المرفق العام

المبـحث الأول:
تعريف المرفق العام:
المطلب الأول:
تعريف المرفق العام في الفقه الفرنسي:
كثيرة هي التعاريف التي قدمت للمرفق العام سواء كانت ثمرة محاولات فقهية خالصة أو مستمدة أو مستخلصة من أحكام القضاء الإداري و لهذا نقتصر على اختيار نماذج ممثلة لتطور فقه القانون العام في تحديد وظيفة الدولة عن طريق البحث عن أساس القانون الإداري و تعريف المرفق العام.

و طبقا لتطور مدلول المرفق العام فإن التعريف المرتكز على أساليب السلطة العامة هو التطور الطبيعي لمعيار التفرقة بين أعمال السلطة و أعمال الإدارة العادية بقصد إخضاع الأولى للنظام الإداري و اختصاص القضاء الإداري بكل ما يثور بشأنها من منازعات و إخضاع أعمال الإدارة العادية لقانون الخاص و اختصاص قاضية بكل المنازعات الناشئة بسببها، ونجد في الصدارة التعريف الذي قدمه العميد هوريو : حيث ركز على المعيار العضوي فاستلزم ضرورة وجود منظمة عامة تستخدم سلطاتها لتكفل تقديم خدمة للجمهور بانتظام و اطراد.
ولسنا بحاجة لبيان النتائج المترتبة على ذلك، نحن بصدد استعراض تطور مدلول المرفق العام، يكفي إذا القول بأنه لا يجعل من النشاط مرفقا عاما إلا إذا مل جزءا من التنظيم الإداري للدولة أو فرعا من فروع الإدارة العامة و لقد تحاشى النقد الذي وجه للمعيار العضوي البحت،فأدخل عنصرا جديدا في التعريف هو( استخدام أساليب السلطة في ممارسة النشاط ،فالنشاط لا يكتسب صفة المرفق العام حتى و لو كانت تديره الدولة إلا إذا استخدمت في إدارته سلطة الأمر و النهي بصفتها سلطة عامة، ليخرج من نطاق المرافق العامة إدارة الدولة لا ملاكها الخاصة و كذلك الأنشطة التي لا تتطلب إدارتها استخدام أسالي السلطة العامة المتسمة بسمات الأمر و النهي،كما أن هناك نتائج تبعية لتضييق نشاط الدولة العام بعدم اكتساب كل نشاط لها صفة المرفق العام بحرمان العاملين لدى الدولة في ميادين أخرى هامة من صفة الموظفين العموميين، و إخراج جميع التعاملات مع هذه الأنشطة من قبضة النظام الإداري كلية على ما في ذلك من تعريض المال العام لخطر سبق الإلماح إليه، و إن كانت من ملاحظة تقال هنا ،فهي أن العميد لم يحالفه التوفيق في التركيز على استخدام وسائل السلطة العامة عنصرا في تعريف المرفق العام بينما هي نتيجة مترتبة على كون النشاط مرفقا عاما .

و نجد في مواجهة هوريو يقف العميد ديجي مؤسس مدرسة المرفق العام فيتجه اتجاها مغايرا دائما حيث ركز على هدف النشاط، فالدولة في مفهوم ليس لها إرادة تعلو إرادة الأفراد، و لا تخرج عن كونها مديرة للمرافق اللازمة لتحقيق تنمية التضامن الاجتماعي ، و لهذا وجدناه يعرف المفرق العام بأنه (كل نشاط يتحتم على الحكام القيام به و تنظيمه و مراقبته لأن تنفيذ هذا النشاط أمر لا غنى عنه لتحقيق و تنمية التضامن الاجتماعي، و أنه بهذه المثابة لا يمكن تحقيقه كاملا إلا بتدخل القوة الحاكمة).الملاحظة التي يمكن إبداؤها هي أن العميد و إن أعطى دفعة جديدة للدولة للتدخل لتنشئ أو لتبني أي نشاط بالطريقة التي تراها ابتداء من الإنشاء لنشاط لا وجود له إلى حد الاكتفاء بالمراقبة ما دام أن النشاط لازم للتضامن الاجتماعي ضاربا عرض الحائط بعنصر الشكل الذي يتعلق به أنصار السلطة العامة، سواء كانت تمثيل الدولة في المرفق كما يراه دوجي أمر مفروغ منه بحكم منطوق تعريفه الذي قال به أنه حد من نطاق المرافق العامة يغل يد الدولة عن التدخل لإنشاء أو انتزاع نشاط من الأفراد غير وثيق الصلة بالتضامن الاجتماعي.

فقد تنشئ الدولة مشروعا لا وجود له،أو قد تنتزع نشاطا من الأفراد،مثل تصنيع الأسلحة و المعدات الحربية التي غرضها مواجهة العدو من الخارج و هذا ليس غرضا من أغراض التضامن الإجتماعي بين أفراد الشعب و إن حقق مصلحة عامة هي الحماية أو قد تنشئ أو تحتكر نشاطا لأغراض الاستئثار بغلته (عائده) و قد بين لنا الواقع بتطبيقاته، و منها نص الميثاق الوطني الجزائري على احتكار أنشطة بذاتها بقصد تحقيق التراكم المالي مثل مرفق النقل،أو غيره من الأنشطة التي تدر ربحا وفيرا لأنها تقدم خدمة أو سلعة غير مرنة لا تتأثر برفع ثمنها.
و أمام الهجوم العنيف على المدلول المادي للمرفق العام المتطابق مع تعريف ديجي اضطر أنصار مدرسة المرفق العام إلى التراجع أمام هذا المد الهائل لأنصار السلطة العامة،طلع أنصارها بتعاريف تأخذ في اعتبارها العنصر الشكلي، كما تقيد الدولة بقيد هو قدرة الأفراد على ممارسة النشاط من هذه الأمثلة نقدم تعريف رولان و تعريف دي لوبادير حيث عرف الأول المرفق الأول بأنه (مشروع ذو نفع عام يخضع للإدارة العليا للحكام،هدفه إشباع حاجات عامة للجمهور بسبب عدم وجود مشروعات خاصة أو عدم قدرتها على إشباع هذه الحاجات العامة و يخضع لحد أدنى من القواعد الخاصة أي لقانون استثنائي).

و بتحليل هذا التعريف نجده يمثل انحناءه في مواجهة أنصار السلطة العامة لأنه استلزم كشرط أساسي لاكتساب النشاط صفة المرفق العام أن يكون تحت هيمنة الحكام،بينما قدمت له التطبيقات نماذج لم يأبه فيها مجلس الدولة بالعنصر الشكلي بل على العكس رأيناه أي مجلس الدولة يؤكد أن الإدارة خاصة،و أن النشاط رغم ذلك مرفقا عاما بالنظر إلى هدف النشاط المتمثل في التأمينات الاجتماعية.

و نجده كذلك أي رولان قد حد من حرية الدولة أو بعبارة أخرى وضع قيدا على إرادة الجماعة المتمثلة في الدولة مفاده تحريم تدخلها لتولي نشاطا مادام أن الأفراد لديهم القدرة على القيام به مهما كانت ضرورته للجماعة،و بذلك نجده قد تنكب طريقة أساتذة مدرسة المرفق العام القائلين بحقها في إنشاء و تنظيم أي نشاط من شأنه تحقيق التضامن الاجتماعي،فضلا عن الأغراض الأخرى . و لا يمكن أن يكون في مقدور إنسان مهما كانت حصافته أن يقدم مبررا لقيد مثل هذا يضحي بمصلحة الجماعة في سيل بعض الأفراد الأقوياء اقتصاديا فيتيح لهم الحكم في مصلحة حيوية تهم السواد الأعظم كما أنها لازمة لتحقيق التضامن بين الجميع ويؤخذ على تعريف رولان كذلك أنه استخدم مصلحات لم يحدد مضامينها قد يفهم قارئا منها مدلولات مختلفة،بل أن أنصار السلطة العامة قد اتخذوا منها تكئة للهجوم على نظرية المرفق العام،فما هو النفع العام،و ما هي الحاجات العامة،بينما أن النفع العام أو الحاجة العامة أو المصلحة العامة لا تخرج عن كونها مترادفات لهدف النشاط العام و هو إشباع الحاجات الجماعية باعتبارها أولى بالرعاية من مصالح الأفراد و أن صاحب القول الفصل في تقديره هذه الأهمية هي الدولة ممثلة الجماعة.

وأخيرا وهذه ظاهرة تكاد تكون عاملا مشتركا بين أغلبية الفقه فيعاب على تعاريفهم كما يعاب على هذا التعريف أنه يدخل خضوع المشروع للقواعد الخاصة أو الاستثنائية عنصرا في تعريف المرفق العام،مع أنها نتيجة وليست شرطا و هذه بديهية لا تخفى على أحد،فتطبيق القواعد الاستثنائية على نشاط ما هي نتيجة مترتبة على كون النشاط مكونا لمرفق عام،وهي نتيجة حتمية مادام النشاط قد اتصف بهذه الصفة.

أما الأستاذ دي لوبادير فيعرف المرفق العام بأنه:

(( نشاط يقوم به شخص عام بقصد إشباع حاجة ذات نفع عام (1) و يزيد على ذلك شارحا ،أن المرفق العام نشاط و هذا ما يعرف بالفكرة المادية و تتميز بأن المصلحة العامة هي المحرك،و هذا النشاط يتطلب أن يقوم به شخص عام publique collectivité دون أن يكون الأخير بالضرورة هو الذي يديره مباشرة ،فقد تسند إدارة المرفق العام إلى شخص أو جهاز خاص...Un organisme privé

و هذان العنصران هما المكونان لتعريف المرفق العام.
و ينتهي من ذلك إلى تقرير أن السلطات العامة هي التي تقرر أي الحاجات العامة يجب أن تشبع بهذه الوسيلة و متى يكون عليها أن تنشئ مرفقا عاما.

و هذا في نظره هو معيار المرفق العام، فالمعيار في نظره يكمن في نية السلطة العامة.

إذا كانت الحاجة ذات النفع العام هي المحرك الدافع إلى إنشاء مرفق عام و أن تقدير أهميتها متروك لإرادة الإدارة المطلقة- فإنه عند تحديد ماهية المصلحة العامة يجنح شطر أنصار

(1) ANDRE, LAUBARDER traité de droit administratif

السلطة العامة ي تمييع مضمونها بقوله :( أن المصلحة العامة تسيطر على نشاط الإدارة بأكمله، ذلك أن الشخص العام لا يتصرف مطلقا إلا باستهداف المصلحة العامة، كما أن استهداف المصلحة العامة ليس حكرا على الدولة وحدها فهناك المشروعات الخاصة ذات النفع العام، و ينتهي إلى أن الذي يميز المرفق العام من هذه الزاوية هو إشباع الحاجة ذات المصلحة العامة un besoin d’intérêt général فهي الهدف من إنشاء المرفق، فالنشاط يصبح مرفقا عاما عندما تقرر السلطات العامة الاضطلاع بإشباع حاجة تقدر إنها لن تشبع أو تشبع على نحو سيء إذا لم تقم هي بالنشاط.

ثم يخلص إلى نتيجة سبقه إليها أنصار السلطة العامة و هي التفرقة بين المال العام فيقسمه: قسم يكتسب صفة المرفق العام بكل ما يترتب على ذلك من تمتعه بحماية القانون العام،و قسم تديره الدولة إدارة خاصة فتحجب عنه تلك الحماية مادام القصد من إدارته تحقيق مجرد مصلحة مالية بحتة لتزويد خزانتها،و يضرب لذلك أمثلة منها تأجير أملاك الدولة مثل المساكن و غيرها،كما لو كان هذا المال مملوكا ملكية شخصية للحكام.

و بناءا عليه يمكن أن توجه إلى محاولة الأستاذ دي لوبادير كل الانتقادات التي وجهت لتعريف الأستاذ رولان،ذلك أن الدولة قد تنشئ أو تستولي على نشاط ما مع قدرة الأفراد على القيام به على الوجه الأكمل اذا كان ذلك يحقق للجماعة مجرد مصلحة مالية أو يمس أمن الدولة،كما أن تعرية الأموال العامة التي تديرها الدولة إدارة خاصة من حماية القانون العام أمر لا تقتضيه حكمة و لا يبرره منطق،فعائد هذا المال لا يذهب إلى الحكام و لكنه يكون موردا من موارد الخزانة العامة تجب له الحماية المقررة للموارد الآتية من مصادر أخرى،ثم أنه يخدم مصلحة الجماعة و هي بلا شك أولى بالرعاية من مصالح الأفراد،و ذلك بحكم أن هؤلاء الأفراد يستفيدون من المصلحة الجماعية باعتبارهم أعضاء في هذه الجماعة، أي أن هذه التفرقة قد تجاوزتها أحداث التطور و يرفضها المنطق السليم.


و نخلص من استعراض هذه النماذج الممثلة لاتجاهات فقه القانون العام و قضائه الى تقرير فشل أي جهد يبذل في سبيل تعريف المرفق العام ، بالارتكاز على عوامل غير كامنة في الشيء المراد تعريفه ، فالسلطة العامة ليست أساسا يقوم عليه تقسيم عمل الإدارة، كما أنها باعتبار أن أساليها لا تخرج عن كونها نظما أو قواعد القانون الإداري لا يمكن اعتبارها أساسا له، كما أن التضامن الاجتماعي أمر متوقف على إرادة الحكام و هي متغيرة ولا يصح القياس بمتغير أو التمييز به.

كما أن التمسك بأن يكون النشاط جزءا من التنظيم الإداري للدولة أو فرعا من فروع الإدارة أو حتى الاكتفاء بهيمنة الحكام على النشاط مسألة عدم فهم لوظيفة الدولة الحديثة القوامة على المصلحة العامة، و ليس هذا فحسب بل عدم فطنه إلى أن الدولة كهيأة حاكمة تستمد مشروعية وجودها من قيامها بهذا الواجب و أنها تقوم بدورها كاملا حتى لو اكتفت بالسهر على المصلحة العامة أي بإشباع الحاجات العامة بطريق مباشر أو تكتفي بالمراقبة بحسب تقديرها و هذا ما وقعت في شراكه جهود الفقه و القضاء الفرنسي.

و من ثم يكون لزاما علينا تقديم محاولات الفقه العربي في هذا المجال حتى تكتمل لنا الصورة علنا نخلص إلى التعريف المنشود.

المطلب الثاني:
محاولات الفقه العربي لتعريف المرفق العام:
إذا أردنا تصنيف المحاولات الفقهية العربية نجدها تتمحور حول المدلولات السابق تتبع تطورها، بين اعتناق المدلول العضوي أو المركب، أو المادي، و لكن القاسم المشترك بين جميع هذه المحاولات هو أنه لا يجب أن تتدخل الدولة لتتولى نشاطا ما إلا إذا عجز الأفراد عن القيام به يستوي في ذلك السابق منها و الحالي، حتى من اعترف للدولة بحق تولي أي نشاط من شأنه إشباع الحاجات العامة قاده تأثره بالفكر العربي إلى وضع قيود على ما يكتسب منها صفة المرفق العام.
فنجد الدكتور وحيد رأفت يعرف المرفق العام بأنه الهيئات و المشروعات التي تعمل باطراد و انتظام تحت إدارة الدولة ( أو أخذ الأشخاص الإدارية الأخرى) المباشرة أو تحت إدارتها العليا لسد حاجات الجمهور و القيام بأداء الخدمات العامة.

و بالرجوع إلى معنى المصطلحات التي كانت مستخدمة في ذلك الحين أي في سنة 1937 تاريخ صدور مؤلف الدكتور وحيد رأفت (القانون الإداري) نجد أن استخدام لفظ مصالح و هيئات الدولة على المرافق العامة، يعني أن هذه المصطلحات كادت تكون جزءا لا يتجزأ من التنظيم الإداري للدولة أو مكونة لفروع الإدارة العامة و هو بذلك يغلب المعيار العضوي البحث و لا يخفف من ذلك أنه استدرك فأدخل المشروعات التي توضع تحت إدارة الدولة العليا، فالمقصود من هذا الاستدراك أن يدخل المرافق المدارة بطريق الامتياز المنتشرة آنذاك. كما أن قصر مهمة هذه المرافق على ما كانت تقوم به المصالح و هي لا تخرج عن تقديم الخدمات، فان ذلك يعني أنه لم يدخل في اعتبراه أي مشروع ينتج سلعة أي قد استبعد المرافق الاقتصادية أو حرم على الدولة ولوج هذه الميادين.

و بذلك يمكن أن يوجه إلى هذا التعريف ما قدمناه من نقد في مواجهة المعيار العضوي، و على الأخص ما تعلق بتضييق نشاط الدولة.

أما الدكتور توفيق شحاتة فيعرف المرفق العام بأنه ( كل مشروع يستهدف الوفاء بحاجات ذات نفع عام، و تعجز المشروعات الفردية عن تحقيقه – يقصد النفع العام – على وجه مرضي، فتتولاه الإدارة العامة، و تديره إما بنفسها مباشرة أو تعهد به إلى أفراد يديرونه تحت رقابتها (1).

و في نظرنا لا يختلف هذا التعريف عن سابقه إلا من حيث أنه عقد مصلح الحاجات العامة بوصفها بصفة النفع العام الذي اختلف الفقه في تحديد مضمونه و اتخذ منه أنصار السلطة العامة حجة للهجوم على نظرية المرفق العام، كما أنه شدد منم القيد الموضوع على إرادة

(1) الدكتور توفيق شحاتة : مبادئ القانون الإداري سنة 1955 صفحة 380 و ما بعدها
الدولة فمنعها ولوج ميادين الأنشطة التي يقوى الأفراد على القيام بها، فدخلوها رهن بعجز الأفراد عن إشباع هذه الحاجات فدور الدولة هنا تكميلي و ليس من حقها أن تأخذ المباداة بإشباع الحاجات العامة مهما كانت حيويتها للأفراد حتى ولو وقعوا ضحية استغلال الأقوياء، أو حماية أمن الدولة أو أسرارها الحربية.

و نجد على طرف آخر بعض المحاولات التي تجعل من النتيجة عنصرا في تعريف المرفق العام فتصادر على المطلوب: فالمرفق العام في نظر الدكتور مصطفى ابوزيد، عبارة عن مشروعات تستهدف إشباع حاجات عامة، و يعني بها الحاجة ذات النفع العام لجميع المواطنين، و هي أي المشروعات العامة خاضعة للسلطات العامة ، و لذا فهي تحكم بنظام قانوني خاص مغاير للنظام القانوني العادي الذي يحكم المشروعات الخاصة(2).

و يشاكه في ذلك أستاذنا الدكتور سليمان الطماوي فيعرفه بقوله: المرفق العام مشروع يعمل باطراد و انتظام، تحت إشراف رجال الحكومة، بقصد أداء خدمة عامة للجمهور مع خضوعه لنظام قانوني معين (3).

لقد خفف أستاذنا العميد من حدة العنصر الشكلي فاكتفى بإشراف رجال الحكومة بينما لم يقنع الدكتور مصطفى أبوزيد إلا بخضوع المشروع للسلطات العامة و إن كان الأخير قد ادخل التعريف في الدوامة التي أرادها أعداء المرفق العام لمعيار النفع العام فان الأول قد أطلق الحاجة العامة. إلا أن كليهما قد جعل من خضوع النشاط لنظام قانوني استثنائي عنصرا في التعريف، بينما أن المطلوب هو تحديد وصف النشاط و تمييزه عن غيره حتى نتعرف على القانون الواجب التطبيق.

اما الأستاذ الدكتور محمد فؤاد مهنا فانه قد بدل من موقفه فطور محاولاته إلا انه أجهض ما كان ينتظر منها فنراه ففي البداية يعرف المرافق العامة بأنها مشروعات Entreprise

(2) الدكتور مصطفى أبوريد فهمي:الوجيز في القانون الإداري، الجزء الأول نظرية المرافق العامة ط (1) سنة 1957 صفحة 10.
(3 الأستاذ الدكتور سليمان الطماوي : مبادئ القانون الإداري المصري و المقارن 1959 صفحة 262.
تنشئها الدولة أو تشرف على إدارتها و تعمل بانتظام و استمرار – مستعينة بسلطان الإدارة- لتزويد الجمهور بالحاجات العامة التي يتطلبها، لا بقصد الربح بل بقصد المساهمة في صيانة النظام و خدمة المصالح العامة في الدولة (4).

بتأمل هذا التعريف نجده قد استخدم مصطلحات تثير اللبس، بل أن بعضها مثل لفظ (مشروعات) قد استخدمه بشكل يجعله يعمل من اجل خدمة المصالح العامة في الدولة،بينما أن المصالح العامة في الدولة لا تخرج عن كونها منظمات أو أجزاء أو فروع من فروع الإدارة فكأن سيادته يريد أن يقول أن هدف المرفق العام هو خدمة المرفق العام هذا هو المستفاد من مقابلة لفظ (مشروعات) بعبارة (المصالح العامة في الدولة) قد سبق إيضاح أن المصالح العامة هي الشكل الذي كان بارزا و مازال في التنظيم الإداري للدولة.

و نجده ثانية قد استخدم لفظ الدولة كسلطة منشئة للمرفق العام آو المشروعات و بعدها مباشرة ذكر أنها تستعين بسلطان الإدارة في إدارة هذه المشروعات، فهل هذا يعني أن للإدارة سلطان ليس للدولة؟ لقد سبق لنا بيان ماهية الدولة و ماهية الإدارة و ما هي وظيفة أساليب السلطة و أثبتنا أن لا هدف لها إلا حماية المال العام و ليست امتيازا للإدارة.

أما عنصر الربح هذا فسوف نرجئه لمناقشته تفصيلا عند بيان أركان المرفق العام ذلك أن التمسك به يعد خطأ كبيرا في فهم وظيفة الدولة و إهدار لحق الجماعة في أن يؤول إليها أنشطة مربحة لتحقيق التراكم المالي للإنفاق على مرافق أخرى ترى الدولة أنها تقدم خدمة للجماعة تستلزم حيويتها أن تكون بغير مقابل مثلا.
قد بدل الأستاذ موقفه بعد ربع قرن تقريبا إذ عرف المرفق العام بقوله ( المرافق العامة تنشئها الدولة بقصد تحقيق غرض من أغراض النفع العام و يكون الرأي الأعلى في إدارتها للسلطة العامة (5).

(4) الدكتور محمد فؤاد مهنا: القانون الإداري المصري و المقارن الجزء الأول – المرافق العامة سنة 1952 صفحة 89.
(5) الدكتور محمد فؤاد مهنا: مبادئ و أحكام القانون الإداري في ظل الاتجاهات الحديثة – دراسة مقارنة الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية سنة 1975 صفحة 282 ففما بعدها.
إلا أن سيادته حينما أراد أن يحدد ماهية النفع العام أجهض كل ما كان ينتظر من محاولته هذه التي أراد أن يتخلص فيها من المعيار العضوي فاكتفى بأن يكون الرأي الأعلى في الإدارة للسلطة العامة فانتهى إلى نتيجة سبقه إليها غيره و هي الحد من تدخل الدولة و إن كان قد استخدم ألفاظا مغايرة إذ تبنى التيار الفقهي الذي يقول (إن شرط النفع العام الذي يترتب عليه اعتبار المشروع مرفقا عاما لا يتحقق إلا إذا كان من نوع النفع العام الذي يعجز الأفراد و الهيئات الخاصة عن تحقيقه أو لا يرغبون في تحقيقه أو لا يستطيعون تحقيقه على الوجه الأكمل، و مع هذا إن المشروعات التي تنشئها الدولة لا تعتبر مرافق عامة إلا إذا كان الغرض من إنشائها سد فراغ يعجز النشاط الفردي عن ملئه أو يعجز عن سده على الوجه الأكمل).

كما أن التفرقة التي أتى بها ليبين مدلول المرفق العام عجيبة في دلالتها فسيادته يقول (و المرفق العام..قد يكون نشاطا معينا كالتعليم، و النقل، و توريد المياه و النور، و صيانة الأمن، و الإسكان الشعبي، و التوجيه المهني و الاقتصادي و قد يكون منظمة تدير هذا النشاط كالجامعات، و النقابات، و الغرف التجارية و غيرها.

و لنا على هذا التعريف في أعلى مراحله الملاحظات التالية:

1 – تخلص هذا الرأي من عيب وقعت يه تعاريف كثيرة فلم يجعل من خضوع النشاط لقانون استثنائي عنصرا في تعريف المرفق العام، كما تخلص من الأخطاء في استخدام المصطلحات وهذا أمر طبيعي يتفق مع تطور فكر الأستاذ و المكانة التي شغلها في فقه القانون الإداري.

2 – لقد وقع هذا التعريف في محظور يكاد يكون منفردا به لأنه بلوره في شكل واضح قاطع الدلالة و ليس بطريق غير مباشر كما فعل غيره، لقد علق وصف النشاط بصفة المرفق العام على شرط أن يستهدف نفعا عاما غير النفع العام الذي يستطيع الأفراد تحقيقه و جعل ذلك شرطا ضمنيا في تعريف المرفق العام :

أ- و لما كان من المقطوع به أنه من المستحيل ابتداع نفع عام لا يستطيع الأفراد تحقيقه، ذلك لان كل الأنشطة حتى ما تعلق منها بالمرافق السيادية كانت في قبضة الأفراد، فان ذلك يعني عدم اكتساب أي نشاط صفة المرفق العام للاستحالة السابقة.

المبحث الثاني:
الغرض الذي يسعى لتحقيقه المرفق العام:
المطلب الأول:
ماهية المصلحة العامة:
لن ندعي سبقا نحققه هنا كون أننا قمنا ببيان المصلحة العامة أو النفع العام كهدف للمرفق العام أو بمعنى أدق كهدف لنشاط الدولة أيا كانت طبيعة هذا النشاط، بمعنى كونه إداريا خالصا أي من حيث الشكل أو من حيث المضمون كتلك المرافق العامة التقليدية أو السيادية كما يسميها الفقه، أو كانت مرافق متنازع على تكييفها القانوني لكون نشاطها اقتصاديا، أو مجمع على طردها من نطاق المرافق العامة بدعوى أنها تحقق مصلحة خاصة للدولة، مالية أو مصرفية، أو زراعية. فالفقهاء قد حددوا هذين المصطلحين باعتبارهما مترادفين، قصدهما إشباع الحاجات العامة للمواطنين – الأمر الذي نريده،و لكن يبقى لنا فضل بيان فساد التأويل المؤدي إلى وصف إضافي للمعنى المتقدم، كي يكتسب النشاط صفة المرفق العام، فهذا هو مناط الخلاف بيني و بين ما يشبه الإجماع فقها و قضاء، ثم بيان تناقض آراء هؤلاء الفقهاء تناقضا لا يبرره ذات المنطق الذي اتخذوه وسيلة للتعبير عن قصدهم، مما يؤكد تحليلنا السابق حالة وصف اتجاههم هذا بأنه مقود و مسير بمبادئ المذهب الفردي الحر، و لكن علمهم لم يسعفهم بما يحقق لهم التمكين له تمكينا منطقيا، ربما لان معطيات العصر قد تجاوزته و هم يريدون عرقلة هذا التطور.و يستوي في نظرنا الاجتهادات التي قدمها فقهاء مدرسة السلطة العامة أو فقهاء مدرسة المرفق العام،فهي قد أدت في النهاية إلى نتائج جد متقاربة، بل متحدة في أغلب الأحيان، فتآزر فقهاء المدرستين على التضييق في وظيفة الدولة، و ما تولته اضطرارا و إذعانا لمعطيات العصر من نشاط أخضعوه للنظام القانوني الذي يخضع له نشاط الأفراد، لا عن جهل بما يحققه النظام الإداري للمال العام من حماية تحقق مصلحة الجماعة، و تعريض للخطر يحمله تطبيق النظام الخاص على هذا المال العام، و لكن عن عمد خضوعا لعاصفة التطور تحينا للفرض التي عساها تعود فتعود هذه الأنشطة للأفراد من جديد، كما سبق أن فصلنا آراء مورانج أوردناها على سبيل المثال لا الحصر، و من ثم لن نفرق بين موقف الفقه الغربي و بين الفقه العربي و عليه سوف نبدأ باللاحقين و نختم بالسابقين حتى نهدم هذه الأفكار المضادة لمصلحة الجماعة في عقر دارها.

فقه الأستاذ الدكتور ثروت بدوي ( **):
يبدأ من منطلق مبدأ تقسيم العمل بين أفراد الجماعة ثم يبين أن هناك ( من الحاجات الأساسية التي قد تلزم أفراد الجماعة جميعا أو تهم غالبيتهم، و لكن يعجز عن القيام بها النشاط الفردي ) و يضرب لذلك مثالا( بحاجة الجماعة إلى الحماية أو الأمن العام و دفع العدوان الخارجي التي تهم أفراد الجماعة جميعا، و لكنها لا تستثير اهتمام أفرادها و بالتالي لا يمكن ترك الوفاء بها للنشاط الفردي)، و لأنه يقصد بداءة تحديد المجالات التي لا يجب أن تتدخل الدولة فيما يجاوزها، يبين حالة ثانية تبرر تدخل الدولة، فيقول: (( كما أن هناك من الحاجات الأساسية للجماعة مالا تحقق الربح، و بالتالي لا يقوم بالنسبة لإشباعها الحافز عند الأفراد. هذه الحاجات التي يعجز النشاط الفردي عن القيام بها على الرغم من أهميتها الحيوية لأفراد الجماعة، تكون المجال الطبيعي لنشاط الإدارة؟، فهي حاجات يعد إشباعها محققا للمصلحة العامة)).

ثم يؤكد أن الوجه المقابل لنشاط الإدارة هذا،أي النشاط الفردي لا هدف له إلا تحقيق مصلحة شخصية حتى و لو صادف ذلك تحقيق مصلحة عامة أو اتفق معها و ذهب بحق إلى أن الطابع الشخصي هذا يلازم هدف النشاط الفردي، حتى ولو تغيا مثلا عليا، إذ يبقى الدافع الشخصي هو المحرك ولو كان مجرد إرضاء الضمير.

((أما النشاط الإداري فهو أساسا نشاط غير مغرض، أي لا يستهدف غرضا شخصيا أو


** أنظر هامش الصفحة القادمة
ذاتيا. قد تحقق الإدارة من نشاطها ربحا أو كسبا ماديا، كما قد تحقق كسبا معنويا، و لكنها دائما تمارس نشاطها مستهدفة تحقيق الصالح العام أو المنفعة العامة. و هذه المصلحة العامة التي تسعى إليها الادارة تتحقق بإشباع حاجات الجماعة التي يعجز عن إشباعها النشاط الفردي على الوجه الأكمل، أو التي يكون من الملائم إشباعها بواسطة الإدارة )).

و يختم ذلك بتأكيد خلاصته: (( أن الهدف من النشاط الإداري تحقيق المصلحة العامة، بينما ينحصر هدف النشاط الفردي في تحقيق مصالح خاصة أو ذاتية )).

و حينما يهاجم المصلحة العامة باعتبارها عنصرا أساسيا في تعريف المرفق العام يقضي عليها بعدم تحديدها لأنها ( على درجة كبيرة من التعقيد و الميوعة ). بحجة أنها متغيرة، فالمصلحة العامة (فكرة مرنة ومتطورة تتغير بتغير العصور و الأنظمة و الأفكار. و المصلحة العامة في نظام رأسمالي مختلفة عن المصلحة العامة في نظام اشتراكي). و ينتهي من ذلك إلى أن المصلحة العامة متغيرة كذلك من شخص لأخر و أنه يوجد إجراء أو نشاط يحقق مصلحة كل الأفراد ( أي أن المصلحة العامة لا يمكن أن تفهم بمعناها المطلق (*).

و عندما يريد تأييد آرائه السابقة يقول : (( فالمصلحة العامة تعرف من حيث الكيف بأنها تلك التي تكون في قيمتها المعنوية أعلى مرتبة و أولى بالرعاية من المصلحة الخاصة. و يمكن تعريفها أيضا تعريفا عدديا أو من حيث الكم بأنها المصلحة التي تحقق نفعا لأكبر عدد من الأفراد، أو هي مجموعة مصالح فردية أكبر عددا من مجموعة المصالح الفردية التي تقابلها ):


* نزيد فنؤكد أن اختيارنا لنماذج الدراسة نابع من تقديرنا الهائل لأصحاب هذه الآراء ، و إقرارنا بمكانتهم العلمية الرفيعة، و قدرتهم على الإقناع ثم سيطرتهم على فقه القانون العام بما يرتبهم في مقدمة الرواد و لنزيد الاعتراف تفصيلا، فهم أساتذتنا و لهم يرجع الفضل في تعليمنا مناهج البحث العلمي.
* دكتور ثروت بدوي : المرجع السابق صفحة 13، 14، 15، 213، 214
قبل مناقشة تعريف المصلحة العامة الذي قدمه الأستاذ، علينا أن نتناول بقليل من التحليل الآراء السابقة على هذا التعريف، ثم نتعرض له على النحو التالي:
أولا – الأستاذ من البداية يفرض وصاية المذهب الفردي التوجيهية على الدولة، فلا يجب عليها أن تلج ميدان نشاط غير ذلك الذي يعجز الأفراد عن القيام به أو ينعدم الحافز فيه كأن يكون غير مربح .

- و حينما نناقش الأمثلة التي ضربها الفقيه و سيادته ليس وحيدا في ذلك نجد أنها خلاف ما يقررون، لان الأمن العام والحماية الخارجية و غيرها من الوظائف كان يمارسها الأمير و الإقطاعي، فلم يعجز عنها النشاط الفردي، و مع ذلك آلت إلى الدولة لا لكونها تهم جميع الناس فقد كانت وكان الأمير أو الإقطاعي يتولاها، و لكنها كانت لازمة لقيام الدولة الموحدة لتعلي إرادة الملك على غيره من مراكز القوى، و من ذلك نخلص إلى أن أيلولتها للدولة لم تكن عجزا أو عدم رغبة في ممارستها من جانب الأفراد.

و ليست الحالة الثانية و هي المتمثلة في عدم وجود الربح و انعدام الحافز لدى الأفراد عن ممارستها أسعد حظا من الأولى، فهذه الصورة لم يقدم لنا التاريخ نموذجا لها، فأي نشاط لو أريد له الربح لكان مربحا، ويكفي ذلك حاجة الناس إليه، ثم احتكاره من طرف المنظم، فلو أخذنا مثالا لذلك خدمة التعليم أو خدمة العدل أو خدمة الصحة، لقدمنا أيا منها بالمجان أو اقتضينا مقابلا احتكاريا و قس على ذلك أي نشاط مهما كانت طبيعته. بالطبع لو كان متروكا للمناقشات غير المشروعة، فان أثرها سيقتصر على طرد صغار المنظمين من الميدان ليبقى الأقوياء للتحكم و الاستغلال.

ثانيا – حينما يسمح للدولة بالتدخل في نشاط معين فهذا يعني طبقا لهذا التحليل ألا تتدخل إلا لتتولى أنشطة خاسرة و يحرم عليها تسيير نشاط مربح، فكأن الخسارة صيغة ملازمة للنشاط الإداري،و قد قدمنا، أن هذا غير صحيح لان أي نشاط تحتكره الدولة يمكن أن تقدمه بالمجان أو تجعله مربحا، ثم إن مصلحة الجماعة قد تفرض على الدولة تولي نشاطا بالذات لأنه مربح لكي تحقق التراكم المالي، أو لكي تستبعد استغلال الضعفاء المستفيدين أو المستهلكين من هذا النشاط، أي أن الأمر متوقف على الكفاءة الاقتصادية للدولة و الفلسفة السائدة.

ثالثا – تطور المصلحة العامة و مرونتها لا يجب أن تتخذ حجة لصعوبة تعريفها و تمييعها. فتطور المصلحة العامة ومرونتها، كما يبين من الأمثلة السابقة ليس عيبا فيها، مادمنا قد اتفقنا على أنها إشباع حاجة عامة، أما أن هذه الحاجات تتغير من عنصر إلى عنصر و من بلد إلى بلد و من مذهب إلى مذهب، فان هذا لا ينقص من قيمتها و إن أنقص في عددها، و كثرة العدد أو نقصه لا يتغير من كون العدد القليل هو عدد الحاجات العامة التي تواضعت عليها الجماعة، فإذا ما كنا في نظام اشتراكي و تكفل بإشباع عدد أكبر من هذه الحاجات فهذا يعني أن عليه أن ينشئ عددا أكثر من المرافق التي تحقق هذا الإشباع، و إن كنا على العكس من ذلك في نظام رأسمالي فهذا يعني أن عدد هذه الحاجات تقل فيقل عدد المرافق، و لكن تبقى دائما الحاجة العامة هي أساس قيام المرفق العام و هدفه إشباعها هو المصلحة العامة.

و الخلاصة أن التطور و المرونة يقتصر أثرهما على كثرة تعدد الحاجات فتتعدد المرافق أو يقل عدد هذه الحاجات فيقل عدد هذه المرافق فالتطور و المرونة هو تغير كمي و ليس كيفي، إذ يبقى المضمون واحد هو أن هناك حاجة عامة أيا كانت طبيعتها و هي المحرك لإنشاء مرفق عام يقوم على إشباعها.

رابعا – يفيدنا هذا التحليل في أن المصلحة العامة هي دائما رائد النشاط الإداري بالمقابلة للنشاط الفردي الذي لا يحيد عن هدفه طبقا لتأكيدات الأستاذ و هو تحقيق المصلحة الخاصة أو الذاتية.

و مادام الأمر كذلك فما هي إذن المبررات للفصل بين أنشطة الإدارة و أن نجعل منها ما يكون مرافق عامة، و منها ما لا يكون مرافق عامة ثم إخضاع كل منها لنظام قانوني مختلف على ما في ذلك من تعريض المال والمصلحة العامة التي يمول النشاط المشبع لها للخطر إذا خضع للقانون الخاص و قاضيه و تجرد من حماية القانون العام و قاضيه، لقد خلصنا إلى الخلفية التي أدت بهؤلاء الفقهاء إلى ذلك و تبينا تناقص حججهم فضلا عن تهاترها.

خامسا – ليس صحيحا ما يقال أن للمصلحة العامة قيمة معنوية أعلى مرتبة و أولى بالرعاية من المصلحة الخاصة. لان المصلحة العامة ليست مجردة بحيث تستقل بقيمة تنبع من ذاتها، فالمصلحة العامة تستمد قيمتها من كونها عامة و ليست خاصة، أي من كون كل فرد من أفراد الجماعة ينتفع منها بتوافر شروط الانتفاع منها و ليست وقفا على فرد ذاته يستفيد منها دون سواه مثل المصلحة الخاصة. فهي أولى بالرعاية إذن لأنها حق للجميع بتوافر شروطه كحقيقة واقعية محددة سلفا، بعكس المصلحة الفردية التي لا تفيد إلا صاحبها، و الجماعة مقدمة على الفرد، ليس بحكم المذاهب الاشتراكية بل بمقتضى الشرائع الطبيعية و الإلهية.

سادسا – و ليس صحيحا كذلك أن المصلحة العامة هي كذلك بحكم أنها تحقق منفعة أكبر عدد من الأفراد، فهي أولى بالرعاية لأنها تخاطب، أو قل تشبع حاجة عامة لطائفة مفتوحة لا يحدد أفرادها بذواتهم ولكن بشروطهم و هم إن علم عددهم بمقتضى التقدم التكنولوجي، فليس هذا الحصر لهم إلا في وقت محدد ببداية و نهاية، و لكن يبقى أنها طائفة قد يتسع عدد أفرادها فتشمل أفراد الشعب ككل، و قد تزداد اتساعا فتشمل كل المقيمين على التراب الوطني بما في ذلك الأجانب المقيمين أو العابرين، و قد تضيق على العكس من ذلك فلا تشمل إلا طائفة قليلة العدد تميز بشروطها لا بذواتها من أمثلة ذلك ألا يستفيد من التعليم الثانوي إلا الحاصلين على شهادة الإعدادية، و لا يستفيد من خدمة التعليم الجامعي إلا الحاصلين على الثانوية العامة، و لا يستفيد من خدمة التعليم ما بعد الليسانس إلا من حصل على درجة الليسانس ثم لا يستفيد بحق الحصول على درجة الدكتوراه إلا من حصل على الماجستير، و هكذا نجد في هذا المثال مئات الآلاف في التعليم الثانوي، بينما نجد عشرات الآلاف في التعليم الجامعي قد نجد المئات في الماجستير ثم العشرات فقط في قمة التعليم العالي.

و من ثم نخلص إلى أن المصلحة العامة لا يمكن أن تتميز بكثرة العدد أو قلته، بل هي حاجة عامة لفئة غير محددة الأفراد بذواتهم و لكنهم محددون بمواصفات خاصة على عكس المصلحة الشخصية الذاتية التي لا تفيد إلا صاحبها فهذه هي المصلحة العامة رائد وهدف النشاط الإداري لأنها ليست مصلحة فردية لأحد الحكام أو المديرين في مقابلة المصلحة الفردية التي تخص فردا بذاته.

سابعا و أخيرا : لا يمكن أن تكون المصلحة العامة كذلك مجموعة مصالح فردية أكبر من مجموعة المصالح الفردية التي تقابلها، فليست هناك مقابلة من هذا النحو على الإطلاق، فليس لدينا حصر نقيمه لنفضل مصلحة عشرين فردا على مصلحة تسعة عشر، فما هو المعيار الذي يقدم لنا أسس هذا التفضيل ؟ حقا، قد نجد أن التلازم يقع بين كثرة عدد الجماعة التي يراد إشباع حاجتهم كثرة في مواجهة قلة أضيرت من جراء تنظيم هذا الإشباع كما لو كنا أمام منظم فرد أو شركة و اقتضى الصالح العام تأميمها لمنع استغلال المستفيدين من نشاطها، أو لان نشاطها مربح و تم ذلك لإحداث التراكم المالي، ففي الحالتين المتقدمتين و هما على سبيل المثال أضير فرد أو مجموعة مساهمين في الشركة التي أممت بحرمانهم من ربح كانوا يحققونه و يطمعون في الاستمرار في تحقيقه على حساب الجماعة، فوضع التأميم حد لجشعهم أو قد ضيع آمالهم في الربح ليبقى الجماعة المنتفعة من الاستغلال أو ليحقق تراكما للإنفاق منه على مرافق تقدم خدماتها، و لكن ليس من الحتم أن يكون هذا التلازم.

المطلب الثاني:
النــفــــع العـــــام:
نتناول بالتحليل فقه كل من الأستاذين محمود حافظ، و محمد ففؤاد مهنا، و نختم بفقه الأستاذ دي لوبادير، ويجمع بين فقه هؤلاء الفقهاء أنهم من أنصار المرفق العام، و إن ظل الأول وفيا على ولائه، و عدل الثاني بالضبط كما فعل فالين مع تغيرات لا تذكر حيث أقلع الدكتور مهنا عن مناصرته لمدرسة و نظرية المرفق العام حتى كاد يتناساها في أحدث كتاب جامع له عن القانون الإداري مستبعدا المرفق العام كأساس كان قد تبناه للقانون الإداري و أحل محله السلطة العامة و اعتبر القانون الإداري قانونا للسلطة العامة. إلا أن الأهم هو أن من ظل وفيا و من سحب حواره قد التقيا عند نقاط محددة كما سبق أن أشرنا، و هي نقاط تحد من سلطان الدولة و حرية تدخلها في الأنشطة التي يستطيع الأفراد القيام بها ما دامت لديهم الرغبة والقدرة على ذلك، ضاربين بمصلحة الجماعة عرض الحائط و إن بقي الأول من أقوى أنصار مدرسة المرفق في مصر، و بقى الثالث ممثلا لها في فرنسا.

يقول الأستاذ الدكتور محمود حافظ: ((يستهدف المرفق العام تحقيق النفع العام أو أداء خدمة عامة، الغرض من إنشائه هو إشباع الحاجات العامة للإفراد )). ثم يضرب لذلك الأمثلة على الحاجات العامة و تعددها و من ثم تعدد المرافق العامة و نشوء مرافق جديدة لإشباع الحاجات المستحدثة ثم يتابع الشرح مبينا أن (( المرافق العامة تستهدف دائما و في جميع الأحوال النفع العام، و بذلك يعتبر هذا الهدف ركنا من أركان المرفق العام، و عنصرا من عناصر تعريفه، و عاملا من عوامل تمييزه عن المشروعات الخاصة التي لا تستهدف إلا تحقيق النفع الخاص )) **.

و يزيد الأمر تأكيدا فيقرر أن (( تحقيق النفع العام ركن جوهري وشرط ضروري لوجود المرفق العام، اذا لم يتوافر، فقد المشروع صفة العمومية، و كان من المشروعات الخاصة و لو كانت الدولة – أو أحد أشخاص القانون العام الأخرى – هي التي أنشأته و تتولى إدارته:

فإدارة الدولة أو المحافظة أو المدينة أو القرية لا ملاكها الخاصة لا يستهدف تحقيق النفع العام بطريق مباشر، و إنما يقصد بها تحقيق مصلحة مالية، و لذا يمكن اعتبارها مرافق عامة، و إنما هي مشروعات خاصة تتولاها الدولة أو إحدى الهيئات العامة.



** الأستاذ الدكتور محمود محمد حافظ: نظرية المرفق العام مرجع سابق صفحة 24
. الأستاذ الدكتور محمد فؤاد مهنا: مبادئ و أحكام القانون الإداري في ظل الاتجاهات الحديثة مرجع سابق صفحة 287 و ما بعدها.
و مع أن الأستاذ الدكتور مهنا، يبادر فيعرف لنا المقصود بالنفع العام إلا أنه يهدمه فيما بعد و يجعله للتناقض محلا باشتراطه صفة جديدة للنفع العام السابق تحديده لكي يمكن وصف النشاط بصفة المرافق العام أي أنه يقول يتعرف ثم اعتناق ما يناقضه بغير مسوغ لذلك يبدأ الأستاذ فيقول : ( ينشأ المرفق العام بقصد تحقيق غرض من أغراض النفع العام، و معنى ذلك أنه لا يمكن اعتبار أي مشروع مرفقا عاما إلا إذا كان يستهدف تحقيق النفع العام ، و يقصد بالنفع العام في صورته العامة سد حاجات عامة أو تقديم خدمات عامة للجمهور) ثم يستطرد فيبين أنواع هذه الحاجات، فنجده هنا قد أصاب كبد الحقيقة لان التلازم حتمي بين نشاط الإدارة و تحقيق النفع و لاسيما بالصورة التي رسمها الأستاذ باعتباره يقوم على إشباع حاجة عامة و قد قلنا أنه يوجد بوجودها و ينعدم بانعدام وجودها.

إلا أننا نراه يستدرك أو بمعنى أدق يتحول عن هذا التحديد لينضم مع غيره من الفقهاء فيقول( غير أنه يلاحظ مع ذلك أن تحقيق النفع العام في صورته العامة السابق تحديدها لا يعد كافيا لاعتبار المشروعات التي تنشئها الدولة مرافق عامة و يكاد الاتفاق ينعقد على أن المشروعات التي تنشئها الدولة لا تعتبر مرافق عامة لمجرد أنها تقدم حاجات أو خدمات عامة للجمهور بوجه عام ) ثم يبرر ذلك بحجة غربية مفادها أن تحقيق النفع العام ملازم للأغلبية الساحقة من نشاط السلطة العامة و أن مقتضى الأخذ بذلك يعني توافر شرط تحقيق النفع العام في كل المشروعات التي تحققها الدولة .

و بدلا من أن يتخذ من هذه الحقيقة حجة لإضفاء صفة المرفق العام على نشاط الإدارة أيا كانت طبيعته مادام أنه يحقق النفع بإشباعه حاجة عامة، نراه يخلص مع غالبية الفقهاء إلى أن النفع العام الذي يترتب عليه اعتبار المشروع مرفقا عاما لا يتحقق إلا إذا كان من نوع النفع العام الذي يعجز الأفراد و الهيئات الخاصة عن تحقيقه أو لا يستطيعون تحقيقه على الوجه الأكمل. و معنى ذلك فان المشروعات التي تنشئها الدولة لا تعتبر مرافق عامة إلا إذا كان الغرض من إنشائها سد فراغ يعجز النشاط الفردي عن ملئه أو يعجز عن سده على الوجه الأكمل ).

فقه الأستاذ دي لوبادير : **

لما كان فقه الأستاذين محمود حافظ و مهنا لا ينفصل عن فقه الأستاذ دي لوبادير، رأينا أن نكمل سلسلة التفكير كي نجمل النقد و التحليل . يقول العلامة دي لوبادير ( المــرفــق العــام مقــــرر أو مخـــصـص لإشباع حــــاجــة ذات نــفــع عــــــام
Le service public est destiné à donner satisfaction à un besoin d’intérêt général.
هذه الفكرة هي التي نجدها في كل تعريف للمرفق العام. فاستهداف المصلحة العامة هو قلب أو مركز هذا التعريف، و لكن يجب علينا مع ذلك أن نحدد مما تتكون هذه الفكرة المميزة للمرفق العام، لان المصلحة العامة توجد في كل الأنشطة العامة مهما كانت مكونة لمرفق عام أو غير مكونة لمرفق عام، و بهذا المعنى فان الأشخاص العامة لا يجب أن تعمل إلا من أجل المصلحة العامة، هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى، فإشباع المصالح العامة ليس حكرا على الدولة حيث يوجد كــما سوف نرى ( مشروعات خاصة ذات نفع عام ) فالذي يميز المرفق العام من هذه الزاوية هو إشباع حاجة ذات نفع عام هي الهدف من إنشاء المرفق : فالنشاط يصبح مرفقا عاما عندما تقرر السلطات العامة الاضطلاع بالنشاط لإشباع الحاجة التي ترى أنها بدون هذا التدخل ، لن تشبع، أو تشبع على وجه سئ، أو لن يتحقق لها الإشباع الكامل.

فان كان لنا أن نبين ملاحظاتنا على هذه الأفكار فان هذا يحتم علينا أن نخصها بما تميزت به على أن يصيبها ما قدمناه من نقد أصاب ما يتوافق مع هذه الأفكار من حيث الفلسفة التي تستند عليها أو من حيث النتائج التي خلصت إليها حتى نتفادى التكرار مراعاة للوقت و التبسيط و لهذا نجملها فيما يلي :




* * مطول القانون الإداري: الجزء الأول سنة 1973 ص 579 و ما بعدها
نقد الأفكار المطروحة عن النفع العام:

أولا: أن جميع هذه الأفكار تنطلق من وجود مرفق عام ثم الاعتراف به فعلا، سواء بإجماع كما هو الشأن بالنسبة للمرافق التقليدية أو جزئيا كالمرافق الاقتصادية، و نحن نرى أن في هذا المسلك مآخذ منها أن مفهوم المرفق قد ضاق أشد الضيق على مقتضى فكر أنصار مدرسة المرفق العام أنفسهم، و كان ينبغي معالجة الأركان الواجب توافرها بحيث يؤدي توافر ركن منها قام لإسناد الأخر فتقوم هذه الأركان بوظيفة التعريف بالمرفق العام لا تنطلق منه، و إلا لما كانت هناك حاجة لدراستها ، إذ يكفي لان ننظر لأي مرفق فنصف عناصره و ليست هذه هي مهمة دراسة عناصر أو أركان المرفق العام.

أي أن هذه المنطلقات لدراسة أركان المرفق العام منطلقات خاطئة و أنه يجب لتصحيحها أن ينطلق البحث من النشاط موضوع الدراسة لكي نخرج من ذلك إلى أمكان تكييفه على أنه مرفق عام أم لا .

ثانيا : أن الأفكار السالفة كلها تنبع من نبع واحد هو تقسيم نشاط الدولة بين مرفق عام، و مشروعات خاصة، و لقد سبق لنا أن أدنا هذا التقسيم لتعارضه حتى مع منطق القائلين به، فحيث أن النشاط الإداري يستهدف النفع العام ، و أن النشاط الخاص يستهدف النفع الخاص أو تحقيق مصلحة شخصية ذاتية طبقا لإجماعهم ، فكيف إذا نصل إلى القول بأن ليس كل ما تقوم به الإدارة مكونا لمرفق عام بدعوى أن إدارة الدولة أو الشخص العام الإقليمي حينما يدر بعض أملاكه فإنها لا تحقق النفع العام المباشر و إنما تقصد بإدارتها تحقيق مصلحة مالية، لنخلص من ذلك إلى أن هذا النشاط يكون على أحسن الفروض مشروعا خاصا تتولاه الدولة أو إحدى الهيئات العامة.

فنحن نرى أن في ذلك النهج من التفكير المجمع عليه مغالطات يجب شحبها و تصحيح هذا التفكير ليستقيم مع منطقه المقر بأن نشاط الإدارة في مجموعة لا يتغير غير الصالح العام هدفا يرجو تحقيقه.
نحن نعلم أن هذا التفكير نابع من إصرار الفقه و القضاء الإداري على تقسيم أموال الدولة إلى دومين عام و دومين خاص، و أن الأول يحقق النفع العام المباشر و أن الثاني لا يعني إلا إدارة بقصد تحقيق مصلحة مالية، و هذا تقسيم خاطئ أشرنا إلى خطئه مرات عديدة حتى يتاح لنا معالجة نظرية الأموال العامة في مؤلف منفرد. و لكننا نلقي بعض الأسئلة الاستنكارية التي نتولى الإجابة عليها.

ما هو المنطق الذي يتم بمقتضاه تقسيم نشاط الدولة إلى محقق للنفع العام و محقق لمصلحة مالية تتوازى و تتوازن مع المصالح الفردية، و ما هي ماهية الدولة التي تحقق لنفسها مصلحة خاصة.

هل تحقيق الدولة أو أحد أشخاصها مصلحة مالية يذهب إلى الذمة المالية للحكام أو المديرين للمال العام، كما يحدث في حال المشروعات الخاصة للأفراد؟ أم أن هذا المال ينصب في الخزانة العامة كأهم مورد لها للإنفاق منه على المرافق التي تؤدي خدماتها بالمجان؟

أم أن إرادة الفقهاء و القضاة قد اتجهت نحو التمييز داخل النفع العام بين المباشر منه و غير المباشر فان كان ذلك و هو عين ما قصدوه فهل صحيح أنه يمكن أن يقوم هذا التمييز ؟

إن القول بذلك فيه خلط و عدم وضوح رؤية، ذلك أن النفع العام كله لا يتجزأ و هو إشباع الحاجات العامة، و إن ما نراه من كون جزء يتم بالمجان و مباح كالشمس و الهواء، لأنه من صنع الطبيعة و قد أضافت بما يكفي الكل دون شروط كالطرق و شواطئ البحار و مجاري الأنهار الذي أعدته الدولة أو أن اقتضاء ثمن مقابل له يكلف الناس من أمرهم عسرا، أو أن تقديم الدولة بعض المرافق بالمجان كالتعليم و الصحة، في بعض البلاد لان اقتصادها و فلسفتها الاجتماعية اقتضت ذلك، فان كل هذا لا يعني أن غير هذا من الأنشطة التي تديرها الإدارة غير محقق للنفع العام لمجرد أنها تقاضت مقابلا، لما تقدمه لان هذا المقابل غايته نقل عائده إلى مرافق أخرى أكثر حيوية للشعب ارتأت الدولة تقديم خدماتها بالمجان فالفارق إذن فارق في شروط الانتفاع و ليس فارقا في نوع النفع العام على عكس ما اعتبره البعض بديهية انطلق منها و رتب عليها.

ثم ما هي الدولة التي تسعى لتحقيق نفع خاص لها، هل الدولة شيئا أو تصويرا آخرا غير كونها شخص قانوني مجرد من صنع الخيال لا وجود له، هل تخرج الدولة عن كونها مجموعة من الإفراد يديرون لحساب الغير أي الجماعة؟

و إذا كان ذلك صحيح و هو كذلك، فما هي إذا المصلحة الشخصية أو الخاصة التي تسعى الدولة إلى تحقيقها من جراء إدارتها لأموالها الخاصة ؟ ماذا تعني خاصة هذه؟ و إلى من تعود؟

نقول أن الذي قاد إلى هذا التضارب والتناقض و اللامنطقية هو ألاذعان و الولاء لمذهب يقدم المصلحة الفردية للأقوياء على المصلحة الجماعية للأكثرية الضعيفة اقتصاديا و من ثم فهم يردون نقص صفة المال و نقص صفة إدارته بتجريدها من العمومية المؤدية للنفع العام تمهيدا و تحينا لفرص تأتي فيعود هذا المال و هذا النشاط حكرا للإفراد منطقة محرم على الدولة ولوجها، يرتع فيها الأقوياء متمتعين بحرية استغلال ضعف الضعفاء.

ثالثا : قد أفلح الأستاذ الدكتور محمد فؤاد مهنا، إذ عرف النفع العام بأنه إشباع الحاجات العامة ولو وقف عند هذا الحد لكان قد أجاب فأحسن، إلا أن الأستاذ بات مناصرا لنظرية المرفق العام فأصبح عدوا لها ، لأنه بين عشية و ضحاها في غضون عشر سنوات فقط بدل الأستاذ مكانه من صف إلى صف و التغيير و التبديل لا عيب فيه، فهذا شأن التطور ولكن شريطة أن يكون مبررا، و نحن لا نجد لهذا التغيير تبريرا علميا ، ففي سنة 1963 جعل المرافق لعامة أساسا للقانون الإداري و محورا لجميع نظرياته، و في سنة 1975 عدل عن ذلك و أحل السلطة العامة لتكون كذلك، و الباعث على ذلك هو التغيير الذي حدث في تسيير نشاط الدولة في جمهورية مصر العربية من المنهج الناصري في الاشتراكية إلى الانفتاح الاقتصادي الساداتي، و نحن لا نجد في هذا التحول السياسي الذي أدى إلى تحول أو إدارة الدولة على نحو معين سببا لكي يتحول الأستاذ عن رأيه السابق في أساس القانون الااري و محور نظرياته.

فالأساس الذي جب أن يبنى عليه القانون الإداري ، والمحور الذي تلتف حوله نظرياته ليس رهبنا بإرادة الحكام لأنه يجب أن يكون مبنيا على أسس علمية ثابتة أو قل لها استمرارية الثبات النسبي حتى يأتي ما يدحضها هذه واحدة، أما الثانية فان هذا التغيير الذي حدث في منهاجيه الدولة لا يمس جوهر هذا الأساس و لا ينقص منه هو فقط ينقص من كم هذه المرافق إذ يجعل معظم النشاط في يد الإفراد بعكس ما كان حيث القطاع العام يمثل 80% من إدارة الثروة القومية فتتغير هذه النسب ، إما الأساس فواحد و أما العلاقات التي يحكمها هذا القانون فقد بقيت على ما هي عليه : قانون يحكم علاقات من طرف واحد هو المنتفع أو المتعاون المتعامل مع هذا المال العام في مواجهة موظف لا يملك و ليست له مصلحة شخصية يدافع عنها ، و العكس صحيح فهو لا يؤمن جانب غدره بهذا المال العام ، و من ثم كان هذا القانون الذي يحل محل الجماعة الطرف الغائب ليبين للمدير وظيفته و حدودها ويبين شؤونها بما شبع حاجاتها العامة، تبقى هذه العلاقات كما هي دون تغيير أو تبديل حتى لو انكمشت في بضع مرافق و تبقى كما هي حتى ولو اتسعت فشملت 90% من الاقتصاد القومي، فتغيير سياسة الحكم الذي يؤدي إلى تغيير في منهاج تسيير الدولة لا يؤثر قط على الأساس الذي بني عليه هذا القانون و لا في العلاقات التي يحكمها و أن حد من كثرة هذه العلاقات بتقليص النشاط العام.

- و بالبناء على ما تقدم لا نرى تفسيرا مقنعا لهذا العدول غير ما قدمنا و عليه فشجب الشرط الإضافي الذي قدم ليصف النفع العام، كي يصبح مميزا أو ركنا من أركان المرفق العام واجب، فالنفع العام كل لا يتجزأ هو إشباع الحاجات العامة لمواطنين و لا وصف له غير هذا، متخلصا من أي شروط للاستفادة منه و بعيدا كل البعد عن قدرة أو عدم قدرة الأفراد على القيام به و تحقيقه كاملا، أو ناقصا و حق الدولة في إنشاء مرافق عامة لهذا الغرض لا يرد عليه أية قيود.

رابعا : يأتي دور فكر الأستاذ دي لوبادير، و كل ما وجه من نقد سابق يوجه إلى فكرته عن المرفق العام و النفع العام يتغياه فهو أصل من أصول هذه الأفكار و لا يبقى لنا معه إلا مناقشة تناقضه الذي تخلل عشر سطور قدمها لتعريف المرفق العام، و من ثم النفع العام.

- يــبــدأ الأستاذ بتقــرير أن المرفــق مقــرر أو مخـــصص destiné لإشباع حاجة ذات مصلــحة أو منفـــعة عامــــة besoin d’intérêt général un و يقرر أن هذه الفكرة هي قلب كل تعريف أو مركز لكل تعريف للمرفق العام، ثم يعود فيفصل ليقود إلى متاهة تقسيم نشاط الدولة ، و إذا كان الفقه قد استمد منه نوعية النفع الذي يميز النشاط العام فيصفه بصفة المرفق مما جعل قيام المرفق العام شبه مستحيل كما قدمنا في الفصل الخاص بتعريف المرفق العام، فهو يضيف وصفا جديدا كذلك للحاجة العامة فيقول حاجة ذات مصلحة عامة، فهل الحاجة هي التي يكون لها مصلحة عامة أم أن الحاجة عامة و إشباعها يعني تحقيق النفع العام أو الصالح العام؟.

- هي إذا الرغبة في التفرد و التعقيد اللذين أديا إلى هذا التناقض الذي وصل إليه في نهاية استخلاصه للتعريف و التميز العام للمرفق العام بقوله، فالنشاط يصبح مرفقا عاما عندما تقرر السلطات العامة الاضطلاع به لإشباع الحاجة التي ترى أنها بدون هذا التدخل، لن تشبع، أو تشبع على وجه سئ، أو لن يتحقق لها الإشباع الكامل.

فالنفع العام متحقق هنا، أو المصلحة العامة متحققة إذا بإشباع الحاجة العامة فحسب، أي بدون وصف يضاف إليها ، و القول بأنها حاجة ذات مصلحة عامة، هذا هو التناقض بين مقدمة التعريف و خاتمته يمثل حيرة و ترددا، في وصف المصلحة العامة أو النفع العام هدف المرفق العام و الذي يدور معه وجودا و عدما.

أضف إلى ذلك أنه يجعل قيام المرفق العام مستحيلا عندما تقوى الأفراد على القيام به أو يكون لديهم الرغبة في ذلك، ثم يميز بين الأنشطة التي تقوم بها الإدارة ملتقيا مع ذلك مع أعداء نظرية المرفق العام، التي أراد من شيدها أن يجعلها قيدا على إرادة الحكام فيصير هم خداما للشعب، و ليسوا فوقه سادة يحكمون فحق عليه قول أصدق القائلين سبحانه و تعالى (( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات .))

المطلب الثالث:
الربح عنصر من عناصر المنفعة العامة :
ينطلق الفقهاء و معهم القضاء من منطلق واحد، عند مناقشة قضية الربح كركن من أركان المرفق العام، باعتباره ركنا سلبيا، بمعنى أن المرفق العام لا يمكن أن يستهدف تحقيق الربح بصفة أساسية، و بهذا المعنى لا يمكن للدولة تولي نشاطا مربحا ، لان الأفراد يكونون قادرين على القيام به يحدوهم الأمل و تحفزهم الرغبة في تحقيق الربح،ثم يغالون في ذلك غلوا كبيرا، فيذهبون إلى أن النشاط الذي يحقق ربحا يعتبر من الأملاك الخاصة للدولة، و هذا يعني في رأيهم خضوع النشاط للنظام القانوني الخاص،أي القانون المدني و قاضيه، و مع انحناءاتهم أمام التطبيقات التي قدمها التطور، حيث أملي على الدولة - أي دولة بدءا بالدولة الرأسمالية – ضرورة تولي أنشطة اقتصادية، و هي من الأنشطة التي يقولون إن الربح من طبيعتها، التمسوا علة للاعتراف لها بصفة المرفق بأن الربح ليس مستهدفا و لكنه ناتج من طبيعة هذه الأنشطة و يبقى دائما أن المرفق العام يدور وجودا وعدما مع تحقيق النفع العام و النفع العام لا يتحقق في نظرهم إذا كان المرفق العام مستهدفا تحقيق الربح بصفة أساسية.

و إذا كنا قد خلصنا في المطلبين السابقين إلى تحديد معنى المصلحة العامة و بينا مضمون النفع العام، فانه يبقى لزاما علينا ، أن نبرز أولا مدى تعارض هذا التحليل مع المنطق، ثم مخالفته للاتجاهات الدستورية الحديثة، لاسيما الميثاق و الدستور الجزائريين، ثانيا ، لننتهي إلى أن الربح عنصر من عناصر المصلحة العامة، بل هو المصلحة العامة ذاتها أو النفع العام هدف المرفق العام، و بالتالي يحق للدولة أن تنشئ مرفقا عاما بغرض استهداف الربح بصفة أساسية.

و بناءا على ما تقدم يكون من الضروري استعراض بعض نماذج من آراء الفقهاء و بعضا من الأحكام يستوي في نظرنا أن كان الرأي العربي أو الغربي لان هذه الآراء تنبع من نبع واحد و تردد نفس المعنى.

يرتب الأستاذ الدكتور ثروت بدوي أثرين هامين على الارتباط بين المرفق العام و المصلحة ، و كما هي عادة الأستاذ دائما في أبحاثه حيث يحرص على أن يقدم مقدمات يرسي أساسها ، ثم يستخلص النتائج المنطقية من هذه المقدمات – الأمر الذي يحقق الانسجام دائما في عرضه للفكرة التي يقول بها فتظهر كابن شرعي يجد أصوله في سياق البحث. فهذه خاصة في كل أبحاثه نسجلها لسيادته، و أن كنا لا نشاطره الرأي في النتائج التي ينتهي إليها، و لا نقر المنطلقات التي ينطلق منها ، فهاتان مسألتان منفصلتان كل الانفصال، الإقرار بالقدرة العلمية التي يملك ناصيتها الأستاذ ، و المنطلقات الفكرية والنتائج المترتبة عليها،فمنه أخذنا و بجواره نقف بالحجة ، لكي نرسي أساس القانون الإداري و المرفق العام عل أسسه الحقيقية التي لازمت نشأة كل منهما ، و التي لم يكشف النقاب عنها بعد، و نرجو أن نكون من المبشرين بذلك.

الأثر الأول:

هو : ( أن نشاط المرفق العام لا يهدف إلى تحقيق الربح ، بل أن من أهم أسباب المرفق العام، أو قيام الإدارة بإشباع الحاجات العامة عن طريق المرفق العام ، هو أن الأفراد يحجمون عن مباشرة هذا النشاط لأنه لا يحقق الربح المجزى الذي يكفي لكي يحفزهم على ممارسة هذا النشاط ،و من هنا كان الكثير من المرافق العامة يحقق خسارة. بل أن الكثير من خدمات المرافق لعامة تكون مجانية ( مثل إنشاء و صيانة الطرق العامة، و العلاج و المساعدات الاجتماعية، و خدمات الآمن ).



الأثر الثاني:
و : ( أنه حيث لا يحقق نشاط الإدارة المصلحة العامة مباشرة إلا بنفس القدر الذي تحققه مشروعات فردية مماثلة ، إننا ننكر صفة المرفق العام على نشاط الإدارة ) (1)

و يقول الدكتور محمد حافظ و هو في سبيل القول بان النفع العام ركن جوهري شرط ضروري لوجود المرفق العام يقول: (و لكي يتحقق هذا الركن من أركان المرفق العام يجب إلا يكون الغرض من المشروع هو مجرد تحقيق الربح ) (2)

أما الدكتور محمد فؤاد مهنا فهو يبدأ بتقرير تحريم الربح بصفة أصلية على المرفق العام فيقول : ( لا يجوز أن يكون الهدف الأساسي من إنشاء المرفق تحقيق الربح ، و هذه نتيجة طبيعية لاشتراط النفع العام في كل مرفق، و لهذا فلا يمكن اعتبار المشروع الذي ينشأ لمجرد الربح مرفقا عاما ) (3)

و على هذا المنوال ينسج الدكتور أحمد عبد القادر الجمـال فيحتم ( إلا يكون الغرض من إنشاء المرفق العام هو الربح، فالدولة عند إنشائها دور العلم و المحاكم لا تقصد ربحـا، بل تبغي نشر التعليم في الحالة الأولى و الفصل في المنازعات في الحالة الثانية ، فأداء خدمات للجمهور له المقام الأول ، أما الاعتبار المالي فيتضاءل أمام هدف الدولة الأولى من إنشاء المرافق العامة. (*)

و من أحكام محكمة القضاء الإداري المصرية نذكر حكمها الصادر في القضية رقم 3480 لسنة 9 ق بتاريخ 2 جوان 1957 الذي عرف المرفق العام آخذا بأقصى ما وصل إليه


(1) دكتور ثروت بدوي : المرجع السابق صفحة 413 و ما بعدها .
(2) دكتور محمود حافظ: المرجع السابق صفحة 24.
(3) دكتور محمد فؤاد مهنا: المرجع السابق صفحة 289.
* يلاحظ هنا أن المحكمة تدعى أن المرفق يقوم بتزويد الجمهور بالحاجات العامة و من قبل شاركها هذا التعبير الدكتور مهنا ، و نحن نرى أن الصحيح هو أن المرفق يزود الجمهور بما يشبع حاجاتهم العامة و لا يقدم الحاجة العامة نفسها.
فكر القانون الإداري بفرنسا و مصر من مبادئ قول المحكمة ( إن المرفق العام هو كل مشروع تنشئه الدولة أو تشرف على إدارته ، و يعمل بانتظام و استمرار و يستعين بسلطات
الإدارة لتزويد الجمهور بالحاجات العامة التي تطلبها لا بقصد الربح، بل بقصد المساهمة في صيانة النظام و خدمة المصالح العامة ي الدولة.و الصفات المميزة للمرفق العام هي أن يكون المشروع من المشروعات ذات النفع العام ، أي أن يكون غرضه سد حاجات عامة، و ألا يكون الغرض من المشروع مجرد الربح و هذه نتيجة طبيعية لاشتراط النفع العام ي كل مرفق كما أن التطور الحديث في الفقه و القضاء يعترف بصفة المرفق العام للمرفق الصناعي و التجاري، مع أنه يعمل لتحقيق ربح ، و لكن الواقع من االامر أن الهدف الرئيسي لمثل هذه المرافق ليس تحقيق الربح ، بل تحقيق المنفعة العامة ......).

بعد أن قدمنا نماذج ممثلة لإجماع القضاء و الفقه على استبعاد الربح كهدف للمرفق العام و حجب الصفة العامة عن ذلك النشاط الذي لا يحقق المصلحة العامة مباشرة إلا بنفس القدر الذي تحققه مشروعات فردية مماثلة على قول ، و تحريم الربح كهدف أساسي للمرفق العام على قول أخر، أو اشتراط أن يكون قيام المرفق ليسد عجزا لأحجام الأفراد عن القيام بهذا النشاط على تحديد مفصل قدمه دي لوبادير.

نستأذن أساتذتنا بتقديم بعض الملاحظات راجين مباركتهم لهذا الاجتهاد إن هو أوفى بالمطلوب مستغفرين، طالبين عفوهم إن ألم بتفكيرنا تقصير عن أن يضع العلامات المحددة للطريق المستقيم المؤدي إلى أساس علمي للقانون الإداري و تدعيم نظرة المرفق العام دعوة لدولة المرافق لخير البشر :

1 – يجمع الفقه و القضاء على أن الهدف الأساسي و الأوحد للمرفق العام هو تحقيق النفع العام ، و هذا أمر محمود ، و لكن غير المحمود هو الاجماع على أن النفع العام لا يتحقق إلا إذا كان تحقيقه مباشرا و يقصدون بذلك أن يقصروا صيغة المرفق العام على الأنشطة التي ينتفع منها الجمهور مباشرة، و هم بذلك يخلصون إلى استبعاد إدارة الدولـة لما سمي بالأملاك الخاصة،و الأنشطة التي تحقق ربحا ولقد سبق لنا أن بينا خطأ ذلك ، من حيث أثبتنا أن هذا التحليل خطأ لأنه يخلط بين النفع العام المحقق و بين شروط الانتفاع به، كما سوف نبين مدى تعارض ذلك مع الاتجاهات الدستورية الحديثة.

2 – إن البعض منهم حينما يقر بصفة المرفق العام للأنشطة الاقتصادية و هي تحقق ربحا يدعون أن الربح لصيق بطبيعتها ، و هو قول مردود و علة غير صحيحة ، ذلك أن الربح ليس لصيق بطبيعة أي نشاط ، فأي نشاط أيا كانت طبيعته يمكن أن تقدمه الدولة بالمجان ، و يمكن أن تقدمه بثمن احتكاري يحقق ربحا ، و ليست الدولة هي القادرة وحدها على ذلك ، بل أن الأفراد أنفسهم يستطيعون ذلك ، فالثري الذي يؤسس مصحا للعلاج يستطيع أن يقدم خدماته بالمجان و يمكن أن يتقاضى مقابلا يحقق الربح و قس على ذلك أنشطة لا حصر لها يستطيع الرأسمالي أن يجنب جزءا من رأسماله ليخصصه لأعمال البر و يمكن أن يجني منها الأرباح الطائلة إن هو أخضعها للسوق و قوانينه.

3 – إنكارهم القاطع لصفة المرفق العام على الأنشطة التي تحقق المصلحة العامة المباشرة بنفس القدر الذي يحققه الأفراد بنشاطهم الخاص يحصر صيغة المرفق العام في المرافق السيادية الأولى ، و هم بذلك إذ يغضون الطرف عن التطور الذي حدث و يقعون في تناقض مع أنفسهم إذ قد اعترف الجميع بصفة المرفق العام لأنشطة ليست حكرا على الدولة، بل يقوم بها الأفراد ومن أمثلة ذلك النشاط الاقتصادي.

4 – باشتراطهم أن يكون النفع العام مباشرا، بالشكل الذي حددوه و أن يكون من نوع غير الذي يستطيع الأفراد تحقيقه، يجعلون من قيام المرفق العام أمرا مستحيلا. لان كل الأنشطة يستطيع الأفراد القيام بها فلينظر أساتذتنا إلى موازنة جنرال موتورز التي تفوق ميزانية خمس دول أوروبية منهم دولتان من الدول المتقدمة جدا ، الغنية جدا و يقدم لنا نشاطا لا تستطيع أن تقوم به جنرال موتورز. و طبقا لرأيهم لا يتحقق النفع العام المباشر الموصوف إلا في الشمس و الهواء فليقيموا لها مرفقا عاما.

5 – ليس صحيحا على الإطلاق لا من حيث بدء ظهور الدولة ، و لا من حيث التطور الفكري و الاجتماعي و السياسي و التطبيق الواقعي، أن أهم الأسباب لقيام المرافق العامة هو عجز الافرد عن القيام بأنشطة كان على الدولة توليها بصيغة المرفق العام.

فبدءا بظهور الدولة الحديثة كانت المرافق السياسية الأولى التي أصبحت حكرا على الدولة يمارس نشاطها الأمير أو الإقطاعي و هو صاحبها القادر عليها الراغب فيها و لقد انتزعت منه عنوة لأنها رمز سيادة الدولة أو قل سمو الملك على غيره من مراكز القوى أمراء و إقطاع هذا ما يقدمه لنا التاريخ، فالضرورة هي إذا سبب نشأة المرفق العام و ليس عجز الأفراد عن القيام بهذه الأنشطة التي تبلورت في مرافق عامة.

- و التطبيق المعاصر كذلك ينفي هذا الادعاء ، يستبعد العجز سببا في نشأة المرافق العامة و يقدم الضرورة السبب الرئيسي و الأوحد لنشأة هذه المرافق ، وما عداها من الأسباب ثانويا لا يذكره التطبيق إلا استثناء لا يلتفت إليه .

فالاكتشافات العلمية و التقدم التكنولوجي أو التقني و الثورة الفكرية قادت باعتراف الفقه قاطبة إلى إنشاء مرافق عامة ، و لكن لم يكن العجز أعني عجز النشاط الفردي هو الدافع المحرك لذلك الإنشاء ، و لكن حرص الدولة الرأسمالية على استمراريتها، و رغبتها في محاربة الفكر الوليد هو الذي قاد الدولة الرأسمالية إلى إنشاء مرافق عامة لتنظيم اقتصادها، ثم لكي تخفف الاستغلال الذي يمثله النشاط الفردي لاحتياجات المواطنين فتمتص ثورتهم.فالضرورة إذا هي التي قادت إلى إنشاء هذه المرافق السابق الإشارة إليها عند معالجة أسباب ظهور المرافق الحديثة.

ومن حيث التطبيق الحديث نجد على العكس مما يقرره الفقهاء أن النشاط يكون في يد الأفراد و هم قادرون عليه راغبون فيه لما يحققه لهم من ربح احتكاري و مع ذلك تتدخل الدولة لكي تنتزعه منهم عنوة بطريق التأميم لأنهم لم و لن يرتضوا تسليمه لدولة و لنضرب لذلك قليلا من الأمثلة الدالة على دلك :

أ – قدم لنا التطبيق المقارن نماذج تدحض الادعاء بعدم التدخل إلا عند عجز الأفراد، و من أمثلة ذلك تأميم شركة قناة السويس و هي في يد مجموعة دولية تديرها أكفأ إدارة و ترغب فيها رغبة أكيدة على نطاق الدول سياسيا لتحقيق السيطرة و على نطاق الربح فهي تحقق أرباحا مضمونة و يتحدد مقدارها برغبتهم . لم يكن عجز النشاط الفردي إذا هو الذي قاد جمال عبد الناصر إلى قراره التاريخي و لكن حاجة الاقتصاد القومي لعائد القناة هو الذي حتم ذلك، أي أن سبب التأميم يعود في المقام الأول للضرورة التي اقتضت أن يعود إلى مصر عائد القناة كي تحقق التراكم المالي و ليس عجز الأفراد عن إدارتها، ثم لا يؤثر في ذلك أن اختارت الشكل الذي تدار به.

ب – يقدم التطبيق نموذجا آخر إذ أعطى القانون رقم 243 لسنة 1956 لوزير الحربية المصري ترخيصا في شاء القذائف النفاثة ذات الطيران السريع (سيرفا) و إلحاقها بمصانع الطائرات الحربية على إن تسري عليها ذلك أحكام القانون رقم 3 سنة 1954 – الخاص بإنشاء مصانع الطائرات الهامة. و لقد قالت المحكمة الإدارية العليا في تكليف ذلك (..........يستفاد المصنع المملوك أصلا لشركة القذائف النفاثة يقوم على أغراض حاسمة باعتباها بالمجهود الحربي و ينتج من المعدات الحربية ما كان مصنع نفس الوقت نشاطا وافر حاجة شديدة إليه، و هو بهذه المثابة ، وباستيلاء على احتكار الدولة ، و هذا في سنة 1956 و توليها إدارته بواسطة إدارة مصانع .ارتكاز لتنمية البلاد، و تجسم في الأغراض العامة قد أصبح مرفقا عاما ).

و بتحليل حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في 5 من ديسمبر 1964 يتبين ما يلي :

1 – إن الشركة قائمة و تنتج و تربح و الأفراد راغبون في هذا النشاط قادرون عليه و لم تمنع قدرتهم و لم تحل رغبتهم دون الاستيلاء على الشركة و تحويلها إلى مرفق عام طبقا لتكييف المحكمة الإدارية العليا.

2 – إن النشاط اقتصادي و هذا يعني طبقا لأراء هؤلاء الكتاب و غيرهم أن الربح لصيق بطبيعته و لم يحل ذلك دون أن يصير النشاط مرفقا عاما ، و هذا يعني أن ربحه قد آل إلى الدولة ، و من ثم فان الربح ليس متنافرا مع المرافق العامة وبالقطع ليس محرما عليها ، فان تحول إلى أن يقوم إنتاجه فيما بعد بحسب التكلفة لأنها أي الدولة هي المشتري الوحيد، فان هذا لم و لن يغير من طبيعة النشاط ، كما أنه يدحض فكرة أن الربح لصيق بطبيعة النشاط الاقتصادي.

3 – ما لم تقله المحكمة هو أن الشركة الأجنبية قد تلاعبت في الإنتاج وقت أن كانت الدولة في حاجة إليه من أجل المجهود الحربي في معركة 1956 مما عرض أمن الجيش للخطر.

4 – الخلاصة هي أن الضرورة هي سبب الاستيلاء على هذا النشاط و ليس عجز الأفراد عن القيام به أو عدم رغبتهم في ممارسة النشاط و لقد تمثلت هذه الضرورة في توفير الإشباع اللازم لحاجة عامة هي أمن الناس و أمن الوطن ، و تدحض بالتالي مقولة إن الربح حتمي كصفة أو نتيجة طبيعية للنشاط الاقتصادي.

5 – بما أن الرد بأكثر من مثال على مذهب الفقه عن النفع العام و الربح بوصف الأول و تحريم الثاني لا يقصر التطبيق عن أن يمدنا به ، فإننا لن نستطرد في هذا السرد كي نفرغ لبيان منافاة هذا المذهب للاتجاهات الدستورية الحديثة، و في نس الوقت بيان مدى الخطورة التي تلحق بالمال العام و المصلحة العامة من جراء تجريد نتائج هذه الاتجاهات الدستورية من صفة المرفق العام لاسيما أن تحقق لهم ما أرادوا من إخضاعها للقانون الخاص و قاضيه و حجب حماية القانون العام و قاضيه عن هذه الأنشطة النابعة من الاتجاهات الدستورية الحديثة.



المبحث الثالث:
المبادئ الأساسية للمرافق العامة :
تخضع المرافق العامة لنصوص تشريعية و تنظيمية مختلفة مراعاة لطبيعة النشاط التي تقوم به، و يكون ذلك –عادة- من خلال إصدار قوانين أساسية statuts خاصة بكل واحد منها، و هو ما يمثل النظام القانوني الأخص للمرفق العام (1).
و مع ذلك ، و نظرا لخاصية عدم تقنين القانون الإداري ، كما رأينا سابقا فان المرافق العامة ، على مختلف أنواعها و إشكالها تخضع لمجموعة من القواعد العامة، تشكل ما يعرف "بالمبادئ الأساسية للمرافق العامة " أو النظام القانوني العام للمرافق العامة ، الذي يسري على جميع أنواع المرافق العام سواء وردت بقوانينها و أنظمتها الداخلية أو لم ترد، إذ أنها تعتبر من المبادئ العامة للقانون .
و تتمثل المبادئ الأساسية للمرافق العامة في ما يلي :
 مبدأ مساواة المنتفعين أمام المرافق العامة
 مبدأ سير المرافق العام بانتظام و إطراد: ( مبدأ الاستمرارية )
المطلب الأول:
مبدأ مساواة المنتفعين أمام المرافق العامة :
لما كان أساس و مبرر وجود المرافق العامة هو تلبية الاحتياجات العامة للجمهور ، فانه يحتم عليها ، و هي تقدم خدماتها العامة، معاملة الجميع على قدم المساواة، و بدون تمييز، تجسيدا لمبدأ المساواة أمام القانون الذي ما فتئت المواثيق و الدساتير المختلفة تنص عليه ، كما هو وارد بالمادة 29 من الدستور الجزائري التي جاء فيها ما يلي :
" كل المواطنين سواسية أمام القانون .
و لا يمكن أن يتذرع بأي تمييز يعود سببه إلى المولد، أو العرق، أو الجنس، أو الرأي، أو أي شرط أو ظرف آخر، شخصي أو اجتماعي".


(1) – د – عماد عوابدي ، القانون الإداري ، الجزء الثاني ، النشاط الإداري ، المرجع السابق، ص 67 و ما بعدها
- و لعل أهم تطبيقات مبدأ مساواة المنتفعين أمام المرافق العامة إنما يتمثل فتمايلي:
- مساواة المنتفعين من خدمات المرفق العام،
- المساواة في الالتحاق بالوظائف العامة،
- حياد المرفق العام.

1- مساواة المنتفعين من خدمات المرفق العام :
يجب على المرافق العامة أن تقدم خدماتها لجميع أفراد المجتمع دون تمييز، حيث تنص المادة 31 من الدستور على ما يلي:
" تستهدف المؤسسات ضمان مساواة كل المواطنين و المواطنات في الحقوق و الواجبات بإزالة العقبات التي تعوق تفتح شخصية الإنسان، و تحول دون مشاركة الجميع الفعلية في الحياة السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية و الثقافية."
و بالمقابل، فإن ما تفرضه الإدارة العامة من واجبات و التزامات على الأفراد يجب أن يكون- أيضا – بصورة وكيفية متساوية و لا تمييز فيها، حيث نصت المادة 64 من الدستور على ما يلي:
" كل المواطنين متساوون في أداء الضريبة "
و مع ذلك، فإن إعمال مبدأ مساواة المنتفعين أمام المرافق العامة ليس مطلقا، إذ يشترط " تماثل المراكز " من حيث تشابه و تعادل أوضاعهم.
مثال: الالتحاق بالدراسة الجامعية ليس مفتوحا لجميع المواطنين، و إنما يقتصر على الحاصلين منهم على الباكالوريا.

2 – المساواة في الالتحاق بالوظائف العامة :
تنص المادة 51 من الدستور على ما يلي :
" يتساوى جميع المواطنين في تقلد المهام و الوظائف في الدولة دون أية شروط أخرى غير الشوط التي يحددها القانون "
و هو ما نص عليه من قبل قانون الوظيف العمومي لسنة 1966 و كذا المرسوم رقم 85 -59 السالف الذكر الذي نص على الضمــانــات الكفيـلة باحتـرام و تطـبـيـق قـاعـدة
المسـاواة في الالتحـاق بالوظائـف العـامة من خـلال إلـزام المـرافق العـامة ،لـدى لجـوئـها
للتوظيف، بمراعاة شروط عامة (1) يجب توافرها في جميع المترشحين من جهة ، و التقيد بإجراءات و كيفيات التوظيف التي تقوم أساسا على نظام المسابقات المبنية على الشهادات أو الاختبارات (2) .

3 – حياد المرفق العام ( حياد الإدارة ) :
يقصد بحياد المرفق العام neutralité أن يراعي في أداء مهامه و تسييره مقتضيات تحقيق المصلحة العامة، حيث يجب على مسير المرفق أن لا يستعمله لدعم مصالح معينة على حساب مصالح أخرى (3).
و بهذا الصدد، تنص المادة 23 من الدستور على أن:
" عدم تحيز الإدارة يضمنه القانون ".
- و عليه فانه يتحتم - طبقا لمبدأ الحياد – أن يمتنع القائمون على تسيير المرافق العامة ( التعليم ، الاعلام،....) عن القيام بأي تصرف ينم عن موقف سياسي معين، الأمر الذي قد يصعب تحقيقه في ظل قواعد و مبادئ القانون الإداري التقليدية ( السلطة الرئاسية )، خاصة في المجتمعات التي مازالت تعاني من مظاهر التخلف السياسي و الإداري، و عدم ترسيخ دولة المؤسسات.


(1) تنص المادة 31 من المرسوم رقم 85 -59 السابق على ما يلي :
" لا يحق لأحد أن يوظف في مؤسسة أو إدارة عمومية إلا إذا توافر فيه ما يأـي :
1 – أن يكون جزائري الجنسية ،
2 – أن يكون متمتعا بحقوق المدنية،و ذا أخلاق حسنة،
3 – أن يثبت مستوى التأهيل الذي يتطلبه منصب العمل،
4 – أن تتوفر فيه شروط السن و اللياقة البدنية المطلوبة لممارسة الوظيفة،
5 – أن يوضح وضعيته إزاء الخدمة الوطنية.
تنص القوانين الأساسية الخاصة، عند الاقتضاء، على شروط الاقدمية في اكتساب الجنسية الجزائرية للتعيين في بعض أسلاك الموظفين "
(2) وفقا للمواد: من 34 إلى 36 من المرسوم رقم 85 -59 السابق.
(3) laubadaire (A, de), op.cit, pp ; 906 et S
المطلب الثاني:
مبــــــدأ الاستمراريــــة:
يجب على المرافق العامة أن تؤدي و تقدم خدماتها للجمهور بانتظام و اطراد، أي بصورة مستمرة تلبية للاحتياجات العامة القائمة و الدائمة.
و من أجل احترام و ضمان تطبيق مبدأ الاستمرارية، ينص القانون على مجموعة من القواعد و الأحكام تسري نحو: الإدارة، و الموظفين بها، و أموالها، و المتعاقدين معها.

1 – الإدارة:
- باعتباره القائد الفعلي للجهاز الحكومي و الإداري، فإن رئيس الحكومة "يسهر على حسن سير الإدارة العمومية «، كما تشير الفقرة السادسة من المادة 85 من الدستور.
و من ثم ، فإنه يقع على جميع المسؤولين،و في كل المستويات الإدارية، الالتزام و التكفل بادارة و تسيير المرفق العام سليمة و دائمة، مثل التقيد بمواقيت العمل ،و توفير الوسائل الكفيلة بسير المرفق العام بانتظام و اطراد، و بدون انقطاع، عند الاقتضاء ( نظام الدوام في المرافق الصحية مثلا ).
فمبدأ الاستمرارية هو الذي يفسر تسيير الأمور الجارية من طرف الحكومة التي لم يوافق المجلس الشعبي الوطني على برنامجها، وفقا للمادة 82 من الدستور، و التي تنص على مايلي:
" إذا لم تحصل من جديد موافقة المجلس الشعبي الوطني ( على برنامج الحكومة ) ينحل وجوبا.
تستمر الحكومة القائمة في تسيير الشؤون العادية إلى غاية انتخاب المجلس الشعبي الوطني و ذلك في أجل أقصاه 3 أشهر."
كما أن مبدأ استمرارية المرافق العامة هو الذي تنبني عليه المادة 36 ( فقرة2، 1) من القانون البلدي، التي تنص على ما يلي:
" إذا وقع حل المجلس الشعبي البلدي، سواء انجر عنه تجديده الكامل أو لم ينجز يتولى تسيير شؤون البلدية مجلس مؤقت يعينه الوالي بقرار منه في الأيام العشرة التالية للحل.
تقتصر سلطات هذا المجلس المؤقت على الأعمال الجارية في الإدارة و على القرارات التحفظية المستعجلة، و التي تكفل الحفاظ على أملاك البلدية و / أو حمايتها "
و في كل الحالات ( ماعدا حالة القوة القاهرة ) ، فإنه يترتب على الإخلال بمبدأ الاستمرارية من طرف الإدارة تحمل المسؤولية عما ينجم عن ذلك من أضرار بالنسبة للمنتفعين خاصة.

2 – المـــوظــــف:
- من أجل ضمان مبدأ استمرارية المرافق العامة ، نص القانون على بعض الالتزامات يجب على الموظف العام مراعاتها و التقيد بها ، نذكر منها :
أولا – تقييد حق الإضراب:
لقد أصبحت ممارسة الإضراب، في ظل دستور 1989 مشروعة مبدئيا، بموجب المادة 57 منه، و التي تنص على ما يلي:
الحق في الإضراب معترف به، و يمارس في إطار القانون، يمكن أن يمنع القانون ممارسة هذا الحق، أو يجعل حدودا لممارسته في ميادين الدفاع الوطني و الأمن، أو في جميع الخدمات أو الأعمال العمومية ذات المنفعة الحيوية للمجتمع "
وبناء عليه صدر القانون رقم 90 – 11 المؤرخ في 06-02-1990 المعدل و المتمم، و المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل و تسويتها و ممارسة حق الإضراب،الذي وضع قيودا و شروطا (1) لممارسة الإضراب من طرف موظفي المرافق العامة ضمانا لاستمرارية تقديم خدماتها للجمهور ،و على رأسها الالتزام بتقديم ما يسمى ب: "القدر الادنى من الخدمة " le service minimum ،حيث تنص المادة 37 منه على ما يلي:
" إذا كان الإضراب يمس الأنظمة التي يمكن أن يضر انقطاعها التام استمرار المرافق
العمومية الأساسية، أو يمس الأنشطة الاقتصادية الحيوية أو تموين المواطنين أو

(1) يراجع، خاصة:
د – محمد الصغير بعلي،تشريع العمل في الجزائر، دا العلوم،عنابة،2000، ص :39 و ما بعدها
المحافظة على المنشآت و الأملاك الموجودة ، فيتعين تنظيم مواصلة الأنشطة الضرورية في شكل قدر ادنى من الخدمة إجباريا أو ناتج عن مفاوضات أو اتفاقيات أو عقود كما نصت على ذلك المادتان 38 و 39 أدناه."
- و من ثم،فقد نص القانون على القطاعات و المصالح (2) التي يجب يها على الموظفين و العاملين المضربين ضمان تقديم القدر الأدنى من الخدمة لاستمرارية المرفق العام، حيث يعد رفض ذلك خطأ مهنيا جسيما (3)، مما يمكن معه – أيضا – الأمر بتسخيرهم بكل ما يترتب على ذلك من نتائج (4)
و في نفس السياق نص القانون على منع و حظر اللجوء إلى الإضراب على فئات معينة من الموظفين نظرا لأهمية دورهم في استمرارية الحياة العامة،كما هو مبين في المادة 43 من القانون رقم 90 – 02 السابق ( القضاة،الموظفون المعينون بمرسوم،أعوان مصالح الأمن ،و الأعوان الميدانيين لمصالح الحماية المدنية و الجمارك، و العاملين بالمصالح الخارجية لإدارة السجون ).

ثانيا – تنظيم الاستقالة:
إذا كان من حق الموظف أن يستقيل من عمله بالمرفق العام ،فإنه ليس من حقه أن يترك و يتخلى عن أداء مهامه فجأة، كما يشاء،و بدون إجراءات.
و سعيا منه لضمان استمرارية المرافق العامة ،نص قانون الوظيف العمومي على مجموعة من القيود و الشروط تنظم الاستقالة،و تتمثل فيما يلي :
1 – تقديم طلب الاستقالة، في شكل كتابي إلى السلطة صاحبة التعيين،
2 – بقاء الموظف ملزما بتأدية الواجبات المرتبطة بمهامه حتى صدور قرار قبول الاستقالة خلال مدة 3 أشهر، يمكن تمديدها إلى فترة إضافية أقصاها 6 أشهر، كما تشير المادة 135 من المرسوم رقم 85 – 59 السابق،


(2) لمعرفة تلك المصالح و القاعات، أنظر المادة 38 من القانون رقم 90 – 02 السابق.
(3) طبقا للمادة 40من القانون رقم 90 -02 السابق .
(4) طبقا للمادتين 41و 42 منه.
3 – اعتبار التوقف عن الخدمة فجأة و بدون مراعاة الإجراءات القانونية خطأ مهنيا جسيما، بسبب إهمال المنصب Abandon de poste
و في نفس السياق، و حفاظا على استمرارية المرافق العامة، فإن قانون العقوبات ( المادة 115 ) يعاقب الموظفين اللذين يقررون، بعد تشاور فيما بينهم، تقديم استقالتهم بغرض منع أو وقف سير أي مرفق عام.

ثالثا – الاعتداد بنظرية الموظف الفعلي :
القاعدة العامة أن القرارات الإدارية يجب أن تصدر من الموظف المختص و المعين بطريقة قانونية طبقا للإجراءات و الشروط السارية المفعول.
- ومع ذلك، فإنه يرد على هذا الاختصاص الشخصي استثناء يتمثل في الأخذ بنظرية: الموظف الفعلي أو الواقعي fonctionnaire de fait و هو : " الشخص الذي يكون قرار تعيينه باطلا، أو الذي لم يصدر قرار تعيينه أصلا،مع الاعتداد و الأخذ بالعمل و القرار و التصرف الصادر عنه،واعتباره سليما و قانونيا و منتجا لآثاره،بغض النظر عن مدى احتمال متابعته شخصيا "
- يقوم أساس نظرية الموظف الفعلي – تبع للحالة – على:
أ)- الظاهر: apparence: حيث يؤخذ بنظرية الموظف الفعلي في الظروف العادية حماية لمصلحة الأفراد، مادام ظاهر الحال و الوضع لا يسمح لهم بإدراك بطلان قرار تعيينه.
ب)- الضرورة :nécessité : لقد تم تسويغ سلامة القرارات الإدارية الصادرة عن الموظف الفعلي في حالة الضرورة ضمانا لمبدأ استمرارية المرق العام.

3 – الأموال:
- ضمانا لاستمرارية المرافق العامة، أضفى القانون على أملاك و أموال المرافق العامة حماية متميزة، كما أنه يسمح بالاستيلاء على الأموال الخاصة بشروط معينة:

أولا – أموال الإدارة ( الأموال العامة ) :
من أجل ضمان أداء المرافق العامة لمهامها تلبية لاحتياجات الجمهور، أضفى المشرع حماية خاصة و متميزة على أملاك و أموال الإدارات العامة، سواء كانت حماية مدنية أو جنائية.
1 – الحماية المدنية: تنص المادة 689 من القانون المدني على ما يلي:
" لا يجوز التصرف في أموال الدولة، أو حجزها، أو تملكها بالتقادم، غير إن القوانين التي تخصص هذه الأموال لإحدى المؤسسات المشار إليها في المادة 688، تحدد شروط إدارتها، و عند الاقتضاء شوط عدم التصرف فيها " (1).
2 – الحماية الجنائية : يفرض القانون الجنائي عقوبات مشددة عن كل مساس بأموال و أملاك المرافق العامة،خاصة إذا كانت ماسة بالاقتصاد الوطني.
ثانيا – الأملاك الخاصة:
على الرغم من الحماية الدستورية التي تحضى بها الملكية الخاصة (2) إلا أن القانون يسمح بنزعها أو استعمالها والاستيلاء عليها مؤقتا – بشروط معينة (3) – لضمان استمرارية المرافق العامة، حيث تنص المادة 679 من القانون المدني على ما يلي :
" يتم الحصول على الاموال و الخدمات لضمان سير المرافق العمومية باتفاق رضائي وفق الحالات و الشروط المنصوص عليها في القانون .
إلا أنه يمكن في الحالات الاستثنائية و الاستعجالية و ضمانا لاستمرارية المرفق العمومي، الحصول على الاموال و الخدمات عن طريق الاستيلاء.
و لا يجوز الاستيلاء بأي حال على المحلات المخصصة فعلا للسكن "

(1) – ورد خطأ في النص العربي ، حينما تضمن عبارة " عدم التصرف يها " في ختام المادة 689، ذلك أن الصحيح – كما ورد في النص الفرنسي – هو التصر فيها aliénabilité
(2) – تنص المادة 24 من الدستور على مايلي:
" الدولة مسؤولة عن أمن الأشخاص و الممتلكات،و تتكفل بحماية كل مواطن في الخارج" و تنص المادة 52 منه على مايلي:
"الملكية الخاصة مضمونة.
حق الإرث مضمون.
الأملاك الوقية و أملاك الجمعيات الخيرية معترف بها، و يحمي القانون تخصيصها "
(3) وفقا للمواد من 677 إلى 681 مكرر 3 – من القانون المدن
 
أعلى