. على أن هذه الحلول أدت إلى نتائج عكسية، ولم يتمكن أي بلد من المحافظة على ميزته التنافسية لفترة طويلة. وقد أدت سياسات "إفقار الجار" هذه إلى تدمير الاقتصاد الدولي، فتناقصت التجارة العالمية تناقصاً حاداً وكذلك توظيف العمالة ومستويات المعيشة في بلدان كثيرة.
و منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية مر الاقتصاد العالمي والنظام النقدي بتغيرات أخرى كبيرة، وهي تغيرات أبرزت أهمية الأغراض التي يخدمها صندوق النقد الدولي وأثبتت ضرورتها، وإن كانت قد تطلبت من الصندوق أيضاً أن يتكيف مع المستجدات ويشرع في جهود الإصلاح. كذلك فإن التقدم السريع في مجال التكنولوجيا والاتصالات قد أسهم بدوره في زيادة التكامل الدولي بين الأسواق وتوثيق الروابط بين الاقتصادات الوطنية. ومن ثم فإن الأزمات المالية التي تنفجر في عالم اليوم غالباً ما تنتشر بين البلدان بسرعة أكبر من ذي قبل.
وفي عالم اليوم الذي يزداد تكاملاً وتكافلاً يوماً بعد يوم، يعتمد تحسن الأحوال في أي بلد أكثر من أي وقت مضى على الأداء الاقتصادي في البلدان الأخرى ووجود بيئة اقتصادية عالمية مفتوحة ومستقرة. وبالمثل فإن السياسات المالية والاقتصادية التي تنتهجها فرادى البلدان تؤثر على مدى نجاح أو فشل سير النظام التجاري ونظام المدفوعات العالميين.ومن هنا تتطلب العولمة توثيق التعاون الدولي، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة مسؤوليات المؤسسات الدولية القائمة على تنظيم هذا التعاون، بما فيها صندوق النقد الدولي.
وقد ازدادت أهمية الأهداف التي يتوخاها صندوق النقد الدولي لسبب بسيط آخر، ألا وهو اتساع نطاق عضويته. ذلك أن عدد البلدان الأعضاء قد تجاوز أربعة أمثال عدد البلدان التي شاركت في إنشائه، وعددها 45 بلداً (184 دولة حاليا)، مما يرجع بشكل خاص إلى حصول كثير من البلدان النامية على استقلالها ثم انهيار الكتلة السوفييتية مؤخراً.
والحق أن اتساع عضوية صندوق النقد الدولي، إلى جانب التغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي، قد تطلبت من الصندوق أن يتكيف مع المستجدات بسبل مختلفة حتى يتسنى له الاستمرار في خدمة أهدافه على نحو فعال.
وفي نفس الوقت الذي أنشئ فيه صندوق النقد الدولي، أنشئ البنك الدولي للإنشاء والتعمير المعروف باسم البنك الدولي بغية تشجيع التنمية الاقتصادية طويلة الأجل من خلال سبل شتى تتضمن تمويل مشاريع البنية التحتية، مثل بناء الطرق وتحسين إمدادات المياه.
وتجدر الإشارة إلى تكامل عمل صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي – التي تضم المؤسسة الدولية للتمويل (IFC) والمؤسسة الدولية للتنمية (IDA). فبينما يركز صندوق النقد الدولي في المقام الأول على أداء الاقتصاد الكلي وسياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي، ينصب اهتمام البنك الدولي على القضايا الأطول أجلاً المتعلقة بالتنمية وتخفيف حدة الفقر. وتضم أنشطة البنك الدولي تقديم القروض إلى البلدان النامية وبلدان التحول الاقتصادي لتمويل مشاريع البنية التحتية وإصلاح قطاعات بعينها في الاقتصاد والإصلاحات الهيكلية الأوسع نطاقاً. أما صندوق النقد الدولي فلا يقدم التمويل لقطاعات أو مشاريع بعينها، وإنما لغرض تقديم دعم عام لميزان المدفوعات والاحتياطيات الدولية في البلد المعني في الوقت الذي يقوم فيه ذلك البلد باتخاذ إجراءات على صعيد السياسات لمواجهة ما يمر به من مصاعب.
وعند إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك المركزي، كان هناك تفكير في إنشاء منظمة تعمل على تشجبع تحرير التجارة العالمية. ولكن إنشاء منظمة التجارة العالمية لم يتحقق إلا في عام 1995، وكانت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (غات) هي الأساس الذي تستند إليه معالجة قضايا التجارة حتى ذلك الحين.

يختص صندوق النقد الدولي باداء سياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي ويركز الصندوق أساساً على السياسات الاقتصادية الكلية للبلدان - أي السياسات المتعلقة بميزان الحكومة، وإدارة النقد والائتمان وسعر الصرف - وسياسات القطاع المالي بما في ذلك تنظيم البنوك والمؤسسات المالية الأخرى والرقابة عليها. وإضافة إلى ذلك يوجه صندوق النقد الدولي اهتماماً كافياً للسياسات الهيكلية التي تؤثر على أداء الاقتصاد الكلي - بما في ذلك سياسات سوق العمل التي تؤثر على سلوك التوظيف والأجور. ويقدم الصندوق المشورة لكل بلد عضو حول كيفية تحسين سياسته في هذه المجالات، بما يتيح مزيداً من الفاعلية في السعي لبلوغ أهداف مثل ارتفاع معدل توظيف العمالة، وانخفاض التضخم، وتحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستمرار - أي النمو الذي يمكن أن يستمر بغير أن يؤدي إلى مصاعب كالتضخم ومشكلات ميزان المدفوعات.
يهدف صندوق النقد الدولي إلي :

1. التوسع المتوازن في التجارة العالمية،
2. تحقيق استقرار أسعار الصرف،
3. تجنب التخفيض التنافسي لقيم العملات،
4. إجراء تصحيح منظم لاختلالات موازين المدفوعات
ولتحقيق هذه الأهداف، يقوم الصندوق بالوظائف و الأدوار التالية:
• مراقبة التطورات والسياسات الاقتصادية والمالية في البلدان الأعضاء وعلى المستوى العالمي، وتقديم المشورة بشأن السياسات المتبعة بالدول الأعضاء.
• إقراض البلدان الأعضاء التي تمر بمشكلات في موازين مدفوعاتها، ليس فقط لإمدادها بالتمويل المؤقت وإنما أيضاً لدعم سياسات التصحيح والإصلاح الرامية إلى حل مشكلاتها الأساسية.
• تقديم المساعدة الفنية والتدريب في مجالات خبرة الصندوق إلى حكومات البلدان الأعضاء وبنوكها المركزية.
• توفير منتدى دولي لمناقشة السياسات الاقتصادية الوطنية في سياق عالمي وإنما أيضاً لمناقشة القضايا المهمة لاستقرار النظام النقدي المالي الدولي. وتضم هذه القضايا اختيار البلدان لنظم أسعار الصرف، وتجنب تدفقات رؤوس الأموال الدولية المخلة بالاستقرار، ووضع معايير وقواعد معترف بها دولياً للسياسات والمؤسسات
.

إدارة الصندوق والهيكل التنظيمي:

مجلس المحافظين، الذي يضم ممثلين لكل البلدان الأعضاء، هو صاحب السلطة العليا في إدارة صندوق النقد الدولي، وهو يجتمع في العادة مرة واحدة سنوياً خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويقوم كل بلد عضو بتعيين محافظ – عادة ما يكون هو وزير المالية أو محافظ البنك المركزي في ذلك البلد – ومحافظ مناوب. ويبت مجلس المحافظين في قضايا السياسات الكبرى، ولكنه فوض المجلس التنفيذي في اتخاذ القرارات المتعلقة بأعمال الصندوق اليومية.
ويجري النظر في قضايا السياسات الأساسية المتعلقة بالنظام النقدي الدولي مرتين سنوياً في إطار لجنة من المحافظين يطلق عليها اسم اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، (وهي التي كانت تعرف باسم اللجنة المؤقتة حتى سبتمبر 1999). أما لجنة التنمية ، وهي لجنة مشتركة بين مجلس محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فهي تقدم المشورة إلى المحافظين وترفع إليهم تقاريرها حول سياسات التنمية والمسائل الأخرى التي تهم البلدان النامية.
ويتألف المجلس التنفيذي من 24 مديراً، ويرأسه المدير العام للصندوق؛ ويجتمع المجلس التنفيذي عادة ثلاث مرات في الأسبوع في جلسات يستغرق كل منها يوماً كاملاً، ويمكن عقد اجتماعات إضافية إذا لزم الأمر، وذلك في مقر الصندوق في واشنطن العاصمة. وتخصص مقاعد مستقلة في المجلس التنفيذي للبلدان المساهمة الخمسة الكبرى – وهي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة – إلى جانب الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية. أما المديرون الستة عشر الآخرون فتتولى انتخابهم مجموعات من البلدان تعرف باسم الدوائر الانتخابية (constituencies) لفترات مدتها عامين
ويضطلع المجلس التنفيذي باختيار المدير العام، الذي يتولى رئاسة المجلس إلى جانب قيادته لخبراء وموظفي الصندوق وتسييره لأعماله بتوجيه من المجلس التنفيذي. ويعين المدير العام لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، ويساعده في عمله نائب أول ونائبان آخران.
والعاملون في صندوق النقد الدولي موظفون مدنيون دوليون مسؤولون أمام الصندوق، وليس أمام سلطاتهم الوطنية. ويعمل بالصندوق حوالي 2800 موظف ينتمون إلى 133 بلداً. ويشكل الاقتصاديون ثلثي الموظفين الفنيين في الصندوق تقريباً. ويضم الصندوق 22 إدارة ومكتباً يرأسها مديرون مسؤولون أمام المدير العام. ومعظم موظفي الصندوق يعملون في واشنطن العاصمة، وإن كان هناك حوالي ثمانون ممثلاً مقيماً للصندوق في البلدان الأعضاء للمساعدة في تقديم المشورة بشأن السياسة الاقتصادية. وللصندوق مكاتب في باريس وطوكيو للاتصال بالمؤسسات الدولية والإقليمية الأخرى ومنظمات المجتمع المدني، كما أن له مكاتب في نيويورك وجنيف هدفها الأساسي الاتصال بالهيئات الأخرى في منظومة الأمم المتحدة.

موارد الصندوق:

المصدر الرئيسي لموارد صندوق النقد الدولي هو اشتراكات الحصص (أو رأس المال) التي تسددها البلدان عند الانضمام إلى عضوية الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزاد فيها الحصص. وتدفع البلدان 25% من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة أو بإحدى العملات الرئيسية، مثل دولار الولايات المتحدة أو الين الياباني. ويمكن للصندوق أن يطلب إتاحة المبلغ المتبقي، الذي يدفعه البلد العضو بعملته الوطنية، لأغراض الإقراض حسب الحاجة. وتحدد الحصص ليس فقط مدفوعات الاشتراك المطلوبة من البلد العضو، وإنما أيضاً عدد أصواته وحجم التمويل المتاح له من الصندوق ونصيبه من مخصصات حقوق السحب الخاصة.
والهدف من الحصص عموماً هو أن تكون بمثابة مرآة لحجم البلد العضو النسبي في الاقتصاد العالمي؛ فكلما ازداد حجم اقتصاد العضو من حيث الناتج وازداد اتساع تجارته وتنوعها، ازدادت بالمثل حصته في الصندوق. والولايات المتحدة الأمريكية، أكبر اقتصاد في العالم، تسهم بالنصيب الأكبر في صندوق النقد الدولي حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص. أما سيشيل، أصغر اقتصاد في العالم، فتسهم بحصة مقدارها 0.004%. وقد بدأ تنفيذ ما خلصت إليه مراجعة الحصص (الحادية عشرة) في يناير 1999، فازدادت الحصص في صندوق النقد الدولي (لأول مرة منذ عام 1990) بمقدار 45% تقريباً لتبلغ 212 بليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 290 بليون دولار أمريكي).
ويجوز للصندوق الاقتراض، عند الضرورة، من أجل تكميل الموارد المتاحة من حصصه. ولدى الصندوق مجموعتان من اتفاقات الاقتراض الدائمة لاستخدامها عند الحاجة لمواجهة أي تهديد للنظام النقدي الدولي:
• الاتفاقات العامة للاقتراض (GAB) التي تم إنشاؤها في عام 1962 ويشارك فيها أحد عشر مشتركاً (حكومات مجموعة البلدان الصناعية العشرة وسويسرا أو بنوكها المركزية)؛


و حقوق السحب الخاصة (SDR)، هي أصل احتياطي دولي أنشأه الصندوق في عام 1969 (بموجب التعديل الأول لاتفاقية تأسيسه) نتيجة لقلق البلدان الأعضاء من احتمال عدم كفاية المخزون المتوفر آنذاك والنمو المتوقع في الاحتياطيات الدولية لدعم التوسع في التجارة العالمية. وكانت أهم الأصول الاحتياطية في ذلك الحين هي الذهب ودولار الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يشأ الأعضاء أن تعتمد الاحتياطيات العالمية على إنتاج الذهب بما ينطوي عليه من تقلبات كامنة، وعلى العجز المتواصل في ميزان مدفوعات الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي كان مطلوباً لتحقيق نمو مستمر في الاحتياطيات بالدولار الأمريكي. وتم استحداث حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي تكميلي يمكن لصندوق النقد الدولي "تخصيصه" للبلدان الأعضاء بصفة دورية حين تنشأ الحاجة. كما يمكن له إلغاؤه إذا ما اقتضت الضرورة.
وحقوق السحب الخاصة – التي تعرف أحياناً باسم "الذهب الورقي" رغم تجردها من الوجود المادي – يتم تخصيصها للبلدان الأعضاء (في صورة قيود دفترية) كنسبة مئوية من حصصها. وقد خصص الصندوق حتى الآن 21.4 بليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 29 بليون دولار أمريكي) للبلدان الأعضاء، وكان آخر تخصيص هو الذي تم في عام 1981 عندما تم تخصيص 4.1 بليون وحدة حقوق سحب خاصة لعدد 141 بلداً كانت هي أعضاء الصندوق في ذلك الحين. ومنذ عام 1981، لم ير الأعضاء حاجة لإجراء تخصيص عام آخر لحقوق السحب الخاصة، وهو ما يرجع في جانب منه إلى نمو أسواق رأس المال الدولية. ولكن في سبتمبر 1997، مع ازدياد عدد البلدان الأعضاء في الصندوق – التي تضمنت بلداناً لم تكن قد تلقت أي تخصيص بعد – اقترح مجلس المحافظين إدخال تعديل رابع على اتفاقية تأسيس الصندوق. وعند الموافقة على هذا التعديل بالأغلبية المطلوبة من أصوات الحكومات الأعضاء، فسوف يصرح الصندوق بإجراء تخصيص خاص لمرة واحدة "لتحقيق المساواة" بمقدار 21.4 بليون وحدة حقوق سحب خاصة، على أن يتم توزيعها على نحو يرفع نسبة مخصصات كل الأعضاء من حقوق السحب الخاصة التراكمية إلى حصصها لتصل إلى مستوى معياري مشترك.


يساعد صندوق النقد الدولي أعضاءه عن طريق ما يلي:

• استعراض التطورات المالية والاقتصادية الوطنية والعالمية ومتابعتها، وتقديم المشورة للأعضاء بشأن سياساتهم الاقتصادية.
• إقراض الأعضاء بالعملات الصعبة لدعم سياساتهم الخاصة بالتعديل والإصلاح التي تستهدف تصحيح مشكلات ميزان المدفوعات وتشجيع النمو القابل للاستمرار.
• تقديم مجموعة كبيرة ومتنوعة من أشكال المساعدة الفنية وتوفير التدريب للعاملين في الحكومات والبنوك المركزية، وذلك في مجالات اختصاص الصندوق وخبراته.
أولا: تقديم المشورة بشأن السياسات والإشراف العالمي

تدعو اتفاقية تأسيس صندوق النقد الدولي إلى قيام الصندوق بالإشراف على النظام النقدي الدولي، بما في ذلك ممارسة "الرقابة" الدقيقة – أي الإشراف – على سياسات أسعار الصرف في بلدانه الأعضاء. وطبقاً للاتفاقية، يتعهد كل بلد عضو بالتعاون مع الصندوق في جهوده الرامية إلى ضمان وجود ترتيبات صرف منظمة وتشجيع وجود نظام مستقر لأسعار الصرف.
وعلى نحو أكثر تحديداً، توافق البلدان الأعضاء على توجيه سياساتها نحو أهداف النمو الاقتصادي المنظم مع مستوى معقول من استقرار الأسعار، بالإضافة إلى إرساء أوضاع مالية واقتصادية أساسية منظمة، وتجنب التلاعب في أسعار الصرف لتحقيق ميزة تنافسية غير عادلة. وبالإضافة إلى ذلك، يتعهد كل بلد عضو بأن يقدم للصندوق المعلومات اللازمة لممارسة دوره الرقابي على نحو فعال. وقد اتفق الأعضاء على أن رقابة الصندوق لسياسات أسعار الصرف في كل بلد عضو ينبغي أن تتم في إطار تحليل شامل للحالة الاقتصادية العامة واستراتيجية السياسات الاقتصادية في البلد المعني.
ومن شأن المتابعة المنتظمة للاقتصادات حسبما تقتضي رقابة الصندوق، وما يرتبط بذلك من تقديم المشورة بشأن السياسات، أن تساعد في التنبيه إلى الأخطار قبل تحققها وتمكين البلدان الأعضاء من التصرف في الوقت المناسب لتجنب أية متاعب.
ويمارس الصندوق دوره الإشرافي بطرق ثلاث:
الرقابة القطرية ، وهي تتخذ شكل مشاورات شاملة منتظمة (تعقد على أساس مستوى في العادة) مع فرادى البلدان الأعضاء حول سياساتها الاقتصادية و يقوم فريق من خبراء الصندوق بزيارة البلد المعني لجمع البيانات الاقتصادية والمالية وعقد مناقشات مع المسؤولين في الحكومة والبنك المركزي حول السياسات الاقتصادية للبلد المعني في سياق آخر التطورات. ويقوم الفريق باستعراض سياسات البلد الاقتصادية الكلية (الخاصة بالمالية العامة والشؤون النقدية وأسعار الصرف)، وتقييم مدى سلامة النظام المالي، وتفحص قضايا السياسات الصناعية والاجتماعية وتلك الخاصة بالعمالة وسلامة الحكم والإدارة والبيئة وغيرها مما يمكن أن يؤثر على سياسات وأداء الاقتصاد الكلي. ويقدم الفريق بعد ذلك تقريراً إلى المجلس التنفيذي عما خلص إليه من نتائج، بعد الحصول على موافقة الإدارة، ويقوم المجلس بمناقشة التحليل الوارد في التقرير ثم تحال آراؤه إلى حكومة البلد المعني في شكل ملخص يصدره رئيس المجلس. وبهذه الطريقة تكتسب آراء المجتمع الدولي والدروس المستخلصة من التجربة الدولية وزناً مؤثراً على سياسات البلد المعني.
ويكمل الصندوق مشاوراته المعتادة سنوياً مع البلدان الأعضاء بزيارات إضافية يقوم بها الخبراء إلى هذه البلدان كلما دعت الحاجة، كما يعقد المجلس التنفيذي العديد من الاجتماعات غير الرسمية لاستعراض التطورات المالية والاقتصادية في بلدان أعضاء ومناطق مختارة.
الرقابة العالمية، وهي تستتبع قيام المجلس التنفيذي للصندوق باستعراض الاتجاهات والتطورات الاقتصادية العالمية. وتستند أهم الاستعراضات من هذا النوع إلى تقارير "آفاق الاقتصاد العالمي" التي يعدها خبراء الصندوق، وهي تتم في العادة مرتين سنوياً قبل الاجتماعات نصف السنوية للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية. وتنشر التقارير بالكامل قبل اجتماعات هذه اللجنة، إلى جانب ملخصات رئيس المجلس التنفيذي لمناقشات المجلس. ومن العناصر الأخرى في عملية الرقابة العالمية التي يقوم بها الصندوق المناقشات السنوية المعتادة التي يعقدها المجلس حول التطورات والآفاق المستقبلية وقضايا السياسات في أسواق رأس المال الدولية، وهي موضوعات يتم نشر تقارير خبراء الصندوق بشأنها أيضاً. كذلك يعقد المجلس التنفيذي مناقشات غير رسمية أكثر تواتراً حول ما يجري في العالم من تطورات اقتصادية ومستجدات في الأسواق.
الرقابة الإقليمية، وبموجبها يدرس صندوق النقد الدولي السياسات المتبعة طبقاً لاتفاقيات إقليمية. ويشمل ذلك، على سبيل المثال، مناقشات المجلس التنفيذي للتطورات في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا والجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا والاتحاد النقدي لدول شرق الكاريبي.
كذلك تشارك إدارة الصندوق وموظفوه في مناقشات الرقابة المتعلقة بمجموعات مثل مجموعة السبعة (أي مجموعة البلدان الصناعية الرئيسية السبعة) ومجلس التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا والمحيط الهادئ (APEC).

ثانيا: الإقراض لمساعدة البلدان المتعثرة

يقدم صندوق النقد الدولي قروضاً بالعملات الأجنبية للبلدان التي تواجه مشكلات في ميزان المدفوعات. ومن شأن هذه القروض أن تخفف من صعوبة التصحيح الذي يتعين على البلد المعني إجراؤه للتوفيق بين إنفاقه ودخله بغية معالجة المشكلات التي يواجهها على صعيد ميزان المدفوعات. كذلك تستهدف هذه القروض دعم السياسات، بما في ذلك الإصلاحات الهيكلية، التي يمكن أن تحسن مركز ميزان المدفوعات وآفاق النمو على أساس دائم.
ويمكن لأي بلد عضو أن يلجأ إلى صندوق النقد الدولي للحصول على التمويل اللازم لأغراض ميزان المدفوعات، أي إذا احتاج إلى قرض رسمي ليتمكن من سداد مدفوعاته الخارجية والحفاظ على مستوى مناسب من الاحتياطات بغير أن يتخذ تدابير ضاغطة علي الوطني أو الدولي.
ما هي البرامج المدعمة بموارد صندوق النقد الدولي؟
عندما يتوجه أحد البلدان إلى صندوق النقد الدولي طالباً التمويل، فهو إما أن يكون في أزمة اقتصادية فعلية أو على وشك الوقوع فيها؛ فعملته تكون هدفاً للمضاربة في أسواق الصرف الأجنبي واحتياطياته مستنفدة ونشاطه الاقتصادي راكداً أو آخذاً في الهبوط وحالات الإفلاس فيه آخذة في الزيادة. ولاستعادة سلامة مركز المدفوعات الخارجية في هذا البلد واسترداد الظروف المواتية لتحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار فيه، ينبغي الجمع بشكل ما بين عملية التصحيح الاقتصادي والتمويل الرسمي و/أو الخاص.
ويقدم الصندوق المشورة إلى سلطات البلد المعني فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية التي ينتظر أن تعالج المشكلات القائمة بأقصى درجة من الفعالية. ولكي يقدم الصندوق التمويل المطلوب، لابد أن يتوصل إلى اتفاق مع السلطات حول برنامج للسياسات يستهدف تحقيق أهداف كمية محددة فيما يتصل بسلامة المركز الخارجي، والاستقرار المالي والنقدي، والنمو القابل للاستمرار. ويتم توضيح تفاصيل هذا البرنامج في "خطاب نوايا" توجهه الحكومة إلى مدير عام الصندوق.
أدوات الإقراض في صندوق النقد الدولي وتطورها
يقدم صندوق النقد الدولي قروضاً بموجب مجموعة متنوعة من السياسات أو "التسهيلات" التي تبلورت بمرور السنين لمواجهة احتياجات البلدان الأعضاء. وتختلف المدة وشروط السداد والإقراض في كل من هذه التسهيلات حسب أنواع المشكلات التي تواجه ميزان المدفوعات والظروف التي يتعامل معها التسهيل المعني
ويقدم الصندوق معظم التمويل إلى البلدان الأعضاء من خلال ثلاثة أنواع مختلفة من سياسات الإقراض:
اتفاقات الاستعداد الائتماني وهي تشكل لب سياسات الإقراض في الصندوق. وقد استخدمت لأول مرة في عام 1952، وهدفها الأساسي هو معالجة مشكلات ميزان المدفوعات قصيرة الأجل.
أما الاتفاقات الممددة متوسطة الأجل، التي تعقد بموجب تسهيل الصندوق الممدد، فهي لخدمة البلدان التي تمر بمصاعب في ميزان المدفوعات تتعلق بمشكلات هيكلية، وهي مشكلات قد يستغرق تصحيحها فترة أطول مما يحدث بالنسبة لجوانب الضعف في الاقتصاد الكلي. وتضم السياسات الهيكلية المرتبطة بالاتفاقات الممددة الإصلاحات التي تستهدف تحسين طريقة عمل الاقتصاد، مثل الإصلاحات الضريبية وإصلاحات القطاع المالي، وخصخصة المؤسسات العامة، وإجراءات تعزيز المرونة في أسواق العمل.
ويقدم الصندوق منذ أواخر السبعينات قروضاً ميسرة لمساعدة أفقر بلدانه الأعضاء في تأمين سلامة مراكزها الخارجية، وتحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار، وتحسين مستويات المعيشة. وقد التسهيل الميسر الحالي، وهو تسهيل النمو والحد من الفقر (PRGF) محل التسهيل التمويلي المعزز للتصحيح الهيكلي (ESAF) في نوفمبر 1999، حتى يصبح الحد من الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي الهدفين الأساسيين لبرامج السياسات في البلدان المعنية.
وفي أواخر التسعينات، استحدث الصندوق تسهيلات تستهدف مساعدة البلدان في مواجهة الفقدان المفاجئ لثقة الأسواق، ومنع "عدوى" الأزمات – أي امتداد الأزمات المالية إلى البلدان ذات السياسات الاقتصادية السليمة

تسهيلات إقراض مختارة لدى صندوق النقد الدولي

اتفاقات الاستعداد الائتماني (Stand-By Arrangements): وتمثل هذه الاتفاقات جوهر سياسات الإقراض في الصندوق. ويعتبر اتفاق الاستعداد الائتماني بمثابة تأكيد للبلد العضو بأنه يستطيع السحب من موارد الصندوق إلى حد معين، على مدى فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً في العادة، لمعالجة ما يواجهه من مشكلات قصيرة الأجل في ميزان المدفوعات.
تسهيل الصندوق الممدد (Extended Fund Facility): يعتبر الدعم الذي يقدمه الصندوق للبلدان الأعضاء طبقاً لتسهيل الصندوق الممدد بمثابة تأكيد للبلد العضو بأنه يستطيع السحب من موارد الصندوق إلى حد معين، على مدى فترة تتراوح بين ثلاثة إلى أربع سنوات في العادة، لمساعدته في معالجة المشكلات الاقتصادية الهيكلية التي تتسبب في إيجاد مواطن ضعف خطيرة في ميزان مدفوعاته.
تسهيل النمو والحد من الفقر (Poverty Reduction and Growth Facility): (الذي حل محل التسهيل التمويلي المعزز للتصحيح الهيكلي في نوفمبر 1999). هو تسهيل بسعر فائدة منخفض هدفه مساعدة أفقر البلدان الأعضاء التي تواجه مشكلات مطولة في ميزان المدفوعات اما التكاليف التي يتحملها المقترض فهي تكاليف مدعمة بالموارد المتحققة من المبيعات الماضية للذهب المملوك للصندوق، إلى جانب القروض والمنح التي يقدمها البلدان الأعضاء إلى الصندوق خصيصاً لهذا الغرض.
تسهيل الاحتياطي التكميلي (Supplemental Reserve Facility): هو تسهيل يوفر تمويلاً إضافياً قصير الأجل للبلدان الأعضاء التي تعاني صعوبة استثنائية في ميزان المدفوعات نتيجة لفقدان ثقة السوق بشكل مفاجئ ومثير للاضطراب تتمثل مظاهره في تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج. ويتضمن سعر الفائدة على القروض بموجب تسهيل الاحتياطي التكميلي رسماً إضافياً يضاف إلى سعر الفائدة العادي على قروض الصندوق.
خطوط الائتمان الطارئ (Contingent Credit Lines): هي خطوط دفاع وقائية تمكن البلدان الأعضاء القائمة بتطبيق سياسات اقتصادية قوية من الحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي على أساس قصير الأجل عندما تواجه بفقدان ثقة الأسواق على نحو مفاجئ ومثير للاضطراب بسبب امتداد عدوى المصاعب الآتية من بلدان أخرى.
مساعدات الطوارئ (Emergency Assistance): استحدثت مساعدات الطوارئ في عام 1962 لمساعدة البلدان في مواجهة مشكلات ميزان المدفوعات الناشئة عن الكوارث الطبيعية المفاجئة التي لا يمكن التنبؤ بها. وقد تم التوسع في هذا النوع من المساعدة في عام 1995 لتغطية مواقف معينة تكون البلدان الأعضاء قد خرجت فيها لتوها من صراعات مسلحة أفضت إلى ضعف مفاجئ في قدراتها الإدارية والمؤسسية
أهم سمات الإقراض المقدم من الصندوق

• صندوق النقد الدولي ليس وكالة للمعونة أو بنكاً للتنمية، فهو يقدم القروض لمساعدة بلدانه الأعضاء على معالجة مشكلات ميزان المدفوعات واستعادة النمو الاقتصادي القابل للاستمرار. ويتم إيداع النقد الأجنبي المقدم، الذي تتعين حدوده القصوى حسب حصة البلد العضو في الصندوق، لدى البنك المركزي في البلد المعني لدعم احتياطياته الدولية وبالتالي إعطاء دعم عام لميزان المدفوعات. وعلى عكس القروض التي تقدمها وكالات التنمية، فإن أموال صندوق النقد الدولي لا تقدم لتمويل مشاريع أو أنشطة بعينها.
• قروض الصندوق مشروطة بالسياسات، قروض الصندوق مشروطة بالسياسات، بمعنى أن البلد المقترض لابد أن يعتمد سياسات تعمل على تصحيح مشكلة ميزان المدفوعات. وتساعد الشرطية المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي على ضمان عدم استخدام البلد المعني لقروض الصندوق لمجرد تأجيل الاختبارات الصعبة وإنشاء مزيد من الديون، والتأكد من قدرته على تعزيز اقتصاده وسداد المبلغ المقترض. ولابد أن يتفق البلد المقترض وصندوق النقد الدولي على إجراءات السياسة الاقتصادية اللازمة. كذلك فإن الصندوق يقوم بصرف القروض على مراحل ترتبط بتنفيذه لالتزاماته المقررة على صعيد السياسات. وخلال الفترة 2000-2001، عمل الصندوق على ترشيد هذه الشرطية - بجعلها أكثر تركيزاً على سياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي وأقل تدخلاً فيما تختاره البلدان من سياسات، مما يزيد من شعور البلد بملكية برامج السياسات ويزيد من درجة فعاليتها.
• قروض الصندوق مؤقتة؛ فحسب تسهيل الإقراض المستخدم، يمكن أن تصرف القروض على فترات قد تقصر لتصل إلى ستة شهور أو تطول لتصل إلى أربع سنوات. وتتراوح فترة السداد بين 3.25 إلى 5 سنوات للقروض قصيرة الأجل (بموجب اتفاقات الاستعداد الائتماني) أو 4.5 إلى 10 سنوات للتمويل متوسط الأجل (بموجب الاتفاقات الممددة) . ولكن المجلس التنفيذي وافق في نوفمبر 2000 على استحداث آلية توقع السداد المبكر( Early Repayment Expectation ) – أي في فترة تتراوح بين 2.25 إلى 4 سنوات لاتفاقات الاستعداد الائتماني و 4.5 إلى 7 سنوات للاتفاقات الممددة. أما فترة سداد القروض المقدمة إلى البلدان ذات الدخل المنخفض بموجب تسهيل الإقراض الميسر المعروف باسم تسهيل النمو والحد من الفقر (PRGF) فهي 10 سنوات، مع فترة سماح طولها خمس سنوات ونصف لسداد أصل القرض.

• يتوقع الصندوق من المقترضين إعطاء أولوية لسداد قروضه. فالبلد المقترض يجب أن يسدد قرض الصندوق في الموعد المحدد، حتى تتوفر الأموال لإقراض بلدان أخرى تحتاج إلى التمويل لأغراض ميزان المدفوعات. ويطبق الصندوق إجراءات رادعة لمنع تراكم المتأخرات أو عدم سداد المدفوعات أو رسوم الفائدة. ولكن الأهم من ذلك كله هو الوزن الذي يعطيه المجتمع الدولي لوضع صندوق النقد الدولي كدائن ممتاز؛ فهو يضمن أن يكون الصندوق من أوائل المقرضين الذين تسدد قروضهم، رغم أنه في العادة هو آخر مقرض يقدم على تقديم الأموال إلى البلدان بعد أن تصبح قدرة البلد المعني على الوفاء بالتزاماته موضع شك واضح.

المساعدة الفنية والتدريب

لعل ما اشتهر به صندوق النقد الدولي هو تقديم المشورة بشأن السياسات إلى البلدان الأعضاء ومنحها قروضاً مربوطة بالسياسات في أوقات الأزمات الاقتصادية. على أن الصندوق يتيح للبلدان الأعضاء الاستفادة أيضاً من خبراته الفنية على أساس منتظم من خلال توفير المساعدة الفنية والتدريب في مجموعة كبيرة من المجالات، مثل أنشطة البنوك المركزية، والسياسات النقدية وسياسات أسعار الصرف، والسياسات والإدارة الضريبية، والإحصاءات الرسمية. والهدف من وراء ذلك هو العمل على تعزيز قدرة الأعضاء على تصميم السياسات الاقتصادية وتنفيذها، وهو ما يتم بسبل متعددة تتضمن تعزيز المهارات في المؤسسات المسؤولة، مثل وزارات المالية والبنوك المركزية. وتعد المساعدة الفنية عنصراً مكملاً لما يقدمه الصندوق إلى البلدان الأعضاء من مساعدات مالية ومشورة بشأن السياسات، وهي تمثل حوالي 20% من التكاليف الإدارية للصندوق.
ويقدم الصندوق المساعدة الفنية والتدريب في أربعة مجالات أساسية هي:
• دعم القطاعات المالية والنقدية عن طريق تقديم المشورة بشأن تنظيم الجهاز المصرفي والرقابة عليه وإعادة هيكلته، وإدارة النقد الأجنبي والعمليات ذات الصلة، ونظم المقاصة وتسوية المدفوعات، بالإضافة إلى هياكل البنوك المركزية وتطويرها؛
• مساندة الجهود الرامية إلى وضع سياسات مالية عامة قوية وضمان حسن إدارتها عن طريق تقديم المشورة بشأن السياسات والإدارة الضريبية والجمركية، ووضع الميزانية، وإدارة الإنفاق، وتصميم شبكات الأمان الاجتماعي، وإدارة الدين الداخلي والخارجي؛
• إعداد البيانات الإحصائية وإدارتها ونشرها وتحسين نوعيتها؛
• صياغة التشريعات الاقتصادية والمالية ومراجعتها.
وينظم الصندوق دورات تدريبية للمسؤولين في الحكومات والبنوك المركزية في البلدان الأعضاء، وذلك في مقره بواشنطن العاصمة وفي مراكز التدريب الإقليمية في أبيدجان وبرازيليا وسنغافورة وفيينا. ويقدم الصندوق المساعدة الفنية ميدانياً أيضاً من خلال زيارات خبرائه إلى البلدان الأعضاء التي تكملها زيارات الاستشاريين والخبراء المكلفين من خارج الصندوق. وتتقلى برامج المساعدة الفنية والتدريب التي يقدمها الصندوق تمويلا تكميليا من بلدان مثل اليابان وسويسرا، وهيئات دولية مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي.
تقوية النظام المالي والنقدي الدولي
أدت العولمة إلى ظهور تحديات جديدة أمام صندوق النقد الدولي. ولعل أهم التحديات وأكثرها صعوبة هما كيفية تقوية النظام المالي العالمي – بحيث يصبح أقل عرضة للأزمات المالية وأكثر قدرة على التصدي لها إذا وقعت – وكيفية دعم جهود مكافحة الفقر في البلدان منخفضة الدخل
ولقد حققت العولمة فوائد كبرى لبلدان كثيرة وأناس كثيرين في جميع أنحاء العالم، والحق أن الاندماج في الاقتصاد العالمي يمثل عنصراً جوهرياً في أية استراتيجية لتمكين البلدان المختلفة من التوصل إلى مستويات معيشية أعلى، ولكن العولمة، من خلال ما تحققه من زيادة في حجم تدفقات رؤوس الأموال الدولية وسرعة حركتها، قد أدت أيضاً إلى زيادة مخاطر الأزمات المالية. وفي الوقت ذاته، نشأت مخاطرة أخرى، وهي أن البلدان منخفضة الدخل، التي لم تستفد استفادة كبيرة بعد من العولمة، ستزداد تخلفاً عن الركب في الوقت الذي ترتفع فيه مستويات المعيشة في البلدان الأخرى.
بناء نظام مالي عالمي أقوى
كانت الأزمات المالية في الأسواق الصاعدة في منتصف وأواخر التسعينات تذكرة بالمخاطر المرتبطة بالعولمة – حتى بالنسبة للاقتصادات التي حققت استفادة هائلة من ورائها والتي تدار إدارة جيدة من جوانب متعددة. فالاقتصادات التي تضررت من الأزمة الآسيوية في الفترة 1997-1998 على وجه الخصوص كانت قد حققت طوال عدة عقود مكاسب ضخمة من التجارة الدولية التي تزداد تكاملا يوما بعد يوم. ولقد كشفت الأزمات عن وجود جوانب ضعف في سياسات البلدان التي أصابتها الأزمة، بل وعن ثغرات في النظام المالي الدولي نفسه، مما أبرز الحقيقتين التاليتين:
• إن المستثمرين قد يتراجعون على نحو سريع وجماعي إذا ما لمسوا وجود نقائص في السياسات الاقتصادية المحلية. ومتى فقد المستثمرون – المحليون أو الأجانب – ثقتهم في الاقتصاد، يمكن أن تنضب تدفقات رؤوس الأموال الداخلة وأن يؤدي خروج تدفقات صافية كبيرة على التعجيل بوقوع أزمة مالية.
• إن الأزمة المالية التي تقع في بلد أو منطقة ما يمكن أن تمتد بسرعة لتنتشر في اقتصادات أخرى.
ومن أجل الحد من مخاطر وقوع الأزمات المالية في المستقبل ودعم إمكانية الحل السريع لما يقع منها، يعمل صندوق النقد الدولي على تقوية النظام النقدي المالي الدولي بالتعاون مع حكومات البلدان الأعضاء والمنظمات الدولية الأخرى والهيئات التنظيمية والقطاع الخاص.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

إلى akuntalbi:

نشأة صندوق النقد الدولي

تبلورت فكرة صندوق النقد الدولي في يوليو 1944 أثناء مؤتمر للأمم المتحدة عقد في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية عندما اتفق ممثلو خمس وأربعين حكومة على إطار للتعاون الاقتصادي يستهدف تجنب تكرار كارثة السياسات الاقتصادية الفاشلة التي أسهمت في حدوث الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن العشرين.
فخلال هذا العقد، ومع ضعف النشاط الاقتصادي في البلدان الصناعية الكبرى، حاولت البلدان المختلفة الدفاع عن اقتصاداتها بزيادة القيود المفروضة على الواردات، ولكن هذا الإجراء لم يؤد إلا إلى تفاقم دائرة الانخفاض التي يتعاقب فيها هبوط التجارة العالمية والناتج وتوظيف العمالة. ومن أجل المحافظة على الاحتياطيات المتناقصة من الذهب والعملات الأجنبية لجأت بعض البلدان إلى تقييد حرية مواطنيها في الشراء من الخارج، وقامت بلدان أخرى بتخفيض أسعار عملاتها، بينما فرض البعض الآخر قيوداً معقدة على حرية حيازة المواطنين للعملات الأجنبية. على أن هذه الحلول أدت إلى نتائج عكسية، ولم يتمكن أي بلد من المحافظة على ميزته التنافسية لفترة طويلة. وقد أدت سياسات "إفقار الجار" هذه إلى تدمير الاقتصاد الدولي، فتناقصت التجارة العالمية تناقصاً حاداً وكذلك توظيف العمالة ومستويات المعيشة في بلدان كثيرة.
و منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية مر الاقتصاد العالمي والنظام النقدي بتغيرات أخرى كبيرة، وهي تغيرات أبرزت أهمية الأغراض التي يخدمها صندوق النقد الدولي وأثبتت ضرورتها، وإن كانت قد تطلبت من الصندوق أيضاً أن يتكيف مع المستجدات ويشرع في جهود الإصلاح. كذلك فإن التقدم السريع في مجال التكنولوجيا والاتصالات قد أسهم بدوره في زيادة التكامل الدولي بين الأسواق وتوثيق الروابط بين الاقتصادات الوطنية. ومن ثم فإن الأزمات المالية التي تنفجر في عالم اليوم غالباً ما تنتشر بين البلدان بسرعة أكبر من ذي قبل.
وفي عالم اليوم الذي يزداد تكاملاً وتكافلاً يوماً بعد يوم، يعتمد تحسن الأحوال في أي بلد أكثر من أي وقت مضى على الأداء الاقتصادي في البلدان الأخرى ووجود بيئة اقتصادية عالمية مفتوحة ومستقرة. وبالمثل فإن السياسات المالية والاقتصادية التي تنتهجها فرادى البلدان تؤثر على مدى نجاح أو فشل سير النظام التجاري ونظام المدفوعات العالميين.ومن هنا تتطلب العولمة توثيق التعاون الدولي، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة مسؤوليات المؤسسات الدولية القائمة على تنظيم هذا التعاون، بما فيها صندوق النقد الدولي.
وقد ازدادت أهمية الأهداف التي يتوخاها صندوق النقد الدولي لسبب بسيط آخر، ألا وهو اتساع نطاق عضويته. ذلك أن عدد البلدان الأعضاء قد تجاوز أربعة أمثال عدد البلدان التي شاركت في إنشائه، وعددها 45 بلداً (184 دولة حاليا)، مما يرجع بشكل خاص إلى حصول كثير من البلدان النامية على استقلالها ثم انهيار الكتلة السوفييتية مؤخراً.
والحق أن اتساع عضوية صندوق النقد الدولي، إلى جانب التغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي، قد تطلبت من الصندوق أن يتكيف مع المستجدات بسبل مختلفة حتى يتسنى له الاستمرار في خدمة أهدافه على نحو فعال.
وفي نفس الوقت الذي أنشئ فيه صندوق النقد الدولي، أنشئ البنك الدولي للإنشاء والتعمير المعروف باسم البنك الدولي بغية تشجيع التنمية الاقتصادية طويلة الأجل من خلال سبل شتى تتضمن تمويل مشاريع البنية التحتية، مثل بناء الطرق وتحسين إمدادات المياه.
وتجدر الإشارة إلى تكامل عمل صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي – التي تضم المؤسسة الدولية للتمويل (IFC) والمؤسسة الدولية للتنمية (IDA). فبينما يركز صندوق النقد الدولي في المقام الأول على أداء الاقتصاد الكلي وسياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي، ينصب اهتمام البنك الدولي على القضايا الأطول أجلاً المتعلقة بالتنمية وتخفيف حدة الفقر. وتضم أنشطة البنك الدولي تقديم القروض إلى البلدان النامية وبلدان التحول الاقتصادي لتمويل مشاريع البنية التحتية وإصلاح قطاعات بعينها في الاقتصاد والإصلاحات الهيكلية الأوسع نطاقاً. أما صندوق النقد الدولي فلا يقدم التمويل لقطاعات أو مشاريع بعينها، وإنما لغرض تقديم دعم عام لميزان المدفوعات والاحتياطيات الدولية في البلد المعني في الوقت الذي يقوم فيه ذلك البلد باتخاذ إجراءات على صعيد السياسات لمواجهة ما يمر به من مصاعب.
وعند إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك المركزي، كان هناك تفكير في إنشاء منظمة تعمل على تشجبع تحرير التجارة العالمية. ولكن إنشاء منظمة التجارة العالمية لم يتحقق إلا في عام 1995، وكانت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (غات) هي الأساس الذي تستند إليه معالجة قضايا التجارة حتى ذلك الحين.

يختص صندوق النقد الدولي باداء سياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي ويركز الصندوق أساساً على السياسات الاقتصادية الكلية للبلدان - أي السياسات المتعلقة بميزان الحكومة، وإدارة النقد والائتمان وسعر الصرف - وسياسات القطاع المالي بما في ذلك تنظيم البنوك والمؤسسات المالية الأخرى والرقابة عليها. وإضافة إلى ذلك يوجه صندوق النقد الدولي اهتماماً كافياً للسياسات الهيكلية التي تؤثر على أداء الاقتصاد الكلي - بما في ذلك سياسات سوق العمل التي تؤثر على سلوك التوظيف والأجور. ويقدم الصندوق المشورة لكل بلد عضو حول كيفية تحسين سياسته في هذه المجالات، بما يتيح مزيداً من الفاعلية في السعي لبلوغ أهداف مثل ارتفاع معدل توظيف العمالة، وانخفاض التضخم، وتحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستمرار - أي النمو الذي يمكن أن يستمر بغير أن يؤدي إلى مصاعب كالتضخم ومشكلات ميزان المدفوعات.
يهدف صندوق النقد الدولي إلي :

1. التوسع المتوازن في التجارة العالمية،
2. تحقيق استقرار أسعار الصرف،
3. تجنب التخفيض التنافسي لقيم العملات،
4. إجراء تصحيح منظم لاختلالات موازين المدفوعات
ولتحقيق هذه الأهداف، يقوم الصندوق بالوظائف و الأدوار التالية:
• مراقبة التطورات والسياسات الاقتصادية والمالية في البلدان الأعضاء وعلى المستوى العالمي، وتقديم المشورة بشأن السياسات المتبعة بالدول الأعضاء.
• إقراض البلدان الأعضاء التي تمر بمشكلات في موازين مدفوعاتها، ليس فقط لإمدادها بالتمويل المؤقت وإنما أيضاً لدعم سياسات التصحيح والإصلاح الرامية إلى حل مشكلاتها الأساسية.
• تقديم المساعدة الفنية والتدريب في مجالات خبرة الصندوق إلى حكومات البلدان الأعضاء وبنوكها المركزية.
• توفير منتدى دولي لمناقشة السياسات الاقتصادية الوطنية في سياق عالمي وإنما أيضاً لمناقشة القضايا المهمة لاستقرار النظام النقدي المالي الدولي. وتضم هذه القضايا اختيار البلدان لنظم أسعار الصرف، وتجنب تدفقات رؤوس الأموال الدولية المخلة بالاستقرار، ووضع معايير وقواعد معترف بها دولياً للسياسات والمؤسسات
.

إدارة الصندوق والهيكل التنظيمي:

مجلس المحافظين، الذي يضم ممثلين لكل البلدان الأعضاء، هو صاحب السلطة العليا في إدارة صندوق النقد الدولي، وهو يجتمع في العادة مرة واحدة سنوياً خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويقوم كل بلد عضو بتعيين محافظ – عادة ما يكون هو وزير المالية أو محافظ البنك المركزي في ذلك البلد – ومحافظ مناوب. ويبت مجلس المحافظين في قضايا السياسات الكبرى، ولكنه فوض المجلس التنفيذي في اتخاذ القرارات المتعلقة بأعمال الصندوق اليومية.
ويجري النظر في قضايا السياسات الأساسية المتعلقة بالنظام النقدي الدولي مرتين سنوياً في إطار لجنة من المحافظين يطلق عليها اسم اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، (وهي التي كانت تعرف باسم اللجنة المؤقتة حتى سبتمبر 1999). أما لجنة التنمية ، وهي لجنة مشتركة بين مجلس محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فهي تقدم المشورة إلى المحافظين وترفع إليهم تقاريرها حول سياسات التنمية والمسائل الأخرى التي تهم البلدان النامية.
ويتألف المجلس التنفيذي من 24 مديراً، ويرأسه المدير العام للصندوق؛ ويجتمع المجلس التنفيذي عادة ثلاث مرات في الأسبوع في جلسات يستغرق كل منها يوماً كاملاً، ويمكن عقد اجتماعات إضافية إذا لزم الأمر، وذلك في مقر الصندوق في واشنطن العاصمة. وتخصص مقاعد مستقلة في المجلس التنفيذي للبلدان المساهمة الخمسة الكبرى – وهي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة – إلى جانب الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية. أما المديرون الستة عشر الآخرون فتتولى انتخابهم مجموعات من البلدان تعرف باسم الدوائر الانتخابية (constituencies) لفترات مدتها عامين
ويضطلع المجلس التنفيذي باختيار المدير العام، الذي يتولى رئاسة المجلس إلى جانب قيادته لخبراء وموظفي الصندوق وتسييره لأعماله بتوجيه من المجلس التنفيذي. ويعين المدير العام لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، ويساعده في عمله نائب أول ونائبان آخران.
والعاملون في صندوق النقد الدولي موظفون مدنيون دوليون مسؤولون أمام الصندوق، وليس أمام سلطاتهم الوطنية. ويعمل بالصندوق حوالي 2800 موظف ينتمون إلى 133 بلداً. ويشكل الاقتصاديون ثلثي الموظفين الفنيين في الصندوق تقريباً. ويضم الصندوق 22 إدارة ومكتباً يرأسها مديرون مسؤولون أمام المدير العام. ومعظم موظفي الصندوق يعملون في واشنطن العاصمة، وإن كان هناك حوالي ثمانون ممثلاً مقيماً للصندوق في البلدان الأعضاء للمساعدة في تقديم المشورة بشأن السياسة الاقتصادية. وللصندوق مكاتب في باريس وطوكيو للاتصال بالمؤسسات الدولية والإقليمية الأخرى ومنظمات المجتمع المدني، كما أن له مكاتب في نيويورك وجنيف هدفها الأساسي الاتصال بالهيئات الأخرى في منظومة الأمم المتحدة.

موارد الصندوق:

المصدر الرئيسي لموارد صندوق النقد الدولي هو اشتراكات الحصص (أو رأس المال) التي تسددها البلدان عند الانضمام إلى عضوية الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزاد فيها الحصص. وتدفع البلدان 25% من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة أو بإحدى العملات الرئيسية، مثل دولار الولايات المتحدة أو الين الياباني. ويمكن للصندوق أن يطلب إتاحة المبلغ المتبقي، الذي يدفعه البلد العضو بعملته الوطنية، لأغراض الإقراض حسب الحاجة. وتحدد الحصص ليس فقط مدفوعات الاشتراك المطلوبة من البلد العضو، وإنما أيضاً عدد أصواته وحجم التمويل المتاح له من الصندوق ونصيبه من مخصصات حقوق السحب الخاصة.
والهدف من الحصص عموماً هو أن تكون بمثابة مرآة لحجم البلد العضو النسبي في الاقتصاد العالمي؛ فكلما ازداد حجم اقتصاد العضو من حيث الناتج وازداد اتساع تجارته وتنوعها، ازدادت بالمثل حصته في الصندوق. والولايات المتحدة الأمريكية، أكبر اقتصاد في العالم، تسهم بالنصيب الأكبر في صندوق النقد الدولي حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص. أما سيشيل، أصغر اقتصاد في العالم، فتسهم بحصة مقدارها 0.004%. وقد بدأ تنفيذ ما خلصت إليه مراجعة الحصص (الحادية عشرة) في يناير 1999، فازدادت الحصص في صندوق النقد الدولي (لأول مرة منذ عام 1990) بمقدار 45% تقريباً لتبلغ 212 بليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 290 بليون دولار أمريكي).
ويجوز للصندوق الاقتراض، عند الضرورة، من أجل تكميل الموارد المتاحة من حصصه. ولدى الصندوق مجموعتان من اتفاقات الاقتراض الدائمة لاستخدامها عند الحاجة لمواجهة أي تهديد للنظام النقدي الدولي:
• الاتفاقات العامة للاقتراض (GAB) التي تم إنشاؤها في عام 1962 ويشارك فيها أحد عشر مشتركاً (حكومات مجموعة البلدان الصناعية العشرة وسويسرا أو بنوكها المركزية)؛


و حقوق السحب الخاصة (SDR)، هي أصل احتياطي دولي أنشأه الصندوق في عام 1969 (بموجب التعديل الأول لاتفاقية تأسيسه) نتيجة لقلق البلدان الأعضاء من احتمال عدم كفاية المخزون المتوفر آنذاك والنمو المتوقع في الاحتياطيات الدولية لدعم التوسع في التجارة العالمية. وكانت أهم الأصول الاحتياطية في ذلك الحين هي الذهب ودولار الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يشأ الأعضاء أن تعتمد الاحتياطيات العالمية على إنتاج الذهب بما ينطوي عليه من تقلبات كامنة، وعلى العجز المتواصل في ميزان مدفوعات الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي كان مطلوباً لتحقيق نمو مستمر في الاحتياطيات بالدولار الأمريكي. وتم استحداث حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي تكميلي يمكن لصندوق النقد الدولي "تخصيصه" للبلدان الأعضاء بصفة دورية حين تنشأ الحاجة. كما يمكن له إلغاؤه إذا ما اقتضت الضرورة.
وحقوق السحب الخاصة – التي تعرف أحياناً باسم "الذهب الورقي" رغم تجردها من الوجود المادي – يتم تخصيصها للبلدان الأعضاء (في صورة قيود دفترية) كنسبة مئوية من حصصها. وقد خصص الصندوق حتى الآن 21.4 بليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 29 بليون دولار أمريكي) للبلدان الأعضاء، وكان آخر تخصيص هو الذي تم في عام 1981 عندما تم تخصيص 4.1 بليون وحدة حقوق سحب خاصة لعدد 141 بلداً كانت هي أعضاء الصندوق في ذلك الحين. ومنذ عام 1981، لم ير الأعضاء حاجة لإجراء تخصيص عام آخر لحقوق السحب الخاصة، وهو ما يرجع في جانب منه إلى نمو أسواق رأس المال الدولية. ولكن في سبتمبر 1997، مع ازدياد عدد البلدان الأعضاء في الصندوق – التي تضمنت بلداناً لم تكن قد تلقت أي تخصيص بعد – اقترح مجلس المحافظين إدخال تعديل رابع على اتفاقية تأسيس الصندوق. وعند الموافقة على هذا التعديل بالأغلبية المطلوبة من أصوات الحكومات الأعضاء، فسوف يصرح الصندوق بإجراء تخصيص خاص لمرة واحدة "لتحقيق المساواة" بمقدار 21.4 بليون وحدة حقوق سحب خاصة، على أن يتم توزيعها على نحو يرفع نسبة مخصصات كل الأعضاء من حقوق السحب الخاصة التراكمية إلى حصصها لتصل إلى مستوى معياري مشترك.


يساعد صندوق النقد الدولي أعضاءه عن طريق ما يلي:

• استعراض التطورات المالية والاقتصادية الوطنية والعالمية ومتابعتها، وتقديم المشورة للأعضاء بشأن سياساتهم الاقتصادية.
• إقراض الأعضاء بالعملات الصعبة لدعم سياساتهم الخاصة بالتعديل والإصلاح التي تستهدف تصحيح مشكلات ميزان المدفوعات وتشجيع النمو القابل للاستمرار.
• تقديم مجموعة كبيرة ومتنوعة من أشكال المساعدة الفنية وتوفير التدريب للعاملين في الحكومات والبنوك المركزية، وذلك في مجالات اختصاص الصندوق وخبراته.
أولا: تقديم المشورة بشأن السياسات والإشراف العالمي

تدعو اتفاقية تأسيس صندوق النقد الدولي إلى قيام الصندوق بالإشراف على النظام النقدي الدولي، بما في ذلك ممارسة "الرقابة" الدقيقة – أي الإشراف – على سياسات أسعار الصرف في بلدانه الأعضاء. وطبقاً للاتفاقية، يتعهد كل بلد عضو بالتعاون مع الصندوق في جهوده الرامية إلى ضمان وجود ترتيبات صرف منظمة وتشجيع وجود نظام مستقر لأسعار الصرف.
وعلى نحو أكثر تحديداً، توافق البلدان الأعضاء على توجيه سياساتها نحو أهداف النمو الاقتصادي المنظم مع مستوى معقول من استقرار الأسعار، بالإضافة إلى إرساء أوضاع مالية واقتصادية أساسية منظمة، وتجنب التلاعب في أسعار الصرف لتحقيق ميزة تنافسية غير عادلة. وبالإضافة إلى ذلك، يتعهد كل بلد عضو بأن يقدم للصندوق المعلومات اللازمة لممارسة دوره الرقابي على نحو فعال. وقد اتفق الأعضاء على أن رقابة الصندوق لسياسات أسعار الصرف في كل بلد عضو ينبغي أن تتم في إطار تحليل شامل للحالة الاقتصادية العامة واستراتيجية السياسات الاقتصادية في البلد المعني.
ومن شأن المتابعة المنتظمة للاقتصادات حسبما تقتضي رقابة الصندوق، وما يرتبط بذلك من تقديم المشورة بشأن السياسات، أن تساعد في التنبيه إلى الأخطار قبل تحققها وتمكين البلدان الأعضاء من التصرف في الوقت المناسب لتجنب أية متاعب.
ويمارس الصندوق دوره الإشرافي بطرق ثلاث:
الرقابة القطرية ، وهي تتخذ شكل مشاورات شاملة منتظمة (تعقد على أساس مستوى في العادة) مع فرادى البلدان الأعضاء حول سياساتها الاقتصادية و يقوم فريق من خبراء الصندوق بزيارة البلد المعني لجمع البيانات الاقتصادية والمالية وعقد مناقشات مع المسؤولين في الحكومة والبنك المركزي حول السياسات الاقتصادية للبلد المعني في سياق آخر التطورات. ويقوم الفريق باستعراض سياسات البلد الاقتصادية الكلية (الخاصة بالمالية العامة والشؤون النقدية وأسعار الصرف)، وتقييم مدى سلامة النظام المالي، وتفحص قضايا السياسات الصناعية والاجتماعية وتلك الخاصة بالعمالة وسلامة الحكم والإدارة والبيئة وغيرها مما يمكن أن يؤثر على سياسات وأداء الاقتصاد الكلي. ويقدم الفريق بعد ذلك تقريراً إلى المجلس التنفيذي عما خلص إليه من نتائج، بعد الحصول على موافقة الإدارة، ويقوم المجلس بمناقشة التحليل الوارد في التقرير ثم تحال آراؤه إلى حكومة البلد المعني في شكل ملخص يصدره رئيس المجلس. وبهذه الطريقة تكتسب آراء المجتمع الدولي والدروس المستخلصة من التجربة الدولية وزناً مؤثراً على سياسات البلد المعني.
ويكمل الصندوق مشاوراته المعتادة سنوياً مع البلدان الأعضاء بزيارات إضافية يقوم بها الخبراء إلى هذه البلدان كلما دعت الحاجة، كما يعقد المجلس التنفيذي العديد من الاجتماعات غير الرسمية لاستعراض التطورات المالية والاقتصادية في بلدان أعضاء ومناطق مختارة.
الرقابة العالمية، وهي تستتبع قيام المجلس التنفيذي للصندوق باستعراض الاتجاهات والتطورات الاقتصادية العالمية. وتستند أهم الاستعراضات من هذا النوع إلى تقارير "آفاق الاقتصاد العالمي" التي يعدها خبراء الصندوق، وهي تتم في العادة مرتين سنوياً قبل الاجتماعات نصف السنوية للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية. وتنشر التقارير بالكامل قبل اجتماعات هذه اللجنة، إلى جانب ملخصات رئيس المجلس التنفيذي لمناقشات المجلس. ومن العناصر الأخرى في عملية الرقابة العالمية التي يقوم بها الصندوق المناقشات السنوية المعتادة التي يعقدها المجلس حول التطورات والآفاق المستقبلية وقضايا السياسات في أسواق رأس المال الدولية، وهي موضوعات يتم نشر تقارير خبراء الصندوق بشأنها أيضاً. كذلك يعقد المجلس التنفيذي مناقشات غير رسمية أكثر تواتراً حول ما يجري في العالم من تطورات اقتصادية ومستجدات في الأسواق.
الرقابة الإقليمية، وبموجبها يدرس صندوق النقد الدولي السياسات المتبعة طبقاً لاتفاقيات إقليمية. ويشمل ذلك، على سبيل المثال، مناقشات المجلس التنفيذي للتطورات في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا والجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا والاتحاد النقدي لدول شرق الكاريبي.
كذلك تشارك إدارة الصندوق وموظفوه في مناقشات الرقابة المتعلقة بمجموعات مثل مجموعة السبعة (أي مجموعة البلدان الصناعية الرئيسية السبعة) ومجلس التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا والمحيط الهادئ (APEC).

ثانيا: الإقراض لمساعدة البلدان المتعثرة

يقدم صندوق النقد الدولي قروضاً بالعملات الأجنبية للبلدان التي تواجه مشكلات في ميزان المدفوعات. ومن شأن هذه القروض أن تخفف من صعوبة التصحيح الذي يتعين على البلد المعني إجراؤه للتوفيق بين إنفاقه ودخله بغية معالجة المشكلات التي يواجهها على صعيد ميزان المدفوعات. كذلك تستهدف هذه القروض دعم السياسات، بما في ذلك الإصلاحات الهيكلية، التي يمكن أن تحسن مركز ميزان المدفوعات وآفاق النمو على أساس دائم.
ويمكن لأي بلد عضو أن يلجأ إلى صندوق النقد الدولي للحصول على التمويل اللازم لأغراض ميزان المدفوعات، أي إذا احتاج إلى قرض رسمي ليتمكن من سداد مدفوعاته الخارجية والحفاظ على مستوى مناسب من الاحتياطات بغير أن يتخذ تدابير ضاغطة علي الوطني أو الدولي.
ما هي البرامج المدعمة بموارد صندوق النقد الدولي؟
عندما يتوجه أحد البلدان إلى صندوق النقد الدولي طالباً التمويل، فهو إما أن يكون في أزمة اقتصادية فعلية أو على وشك الوقوع فيها؛ فعملته تكون هدفاً للمضاربة في أسواق الصرف الأجنبي واحتياطياته مستنفدة ونشاطه الاقتصادي راكداً أو آخذاً في الهبوط وحالات الإفلاس فيه آخذة في الزيادة. ولاستعادة سلامة مركز المدفوعات الخارجية في هذا البلد واسترداد الظروف المواتية لتحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار فيه، ينبغي الجمع بشكل ما بين عملية التصحيح الاقتصادي والتمويل الرسمي و/أو الخاص.
ويقدم الصندوق المشورة إلى سلطات البلد المعني فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية التي ينتظر أن تعالج المشكلات القائمة بأقصى درجة من الفعالية. ولكي يقدم الصندوق التمويل المطلوب، لابد أن يتوصل إلى اتفاق مع السلطات حول برنامج للسياسات يستهدف تحقيق أهداف كمية محددة فيما يتصل بسلامة المركز الخارجي، والاستقرار المالي والنقدي، والنمو القابل للاستمرار. ويتم توضيح تفاصيل هذا البرنامج في "خطاب نوايا" توجهه الحكومة إلى مدير عام الصندوق.
أدوات الإقراض في صندوق النقد الدولي وتطورها
يقدم صندوق النقد الدولي قروضاً بموجب مجموعة متنوعة من السياسات أو "التسهيلات" التي تبلورت بمرور السنين لمواجهة احتياجات البلدان الأعضاء. وتختلف المدة وشروط السداد والإقراض في كل من هذه التسهيلات حسب أنواع المشكلات التي تواجه ميزان المدفوعات والظروف التي يتعامل معها التسهيل المعني
ويقدم الصندوق معظم التمويل إلى البلدان الأعضاء من خلال ثلاثة أنواع مختلفة من سياسات الإقراض:
اتفاقات الاستعداد الائتماني وهي تشكل لب سياسات الإقراض في الصندوق. وقد استخدمت لأول مرة في عام 1952، وهدفها الأساسي هو معالجة مشكلات ميزان المدفوعات قصيرة الأجل.
أما الاتفاقات الممددة متوسطة الأجل، التي تعقد بموجب تسهيل الصندوق الممدد، فهي لخدمة البلدان التي تمر بمصاعب في ميزان المدفوعات تتعلق بمشكلات هيكلية، وهي مشكلات قد يستغرق تصحيحها فترة أطول مما يحدث بالنسبة لجوانب الضعف في الاقتصاد الكلي. وتضم السياسات الهيكلية المرتبطة بالاتفاقات الممددة الإصلاحات التي تستهدف تحسين طريقة عمل الاقتصاد، مثل الإصلاحات الضريبية وإصلاحات القطاع المالي، وخصخصة المؤسسات العامة، وإجراءات تعزيز المرونة في أسواق العمل.
ويقدم الصندوق منذ أواخر السبعينات قروضاً ميسرة لمساعدة أفقر بلدانه الأعضاء في تأمين سلامة مراكزها الخارجية، وتحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار، وتحسين مستويات المعيشة. وقد التسهيل الميسر الحالي، وهو تسهيل النمو والحد من الفقر (PRGF) محل التسهيل التمويلي المعزز للتصحيح الهيكلي (ESAF) في نوفمبر 1999، حتى يصبح الحد من الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي الهدفين الأساسيين لبرامج السياسات في البلدان المعنية.
وفي أواخر التسعينات، استحدث الصندوق تسهيلات تستهدف مساعدة البلدان في مواجهة الفقدان المفاجئ لثقة الأسواق، ومنع "عدوى" الأزمات – أي امتداد الأزمات المالية إلى البلدان ذات السياسات الاقتصادية السليمة

تسهيلات إقراض مختارة لدى صندوق النقد الدولي

اتفاقات الاستعداد الائتماني (Stand-By Arrangements): وتمثل هذه الاتفاقات جوهر سياسات الإقراض في الصندوق. ويعتبر اتفاق الاستعداد الائتماني بمثابة تأكيد للبلد العضو بأنه يستطيع السحب من موارد الصندوق إلى حد معين، على مدى فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً في العادة، لمعالجة ما يواجهه من مشكلات قصيرة الأجل في ميزان المدفوعات.
تسهيل الصندوق الممدد (Extended Fund Facility): يعتبر الدعم الذي يقدمه الصندوق للبلدان الأعضاء طبقاً لتسهيل الصندوق الممدد بمثابة تأكيد للبلد العضو بأنه يستطيع السحب من موارد الصندوق إلى حد معين، على مدى فترة تتراوح بين ثلاثة إلى أربع سنوات في العادة، لمساعدته في معالجة المشكلات الاقتصادية الهيكلية التي تتسبب في إيجاد مواطن ضعف خطيرة في ميزان مدفوعاته.
تسهيل النمو والحد من الفقر (Poverty Reduction and Growth Facility): (الذي حل محل التسهيل التمويلي المعزز للتصحيح الهيكلي في نوفمبر 1999). هو تسهيل بسعر فائدة منخفض هدفه مساعدة أفقر البلدان الأعضاء التي تواجه مشكلات مطولة في ميزان المدفوعات اما التكاليف التي يتحملها المقترض فهي تكاليف مدعمة بالموارد المتحققة من المبيعات الماضية للذهب المملوك للصندوق، إلى جانب القروض والمنح التي يقدمها البلدان الأعضاء إلى الصندوق خصيصاً لهذا الغرض.
تسهيل الاحتياطي التكميلي (Supplemental Reserve Facility): هو تسهيل يوفر تمويلاً إضافياً قصير الأجل للبلدان الأعضاء التي تعاني صعوبة استثنائية في ميزان المدفوعات نتيجة لفقدان ثقة السوق بشكل مفاجئ ومثير للاضطراب تتمثل مظاهره في تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج. ويتضمن سعر الفائدة على القروض بموجب تسهيل الاحتياطي التكميلي رسماً إضافياً يضاف إلى سعر الفائدة العادي على قروض الصندوق.
خطوط الائتمان الطارئ (Contingent Credit Lines): هي خطوط دفاع وقائية تمكن البلدان الأعضاء القائمة بتطبيق سياسات اقتصادية قوية من الحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي على أساس قصير الأجل عندما تواجه بفقدان ثقة الأسواق على نحو مفاجئ ومثير للاضطراب بسبب امتداد عدوى المصاعب الآتية من بلدان أخرى.
مساعدات الطوارئ (Emergency Assistance): استحدثت مساعدات الطوارئ في عام 1962 لمساعدة البلدان في مواجهة مشكلات ميزان المدفوعات الناشئة عن الكوارث الطبيعية المفاجئة التي لا يمكن التنبؤ بها. وقد تم التوسع في هذا النوع من المساعدة في عام 1995 لتغطية مواقف معينة تكون البلدان الأعضاء قد خرجت فيها لتوها من صراعات مسلحة أفضت إلى ضعف مفاجئ في قدراتها الإدارية والمؤسسية
أهم سمات الإقراض المقدم من الصندوق

• صندوق النقد الدولي ليس وكالة للمعونة أو بنكاً للتنمية، فهو يقدم القروض لمساعدة بلدانه الأعضاء على معالجة مشكلات ميزان المدفوعات واستعادة النمو الاقتصادي القابل للاستمرار. ويتم إيداع النقد الأجنبي المقدم، الذي تتعين حدوده القصوى حسب حصة البلد العضو في الصندوق، لدى البنك المركزي في البلد المعني لدعم احتياطياته الدولية وبالتالي إعطاء دعم عام لميزان المدفوعات. وعلى عكس القروض التي تقدمها وكالات التنمية، فإن أموال صندوق النقد الدولي لا تقدم لتمويل مشاريع أو أنشطة بعينها.
• قروض الصندوق مشروطة بالسياسات، قروض الصندوق مشروطة بالسياسات، بمعنى أن البلد المقترض لابد أن يعتمد سياسات تعمل على تصحيح مشكلة ميزان المدفوعات. وتساعد الشرطية المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي على ضمان عدم استخدام البلد المعني لقروض الصندوق لمجرد تأجيل الاختبارات الصعبة وإنشاء مزيد من الديون، والتأكد من قدرته على تعزيز اقتصاده وسداد المبلغ المقترض. ولابد أن يتفق البلد المقترض وصندوق النقد الدولي على إجراءات السياسة الاقتصادية اللازمة. كذلك فإن الصندوق يقوم بصرف القروض على مراحل ترتبط بتنفيذه لالتزاماته المقررة على صعيد السياسات. وخلال الفترة 2000-2001، عمل الصندوق على ترشيد هذه الشرطية - بجعلها أكثر تركيزاً على سياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي وأقل تدخلاً فيما تختاره البلدان من سياسات، مما يزيد من شعور البلد بملكية برامج السياسات ويزيد من درجة فعاليتها.
• قروض الصندوق مؤقتة؛ فحسب تسهيل الإقراض المستخدم، يمكن أن تصرف القروض على فترات قد تقصر لتصل إلى ستة شهور أو تطول لتصل إلى أربع سنوات. وتتراوح فترة السداد بين 3.25 إلى 5 سنوات للقروض قصيرة الأجل (بموجب اتفاقات الاستعداد الائتماني) أو 4.5 إلى 10 سنوات للتمويل متوسط الأجل (بموجب الاتفاقات الممددة) . ولكن المجلس التنفيذي وافق في نوفمبر 2000 على استحداث آلية توقع السداد المبكر( Early Repayment Expectation ) – أي في فترة تتراوح بين 2.25 إلى 4 سنوات لاتفاقات الاستعداد الائتماني و 4.5 إلى 7 سنوات للاتفاقات الممددة. أما فترة سداد القروض المقدمة إلى البلدان ذات الدخل المنخفض بموجب تسهيل الإقراض الميسر المعروف باسم تسهيل النمو والحد من الفقر (PRGF) فهي 10 سنوات، مع فترة سماح طولها خمس سنوات ونصف لسداد أصل القرض.

• يتوقع الصندوق من المقترضين إعطاء أولوية لسداد قروضه. فالبلد المقترض يجب أن يسدد قرض الصندوق في الموعد المحدد، حتى تتوفر الأموال لإقراض بلدان أخرى تحتاج إلى التمويل لأغراض ميزان المدفوعات. ويطبق الصندوق إجراءات رادعة لمنع تراكم المتأخرات أو عدم سداد المدفوعات أو رسوم الفائدة. ولكن الأهم من ذلك كله هو الوزن الذي يعطيه المجتمع الدولي لوضع صندوق النقد الدولي كدائن ممتاز؛ فهو يضمن أن يكون الصندوق من أوائل المقرضين الذين تسدد قروضهم، رغم أنه في العادة هو آخر مقرض يقدم على تقديم الأموال إلى البلدان بعد أن تصبح قدرة البلد المعني على الوفاء بالتزاماته موضع شك واضح.

المساعدة الفنية والتدريب

لعل ما اشتهر به صندوق النقد الدولي هو تقديم المشورة بشأن السياسات إلى البلدان الأعضاء ومنحها قروضاً مربوطة بالسياسات في أوقات الأزمات الاقتصادية. على أن الصندوق يتيح للبلدان الأعضاء الاستفادة أيضاً من خبراته الفنية على أساس منتظم من خلال توفير المساعدة الفنية والتدريب في مجموعة كبيرة من المجالات، مثل أنشطة البنوك المركزية، والسياسات النقدية وسياسات أسعار الصرف، والسياسات والإدارة الضريبية، والإحصاءات الرسمية. والهدف من وراء ذلك هو العمل على تعزيز قدرة الأعضاء على تصميم السياسات الاقتصادية وتنفيذها، وهو ما يتم بسبل متعددة تتضمن تعزيز المهارات في المؤسسات المسؤولة، مثل وزارات المالية والبنوك المركزية. وتعد المساعدة الفنية عنصراً مكملاً لما يقدمه الصندوق إلى البلدان الأعضاء من مساعدات مالية ومشورة بشأن السياسات، وهي تمثل حوالي 20% من التكاليف الإدارية للصندوق.
ويقدم الصندوق المساعدة الفنية والتدريب في أربعة مجالات أساسية هي:
• دعم القطاعات المالية والنقدية عن طريق تقديم المشورة بشأن تنظيم الجهاز المصرفي والرقابة عليه وإعادة هيكلته، وإدارة النقد الأجنبي والعمليات ذات الصلة، ونظم المقاصة وتسوية المدفوعات، بالإضافة إلى هياكل البنوك المركزية وتطويرها؛
• مساندة الجهود الرامية إلى وضع سياسات مالية عامة قوية وضمان حسن إدارتها عن طريق تقديم المشورة بشأن السياسات والإدارة الضريبية والجمركية، ووضع الميزانية، وإدارة الإنفاق، وتصميم شبكات الأمان الاجتماعي، وإدارة الدين الداخلي والخارجي؛
• إعداد البيانات الإحصائية وإدارتها ونشرها وتحسين نوعيتها؛
• صياغة التشريعات الاقتصادية والمالية ومراجعتها.
وينظم الصندوق دورات تدريبية للمسؤولين في الحكومات والبنوك المركزية في البلدان الأعضاء، وذلك في مقره بواشنطن العاصمة وفي مراكز التدريب الإقليمية في أبيدجان وبرازيليا وسنغافورة وفيينا. ويقدم الصندوق المساعدة الفنية ميدانياً أيضاً من خلال زيارات خبرائه إلى البلدان الأعضاء التي تكملها زيارات الاستشاريين والخبراء المكلفين من خارج الصندوق. وتتقلى برامج المساعدة الفنية والتدريب التي يقدمها الصندوق تمويلا تكميليا من بلدان مثل اليابان وسويسرا، وهيئات دولية مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي.
تقوية النظام المالي والنقدي الدولي
أدت العولمة إلى ظهور تحديات جديدة أمام صندوق النقد الدولي. ولعل أهم التحديات وأكثرها صعوبة هما كيفية تقوية النظام المالي العالمي – بحيث يصبح أقل عرضة للأزمات المالية وأكثر قدرة على التصدي لها إذا وقعت – وكيفية دعم جهود مكافحة الفقر في البلدان منخفضة الدخل
ولقد حققت العولمة فوائد كبرى لبلدان كثيرة وأناس كثيرين في جميع أنحاء العالم، والحق أن الاندماج في الاقتصاد العالمي يمثل عنصراً جوهرياً في أية استراتيجية لتمكين البلدان المختلفة من التوصل إلى مستويات معيشية أعلى، ولكن العولمة، من خلال ما تحققه من زيادة في حجم تدفقات رؤوس الأموال الدولية وسرعة حركتها، قد أدت أيضاً إلى زيادة مخاطر الأزمات المالية. وفي الوقت ذاته، نشأت مخاطرة أخرى، وهي أن البلدان منخفضة الدخل، التي لم تستفد استفادة كبيرة بعد من العولمة، ستزداد تخلفاً عن الركب في الوقت الذي ترتفع فيه مستويات المعيشة في البلدان الأخرى.
بناء نظام مالي عالمي أقوى
كانت الأزمات المالية في الأسواق الصاعدة في منتصف وأواخر التسعينات تذكرة بالمخاطر المرتبطة بالعولمة – حتى بالنسبة للاقتصادات التي حققت استفادة هائلة من ورائها والتي تدار إدارة جيدة من جوانب متعددة. فالاقتصادات التي تضررت من الأزمة الآسيوية في الفترة 1997-1998 على وجه الخصوص كانت قد حققت طوال عدة عقود مكاسب ضخمة من التجارة الدولية التي تزداد تكاملا يوما بعد يوم. ولقد كشفت الأزمات عن وجود جوانب ضعف في سياسات البلدان التي أصابتها الأزمة، بل وعن ثغرات في النظام المالي الدولي نفسه، مما أبرز الحقيقتين التاليتين:
• إن المستثمرين قد يتراجعون على نحو سريع وجماعي إذا ما لمسوا وجود نقائص في السياسات الاقتصادية المحلية. ومتى فقد المستثمرون – المحليون أو الأجانب – ثقتهم في الاقتصاد، يمكن أن تنضب تدفقات رؤوس الأموال الداخلة وأن يؤدي خروج تدفقات صافية كبيرة على التعجيل بوقوع أزمة مالية.
• إن الأزمة المالية التي تقع في بلد أو منطقة ما يمكن أن تمتد بسرعة لتنتشر في اقتصادات أخرى.
ومن أجل الحد من مخاطر وقوع الأزمات المالية في المستقبل ودعم إمكانية الحل السريع لما يقع منها، يعمل صندوق النقد الدولي على تقوية النظام النقدي المالي الدولي بالتعاون مع حكومات البلدان الأعضاء والمنظمات الدولية الأخرى والهيئات التنظيمية والقطاع الخاص.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

رد إلى زينب البليدية:

التنشئة السياسية و الثقافة السياسية:

لا مراء في القول بأن العنصر البشري يعد هو الوسيلة والغاية معاً لبلوغ مختلف ضروب التنمية وأنواعها، بما في ذلك التنمية السياسية بمفهومها الشامل الذي يتسع ليشمل "التنشئة السياسية" التي تعد أساس عملية التنمية السياسية وصلبها.
بيد أن مثل هذا الرهان على العنصر البشري في انجاح عملية التنمية لا يتأتي تلقائياً، أو عبر الصدفة، وإنما يعتمد على نمط البيئة الثقافية وطرق الإعداد والتوجيه التي ينشأ في ظلها الشباب ويتطبع بطابعها سلباً أو ايجاباً، بالضبط مثلهم مثل أي منتج تتحدد جودته أو رداءته وفقاً لنوع المدخلات وكيفيتها، فإن حَسُنت المدخلات حَسُنت المخرجات والعكس صحيح.
والتنشئة السياسية تشير إلى جزء من مصطلحات المعجم السياسي التي تُعنى بظاهره السلطة السياسية في حياة المجتمعات البشرية، والذي يعد مدخلاً في غاية الأهمية في التحصين والبناء الفكري السليم للشباب، الذي يجب ان يستهدف فيهم تنمية الوعي بأهمية الولاء الوطني والوعي الجمعي بأهمية قوة وسلامة الجسم السياسي والمصير المشترك، بعيداً عن الولاءات والأطر الضيقة والأفكار والايديولوجيات البالية، فقوة الدولة تعتمد على سلامة الجسد السياسي، ومدى تماسكه، بالضبط مثلها مثل قوة قبضة اليد تعتمد على سلامة الجسم وصحته.
وفي هذا السياق فإن التساؤلات التي يجب أن تثار في هذه الورقة هي ما هو مفهوم التنشئه السياسية؟ وما هو نمط أو أنماط الثقافة السياسية القائمة في الجمهورية اليمنية وأسبابها؟ وما هي أدوات التنشئة السياسية التي تنتقل عبرها مثل هذه الثقافة وأساليبها؟
ومن أجل الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها فإننا سنقسم هذه الورقة إلى ثلاثة محاور أساسية: الأول يعُنى بالتأصيل المفاهيمي للتنشئة السياسية، والثاني يستعرض نمط الثقافة السياسية القائم في الجمهورية اليمنية وأبعاده، أما الثالث فيتناول أدوات أو دوائر التنشئة السياسية وأساليبها، وذلك كما يلي:
أولاً: مفهوم التنشئة السياسية والمفاهيم المقاربة

لا شك بأن تحديد المصطلحات والمفاهيم والتعريف بها يعد مدخلاً منطقياً ولازماً لفهم الظاهرة موضوع الدراسة والاحاطه بها، بما من شأنه تجنيب المصطلح مغبة الاختلاط بغيره من المفاهيم والمصطلحات المقاربة والتي قد تبدو لأول وهلة مرادفه له.
وبهذا الصدد نجد أن كل من "التنشئة السياسية"، و"الثقافة السياسية"، و"الثقافة العامة" تعد من المصطلحات المترابطة بقوة، إلا انه على الرغم من ذلك الترابط فإن لكل مصطلح خصيصة أو خصائص تميزه عن غيره سواء من حيث المفهوم أو من حيث الطبيعة أو النطاق. فبينما ينصرف مصطلح "الثقافة" بمفهومها العام والمجرد والمطلق إلى منظومة القيم والأعراف والتقاليد والعادات والمؤسسات التي تسود مجتمعاً ما من المجتمعات، وتعمل على توجيه وضبط مسار تفاعلاته المختلفة.
نجد أن "الثقافة السياسية" تشير إلى منظومة القيم والأفكار والمعتقدات المرتبطة بظاهرة السلطة السياسية في المجتمع، والثقافة السياسية على هذا النحو من المفهوم في الواقع تعد جزءً من الثقافة العامة، يمكن وصفه بأنه ذلك الجزء الذي يعُنى بظاهرة السلطة السياسية.
أما "التنشئة السياسية" موضوع هذه الورقة الأساسي، فيقصد بها تلك العملية التي تنتقل عبرها الثقافة السياسية وبها تستمر ومن خلالها تتغير، وما يرتبط بها من دوائر تربوية وتوعوية وتعليمية، بداءً بالأسرة ومروراً بالمدرسة والنادي والحزب..الخ وانتهاءً بالدولة.
وكلاً من الثقافة السياسية والتنشئة السياسية تعدان معاً من الموضوعات البالغة الأهمية في حياة المجتمعات الديمقراطية المعاصرة، نظراً لما لهما من دور حيوي في تحديد مسار العملية الديمقراطية نجاحاً أو اخفاقاً، وبالتالي رسم معالم وآفاق الحياة الاجتماعية سعادةً أو بؤساً وشقاءً.
فإذا كانت الثقافة السياسية تعكس مدى نضوج وتمدن الأفراد بأهمية وضرورة الحياة الجماعية والمصير المشترك، والتي لا يمكن ان تؤسس وفقاً لأطر اجتماعية ضيقة، وأفكار ومعتقدات بالية وانتهازية، ورؤى وتصورات مصلحيه قصيرة النظر والأفق، وانما وفقاً لأسس ومتطلبات المجتمع المدني المتحضر بعلقه الجمعي القائم على التعدد والتسامح والقبول بالآخر واستيعابه لا استبعاده، إنطلاقاً من معيار المواطنة والكفاءة والنزاهة ومأسسة السلطة وتجردها لا شخصنتها، وبالتالي الولاء لها لا استعداها، فإن التنشئة السياسية تعد منبع الثقافة ومصنعها بما تنطوي عليه من دوائر تنشئه وتوجيه، وهو حديث ينصب عن دور الأسرة والمدرسة والحزب.. وغير ذلك من الدوائر الاجتماعية.
ونظراً للترابط الوثيق بين كلاً من الثقافة السياسية والتنشئة السياسية فإننا سنسلط الضوء عليها معاً هنا بالنسبة للجمهورية اليمنية.
ثانياً: نمط الثقافة السياسية اليمنية وأسبابها

يعد مفهوم الثقافة السياسية من المفاهيم الحديثة نسبياً في علم السياسة، اذ يرجع ظهوره إلى عام 1956م عندما استخدمه الأستاذ الأمريكي جابرييل الموند كبعد من أبعاد تحليل النظام السياسي، فكل نظام سياسي عند الموند، يترسخ حول انماط محددة من التوجهات التي تضبط التفاعلات التي يتضمنها النظام الاجتماعي، وبالمثل تكون الثقافة السياسية بمثابة التنظيم غير المقنن للتفاعلات السياسية، أي انها- كما سبق الايضاح "مجموعة القيم والأفكار والمعتقدات المرتبطة بظاهرة السلطة في المجتمع".
والثقافة السياسية على هذا النحو من المفهوم تنطوي على العديد من الملاحظات الهامة، لعل من أبرزها ما يلي:
&zwnj;أ. تعد الثقافة السياسية محصلة تفاعل التجارب والخبرة التاريخية، والمحددات الجغرافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وهي أيضاً تتأثر بالرأي العام، بمعنى أنه اذا اتسم هذا الأخير تجاه قضية محددة بالثبات النسبي يمكَّن لقيمة وآرائه ان تتحول إلى جزء من نسق القيم التي تتكون منها الثقافة السياسية.
&zwnj;ب. ويعد التنوع السابق في روافد الثقافة السياسية أهم ما يميزها عن الايديولوجيا، فالثقافة السياسية غير ممنهجه، وتتضمن الغث والسمين، كونها تشتمل على مجموعة من القيم يتكامل بعضها ويتناقض بعضها الآخر، في حين ان الايديولوجيا ممنهجة وتتميز بدرجة كبيرة من الانتقائية، ومن ثم تتمتع بقدر كبير من التجانس القيمي بمعنى آخر، الثقافة السياسية هي محصلة تطور تاريخي نتيجة تفاعل عدد من العوامل، أما الايدولوجيا فهي تركيب فكري وعقلي يحرص أصحابة على ان يتسم بالتجانس والاتساق.
&zwnj;ج. على الرغم من أن الثقافة السياسية تعد فرعاً من الثقافة العامة- كما سبق القول- إلا أنها بدورها تتضمن العديد من الثقافات السياسية الفرعية التي تختلف باختلاف الاجيال والبيئات والمهن.
فالثقافة السياسية للشباب تختلف عن نظيرتها لدى الشيوخ، والثقافة السياسية للصفوة تختلف عن مثيلتها للجماهير، والثقافة السياسية للحضر تختلف عن تلك لسكان القرى والبدو.. وهكذا.
وإجمالاً يمكن القول بأن الثقافة السياسية اليمنية تندرج ضمن الثقافة السياسية العربية في مجراها العام، وهي ثقافة سياسية ضيقة وتابعة في معظمها وليست مشاركة، بمعنى تدني درجة الوعي السياسي والمشاركة السياسية والقبول بفكرة المجتمع المدني والتعايش معها بوعي ناضج ومدرك لمؤسساتها وأهميتها، ويمكن قياس ذلك من خلال موقف هذه الثقافة وإدراكها إزاء قضيتين رئيسيتين هما: قضية الانتماء والهوية، والمشاركة السياسية.
1. بالنسبة لقضية الانتماء والهوية (مفهوم المجتمع المدني) في الثقافة السياسية لأي مجتمع في واقع الأمر هي شعور الفرد بالانتماء إلى جماعة إلا أن هذا الشعور بحد ذاته لا يعد كافياً لتحقيق وحدة هذه الجماعة وتكاملها، وإنما يعتمد ذلك على الاجابة على أسئلة مثل ما هو تصورهم للهدف من وجودهم؟ والأهم من ذلك هو كيف يتصورون تحقيق هذا الهدف؟ وعدم الإجابة الموضوعية على هذه الأسئلة من خلال عملية التنشئة السياسية يؤدي إلى ما يعرف باسم "أزمة الهوية".
وفي هذا السياق نجد أن لمسألة الانتماء في الثقافة العربية ومنها اليمنية مستويات عدة منها مستوى الأسرة الممتدة، ومستوى العشيرة والقبيلة، ومستوى الجماعة الدينية أو الطائفية، ومستوى الأمة والوطن، وهي مسألة طبيعية في كل المجتمعات، إلا أنه عدم التناسق بين تلك الأطر والدوائر الاجتماعية أو الانتماءات دون الدولة مع الولاء للدولة ذاتها، وغياب الرؤية لترتيبها قد يؤدي إلى إثارة القلاقل وعدم الاستقرار، بل ورفع السلاح في وجه الدولة، الأمر الذي يشكل ضربه موجعه لمفهوم وفلسفة "المجتمع المدني" وأهدافه، وبالتالي العودة إلى حياة الغاب أو حالة الفطرة الأولى التي يكون فيها البقاء للأقوى كما طرح المفكر الانجليزي توماس هوبز.
فمفهوم المجتمع المدني لا يمنع أن يعزز المواطن انتماءه إلى جماعته القبلية أو المذهبية بشرط ألا يكون انتماؤه للدولة محل خيار أو مفاضلة مطلقاً، فالمجتمع الأمريكي مثلاً مجتمع شديد التنوع الثقافي، لكنه في الوقت نفسه يمثل إطاراً تتكامل فيه مختلف الثقافات وتلتقي على حد أدنى من القيم السياسية والاجتماعية، بينما نجد أن نمط الثقافة السياسية اليمنية في معظمها يتقاطع مع فكرة الدولة ومؤسسة السلطة وتجردها، إذ أنه ما يزال هناك قطاع واسع من الجماهير وبعض القوى السياسية والاجتماعية تجند نفسها للاصطفاف وراء أطر اجتماعية وايديولوجية ضيقة، انطلاقاً من تحسبات مصلحيه أنانية وقصيرة النظر لم تتحرر بعد من دائرة الأسر الانعزالي المفعم بالتسلط والاستبداد.
هذا ما يمكن أن نلمسه بوضوح في حركة التمرد المتكررة في محافظة صعدة الدائرة منذ منتصف التسعينات من القرن المنصرم، سواء من حيث التبريرات التي يسوقها أطراف حركة التمرد أو من حيث موقف المعارضة وتحديداً أحزاب ما بات يعرف بـ"اللقاء المشترك".
فعلى مستوى أطراف أو قادة حركة التمرد نجد ان لغتهم السياسية ومبرراتهم التي يسوقونها لتسويق أعمالهم الارهابية، لا تستند إلى أي منطق قانوني أو دستوري أو منطقي، وانما تعكس نزعة تسلطية مفعمة بالحنين إلى العودة إلى ماضي التسلط والهيمنة والتفرد بالسلطة وهي محاولة تعكس موقف قوى انهزامية قد لفظها التاريخ، وتحاول عبثاً النفخ في رماده، بعدما تقطعت بها السبل في التواصل مع العصر ومعطياته الذي في مقدمتها الحرية والديمقراطية والتسامح وحق المواطنة المتساوية.
أما على مستوى موقف قوى المعارضة وتحديداً أطراف اللقاء المشترك، فنجد أنه على الرغم أن تلك الاحداث تشكل تهديد للوطن برمته، إلا أن موقف تلك الأحزاب اتسم في معظمة في المحاولة لتسويق شرعنتها، إنطلاقاً من رؤى وتحسبات ضيقة وأنانية وقصيرة النظر، لا ترتقي والمصلحة الوطنية العليا وانما تندرج ضمن المكايدات السياسية مع حزب المؤتمر الشعبي العام بوصفه الحزب الحاكم، وذلك اتساقاً مع القاعدة السياسية القائله بـ(عدو عدوي صديقي) مع أن ما كان يجري في صعدة حتى الأمس القريب يستهدف الوطن برمته.
هذه المواقف المتمحوره حول الذات في الثقافة السياسية اليمنية تستقي أسبابها من عوامل عدة، لعل من أبرزها الأمية والجهل المتفشي لدى قطاعات واسعة من الجماهير، والنزعة التسلطية لدى قادات ونخب أحزاب المعارضة المتمترسين وراء ايديولوجيات متزمتة ومتعصبه لم تعد في معظمها تمت بصلة إلى روح العصر ومعطياته.
2. أما بالنسبة لقضية المشاركة السياسية:

والتي نقصد بها الأنشطة السياسية التي يقوم بها الأفراد بهدف التأثير في العملية السياسية ومنها: التصويت في الانتخابات وحضور المؤتمرات والندوات، ومطالعة الصحف، والانخراط في الاحزاب السياسية والاتصال بالجهات الرسمية..الخ فنجد أنها تتصف بالموسمية والشكلية، ولا تعكس في معظم الحالات وعي سياسي محدد، بقدر ما تعكس السعي إلى الحصول على خدمات أو منافع مادية آنية من المرشحين.
وهذا الموقف ينسحب حتى على مستوى تواجهات الاحزاب السياسية، التي لاتنظر للعملية الديمقراطية سوى كونها وسيلة مناسبة للانقضاض على السلطة لا بوصفها فلسفة شاملة لمختلف جوانب الحياة وانما تعكس عقلية انقلابية تعسكر نفسها في موسم الانتخابات لامتداح الديمقراطية واستقطاب الجماهير حتى مرحلة الفرز، ومن ثم يتم العودة إلى حياة السكون والسبات، وهذا المشهد يعد في واقع الأمر جزءً من نادي الديمقراطية العربية وهي نادي (الديمقراطية بلاد ديمقراطيين).
3. أدوات التنشئة السياسية وأساليبها:
وبالتحول من مضمون الثقافة السياسية إلى أدوات انتقالها عبر التنشئة السياسية، يمكن القول بأن الفرد اليمني ينشط في وسط بيئة ثقافية استبدادية في معظمها ويغلب عليها الجهل والأمية، وليس هناك دور ملموس للمدرسة أو وسائل الاتصال الجماهيرية المكتوبة والمسموعة في عملية التثقيف السياسي، كما لا تمارس الأحزاب السياسية في معظمها دوراً ملموساً في هذا المجال، بالنظر إلى ضعف تغلغلها بين الجماهير، واذا كان لها من دور فهو يعكس منظورات ايديولوجية متزمته وغير متسامحة بطبعها.
كما أن دور الأسرة باعتبارها الخلية أو النواة الأساسية لتشكيل قيم الفرد ومعتقداته تجاه السلطة، يمكن وصفه بالدور السلبي أو المعيق، نظراً للأسلوب الديكتاتوري والأمر المتبع في تربية الأبناء وإدارة شئون الأسرة.
ومن هنا نجد أن الأسرة التي تنشئ ابناءها على احترام آداب الحوار والتسامح مع الآخر، وتشجعهم على إبداء آرائهم ولا تميز بينهم في المعاملة لداعي السن أو الجنس، تخرج عادة للمجتمع مواطنين اسوياء تشبعوا بروح الممارسة الديمقراطية واقتنعوا بأهميتها.
أما الأسرة التي يستبد ربها برأية دون مشاركة الزوجة والأبناء أو التي تميز في المعاملة بين الأبناء، فإنها تلفظ إلى المجتمع مواطنين سلبيين أو غير ديمقراطيين.
وهكذا نجد أن كل هذه الدوائر تتضافر معاً في تغذية الثقافة السياسية الضيقة التي تنعكس سلباً في الوعي المجتمعي بأهمية المجتمع المدني ومؤسسة السلطة والولاء الوطني.

الخاتمة: مما سبق نستنتج التأكيد على أهمية التنشئة السياسية، وذلك من خلال حملات التوعية السياسية وإعادة الاعتبار لدور المدرسة والحزب والنهوض بدوره الايجابي، وكذلك تفعيل دور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري بما من شأنه الإسهام في خلق جيل واعي بمفردات القاموس السياسي ذات الصلة بظاهرة السلطة السياسية وأهمية تعزيز دورها الفاعل في النهوض بالوطن بعيداً عن التعصبات الضيقة.
ولعل التوجهات الحالية لمعهد الميثاق بقيادته الجديدة تعد خطوة تحسب للمؤتمر الشعبي العام على الطريق الصحيح.
 
رد: أذكر بحثك هنا إن توفر أفيدك به

تابع لزينب البليدية:

أولاً : مفهوم الثقافة السياسية

لكل مجتمع خصوصية تعكسها ثقافته السائدة بين ابنائه، تلك الثقافة التى تطورها مجموعة القيم والمفاهيم والمعارف التى اكتسبها عبر ميراثه التاريخى والحضارى وواقعه الجغرافى والتركيب الاجتماعى وطبيعة النظام السياسى والاقتصادى، فضلاً عن المؤثرات الخارجية التى شكلت خبراته وانتماءاته المختلفة.
والثقافة السياسية هى جزء من الثقافة العامة للمجتمع .. وهى تختلف من بلد لآخر حتى لو كان شعباه ينتهجان نفس الأساليب الحياتية، وينتميان إلى نفس الحضارة، ويتقاسمان الاهتمامات والولاءات.

1 ـ تعريف الثقافة السياسية :

يقصد بالثقافة السياسية مجموعة المعارف والآراء والاتجاهات السائدة نحو شئون السياسة والحكم، الدولة والسلطة، الولاء والانتماء، الشرعية والمشاركة.
وتعنى أيضاً منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التى يرى بها مجتمع معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور، والعلاقة المناسبة بين الحاكم والمحكوم.
ومعنى ذلك أن الثقافة السياسية تتمحور حول قيم واتجاهات وقناعات طويلة الأمد بخصوص الظواهر السياسية، وينقل كل مجتمع مجموعة رموزه وقيمه وأعرافه الأساسية إلى أفراد شعبه، ويشكل الأفراد مجموعة من القناعات بخصوص أدوار النظام السياسى بشتى مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، وحقوقهم وواجباتهم نحو ذلك النظام السياسى.
ولما كانت الثقافة السياسية للمجتمع جزءاً من ثقافته العامة، فهى تتكون بدورها من عدة ثقافات فرعية، وتشمل تلك الثقافات الفرعية : ثقافة الشباب، والنخبة الحاكمة ،والعمال، والفلاحين، والمرأة .. الخ.
وبذلك تكون الثقافة السياسية هى مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التى تعطى نظاماً ومعنى للعملية السياسية، وتقدم القواعد المستقرة التى تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام السياسى، وبذلك فهى تنصب على المثل والمعايير السياسية التى يلتزم بها أعضاء المجتمع السياسى، والتى تحدد الإطار الذى يحدث التصرف السياسى فى نطاقه.
أى أن الثقافة السياسية تدور حول ما يسود المجتمع من قيم ومعتقدات تؤثر فى السلوك السياسى لأعضائه حكاماً ومحكومين.
وعلى ذلك يمكن تحديد عناصر مفهوم الثقافة السياسية على النحو التالى :
• تمثل الثقافة السياسية مجموعة القيم والاتجاهات والسلوكيات والمعارف السياسية لأفراد المجتمع.
• الثقافة السياسية ثقافة فرعية. فهى جزء من الثقافة العامة للمجتمع تؤثر فيه وتتأثر به، ولكنها لا تستطيع أن تشذ عن ذلك الإطار العام لثقافة المجتمع.
• تتميز الثقافة السياسية بأنها متغيرة. فهى لا تعرف الثبات المطلق، ويتوقف حجم ومدى التغير على عدة عوامل من بينها : مدى ومعدل التغير فى الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ودرجة اهتمام النخبة الحاكمة بقضية التغير الثقافى، وحجم الاهتمام الذى توليه وتخصصه الدولة لإحداث هذا التغيير فى ثقافة المجتمع، ومدى رسوخ هذه القيم فى نفوس الأفراد.
• تختلف الثقافة السياسية بين مجتمع وآخر كما تختلف من فرد لآخر داخل المجتمع. هذا الاختلاف تفرضه عوامل معينة كالأصل ومحل الاقامة والمهنة والمستوى الاقتصادى والحالة التعليمية.

2 ـ مكونات الثقافة السياسية :

يمكن الحديث عن مجموعة من العناصر أو المكونات للثقافة السياسية سواء تلك التىتتبناها الدولة (ثقافة الحكام) أو الثقافة الرسمية وتلك السائدة لدى أفراد المجتمع (المحكومين) والتى تسمى الثقافة غير الرسمية ومن هذه المكونات :

أ ـ المرجعية :

وهى تعنى الإطار الفكرى الفلسفى المتكامل، أو المرجع الأساسى للعمل السياسى، فهو يفسر التاريخ، ويحدد الأهداف والرؤى، ويبرر المواقف والممارسات، ويكسب النظام الشرعية.
وغالباً ما يتحقق الاستقرار بإجماع أعضاء المجتمع على الرضا عن مرجعية الدولة، ووجود قناعات بأهميتها وتعبيرها عن أهدافهم وقيمهم. وعندما يحدث الاختلاف بين عناصر النظام حول المرجعية، تحدث الانقسامات وتبدأ الأزمات التى تهدد شرعية النظام وبقائه واستقراره.
ومن أمثلة المرجعيات الديمقراطية، والاشتراكية، والرأسمالية، والعلمانية .. الخ وأغلب الظن أنه لا يوجد أثر محسوس للاختلاف بين عناصر المجتمع فى الديمقراطيات الغربية، إذ أن هناك اتفاقا عاما على الصيغ المناسبة لشكل النظام السياسى والاجتماعى والاقتصادى، أما فى الدول النامية فالمسائل المتعلقة بشكل نظام الحكم وطبيعة النظام الاقتصادى وحدود العلاقة بين الدين والدولة لم تحسم بعد ولا تزال مثار خلاف وصراع.

ب ـ التوجه نحو العمل العام :

هناك فرق بين التوجه الفردى الذى يميل إلى الاعلاء من شأن الفرد وتغليب مصلحته الشخصية، وبين التوجه العام أو الجماعى الذى يعنى الايمان بأهمية العمل التعاونى المشترك فى المجالين الاجتماعى والسياسى.
والتوجه نحو العمل العام والاحساس بالمسئولية الاجتماعية تجاه المجتمع وقضاياه من أهم مكونات الثقافة السياسية، ذلك أن هذا الشعور بالمسئولية يدفع المواطن إلى الإيجابية فى التعامل مع القضايا والموضوعات فى ظل ثقافة متشابهة مؤداها الاحساس بالولاء للجماعة.

ج ـ التوجه نحو النظام السياسى :

الاتجاه نحو النظام السياسى والايمان بضرورة الولاء له والتعلق به من ضرورات الاحساس بالمواطنة وما ترتبه من حقوق والتزامات. فكل ثقافة سياسية عليها أن تحدد النطاق العام المعقول للعمل السياسى والحدود المشروعة بين الحياة العامة والحياة الخاصة. ويتضمن هذا النطاق تحديد الأفراد المسموح لهم بالمشاركة فى العملية السياسية ووظائف المؤسسات السياسية كل على حدة.
كما تفرض الثقافة السياسية معرفة حدود المشاركة فى هذا النظام مثل السن والجنس والمكانة الاجتماعية والوضع العائلى.
بالاضافة إلى أن بعض الثقافات السياسية تحرص على تحديد الأبنية والوظائف السياسية فى الدولة، وكذلك الأجهزة المنوطة بتحقيق الأهداف التىتحددها الدولة. فالثقافة السياسية هى التى تدعم النظام، وتحدد أطره، وتغذيه بالمعلومات المستمدة من واقع البيئة وخصوصيتها، وتحافظ عليه وتضمن بقاءه.

د ـ الاحساس بالهوية :

يعتبر البعض أن الاحساس بالانتماء من أهم المعتقدات السياسية، ذلك أن شعور الأفراد بالولاء للنظام السياسى يساعد على اضفاء الشرعية على النظام، كما يساعد على بقاء النظام وتخطيه الأزمات والمصاعب التى تواجهه.
فضلاً عن أن الاحساس بالولاء والانتماء للوطن يساعد على بلورة وتنمية الشعور بالواجب الوطنى وتقبل الالتزامات، كما يمكن من فهم الحقوق والمشاركة الفاعلة فى العمليات السياسية من خلال التعاون مع الجهاز الحكومى والمؤسسات السياسية ، وتقبل قرارات السلطة السياسية والايمان بالدور الفاعل لها فى كافة مجالات الحياة.

3 ـ أثر الثقافة السياسية على النظام السياسى :

يحتاج أى نظام سياسى الى وجود ثقافة سياسية تغذيه وتحافظ عليه. فالحكم الفردى توائمه ثقافة سياسية تتمحور عناصرها فى الخوف من السلطة والإذعان لها، وضعف الميل إلى المشاركة، وفتور الايمان بكرامة وذاتية الانسان، وعدم اتاحة الفرص لظهور المعارضة. أما الحكم الديمقراطى فيتطلب ثقافة تؤمن بحقوق الانسان، وتقتنع بضرورة
حماية الانسان وكرامته فى مواجهة أى اعتداء على هذه الحريات، حتى لو كان من قبل السلطة نفسها، كما يشترط لاستمرار النظام والحفاظ على بقائه توافر شعور متبادل بالثقة بالآخرين فى ظل مناخ اجتماعى وثقافى يعد الانسان لتقبل فكرة وجود الرأى والرأى الآخر، ويسمح بوجود قدر من المعارضة فى إطار قواعد وأطر سياسية موضوعة بدقة لكى تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع السياسى.
وتساهم الثقافة السياسية السائدة فى المجتمع إلى حد كبير فى بلدان كثيرة فى تحديد شكل نظام الحكم، بل انها قد تساهم فى تحديد عناصر القيادة السياسية. فقد تكون القيادة السياسية حكرا على عائلة معينة أو على مجموعة صغيرة ذات وضعية خاصة دينية أو مذهبية أو عرقية أو تعليمية. وحيث يقدر المجتمع كبار السن ويعلى الذكور على الإناث، يغلب أن تجىء القيادة من صفوف المسنين الذكور. وفى كثير من الأنظمة السياسية ينظر إلى فئة معينة على أنها الأجدر بالسيطرة على المستويات العليا للسلطة. هذه الفئة قد تكون رجال الدين أو العسكريين أو المحامين .. الخ. وفى مثل هذه الحالة يتوقع أن تعكس السياسة العامة مصالحهم فى المقام الأول.
وتؤثر الثقافة السياسية كذلك على علاقة الفرد بالعملية السياسية ، فبعض المجتمعات تتميز بقوة الشعور بالولاء الوطنى والمواطنة المسئولة، وهنا يتوقع ان يشارك الفرد فى الحياة العامة، وأن يسهم طواعية فى النهوض بالمجتمع الذى ينتمى إليه. وفى دول أخرى يتسم الافراد باللامبالاة والاغتراب وعدم الشعور بالمسئولية تجاه أى شخص خارج محيط الأسرة. وفى بعض الأحيان ينظر المواطن إلى النظام السياسى على أنه أبوى يتعهده من المهد إلى اللحد ويتولى كل شىء نيابة عنه ويعمل على ضمان رفاهية الجماعة. وفى المقابل قد يتشكك الفرد فى السلطة السياسية ويعتبرها مجرد أداة لتحقيق مصالح القائمين عليها ليس إلا.
لذلك يمكن القول أن الاستقرار السياسى يعتمد على الثقافة السياسية. فالتجانس الثقافى والتوافق بين ثقافة النخبة والجماهير يساعدان على الاستقرار. أما التجزئة الثقافية والاختلاف بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير، فإنه يشكل مصدر تهديد لاستقرار النظام السياسى.

4 ـ مشكلة الهوية :

يمكن القول أن هذه الأزمة هى آخر الأشكال التى وصلت إليها التطورات فى الدول النامية. وهى تعنى فى مضمونها : تخبط الجماعة السياسية فى تعريفها لنفسها وفى تحديد شعورها الجماعى بهويتها الحضارية من منظور التاريخ بمعنى .. هل نحن امتداد للماضى أم ينبغى أن تكون انظارنا مشدودة ومتطلعة إلى المستقبل الذى يتجسد فى الطريق الذى سلكه غيرنا أم أننا أبناء الحاضر وكفى !!
وتتلخص هذه الأزمة فى التخبط عند اختيار النموذج الحضارى الذى تنشده الجماعة السياسية فى التحديث الثقافى والتنمية الشاملة .
وهناك على الساحة نماذج وأفكار مطروحة ومتناقضة ابتداء من النموذج التركى الذى اختار التغريب الكامل وانتهاء - على العكس من ذلك - بإدانة المجتمع العصرى الحالى باعتباره مجتمعاً جاهلياً ينبغى تكفيره وهجره ونبذ اساليب الحياة فيه.
ويمكن طرح قضية الأصالة والمعاصرة على شكل بدائل ثلاث هى : التمسك بالأصالة، أو السير فى طريق المعاصرة، أو القيام بمحاولة توفيقية بالجمع بين الاثنين. غير أن الاكتفاء بهذا الطرح فى تحليل أزمة الهوية يثير إشكاليات تزيد من تعقيد القضية ، ويجعل الوصول إلى رأى حاسم فيها أمر يكاد يكون مستحيلاً.
لذلك اقترح بعض المفكرين صيغة أخرى تقضى على هذا التداخل .. وهى صيغة (الاتباع أم الابداع) بمعنى أن الشكل الحضارى الذى نواجهه هو :هل نظل إلى الأبد مقلدين محاكين (سواء لأجدادنا أو للأجانب) نساير الآخرين ونمسك بذيل تطور لم نصنعه، أم نصبح مبدعين نبتكر حلولنا الخاصة ونقف ندا للآخرين بأفكارنا الخلاقة.
وفى محاولة للبحث عن أصول أزمة الهوية فإنه يمكن القول أن أزمة الهوية تظهر عند الفتى فى سن المراهقة فى شكل أزمة ذاتية .. والذات هى المفهوم الذى يكونه الفرد عن نفسه باعتباره مصدر للتأثير والتاثر فى البيئة المحيطة.
وفى تلك السن يقوم داخل الفرد صراع بين النوعين من القيم : صراع بين الدافع إلى تحقيق صورة للذات مقبولة اجتماعياً،وبين جانب من الذات ثابت ومستقر يتضمن معانى القصور والعجز والضعف، وعدم التكافؤ والفشل وغير ذلك. وبذلك يقع المراهق فى بلبلة وحيرة واضطراب تتدخل فيه عدة عوامل ، فيما يتعلق بتحديد (الذاتية) أى الصفات المميزة التى يرضى المراهق أن تتحدد بها ذاته، فى هذه الحالة تحدث أزمة ذاتية وذلك عندما يعجز الفرد عن أن يحدد تكاملاً ذاتياً بين قيمه وأهدافه وقدراته، أى عند فشله فى تحديد "هويته".
وبالمثل يمكن القول أن الأمم النامية والدول الغنية تقع قبل مرحلة الانتقال أو التطور فريسة لأزمة ذاتية من هذا النوع. وذلك عندما تخفق فى تحديد هويتها الحضارية.
ويذكر علماء النفس أنه فى حالة إخفاق الفرد فى التوافق مع الذات وتأكيدها فإنه يلجأ إلى أسلوب لا توافقى يتراوح بين حالتين هما : الاغتراب أو التطرف. وعادة ما يوجه المغتربون اهتماماتهم على وجه الأخص إلى الداخل، فى حين أن المتطرفين يوجهون اهتماماتهم إلى الخارج، وهو نفس السلوك السياسى لبعض الأقطار الذى يتراوح بين الانغلاق الداخلى أو العزلة وبين التطرف العدوانى. هذا فضلاً عن الاحساس بالقصور والعجز والضعف وعدم التكافؤ وتزايد الاحساس بعدم الثقة فى العالم المحيط.
وتكمن جذور أزمة الهوية فى عدة عوامل من أبرزها السيطرة الأجنبية وما تلاها من تبعية وما يترتب عليها من تشويه اقتصادى واجتماعى حضارى ونفسى وكذلك تعميق التبعية بمعنى كثافة الاعتماد من جانب الحكومات على القوى الخارجية لتحقيق الأهداف الوطنية، وأيضا شدة الاعتماد من جانب الشعوب على حكوماتها لتحقيق الآمال الجماهيرية، فضلا عن النظرة الأحادية للأمور بمعنى أن كافة الأشياء والظواهر والمواقف هى إما ابيض أو أسود ولا وسط مما يضيع نسبية الحقائق والأحكام ويدفع إلى التعصب والتطرف وعدم القبول بالحلول الوسط.
صفوة القول أن أزمة الذاتية تتبلور فى أن المشكلة ليست أزمة معرفة وإنما هى أزمة تقييم، بحيث نعجز عن تقييم موقعنا فى خريطة الأسرة الدولية المعاصرة وتحديد مركزنا على مر الزمن الذى يمتد عبر ثلاث نقاط من الماضى إلى الحاضر فالمستقبل.
وفى إطار البحث عن الذات أو الهوية الحضارية هذه ، تحدث نزعة الخلط بين موقفين : البحث عن الذات، والعودة إلى الذات، وهذه الأخيرة تعنى العودة إلى الداخل ونحو الماضى. وأصحاب هذه النزعة حينئذ يكونون بمثابة قوم يمسكون بمرآة عظيمة ينظرون فيها ليهتدوا بها إلى طريقهم، وهم فى الواقع لا يرون إلا انفسهم وعلى هذا النحو قد يضيع منهم الطريق الصحيح.
وتتمثل مشكلة تحديد الهوية فى تحديد تعريف الذات، ذلك أن هذه المشكلة تحدد مواقعنا فى مواجهة الآخرين. فلكى تتحدد الهوية لابد من تحديد علاقات الأشخاص ببعضهم ومدى انتمائهم أو بعدهم عنهم.
وهنا تبرز مشكلة الهوية لدى الشباب كجماعة اجتماعية متميز . فالشباب جماعة اجتماعية لها ثقافتها الفرعية الخاصة. وقد أدى طول فترة التعليم إلى توافر الوقت الطويل للشباب والذى نتج عنه ما يمكن تسميته بالمراهقة الممتدة .. تلك المراهقة الممتدة التى تؤدى إلى الهوية المشتتة.
ويرجع ظهور مشكلة الهوية لدى الشباب الى عوامل مثل :
أ ـ سرعة التغير فى المجتمع :
ان الحالة العامة للحياة وسرعة التحرك فيها وشعور الانسان بهذه الحياة من زاوية مفاهيمه عن الزمان والمكان والعلاقات الاجتماعية تتعرض لهزات عنيفة، بل ان مفاهيم المجتمع نفسه والثقافة قد أصابهما التغيير.
ب ـ التحديث :
تتمثل مشكلة التحديث فى التغير الضخم الشامل فى كل مكان، حيث لا تستطيع أى جماعة أن تفلت من التغيير فى هذا القرن. لقد نتج عن عدم القدرة على التعامل بنجاح مع مجتمع ديناميكى كثير من التغيير والفوضى وعدم الرضا. وفى النهاية اهتزاز الهوية لدى الشباب نتيجة لصدمات التغيير.

جـ ـ التشتت النفسى :
ويحدث هذا الشتت بين القديم الأصيل والجديد المستورد، وبين قيمة العمل اليدوى وعائده وبين الوظيفة ونتيجة لتلك المشاكل يشعر الشباب بالاغتراب فى وطنه بسببب فتور العلاقات الانسانية وشكه فى كل شىء، مما يؤدى إلى وجود صراع بين الهوية القومية أو الوطنية وبين الحضارة الحديثة، وقبول أو عدم قبول تقويم الحضارة الغربية لحضارتنا الوطنية وقيمها ورموزها وطريقة حياة شعبنا.
وفى هذا الاطار يمكن أن نميز بين هويات متعددة هى الهوية الوطنية والهوية العربية والهوية الإسلامية والهوية العالمية.
(1) الهوية الوطنية :
تتحدد الدائرة الوطنية بالحدود السياسية للدولة .. وقد غلب هذا التيار الداعى للانتماء إلى الوطن (مصر) والدولة، على أى من الدوائر الأخرى.
ولقد كان هذا التيار قوياً فى فترة الجهاد من أجل الاستقلال، ثم ضعف بعد ثورة التحرير وقيام الدولة المستقلة لكنه عاد إلى القوة مرة أخرى بعد حرب يونيو 1967 ثم ازداد قوة بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر واسرائيل والمقاطعة العربية لمصر.
(2) الهوية العربية :
تؤكد الهوية العربية على الانتماء إلى الدائرة التى تشمل الوطن العربى الكبير من المحيط إلى الخليج. ويؤكد هذا التيار على روابط مصر العربية، والمتمثلة فى اللغة والثقافة والحضارة والأصل السامى لكل الأمة العربية.
كما يركز هذا التيار على إنكار رسوخ الدولة الوطنية ويتجاهل الخصوصيات الثقافية المشتركة فى بلاد الوطن العربى ويركز على تحقيق الوحدة العربية.
(3) الهوية الاسلامية :
يؤكد التيار الاسلامى على الانتماء إلى دائرة الحضارة الاسلامية التى ساهم فى بنائها العرب، وغلب على هذا التيار الانتماء إلى العقيدة اكثر من الوطنية والانتماء القومى، وسعى إلى التواصل مع التنظيمات المعبرة عنه فى العالم الاسلامى. وقد عمل هذا التيار على استقطاب العديد من الشباب. بالتركيز على الإحباط الثقافى والحضارى .
(4) الهوية الإنسانية العالمية :
ان النظرة العالمية هى النظر إلى الجنس البشرى كأسرة واحدة تقوم على تنمية المصالح المشتركة باستخدام مصادر الثروة الطبيعية وتسيير المجتمع نحو الرفاهية. وتظهر لدى الشباب الرغبة فى التمثل بالأنماط السلوكية المتبادلة التى تنتجها الحضارات المختلفة فى مراحل تماسكها واحتكاكها المباشر، تعبيراً عن طبيعة العلاقات المتطورة بينها.
كما ينتج عن ذلك صراع بين الحضارات، وتمزق شباب الدول النامية بين قيمه الموروثة والمحببة، وبين مقتضيات ومتطلبات الحضارة العالمية الصناعية إذ لا يمكن تفادى وقوع التغيير الحضارى الذى اتسعت فيه الاتصالات الفكرية والمادية مما يؤدى إلى وقوع الشباب فريسة الصراع الثقافى وتنافس الهويات بالأخص فى ظروف التحول نحو العالمية فى الاقتصاد والاتصال والاعلام والثقافة، الأمر الذى يعلى من شأن المؤثرات الخارجية على القيم السياسية لكافة المواطنين وفى مقدمتهم الشباب.
ومع ذلك .. فإنه يمكن القول أن أزمة الهوية الحضارية والثقافية لدى الشباب ينبغى ألا تثير الانزعاج بيننا، لأننا نشترك فيها مع معظم دول المعمورة.
أما وجه القلق فيها فيكمن فى الخطورة التى تترتب على عدم حسمها والتى تتلخص فى تأخيرنا عن اللحاق بقطار العالمية السريع الذى يتوجب أن نأخذ فيه مكاناً مناسباً.
والحل المنشود قد يكون غير تقليدى ومبتكر فلابد أن نسعى لاستيعاب الشباب ودمجه فى قضايا مجتمعه وابتكار اساليب وجهود لتنمية ولاءات الشباب تجاه هويتهم الوطنية مع عدم اغفال للتيارات القومية والعالمية حتى نتمكن من مواجهة التحديات القادمة وسوف نحاول طرح بعض الأساليب المبتكرة لعلاج هذه القضية فى الفصل القادم (المشاركة السياسية).

ثانيا ً: عملية التنشئة السياسية
تشهد المجتمعات المعاصرة - بدرجات متفاوتة- أزمة تكامل قومى ، فمن الواضح ان اكثر الدول النامية بها العديد من الجماعات المختلفة عرقياً ولغوياً ودينياً ، الأمر الذى جعل من عملية بناء الآمة مطلباً ملحاً. وتواجه اكثر من دولة متقدمة وان كان بدرجة اقل حدة نفس المشكلة حيث تضم اقليات لم تستوعب فى النسيج الاجتماعى ومن هنا تصبح التنشئة السياسية لازمة لخلق شعور عام قوى بالهوية القومية.
ولقد شرعت الدول النامية عقب حصولها على الاستقلال فى القيام بعمليات تحديث اقتصادية واجتماعية وسياسية. وتتضمن التنمية فى بعدها السياسى تطوير المؤسسات السياسية وتحقيق نوع من التمايز التخصص الوظيفى فيها بمعنى إنشاء مؤسسات سياسية ودستورية متخصصة كالأحزاب والبرلمان … الخ. كما شكل إحلال نسق من القيم السياسية الحديثة محل منظومة القيم التقليدية . وتعد التنشئة المخططة والمستمرة سبيلاً لاغنى عنه لإحداث التطوير الثقافى المنشود.
وتتعدد التعريفات التى طرحها الباحثون لمفهوم التنشئة السياسية. فليس هناك تعريف واحد متفق عليه. وسنعرض فيما يلى طائفة من هذه التعريفات، فنتناول أولا مفهوم التنشئة بصفة عامة ثم التنشئة السياسية.
وتعرف التنشئة على إنها عملية التفاعل الاجتماعى التى يتم من خلالها تكوين الوليد البشرى وتشكيله وتزويده بالمعايير الاجتماعية، بحيث يتخذ مكاناً معيناً فى نظام الأدوار الاجتماعية ، ويكتسب شخصيته، أو هى العملية التى يتم من خلالها تكييف الفرد مع بيئته الاجتماعية بحيث يصبح عضواً معترفاً به ومتعاوناً مع الآخرين.
وهو مصطلح يستخدم للاشارة الى الطريقة التى يتعلم بها الاطفال قيم واتجاهات مجتمعهم وما ينتظر ان يقوموا به من أدوار عند الكبر. ويعرفها البعض على انها تلك العملية التى يكتسب الفرد من خلالها ثقافة ومعايير جماعته فى السلوك الاجتماعى وهى عملية لا تحدث لفترة معينة ثم تتوقف ولكنها مستمرة وممتدة أى أن هناك اتجاهين للنظر إلى مفهوم التنشئة :
الأول : ينظر إلى التنشئة كعملية يتم بمقتضاها تلقين المرء مجموعة من القيم والمعايير المستقرة فى ضمير المجتمع بما يضمن بقاءها واستمرارها .
الثانى : ينظر إلى التنشئة على أنها عملية من خلالها يكتسب المرء تدريجيا هويته الشخصية التى تسمح له بالتعبير عن ذاته وقضاء مطالبه بالطريقة التى تحلو له.
ويمكن أن نخلص إلى تحديد عناصر مفهوم التنشئة السياسية على النحو التالى :
1- التنشئة السياسية ببساطة هى عملية تلقين لقيم واتجاهات سياسية ولقيم واهتمامات اجتماعية ذات دلالة سياسية.
2-التنشئة السياسية عملية مستمرة بمعنى أن الإنسان يتعرض لها طيلة حياته من الطفولة وحتى الشيخوخة.
3 - تلعب التنشئة السياسية أدواراً رئيسية ثلاثة :
• نقل الثقافة السياسية عبر الأجيال.
• تكوين الثقافة السياسية.
• تغيير الثقافة السياسية.
4- هناك العديد من الأنساق الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية المختلفة تقوم بهذا الدور (التنشئة السياسية) بالنسبة للفرد.
5- هذه العملية هى المحدد لسلوك الفرد السياسى سواء بقبول أو رفض النظام السياسى أو قبول أو رفض المجتمع ككل أو إحدى مؤسساته.

1 ـ أبعاد التنشئة السياسية :
أ ـ التنشئة والمشاركة السياسية :

تتوقف مشاركة الفرد فى الحياة السياسية جزئياً على كم ونوعية المنبهات السياسية التى يتعرض لها. غير أن مجرد التعرض للمنبه السياسى لا يكفى وحده لدفع الفرد إلى المشاركة السياسية وإنما لابد ايضاً أن يتوفر لديه قدر معقول من الاهتمام السياسى، وهو ما يتوقف على نوعية خبرات تنشئته المبكرة.
فالتجارب والخبرات التى تحدث فى مرحلة الطفولة تلعب دوراً هاماً فى تشكيل اتجاهات الأفراد وتوجيه سلوكهم الفعلى فيما بعد، ويستمر تأثير هذه التجارب والخبرات على الأفراد طوال سنوات المراهقة والنضج.
ولما كانت التنشئة لا تقف عند المراحل الأولى من العمر بل انها تحدث طوال حياة الفرد فإنه يمكن القول أن كل ما يتعلمه الفرد، وما يمر به من خبرات وتجارب على مدى عمره من الطفولة وحتى الكهولة، يؤثر بدرجة كبيرة على مدى مشاركته السياسية.
ب ـ التنشئة والتجنيد السياسى :

يقصد بالتجنيد السياسى تقلد الأفراد للمناصب السياسية سواء سعوا إليها بدافع ذاتى أو وجههم آخرون إليها.
وينحدر شاغلو المراكز السياسية من ثقافات فرعية مختلفة، ولذا تصبح التنشئة السياسية الفعالة عملية حيوية لتزويدهم بالمعارف والمهارات السياسية. ومما يذكر أن القيم والاتجاهات التى اكتسبها الفرد من معايشته للجماعات الأولية تظل تزاول تأثيرها عليه بعد تجنيده فى أى منصب سياسى.
جـ ـ التنشئة والاستقرار السياسى :

يشير الاستقرار إلى قدرة النظام على أن يحفظ ذاته عبر الزمن أى يظل فى حالة تكامل، وهو ما لا يتأتى له إلا إذا اضطلعت أبنيته المختلفة بوظائفها على خير وجه ومن بينها وظيفة التنشئة السياسية.
وللتنشئة السياسية بعدان باعتبارها وظيفة ضرورية لاستمرار النظام أولهما البعد الأفقى ومضمونه أن الجيل القائم ينقل ثقافته إلى الجيل اللاحق. وثانيهما البعد الرأسى ومؤداه أن يوجد اتساق بين قيم واتجاهات وسلوكيات أفراد الجيل السائد بما يضمن للجسد السياسى قدراً …. من التلاحم والترابط.
ويشير البعض إلى وظائف التنشئة على النحو التالى :
(1) تعليم اللغة.
(2) تشكيل السلوك الانسانى للفرد.
(3) تشكيل السلوك الاجتماعى للفرد.
(4) اكساب الفرد ثقافة المجتمع.
(5) الحفاظ على نسق القيم السائد فى المجتمع.
(6) تعليم المهارات.
(7) تشكيل شخصية الفرد.

2 ـ مراحل التنشئة السياسية :

تمر عملية التنشئة بعدد من المراحل التى ترتبط بنمو الفرد وتطوره، وهى مرحلة الطفولة ثم المراهقة وأخيراً النضج والاعتدال. ويتحدد السلوك السياسى للفرد فى مرحلة النضج بدرجة ما بخبرات التنشئة التى يكتسبها فى مرحلتى الطفولة والمراهقة.
ويتلقى الفرد فى كل مرحلة من هذه المراحل جزءاً من عملية التنشئة. كما يتعرض ايضاً فى كل مرحلة إلى أداة أو أكثر من أدوات التنشئة التى قد تكمل بعضها البعض أو قد يتعارض بعضها مع البعض الآخر.
فالإنسان فى مختلف مراحل حياته يعايش مؤسسات عديدة، بعضها مفروض عليه ـ كالأسرة أو المدرسة مثلاً ـ وبعضها الآخر إرادى ينضم إليه طوعاً دون ضغط، ويتلقى من كل هذه المؤسسات خبرات وقيم واتجاهات ومبادىء يختزنها فى ذاكرته ووجدانه لتساهم بطريق مباشر أو غير مباشر فى تحديد مواقفه وسلوكه بعد ذلك.

3 ـ أدوات التنشئة السياسية :

تتنوع وتتعدد الأدوات التى تلعب أدواراً رئيسية فى عملية التنشئة. فتحت تأثير الأسرة والمدرسة وجماعات الرفاق وأدوات الاعلام يكتسب الفرد قيماً ومعايير واتجاهات منها ما هو اجتماعى له آثاره السياسية، ومنها ما هو سياسى. وسوف نتناول هذه الأدوات على النحو التالى :
أ ـ الأســـرة :
تعتبر الأسرة من أهم أدوات التنشئة السياسية وأعظمها تأثيراً فى حياة الأفراد فهى أول جماعة يعيش فيها الفرد، وهى التى تقوم بإشباع حاجاته البيولوجية وما يرتبط بها من حاجات سيكولوجية واجتماعية خلال مراحل حياته الأولى، وهى التى تنقل إليه كافة المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم التى تمكنه من أن يعيش حياة اجتماعية ناجحة بين أفراد المجتمع.
وقد أكدت معظم الكتابات التى تناولت التنشئة على أن الأسرة هى أهم أدوات التنشئة نظراً لما لها من تأثير حلزونى يمتد ليطوق كل الأدوات الأخرى مثل جماعات الرفاق والمدرسة والسلطة ووسائل الإعلام وغيرها.
وتعتبر الأسرة المدرسة الأساسية لكل طفل لأن ما يتعلمه فيها يبقى معه طوال حياته. فعن طريقها يكتسب قيمه الاجتماعية، ومعايير سلوكه، ويكتسب ضميره الآمر الناهى الذى يثيبه على خير ما يقوم به ويعاقبه على شر ما يقترفه، وعن طريقها ايضاً يكتسب الطفل المعايير العامة التى تفرضها أنماط الثقافة السائدة فى المجتمع.
ب ـ المدرسة :
وتقوم المدرسة بعملية التنشئة السياسية عن طريقين :
(1) التثقيف السياسى :

ويتم هذا التثقيف من خلال مواد معينة كالتربية الوطنية والتاريخ. وتهدف التربية الوطنية إلى تعريف التلميذ بحكومة بلده، وتحديد السلوك المتوقع منه، وزرع مشاعر الحب والولاء القومى فى نفسه، ويرمى تدريس التاريخ بما يتضمنه من انتصارات وهزائم إلى تعميق إحساس الطالب بالفخر والانتماء القوميين.
(2) طبيعة النظام المدرسى :

فالمدرسة وحدة اجتماعية لها طابعها الخاص الذى يساعد بدرجة كبيرة فى تشكيل إحساس التلميذ بالفاعلية الشخصية وفى تحديد نظرته تجاه البناء الاجتماعى القائم.
(3) جماعة الرفاق :

تعرف جماعة الرفاق على أنها الجماعة التى تتكون من أصدقاء الطفل الذين يتقاربون فى أعمارهم وميولهم وهواياتهم، كما أنها الجماعة التى ينسب إليها الفرد سلوكه الاجتماعى ويقيمه فى إطار معاييرها وقيمها واتجاهاتها وأنماط سلوكها المختلفة.
وجماعات الرفاق لها دور فى التنشئة السياسية من خلال حث أعضائها أو الضغط عليهم ليعملوا وفق الاتجاهات وأنماط السلوك السياسية الى تقبلها الجماعة، فالفرد قد يصبح مهتماً بالسياسة أو متابعاً للأحداث السياسية لأن أحد أو بعض رفاقه المقربين يفعلون ذلك.
(4) دور المؤسسات الدينية :

تقوم المؤسسات الدينية بدور كبير فى عملية التنشئة وذلك لما تتميز به من خصائص فريدة أهمها : إحاطتها بهالة من التقديس، وثبات وإيجابية المعايير السلوكية التى تعلمها للأفراد، والاجماع على تدعيمها.
والدين له مؤسساته التى تعمل على تحقيق أهدافه وغاياته السامية، ولا يقف الدين عند حدود العبادات وإقامة الشعائر الدينية، بل ان الدور الذى يقوم به فى تنشئة الأفراد يكاد يعكس آثاره على بقية المؤسسات الأخرى العاملة فى مجال الضبط الاجتماعى، ولذلك يعد الدين والمؤسسة التى تعمل على تحقيق أهدافه عنصراً أساسياً من عناصر التنشئة.
وتقوم المؤسسات الدينية بدورها فى عملية التنشئة من خلال:
• تعليم الفرد والجماعة التعاليم الدينية والمعايير السماوية التى تحكم سلوك الفرد بما يضمن سعادة الفرد والمجتمع.
• إمداد الفرد بسلوكيات أخلاقية.
• تنمية الضمير عند الفرد والجماعة.
• الدعوة إلى ترجمة التعاليم السماوية السامية إلى سلوك عملى.
• توحيد السلوك الاجتماعى والتقريب بين مختلف الطبقات الاجتماعية.
(5) دور مؤسسات العمل :

وتؤثر مؤسسات العمل فى التنشئة من خلال ما يدور داخلها من علاقات واتصالات ومعاملات بين الرؤساء والمرؤوسين ، وبين العاملين فى هذه المؤسسات بعضهم البعض بحيث أنه كلما اتسمت هذه العلاقة بالود والتعاون والمشاركة فى اتخاذ القرارات ، وفى تسيير أمور المؤسسة، كلما كان الفرد أكثر ميلاً للمشاركة خارج نطاق العمل، أما إذا اتسمت هذه العلاقة بالحقد والكراهية والتسلط، كلما كان الفرد أكثر ميلاً إلى السلبية واللامبالاة فى داخل وخارج بيئة العمل.
(6) دور الأحزاب السياسية :

تقوم الأحزاب السياسية بدور كبير فى عملية التنشئة من خلال غرس قيم ومفاهيم ومعتقدات سياسية معينة لدى الفرد، وذلك بهدف توجيه الأفراد وجهة سياسية معينة تتفق مع توجهات هذه الأحزاب، كما تم توضيحه فى العدد الثانى من هذه السلسلة عن الأحزاب.
وتقوم الأحزاب بهذا الدور من خلال ما تقدم من معلومات، وما تمارسه من تأثيرات على الآراء والقيم والاتجاهات السلوكية السياسية للجماهير، مستخدمة فى ذلك كل ما تملك من وسائل اتصال بالجماهير سواء كانت هذه الوسائل جماهيرية كالراديو والتليفزيون والصحف والمجلات والكتيبات والنشرات وغيرها، أو وسائل اتصال مباشر كالندوات والمؤتمرات والمحاضرات والاجتماعات والمناقشات والمقابلات التى ينظمها الحزب من أجل الوصول إلى أكبر قطاع ممكن من الجماهير.
وتقوم الأحزاب السياسية بدور مزدوج فى عملية التنشئة السياسية يتمثل فى دعم الثقافة السياسية السائدة، وخلق ثقافة سياسية جديدة.
(7) دور وسائل الاتصال :

تؤدى هذه الوسائل من صحف ومجلات وإذاعة وتليفزيون دوراً هاماً فى عملية التنشئة السياسية. إذ تزود الفرد بالمعلومات السياسية وتشارك فى تكوين وترسيخ قيمه السياسية . وفى المجتمعات المتقدمة تنتشر الوسائل الاعلامية على نطاق واسع وتقوم هذه الوسائل بنقل المعلومات عن قرارات وسياسات النخبة الحاكمة إلى الجماهير، ونقل المعلومات عن مطالب وردود فعل الجماهير إلى النخبة وهذا التدفق المستمر للمعلومات من أعلى إلى أسفل وبالعكس من شأنه العمل على تأكيد قيم الثقافة السياسية السائدة.
وقد عمدت القيادات السياسية فى الدول النامية إلى تطوير وسائل الاتصال الجماهيرى لتسهم فى تشكيل الثقافة السياسية الجديدة غير أنه توجد مجموعة من العوامل كالأمية وتدهور مستويات المعيشة والفقر والمرض وغياب التيار الكهربائى وعزلة القرية التى تحول دون تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الوسائل.
ويقتضى تعظيم الاستفادة من الوسائل الجماهيرية حدوث نوع من التعاون والتضافر فى الجهود التى تبذلها مؤسسات أخرى
 
أعلى