الهندسة الانتخابية: مقاربة معرفية

الموضوع في 'منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية' بواسطة محمد., بتاريخ ‏6 ابريل 2010.

  1. محمد.

    محمد. عضو جديد

    الهندسة الانتخابية: مقاربة معرفية





    د.أمحند برقوق،

    قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية (جامعة الجزائر)
    تشكل الهندسة الانتخابية عملية سياسية مفعلة لحقوق المواطنة بالمشاركة السياسية في اختيار من يمثل المواطنين و من يحكم باسمهم ومن يشرع في البرلمان نيابة عنهم ، و من يقرر محليا أو جهويا باسمهم . كما تعد الانتخابات احد الركائز الاجتماعية المحققة للتجانس المجتمعي و الاستقرار السياسي إذ أنها إضافة لكونها ألية اتصال سياسي و التجديد النخبوي، فهي أيضا الإطار الأولي المحدد لمشروعية النظام السياسي و توجهاته العامة و طبيعته .

    تعد الانتخابات في عالم ما بعد الحداثة احد الأبعاد الأساسية للتنمية السياسية الديمقراطية القائمة على "الجودة " و المحركة لعمليات البناء التعددي للدولة و المجتمع معا من اجل تكريس أفكار الاندماج و التمثيل و المسؤولية بالجزاء و التباين السلطوي و التعقيد المؤسساتي و الكفاءة الإدارية .

    سوف تحاول هذه الورقة التطرف لأبجديات الهندسة الانتخابية في المجتمعات و الأنظمة القائمة على الإجماع أو تلك المكرسة لفلسفة التوافق بناءا على درجة التفكك أو التجانس للمجتمع. كما سوف تستخدم ما يقدم كمعايير عالمية لبناء فلسفة انتخابية في المجتمعات الصاعدة بحسب منظور برنامج الأمم المتحدة للإدارة و التسيير المالي للانتخابات .(ACE PROJECT)

    • الانتخابات : الماهية و الأهداف

    تشكل الانتخابات البعد الإجرائي و الديمقراطي حسب (روبرت دال ) و تشكل مصدرا عقلانيا للمشروعية حسب ماكس فيبر MAX WEBER و تشكل مشروعية ابتدائية للنظام السياسي حسب دافيد بيثام DAVID BEETHAM وتشكل عملية اتصالية دورية بين المجتمع و النظام السياسي حسب كارل دوتش . كما هي تعبير عن درجة انفتاح النظام السياسي على المجتمع من حيث توفير شروط التمكين السياسي للمواطنين حسب جاك دونللي، أي تفعيل حقوق المشاركة السياسية للمواطنين في اختيار من يحكمهم و من يعبر عن أرائهم و تطلعاتهم و قناعاتهم في المؤسسات التنفيذية و التمثيلية ... .وهذا ما جعل دونللي يصورها كعملية حكم بالنيابة عن طريق المساهمة غير المباشرة في صياغة القوانين و السياسات و في اتخاذ القرارات محليا و جهويا.

    كما تشكل الانتخابات أيضا احد الأبعاد الأساسية للمشاركة السياسية إذ انه لا يمكننا أن نتحدث عن فعالية هذه المشاركة إلا إذ تكاملت مع:
    1- وجود تعددية حزبية ومدنية و إعلامية فعلية و ناجعة و مبادرة
    2- وجود هياكل تمثيلية مستقلة وفاعلة بطريقة تكفل وجود تباين سلطوي Authority differentiation و جودة مؤسساتية institutional sophistication

    و من هنا يظهر بأنه لا يمكننا فهم الانتخابات إلا من خلال إدراجها في المنظور الوظيفي و البنائي العام للدولة (جمهورية أو ملكية، وحدوية أو فيدرالية ) و من خلال ربطها بطبيعة النظام السياسي (رئاسي أو شبه رئاسي، برلماني أو شبه برلماني ) و كذلك من خلال تحديد طبيعة التركيبة المجتمعية (درجة التجانس /درجة التنوع ) و كذلك درجة الاندماج التنموي للدولة (توازن جهوي و عدالة توزيعية لفرص التنمية و منتجاتها عبر جهات الدولة الواحدة )، و كذلك من خلال تحديد طبيعة التوزيع السلطوي و الوظيفي للنظام السياسي على المستويات المركزية و المحلية، و كذالك من خلال تحديد طبيعة الحقوق التي يعترف بها الدستور و القوانين الوطنية للمواطنين و درجة ضمانها و حمايتها و تفعيليها و ترقيتها خاصة ما تعلق بالحقوق السياسية للمرأة و التي عرفت تأخيرا تاريخيا و فعليا على مستوى التجسيد، بحيث أن أول دولة تعترف بحق المرأة في التصويت هي زيلندا الجديدة سنة 1893 ، فرنسا في 1945 و سويسرا فقط سنة 1971.


    • الهندسة الانتخابية:

    يقصد بالهندسة الانتخابية صياغة القواعد و الأطر و الآليات الكفيلة بضمان المشاركة السياسية الدورية للمواطنين في كنف النزاهة و الحرية و التعددية و الانتظام ، أي توفير الشروط الأساسية لشفافية و مصداقية الانتخابات على المستويات التنظيمية والتمويلية و التسيرية و الإجرائية و حتى الإعلامية، أي أن الهندسة الانتخابية تقوم أساسا على توفير مجموعة من الشروط و هي :
    1- وجود هيكلة حقوقية وطنية مركزة على مركزية الإنسان- المواطن كمصدر وغاية للعمل السياسي و مضمونة بآليات دستورية و قانونية واضحة
    2- ضرورة الأخذ بعين الاعتبار في بناء النظام الانتخابي (تقسيم الدوائر ، نمط تصويت ....) طبيعة المجتمع من حيث كونه متجانسا أو تعدديا
    3- ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الأحزاب السياسية و مستوى نضجها الديمقراطي
    4- ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الامتداد الجغرافي للدولة و مستوى الكثافة السكانية و توزيعيها
    5- ضرورة الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الدولة بكونها وحدوية أو فدرالية
    6- ضرورة الأخذ بعين الاعتبار طبيعة النظام السياسي و مكانة السلطة التشريعية فيه
    7- ضرورة مراعاة طبيعة الثقافة السياسية السائدة و المرتبطة بمستوى تعقد و تجذر التنمية السياسية المحلية من منظور معايير الديمقراطية المشاركاتية
    8- ضرورة الأخذ بعين الاعتبار المستوى الفعلي و العملي للرقابة المؤسساتية بالجزاء على السلطة التنفيذية من لدن السلطة التشريعية .
    9- ضرورة مراعاة مدى استقلالية السلطة القضائية و مدى قدرتها على فرض أحكامها على الجميع

    و من اجل تحقيق هندسة انتخابية متوافقة مع المعيار الديمقراطي المشاركاتية يجب الحرص أيضا على وجود مجموعة من الحركات السياسية الممكنة للمواطن من التأثير الفعلي على طبيعة النظام السياسي و منها :

    1- الإدارة و الانتخابات
    يجب التركيز على مسألة الحياد الفعلي للإدارة مع الإلحاح على وظيفتها التقنية لا السياسية في العملية الانتخابية و التي تقتصر فقط على:
    -بناء السجل الانتخابي و تحيينه
    - تسهيل عملية تسجيل المواطنين بأنفسهم على القوائم الانتخابية
    – تسهيل عملية ترشيح الأحزاب أو الأفراد
    - توفير الشروط المادية و البشرية لإنجاح الانتخابات

    - 2- الصحافة و الانتخابات
    لان تكون الانتخابات ديمقراطية يجب أن تكون تعددية إعلامية مكرسة لحرية التفكير و التعبير عن قناعة بوجود صحافة عمومية أو خاصة وتسمح بخلق حوارات و نقاشات تنضح الخيارات للإنتقاء بصفة عقلانية من طرف الناخبين ... مع شرط توفير الصحافة العمومية لوقت متساوي لكل الأحزاب من الوصول للناخبين دونما احتكار من طرف الحزب الحاكم .

    3- الهيكلة القانونية للانتخابات
    يجب على قانون الانتخابات أن يضع بوضوح الأطر الإجرائية اللازمة للتعبير بصفة حرة و نزيهة و تعددية و منتظمة عن الإرادة المواطنية في تحديد الهيكلة البشرية و الحزبية لنظام الحكم و ذلك من خلال توضيح ما يلي:
    1- من له حق الترشح أو التصويت و على أي أساس يتم التأهيل الانتخابي للمواطنين (الناخبين) و المرشحين
    2- كيف تقسم الدوائر الانتخابية و حسب أي معيار (جغرافية و ديمقراطية و ثقافية و عرقية و طائفية و دينية و إقتصادية أو سياسية )
    3- تحديد طبيعة النمط الانتخابي (النسبي أو التعددي أو بالأغلبية البديل ) مع تبرير الدوافع للتأسيس القانوني و المواطني لهذا النمط بحكم انه يحدد في النهاية ليس فقط طبيعة توزيع السلطات و لكن أيضا مدى ديمقراطية الانتخابات و النظام السياسي ككل.

    من هنا يظهر أن الهندسة الانتخابية هي أحد الأبعاد العملياتية للهندسة السياسية و التي تقوم على تفعيل مشاركاتي لحقوق الإنسان حسب المنظور العملي المكرس في مختلف الصكوك الدولية المؤسسة لنسق الحقوقي العالمي و التي أعطت أرضية فيينا (1993) بعدا إجرائيا جديدا و لكن أكثر فأكثر حسب المنطلقات الأنطولوجية للكوسموبوليتانية الجديدة .