المواقع الراهنة للقوى فى النظام الاقتصادى العالمى .. قراءة فى التقارير الدولية‎

المواقع الراهنة للقوى فى النظام الاقتصادى العالمى .. قراءة فى التقارير الدولية‎
‎* ‎د.محمد عبد الشفيع عيسي‎ ‎

ظهرت نظريات عديدة فى علم العلاقات الدولية تفسر أنماط السلوك الخارجى والعلاقات المتبادلة فى ‏المنتظم الدولى، مثل النظرية المثالية، والنظرية الواقعية، والمدرسة السلوكية والنظامية، و'ما بعد ‏السلوكية'، و'ما بعد النظم'، ومدرسة الاقتصاد السياسى، ومقتربات تحليل الصراعات وتسوية ‏النزاعات، وغيرها كثير مما يعنى به دارسو العلاقات الدولية.ولكننا فى هذا المقال، سنحاول تقديم تفسير ‏لمظاهر القوة والتفوق على المستوى الدولى، وما يقابلهما من الضعف والتهميش من خلال قراءة ‏للتقارير الدولية المتخصصة التى تتناول هذا الموضوع من وجهة نظر اقتصادية. ويجب أن نشير هنا إلى ‏الطبيعة 'النسبية' للنتائج التى توردها تقارير المنظمات الاقتصادية الدولية، والمنتديات الفكرية، ومراكز ‏البحث، والتى يجب أن تستخدم بحذر بوصفها دليلا عاما إرشاديا، وليست من قبيل الحقائق الثابتة‎.

ولنبدأ بمجموعة الدول المسيطرة على النظام الاقتصادى العالمى أو الدول الصناعية المتقدمة وتضم: ‏الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وكندا، وإيطاليا، واليابان‎.

القوى المسيطرة‎ :

إن أكبر اقتصاد منفرد فى العالم هو اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، ويعبر عن ذلك بمؤشرات ‏عديدة، أولها حجم الدخل القومي. ووفقا لتقرير البنك الدولى 'التنمية فى العالم 2007'، فإن مستوى ‏الدخل الأمريكى لعام 2005، بالطريقة الحسابية المسماة تعادل القوة الشرائية، بلغ 4و12 تريليون ‏دولار: (التريليون يساوى ألف مليار كما هو معروف). وأما متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى، ‏فقدر بنحو 42 ألف دولارأمريكي. وبما أن إجمالى الدخل الكلى على مستوى العالم يبلغ نحو 60.6 ‏تريليون دولار، فإن الاقتصاد الأمريكى يولد خمس الناتج العالمى على وجه التقريب، كما أن متوسط ‏دخل الفرد فى الولايات المتحدة يبلغ خمسة أضعاف المتوسط العالمى الذى يصل إلى 9400 دولار‏‎.

وتأتى الصين بعد الولايات المتحدة مباشرة من حيث حجم الدخل القومى، بمستوى يقدر بنحو 8.6 ‏تريليون دولار وفق طريقة 'تعادل القوة الشرائية 'أيضا. أما إذا استخدمنا الطريقة العادية، فإن حساب ‏الدخل لن يزيد على 2.6 تريليون دولار تقريبا. ولكن شتان، فتعداد الصين يبلغ 1300 مليون ‏نسمة. وبقسمة الدخل القومى على عدد السكان، يصبح متوسط نصيب الفرد فى الصين 6600 ‏دولار، أى نحو سدس المتوسط الأمريكي. ومن المثير للاهتمام أن تعداد الولايات المتحدة السكانى وصل ‏عام 2005 إلى 296 مليون نسمة، وبذلك فهى، بعد استبعاد الصين والهند، من أكبر دول العالم ‏من الناحية السكانية، ولا يناهزها فى العدد سوى إندونيسيا بتعداد يبلغ 221 مليون نسمة، تليها ‏البرازيل (186 مليونا). ويلاحظ أنه فى أيام نظام 'القطبية الثنائية' الأمريكى - السوفيتى السابق، كان ‏الاتحاد السوفيتى يتجاوز تعداده الولايات المتحدة، وكان يشغل سدس مساحة اليابسة الأرضي. أما ‏الآن، فقد هبط تعداد روسيا الاتحادية - وريثة الاتحاد السوفيتي- إلى 143 مليون نسمة، وهو ينمو ‏بالسالب (أى يتناقص عبر الزمن وبمعدل بلغ 0.4% خلال الفترة من 2000 إلى 2005). ‏وروسيا حاليا لا يزيد حجم الدخل القومى فيها على 1.5 تريليون دولار، وبمتوسط لنصيب الفرد ‏‏10 آلاف دولار، أى أقل من ربع الرقم الأمريكي‏‎.

ومن بين الدول الصناعية المتقدمة، فإن أقرب الدول إلى الولايات المتحدة هى اليابان (128مليون ‏نسمة) ولكن بحجم للدخل القومى لا يزيد على 4 تريليونات دولار تقريبا، أى أقل من ثلث الدخل ‏الأمريكى، مع متوسط لنصيب الفرد 31.4 ألف دولار. بينما أن بريطانيا (60 مليون نسمة فقط) ‏يبلغ دخلها 1.9تريليون، بمتوسط للفرد 32.6 ألف دولار، وقريب من ذلك: فرنسا، وألمانيا‎.

وفى ظل تمتع الولايات المتحدة بتعداد سكانى كبير وارتفاع فى دخل الأفراد، فهى تشكل أكبر سوق ‏استهلاكية فى العالم، خاصة مع ارتفاع الميل للاستهلاك فى المجتمع الأمريكى، مما يميز هذا الاقتصاد الذى ‏يعتمد على الاستهلاك، قبل الادخار والاستثمار، كآلية لدفع مسيرة النمو الاقتصادي. ولذلك تتهافت ‏مختلف الدول على التصدير للولايات المتحدة التى يبلغ نصيب الاستهلاك العائلى من الناتج المحلى ‏الإجمالى فيها 71% (عام 2005) مقابل 57% فى اليابان على سبيل المثال. وتبلغ قيمة الواردات ‏الأمريكية 1.7 تريليون دولار من إجمالى الواردات العالمية المقدرة بنحو 10.6 تريليون دولار مقابل ‏واردات بنحو نصف تريليون دولار تقريبا لكل من بريطانيا وفرنسا واليابان، و 0.7 تريليون لألمانيا‏‎.

الولايات المتحدة أيضا هى أكبر مستثمر عالمى، بحكم كونها صاحبة أكبر نصيب من ملكية الشركات ‏عابرة الجنسيات على امتداد العالم. وقد بلغت قيمة 'الاستثمارات الأجنبية الخاصة المباشرة' للولايات ‏المتحدة 107 مليارات دولار تقريبا عن عام 2004، بفارق هائل مع أقرب الدول إليها وهى ‏بريطانيا (72.5 مليار). ولا يزيد نصيب فرنسا على 24.5 مليار، بينما قدرت حصة ألمانيا ‏بالسالب، وقدمت اليابان 7.8 مليار دولار‏‎.

للولايات المتحدة الأمريكية باع طويل أيضا فى مضمار البحث العلمى والتطوير التكنولوجي. ووفقا ‏لتقرير الاستثمار العالمى الصادر عن منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، عام 2005 ، ‏والمكرس لموضوع تدويل البحث والتطوير، نجد أن الولايات المتحدة تحتل المركز الأول فى العالم من ‏حيث الإنفاق على البحث والتطوير بالمقادير المطلقة، تليها اليابان فألمانيا ففرنسا ثم بريطانيا. وهذه خمس ‏دول من مجموعة الدول الصناعية السبع، ومن بعدها تجيء الصين ثم كوريا، وتعود دولتان من (السبع) ‏هما كندا فإيطاليا، تتلوها السويد‎.

تضاف إلى مقومات القوة الاقتصادية الأمريكية، على الصعيد العالمى، السيطرة النقدية، بحكم أن ‏الدولار الأمريكى يشكل عملة الاحتياطى الأولى فى العالم، تستخدمه البنوك المركزية كغطاء لإصدار ‏العملة ومواجهة الاحتياجات إلى السيولة، بل ويستخدم كعملة (موازية) إلى جانب العملات الوطنية فى ‏العديد من دول العالم، كما تقيم به أبرز سلع التجارة الدولية، وفى مقدمتها النفط. وتعطى هذه الحقيقة ‏ميزة إضافية تسمح للولايات المتحدة بالحصول على سلع وخدمات أجنبية عبر إصدار كميات إضافية ‏من الدولار، كما تتدفق عليها الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، من خلال حيازة سندات وأذون ‏الخزانة الأمريكية ومعاملات البورصة، بالإضافة إلى الودائع المصرفية فى البنوك الأمريكية، أكبر بنوك ‏العالم‎.

ويشير ذلك كله إلى أن الولايات المتحدة تحصل على ما يسمى ريع السيطرة، بمعنى أن مركزها العالمى ‏الحاكم، سياسيا وعسكريا وثقافيا، يمكنها من جنى مكاسب اقتصادية كبري‎.

القوى الصاعدة فى 'النظام الدولى الجديد‎':

تتعدد القوى الصاعدة الجديدة، ومن أهم مراكزها آسيا الشرقية بالتحديد. وهذه القوى الآسيوية لها ‏أكثر من صنف، فهناك ما يسمى بالجيل الأول للبلاد حديثة التصنيع منذ السبعينيات من القرن الفائت، ‏وهى أربع دول: كوريا الجنوبية، وتايوان، وسنغافورة، وهونج كونج الصينية. وهناك أيضا، من الجيل ‏الثانى للثمانينات والتسعينات، دولة واحدة صعدت واستمر صعودها ( ماليزيا) بينما هبط آخرون من ‏بعد صعود قصير، وهي: إندونيسيا، وتايلاند، والفلبين. ثم هناك (دولتان- قارتان): الصين والهند‎.

من ناحية أخرى، برزت بعض دول أمريكا اللاتينية، ونخص بالذكر البرازيل، التى عالجت جراح ‏التضخم والركود منذ مطلع الألفية، خاصة مع رئاسة (لولا دى سيلفا)، والمكسيك التى - مع صعود ‏نسبى - تعانى ما تعانى، ولم تفلح فى إنقاذها تماما منظمة التجارة الحرة التى تنضم إليها مع الولايات ‏المتحدة وكندا، باسم (نافتا). وهناك إلى حد معين الأرجنتين، خاصة بتزايد صادراتها من السلع الغذائية، ‏وشيلى، التى حققت نجاحا معينا فى برنامجها (المثير للجدل) للتكيف الهيكلي. وكل هذا الصعود رافقه ‏هبوط أو بقاء فى موضع (محلك سر) - كما يقال- لدول كانت تحسب من (الجيل الأول للبلاد حديثة ‏التصنيع) فى السبعينات، خاصة كولومبيا، وبوليفيا، وأوروجواي‎.

منطقة أخرى شهدت بعضا من صعود الصاعدين، وهى منطقة أوربا الشرقية والوسطى والبلقان، ‏ونستثنى هنا روسيا الاتحادية، كحالة خاصة لدولة صعدت بعد الهبوط الذى صاحب فقدان موقعها ‏المسيطر فى النظام العالمى السابق. وقد حققت هذه المنطقة إنجازات متنوعة حتى منتصف السبعينات، ‏اقتصاديا واجتماعيا، خاصة فى التصنيع الثقيل، والتعليم العام، والصحة العامة، ثم أصابها ما أخذ يصيب ‏الاتحاد السوفيتى من علل ثقال. بعد انهيار المنظومة السوفيتية كلها، انضمت عشر من دول أوربا ‏الشرقية للاتحاد الأوربي. وقد برز العديد من دول أوروبا الشرقية فى السنوات القليلة الأخيرة، منها ‏التشيك، وبولندا، وسلوفينيا، وكذا: المجر، وكرواتيا. ولكن البعض هبط بصورة حادة، خاصة: ‏البوسنة، وألبانيا، إلى حد ما، ومقدونيا، ومنطقة كوسوفا ذات الوضع الخاص. ومن المثير للتأمل أن ‏تكون هذه البلدان الأخيرة منتمية، بدرجات متفاوتة، للعالم الإسلامي‎.
ونورد هنا بعض المؤشرات عن واقع هذه الدول الصاعدة‎.

تتمتع الصين بأحد أعلى معدلات النمو الاقتصادى فى العالم 9.6% كمتوسط للفترة من 2000 إلى ‏‏2005، كما أن الهند حققت معدل نمو بلغ 6.9%. ولكن، إذا كانت الهند - ذات التعداد ‏السكانى البالغ نحو 1100 مليون نسمة (عام 2005) - حققت حجما للناتج المحلى الإجمالى ، فى ‏العام نفسه ، يقدر بنحو 785.4 مليار دولار (بطريقة الحساب العادية)، فإن كوريا - ذات التعداد ‏السكانى الذى لا يتجاوز 48 مليون نسمة - حققت حجما للناتج المحلى الإجمالى (787.7 مليار ‏دولار)، أى بما يزيد على الهند بمقدار 2.2 مليار دولار. ولك أن تتصور مستوى الإنجاز الكوري. ثم ‏إن ماليزيا - ذات الـ 25 مليون نسمة- حققت 130 مليار دولار (مقارنة على سبيل المثال ‏بجمهورية مصر العربية ذات ال 74 مليون نسمة والتى حققت 89 مليار دولار). أما إندونيسيا - ‏ذات الـ 221 مليون نسمة- فقد حققت 287 مليار دولار، أى نحو ثلث الناتج الكوري‏‎.

وإننا إذ نقدم شذرات متفرقة عن وقائع الصعود لبلد أو لبلدان قليلة داخل كل مجموعة، ومن مصادر ‏متباينة، بغرض تقريب الحقيقة للأذهان- فإننا نذهب إلى أمريكا اللاتينية لنجد أن البرازيل (186 ‏ملون نسمة) ارتفع حجم الناتج لديها إلى 794 مليار دولار، ولكن تعدادها الضخم يهبط بمتوسط ‏نصيب الفرد إلى نحو 3500 دولار ( مقابل 560 دولارا فى نيجيريا - مثلا- ذات الـ 132 ‏مليون نسمة، و 690 دولارا فى باكستان ذات الـ 156 مليون نسمة). وجميع هذه البيانات من ‏تقرير 'التنمية فى العالم' للبنك الدولى عام 2007‏‎ .

أما وفق 'تقرير التنمية البشرية' الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، فإن البرازيل تأخذ المرتبة رقم ‏‏69 على مقياس التنمية البشرية، من بين البلدان المشمولة فى التقرير، والبالغ عددها 177 بلدا، ‏بينما تقفز الأرجنتين إلى المرتبة رقم 36، وشيلى 38، والمكسيك 53 . هذا بينما تحتل عدد من ‏الدول العربية -غير النفطية - مواقع دون ذلك، حيث تأخذ الأردن المرتبة 86، وتونس 87 . ‏والشيء بالشيء يذكر، فإن من بين مجموعات القوى الصاعدة فى العالم عددا من دول أوربا الشرقية ‏والوسطى والبلقان ذات مواقع متقدمة، ضمن الفئة الأعلى تطورا فى مجال التنمية البشرية بالعالم، إذ ‏تتربع سلوفينيا على عرش المرتبة رقم 27، والتشيك رقم 30، والمجر 35، وبولندا 37، وسلوفاكيا ‏‏42، وكرواتيا 44‏‎ .

من ناحية أخرى، فإن مؤشر الإنفاق على البحث العلمى والتطوير التكنولوجى - بالقيم النقدية المطلقة ‏‏- وفق تقرير الاستثمار العالمى 2005، يشير إلى وجود دولتين من الدول الصاعدة من شرقى آسيا ‏بين الدول العشر الأولى على مستوى العالم، وهما: الصين فى المركز رقم 6، وكوريا فى المركز رقم 7 . ‏أما على مستوى العالم غير الصناعى، فإن البلاد العشرة الأولى هي: الصين، وكوريا، وتايوان، ‏والبرازيل، وروسيا، والهند، والمكسيك، وسنغافورة، وتركيا، وهونج كونج. وأكثر المواقع جذبا لطاقات ‏البحث والتطوير فى العالم خلال الفترة من 2005 إلى 2009 يبلغ عددها 33 دولة، تقف على ‏قمتها ثلاث دول هى، على التوالي: الصين فالولايات المتحدة فالهند‎.

ولكن البيانات المتاحة من مصادر منتدى دافوس عن موضوعى التنافسية، وتكنولوجيا المعلومات ‏والاتصالات تقدم صورة ذات طبيعة 'تشاؤمية' نسبيا حول القوى الصاعدة، مع أخذنا بيانات دافوس ‏بقدر من الحذر المطلوب، لكونه منتدى خاصا، وليس من طبيعة عامة كمنظمات الأمم المتحدة التى ‏استقينا منها بياناتنا السابقة. إن المراتب الثمانى الأولى مثلا على 'مؤشر التنافسية العالمي' ‏‏(2006/2007) ليس من بينها دولة من الدول الصاعدة المذكورة آنفا، عدا سنغافورة فى المركز ‏الخامس. وكذلك الحال فى مؤشر 'تنافسية قطاع الأعمال'، إذ ليس من بين البلدان العشرة الأولى ‏سوى هونج كونج الصينية. أما مؤشر الاستعداد التكنولوجى فى مجال الاتصالات ‏‏(2006/2007)، فإنه لا يضم - من بين الدول ذات المواقع الخمسة عشر الأولي- سوى نفس ‏البلدين 'الصغيرين جدا'-: سنغافورة وهونج كونج. فهل معنى ذلك أن 'القوى الصاعدة'، عموما، لا ‏يزال أمامها شوط صعب فى مضمار التنافسية التكنولوجية؟ يبدو ذلك‎.

الصغار المتفوقون فى النظام العالمى‎ :

لا تحوز هذه القوى الصغيرة المتفوقة مقومات السيطرة، سواء من الجانب الاقتصادي: قاعدة الموارد ‏الطبيعية، مستوى الناتج المحلى الإجمالى، حجم السكان، أو من الجانب السياسى، والعسكري. غير أنها ‏تحوز مقومات التفوق، أى الرقى فى مضمار محيط اهتمام هذا الموضوع وهو الأداء الاقتصادي‎.‎
ولنبدأ بمؤشر دافوس عن التنافسية العالمية، حيث نجد أن الدول الأربع الأولى على مستوى العالم، والتى ‏تتصدر قائمة 'المنافسين- المتنافسين' فى تقرير 2006 هى على التوالي: سويسرا، وفنلندا، والسويد، ‏والدنمارك، وكل منها تلخصها كلمة 'شركة': نستلة- نوكيا- إريكسون- دانون. فهذا مما يشير إلى ‏موضع 'الميزة التنافسية' لكل منها فى الاقتصاد العالمى، الميزة: دولة ذات شركة متفوقة فى التصنيع ‏الغذائى الجديد، بعد ميزة سابقة فى الأجهزة الدقيقة والساعات السويسرية، ودولة ثانية تتفوق شركتها ‏فى تصنيع أجهزة الهواتف النقالة، وثالثة تتفوق شركتها فى صناعة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، ‏والرابعة فى الغذاء مرة أخري. وهذه الدول الأربع كلها أوربية، من الشمال الأوربى الغنى، لكن غير ‏القوى بالمعايير العالمية. ومن يأتى بعدها فى المركز الخامس 'البلد-الميناء' الآسيوية: سنغافورة، صغيرة ‏الحجم جدا، وقليلة السكان مثل غيرها من المتفوقين. وبعد المقاعد الخمسة الأولى التى حجزها المتفوقون ‏الصغار، يأتى دور الكبار على استحياء شديد: الولايات المتحدة، 'أقوي' دولة فى العالم، فى المركز ‏السادس. واليابان فى المركز السابع، وألمانيا فى الثامن..إلى آخر القائمة. وتشير البيانات الواردة عن هذه ‏الدول من حيث حجم السكان ومستوى الدخل القومى الإجمالى، من واقع تقرير البنك الدولى عن ‏التنمية فى العالم 2007 ، إلى أن هذه الدول المتفوقة تعتبر من الدول الصغيرة‏‎.

إن تعداد سكان سويسرا هو 7 ملايين، ولا يزيد حجم الدخل القومى فيها عام 2005 - بطريقة ‏‏'تعادل القوة الشرائية'- على 276 مليار دولار، مقابل 1900 مليار تقريبا لكل من بريطانيا ‏وفرنسا مثلا. ويبلغ تعداد السكان فى فنلندا 5 ملايين، بحجم للدخل القومى لا يتجاوز 163مليار، ‏والسويد 9 ملايين، مع دخل قومى يبلغ 284 مليار دولار، والدنمارك 5 ملايين، وحجم دخلها ‏القومى يبلغ 182 مليار دولار، وسنغافورة 4 ملايين نسمة، مع دخل قومى يبلغ 130 مليار ‏دولار‎.

رغم محدودية حجم الدخل القومى فى الدول الخمس المتفوقة، فإن قلة عدد سكانها يرفع من متوسط ‏نصيب الفرد من الدخل القومى بما يمثل مؤشرا آخر على التفوق الاقتصادي. وقد بلغ متوسط الدخل ‏الفردى فى سويسرا 37 ألف دولار، مقابل 32.6 ألف دولار فى بريطانيا، و 30.5 ألف دولار فى ‏فرنسا، وفق نفس المرجع للبنك الدولى، عن العام المذكور2005 . وبلغ الرقم المقابل فى فنلندا 31 ‏ألفا، وفى السويد 31.4 ألفا، وفى الدنمارك 33.7 ألف ، وسنغافورة 29.7 ألف‏‎.

أما مؤشر القدرة على الابتكار، الذى طوره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية - أنكتاد، وضمنه ‏تقرير الاستثمار العالمى 2005، فقد صنف دول العالم إلى ثلاث مجموعات: ذات القدرة الابتكارية ‏العالية، والمتوسطة، والمنخفضة، حسب بيانات 2001 . وقد تصدرت المجموعة الأولى كل من: ‏السويد فى المركز الأول، وفنلندا فى المركز الثانى، ومن بعدهما الولايات المتحدة ، ثم الدنمارك فى المركز ‏الرابع، والنرويج فى الخامس، علما بأن بلجيكا احتلت المركز الثامن، وحلت هولندا فى التاسع، واليابان ‏فى العاشر. وبذلك، فقد احتلت دول صغيرة بالمعايير العالمية ستة مقاعد من العشرة الأولى، ضمن ‏المجموعة الأولى فى العالم‎.

لا يقتصر التفوق على المؤشرات الثلاثة السابقة: التنافسية، ومتوسط الدخل الفردى، والقدرة على ‏الابتكار‎.

هناك أيضا مؤشر الجاهزية التكنولوجية‎ Technological Readiness ‎فى مجال ‏تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الذى طوره منتدى دافوس. فقد ورد فى 'التقرير العالمى لتكنولوجيا ‏المعلومات 2006/2007 ' أن الدول ذات المواقع الخمسة عشر الأولى على المؤشر المذكور هي: ‏الدنمارك، السويد، سنغافورة، فنلندا، سويسرا، هولندا، الولايات المتحدة، أيسلندا، بريطانيا، النرويج، ‏كندا، هونج كونج، تايوان، اليابان، استراليا‎.

فهل رأيت كيف أن الصغار زاحموا الكبار هنا، حتى لم يبق من (الكبار جدا) سوى ثلاث دول هى ‏الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان، بينما أخذت الدول الصغيرة تسعة مقاعد من بين المقاعد الخمسة ‏عشر، باستثناء كندا، وتايوان، واستراليا؟ وهل رأيت أن (الصغار المتفوقين) أخذوا المواقع الستة الأولى ‏كلها، دون منازع؟‎

لا يقف الأمر عند هذا الحد. وإليك مؤشر التنمية البشرية، وفق 'التقرير العالمى للتنمية البشرية لعام ‏‏2006'، والذى يصدره (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي). ويتكون هذا المؤشر من ثلاثة مؤشرات ‏فرعية تقيس: (توقع العمر عند الميلاد)، و(معدل إجادة القراءة والكتابة للبالغين)، و(معدل القيد للتعليم ‏الأساسى والثانوي). وقيمة المؤشر الكلية مساوية للواحد الصحيح، ويتم ترتيب الدول تنازليا، حسب ‏النسبة التى تحصل عليها من الواحد الصحيح. وقد احتلت النرويج الموقع الأول على مستوى العالم ‏بدرجة (0.965)، والثانية هى أيسلندا (0.960) والثالثة استراليا (0.957)، والرابعة أيرلندا ‏‏(0.956)، والخامسة السويد (0.951). وللعلم، فإن تعداد سكان أيسلندا بلغ أقل من ثلث ‏مليون نسمة (295 ألف نسمة بالضبط) عام 2005، وأيرلندا 4 ملايين. فيالهما من بلدين ‏صغيرين. ولم يتجاوز عدد سكان استراليا 20 مليون نسمة (بحجم للدخل القومى بلغ نحو 620 ‏مليار دولار أمريكى ومتوسط لنصيب الفرد 30.6 ألف دولار). وإذا استبعدنا استراليا، فإن الدول ‏الصغيرة المتفوقة احتلت أربعة مقاعد من الخمسة الأولى فى ترتيب 'التنمية البشرية'على مستوى العالم‎.

القوى الضعيفة فى العالم‎ :

طبقا لبيانات البنك الدولى عن التنمية فى العالم -2007، فإن مجموعة الدول منخفضة الدخل بلغ ‏العدد الإجمالى لسكانها عام 2005 نحو 2353 مليون نسمة، من إجمالى سكان العالم البالغ عددهم ‏‏6438 مليون نسمة، أى بحصة تتجاوز ثلث البشرية عددا. وفى المقابل، بلغت القيمة الكلية للناتج ‏القومى الإجمالى لهذه المجموعة (بطريقة الحساب المسماة 'تعادل القوة الشرائية) نحو 5.8 تريليون ‏دولار، من القيمة الإجمالية للناتج العالمى، والمقدرة بنحو 60.6 تريليون دولار، أى بنصيب يقل عن ‏العشر‎.

أما إذا استخدمنا طريقة الحساب العادية فإن الناتج الإجمالى للمجموعة يقدر بحوالى 1.4 تريليون ‏دولار فقط، من الناتج العالمى المقدر بنحو 45 تريليونا، أى بنصيب يقل عن جزء واحد من ثلاثين ‏جزء. وهكذا يأخذ ثلث سكان العالم نحو 30/1 من الناتج العالمي‎..!

وهذه المجموعة منخفضة الدخل تعتبر المجموعة الضعيفة فى النظام الاقتصادى العالمى، وتنطبق عليها ‏وضعية الهبوط مقابل وضعية القوى الصاعدة التى تحدثنا عنها سابقا‎.

ولو شئنا التوسع فى تعريف الطرف الضعيف فى النظام الاقتصادى العالمى، فإن هناك مجموعة فرعية ‏تسمى الشريحة المنخفضة من المجموعة متوسطة الدخل، ويزيد عدد سكانها على عدد سكان الدول ‏منخفضة الدخل نفسها، إذ يبلغ 2475مليون نسمة، بإجمالى للناتج- المحسوب بالطريقة العادية- ‏يقدر بنحو 4.7 تريليون دولار. فهذا إذن ثلث آخر لسكان العالم، يحصل على أكثر قليلا من 10/1 ‏من الناتج العالمي‎.

وبإضافة الدول منخفضة الدخل إلى الشريحة المنخفضة من المجموعة متوسطة الدخل، فإن القوى الضعيفة ‏اقتصاديا -بالمعنى الواسع- تشكل ثلثى البشرية تعدادا، بينما تحصل على 13% تقريبا من الدخل ‏العالمي. فيا لها من قسمة ضيزي‎.

ولكن فلنعد إلى 'الضعفاء - الضعفاء'، أى منخفضى الدخل فحسب، أو فقراء العالم، ولنحاول ‏استكمال ملامح الصورة، ولو جزئيا. إذ نجد أن متوسط العمر المتوقع عند الميلاد بلغ عام 2004 نحو ‏‏58 سنة للرجال، و60 سنة للنساء، مقابل: 76 عاما للرجال، و82 عاما للنساء فى الدول مرتفعة ‏الدخل). ويمثل العمر المتوقع أحد مكونات مؤشر التنمية البشرية. ومن هنا، ننتقل إلى 'التقرير العالمى ‏للتنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى - 2007'، فنجد أنه قد صنف دول العالم إلى ثلاث ‏مجموعات: الدول ذات المستوى العالى من التنمية البشرية، وذات المستوى المتوسط، وذات المستوى ‏المنخفض. وبرغم أنه لا يوجد تطابق - بالضرورة - بين هذا التصنيف والتصنيف السابق، فإنه من ‏الممكن اعتبار البلدان منخفضة الدخل منخفضة المستوى فى التنمية البشرية أيضا. وتبلغ القيمة القصوى ‏للمؤشر المذكور الواحد الصحيح، وتصنف الدول حسب النسبة التى تحصل عليها من هذا المؤشر. ‏وتصل النسبة فى المجموعة المنخفضة أو الضعيفة إلى أقل من النصف (0.427)، بينما تبلغ فى المجموعة ‏متوسطة المستوى (0.701)، وفى المجموعة ذات المستوى العالى (0.923‏‎).

كما أن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فى تقريره عن الاستثمار العالمي(2005)، صنف دول ‏العالم، من حيث مستوى القدرة الابتكارية، إلى الدول ذات القدرة الابتكارية العالية، والمتوسطة، ‏والمنخفضة، وقام بقياس هذه القدرة بمؤشر حسابى، قيمته الإجمالية مساوية للواحد الصحيح أيضا. ‏ويلاحظ أن الدول الضعيفة، بالمعنى الواسع، هى دول ذات قدرة ابتكارية منخفضة. وفى عام 2001 ‏مثلا، بلغ عدد هذه الدول - فى عينة الدراسة - 39 دولة، تبدأ بسريلانكا، حيث تصل النسبة ‏الخاصة بها من المؤشر إلى (0.317) وتنتهى بأنجولا (0.019). هذا بينما تتراوح قيمة المؤشر فى ‏الدول متوسطة القدرة بين 0.595 فى حالة الأردن، و 0.319 فى حالة الإكوادور. أما الدول ‏مرتفعة القدرة، فتراوحت القيمة بين 0.979 فى حالة السويد، و 0.626 فى حالة سلوفاكيا‏‎.

وقد حاولت مراكز أبحاث غربية وأمريكية، ومنظمات غير حكومية على الصعيد العالمى، ومنتديات ‏خاصة، أن تقدم بطريقتها، ومن وجهة نظرها، مقاربات متعددة لواقع الدول الضعيفة فى النظام العالمى، ‏وصممت مؤشرات موجهة لقياس ما تعتبرها ظواهر مرتبطة بهذه الدول، ارتباطا لا انفصام له تقريبا. ‏ومثال ذلك مؤشر الدول الفاشلة، ومؤشر إدراك الفساد، دع عنك مؤشر التنافسية من دافوس، حيث ‏حصدت الدول الضعيفة المراكز والمراتب المتأخرة على مقياس التنافسية العالمي. علما بأن المنتدى قسم ‏دول العالم إلى مجموعات ثلاث أيضا: مجموعة (دنيا) تقتصر تنافسيتها على ما يسمى المتطلبات الأولية ‏للنمو، وهى الدول منخفضة القدرة التنافسية، ومجموعة متوسطة، تنافس على الكفاءة، ومجموعة (عليا) ‏تنصب تنافسيتها بجدارة على قوة الابتكار والقدرة المؤسسية. ومرة أخرى، نجد أن الضعفاء يفتقدون ‏القدرة التنافسية، وتزدحم بهم ردهات المستوى الأولى المنخفض لهذه لقدرة‎.

ومن الملاحظ أن القوى الضعيفة فى العالم تتركز أساسا فى منطقتين‎:

‎- ‎إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (48 دولة تقريبا من أنجولا إلى زيمبابوي‏‎).
‎- ‎آسيا الوسطى الإسلامية ( 6 دول من بلدان 'الاتحاد السوفيتى السابق'). وليست كل دول المنطقتين ‏من الدول الضعيفة بالتحديد، وإن كان معظمها كذلك. وهناك مناطق أخرى يوجد فيها عدد ملحوظ ‏من القوى الضعيفة، ولو بكثافة أقل، وهي‎:
‎- ‎جنوب آسيا ( أفغانستان- بنجلاديش-نيبال...إلخ‎)
‎- ‎القطاع 'الشرقي' من آسيا الشرقية: كمبوديا- كوريا الشمالية- لاوس-ميانمار‎...
‎- ‎منطقة أمريكا الوسطى والبحر الكاريبى ( جواتيمالا، ،جرينادا، هاييتي...إلخ‎).

إن القوى الضعيفة اقتصاديا تعتبر المنطقة الرخوة فى النظام العالمى، وبذلك فإنها أيضا تمثل أكثر مناطق ‏العالم قابلية للانفجار، ويكفى أنها تحتوى على نوعين من القنابل الزمنية: قنبلة الفقر والجوع، والقنبلة ‏الديموجرافية‎.

من ناحية أخرى، فإن القوى الضعيفة-بالتعريف الواسع- هى القوى المهمشة سياسيا فى النظام الدولى ‏القائم. ثم إن فيها أكبر عدد من الدول ذات الطابع الرمادى، أى التى يشوب مستقبلها الاقتصادى، ‏وربما السياسى، قدر كبير من عدم اليقين، كما هى الحال بالنسبة لبنجلاديش وباكستان، وإلى حد ما ‏إندونيسيا ونيجيريا‎.

نحو جدول أعمال لحركة التحرر الوطنى العربية والعالمية‎ :

فى ضوء العرض التحليلى السابق، يمكن أن نتصور مجموعة عناصر لجدول أعمال مفترض لحركة التحرر ‏الوطني-القومى، العربية والعالمية، الجديدة، أو لمجموعة مواقف مبدئية إزاء كل مجموعة من المجموعات ‏الدولية السابقة، وذلك على النحو التالي‎:

أولا- الموقف إزاء مجموعة القوى المسيطرة على النظام الاقتصادى العالمى خصوصا، والنظام العالمى ‏عموما: موقف 'الممانعة'. إن هذا التعبير الذى قام بنحته عدد من مثقفى المشرق العربى دقيق جدا فى ‏التعبير عما نريده هنا. فهو أدنى من 'المقاومة' من حيث الشحنة الحركية، ولكنه أعلى عمليا، وأرقى ‏خلقيا، من موقف 'المسايرة' ومن 'التكيف'. إنه أقرب إلى روح 'التمرد'، فى محتوى فعال، يقوم ، من ‏الناحية السالبة، ناحية النفى، على 'عدم الممالأة' بذريعة الواقعية، ويقوم، من الناحية الموجبة، على ‏نزوع صوب المشاركة فى إعادة صياغة النظام الدولى، عبر إعادة بناء النظم الإقليمية المعنية. وبالتطبيق ‏على الإقليم العربي- الإفريقى، و'المنطقة العربية-الإسلامية المركزية' المسماة -غربيا- بالشرق ‏الأوسط، فإن الممانعة تعنى، من ناحية أولى، عدم الاندراج فى سلك استراتيجية الهيمنة الأمريكية ‏الصهيونية، استراتيجية الإمبريالية الكبرى والإمبريالية الصغرى، إن شئت، أو استراتيجية المفاوضات، ‏بتعبير نصير عارورى فى كتابه الموسوم: أمريكا الخصم والحكم. وتعنى الممانعة، من ناحية أخرى، ‏المساهمة فى صياغة استراتيجية بديلة، تقوم على الصمود والتصدى، إذا صح هذا التعبير‎.

ذلك ما ينبغى إزاء قوى الهيمنة. أما بإزاء المجموعات الدولية الأخرى، فحسبنا رءوس أقلام، أو ما هو ‏أكثر قليلا‎.

ثانيا- الموقف إزاء مجموعة القوى الصاعدة: (العمل على الاستفادة المتبادلة على قاعدة المصالح ‏المشتركة‎).

ويحضرنا هنا 'مثال سلبي'، هو نموذج العلاقة بين مصر وكوريا الجنوبية، خلال العقدين الماضيين. فمن ‏حيث المبدأ، لم تختر مصر كوريا، بقدر ما أن كوريا الجنوبية هى التى اختارت مصر، كبوابة للعلاقة مع ‏المنطقة العربية. ومن حيث المضمون، فقد أقيمت علاقة اقتصادية، ولم تنجح مصر فى توظيفها سياسيا فى ‏اتجاه بناء قاعدة للقوة الوطنية-القومية، أو لم تحاول ذلك بالأحرى، لعدم وجود (مشروع وطنى - ‏قومي) عريض. ثم إن هذه العلاقة الاقتصادية كانت 'غير متكافئة' من حيث الجوهر: تصدير سلع ‏زراعية ومعدنية مصرية (القطن والبترول)، مقابل استيراد سلع مصنعة عالية المحتوى التكنولوجى ‏‏(الإلكترونيات) من كوريا‎.

على النقيض من ذلك، يجب علينا اختيار الطرف الأنسب فى شرق آسيا، من وجهة نظر الاستفادة، ‏ونراه: اليابان. ويجب السعى نحو تطوير مضمون العلاقة المتبادلة باتجاه التكافؤ، للاستفادة المتبادلة على ‏قاعدة المصالح المشتركة‎.

ثالثا- الموقف إزاء القوى الصغيرة المتفوقة: (التقليد الخلاق‎):

ليكن الموقف المناسب هنا هو العمل على استكناه أسرار التفوق لدى البلدان الصغيرة المعنية، و ‏‏'تقليدها' بصورة مبدعة أو خلاقة، خاصة من طرف البلدان العربية صغيرة الحجم قليلة السكان‎.

رابعا- الموقف إزاء القوى الضعيفة والمستضعفة فى العالم‎:

‎(‎فلننهض معا). ونرى أن يكون هذا شعارا لأسلوب تعاملنا المتبادل مع سائر القوى الضعيفة ‏والمستضعفة فى العالم، على رقعة آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. فلنعمل على النهوض معا، من أجل بناء ‏الكيان العريض لحركة تحرر وطنى، عربية، وعالمية، جديدة، بحيث تكون امتدادا خلاقا لحركة التحرر ‏‏(القديمة) فى الخمسينات والستينات والنصف الأول من السبعينات من القرن المنصرم‎.

وإننا لنتوجه بالخطاب إلى قوى التحرر والممانعة والتقدم الاجتماعى ودعاة (سلطة الشعب) فى الوطن ‏العربى، والإقليم العربي-الإفريقى، والعالم الإسلامى، والكتلة العريضة من عالم القارات الثلاث الضعيفة ‏والمستضعفة، وقوى التطور الارتقائى على قاعدة إنسانية راقية داخل العالم الصناعى الرأسمالى المتقدم ‏اقتصاديا...وتلك جميعا- على التتابع- هى دوائر الانتماء الحقيقية للمجتمع العربي‎.
‎-------------------------------------
‎* ‎أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية بمعهد التخطيط القومي بالقاهرة‎ ‎
 

peace20

مشرفة منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية
رد: المواقع الراهنة للقوى فى النظام الاقتصادى العالمى .. قراءة فى التقارير الدولية‎

شكرا أخ هانشي لا تحرمنا من نشاطك
 
أعلى