المدارس النحوية (مدرسة البصرة)

الموضوع في 'قسم اللغة العربية و آدابها' بواسطة youbi88, بتاريخ ‏2 مايو 2008.

  1. youbi88

    youbi88 عضو جديد

    المطلـب الأول:التسميـــة ومكـــان النشأة
    تسميته:
    قديما لم يكن يعرف النحو بهذا الاسم بل كان يعرف بعلم العربية وهذه التسمية ظهرت في عهد الطبقة الثانية من علماء البصرة حيث اشتهرت عنها مؤلفات اتسمت بأنها نحوية وصرح فيها باسم النحو .
    مكان نشأته:
    تجمع المصادر على أن العراق كان مهدا لنشأة النحو العربي وذلك للأسباب الآتية:
    1- كان العراق ملجأ للعجم قبل الفتح الإسلامي وبعد الفتح أقبل المسلمون عليها عربا وعجما إذ أنها تمتاز بأسباب الحياة الناعمة ورغد العيش
    2- كان العراق أكثر البلاد العربية إصابة بوباء اللحن وتعرضا لمصائبه بسبب هذا المزج (بين العرب والعجم)
    3- كان العراقيون ذوي عهد قديم بالعلوم والتأليف ولهم فيها خبرة متوارثة
    تعد البصرة أسبق مدن العراق انشغالا بالنحو حيث احتضنت النحو زهاء قرن من الزمان قبل أن تشتغل به الكوفة التي كانت بدورها أسبق من بغداد فالبصرة هي التي شادت صرح النحو ورفعت أركانه بينما كانت الكوفة مشغولة بقراءات الذكر الحكيم ورواية الشعر والأخبار وكان القدماء يعرفون ذلك فنصوا عليه بعبارات مختلفة من ذلك قول ابن سلام الجمحي: ( وكان لأهل البصرة في العربية قدمه , وبالنحو ولغات العرب والغريب عناية ) ويصرح ابن النديم في هذا المجال تصريحا أكثر وضوحا إذ يقول في حديثه عن نحاة الكوفة والبصرة :( البصريين أولا لأن علم العربية عنهم أخذ) ثم اشترك علماء البصرة والكوفة في النهوض بالنحو من عهد الخليل بن أحمد شيخ الطبقة الثانية من البصريين وأبي جعفر الرؤاسي شيخ الطبقة الأولى من الكوفيين حتى نمت أصوله وكملت عناصره في مستهل العصر العباسي الأول على يد المبرد خاتم البصريين وثغلب خاتم الكوفيين.(1)



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) إبراهيم عبود السامري : المفيد في المدارس النحوية , دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة , عمان الأردن , الطبعة الأولى ص 29
    المطلـب الثاني:أسباب وضع النحو العربي
    يمكن أن نرد أسباب وضع النحو العربي إلى بواعث مختلفة , منها الديني ومنها غير الديني . أما البواعث الدينية فترجع إلى الحرص الشديد على أداء نصوص الذكر الحكيم أداء فصيحا سليما إلى أبعد حدود السلامة والفصاحة , وخاصة بعد أن أخذ اللحن يشيع على ألألسنة , وكان قد أخد في الظهور منذ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم , فقد روي بعض الرواة أنه سمع رجلا يلحن في كلامه , فقال :( أرشدوا أخاكم فإنه قد ظل ) وروا أن أحد ولاة عمر بن الخطاب كتب إليه كتابا به بعض اللحن , فكتب إليه عمر : (أن قَنِعْ كاتبك سوطا ) . غير أن اللحن في صدر الإسلام كان لا يزال قليلا بل ناذرا , وكلما تقدمنا منحدرين مع الزمن اتسع شيوعه على الألسنة , وخاصة بعد تعرب الشعوب المغلوبة التي كانت تحتفظ ألسنتها بكثير من عاداتها اللغوية , مما فسح للتحريف في عربيتهم التي كانوا ينطقون بها . كما فسح للحن شيوعه . ونفس نازلة العرب في الأمصار الإسلامية أخذت سلائقهم تضعف لبعدهم عن ينابيع اللغة الفصيحة , حتى عند بلغائهم وخطبائهم المفوهين . ويكفي أن نضرب مثلا لذلك ما يروي عن الحجاج من أنه سأل يحي بن يعمر هل يلحن في بعض نطقه ؟ وسؤاله ذاته يدل على ما استقر في نفسه من أن اللحن أصبح بلاء عاما , وصارحه يحي بأنه يلحن في حرف من القرآن الكريم إذ كان يقرأ قوله عز وجل : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ) إلى قوله تعالى : ( أحب ) بضم أحب والوجه أن تقرأ بالنصب خبرا لكان بالرفع (1)وإذا كان الحجاج وهو في الذروة من الخطابة والبيان والفصاحة والبلاغة يلحن في حرف من القرآن , فمن وراءه من العرب نازلة المدن الذين لا يرقون إلى منزلته البيانية كان لحنهم أكثر وازداد اللحن انتشارا على ألسنة أبناءهم الذين لم ينشأوا في البادية مثلهم ولا تغدوا عن ينابيعها الفصيحة إنما نشأوا في الحاضرة واختلطوا بالأعاجم اختلاطا أدخل الضيم والوهن على ألسنتهم وفصاحتهم على نحو ما هو معروف عن الوليد بن عبد الملك وكثرة ما كان يجري على لسانه من لحن. وكان كثيرون من أبناء العرب ولدوا لأمهات أجنبيات أو أعجميات , فكانوا يتأثرون به في نطقهن لبعض الحروف وفي تعبيرهن ببعض الأساليب الأعجمية وكل ذلك جعل الحاجة تمس في وضوح إلى وضع رسوم يعرف بها الصواب مكن الخطأ في الكلام خشية دخول اللحن وشيوعه في تلاوة آيات الذكر الحكيم .(2)
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) طبقات النحويين واللغويين: للزبيدي , دار المعارف , مصر , ص 22
    (2) المدارس النحوية : شوقي ضيف , دار المعارف , مصر , ط 2 , ص 11



    وانضمت إلى ذلك بواعث أخرى . بعضها قومي عربي , يرجع إلى أن العرب يعتزون بلغتهم اعتزازا شديدا , وهو اعتزاز جعلهم يخشون عليها من الفساد حين امتزجوا بالأعاجم . مما جعلهم يحرصون على رسم أوضاعهم خوفا عليها من الفناء والذوبان في اللغات الأعجمية . وبجانب ذلك كانت هناك بواعث اجتماعية ترجع إلى أن الشعوب المستعربة أحست الحاجة الشديدة لم يرسم لها أوضاع العربية في إعرابها وتصريفها حتى تمثلها تمثلا مستقيما . وتتقن النطق بأساليبها نطقا سليما . وكل ذلك معناه أن بواعث متشابكة دفعت دفعا إلى التفكير في وضع النحو , ولابد أن نضيف إلى ذلك رقي العقل العربي ونمو طاقته الذهنية نموا أعده للنهوض برصد الظواهر اللغوية وتسجيل الرسوم النحوية تسجيلا تطرد فيه القواعد وتنظيم الأقسية انتظاما يهيئ لنشوء علم النحو ووضع قوانينه الجامعة المشتقة من الاستقصاء الدقيق للعبارات والتراكيب الفصيحة ومن المعرفة التامة بخواصها وأوضاعها الإعرابية .


























    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) نفس المرجع السابق :ص 12

    المطلـب الثالث:أسبقية البصرة لاحتضان النحو العربي
    أولا: العامل السياسي:
    كانت البصرة عثمانية أموية وكانت الكوفة علوية عباسية لقد سكن الإمام علي( كرم الله وجهه) الكوفة واتخذها مقرا لخلافته إذ كان أهل الكوفة مطيعين له فدعوه إليهم في الوقت الذي شق فيه أهل البصرة عليه عصا الطاعة ثم جاءت السيدة عائشة (ت 58هـ) البصرة ومعها جيش طلحة والزبير مطالبين بثأر عثمان وقد كانت موقعة الجمل بين عائشة وعلي فكان ما كان ومن ثم تمسكت كل من البلدتين بما تدين له فاستمرت البصرة هاشمية عثمانية والكوفة قرشية علوية ولما كانت مسألة التحكيم وكان الغانم فيها الأمويين كان طبيعيا أن يكون الاستقرار والطمأنينة والهدوء للبصريين أنصارهم في الوقت الذي كانت فيه قلوب الكوفيين تغلي على البصريين وتضمر لهم الكراهية والبغضاء يقول الأعشى (ت 83م) على لسان الكوفيين:
    فإذا فاخرتمونا فاذكروا ما فعلنا بكم يوم الجمل
    إلا أن هذا لم يدم طويلا فقد تغير الحال وسقطت الدولة الأموية وجاءت الدولة العباسية وكان مبدأ ظهورها في الكوفة إذ تمت البيعة لأبي العباس السفاح (ت 136م) أول خلفائها بدعوته لآل البيت فناصره الكوفيين فحفظ العباسيون لهم هذا الصنيع فعطفوا عليهم وكافئوهم فانقلب ذل الكوفيين في عصر الأمويين إلى عز في عصر العباسيين وأفل نجم البصرة بعد أن كان ساطعا ولئن تقاعست البصرة في عهد العباسيين فقد فازت بقصب السبق في عهد الأمويين على غيرها فتمكنت من حمل لواء رئاسة العربية ولاسيما النحو .
    ثانيا: الموقع الجغرافي :
    كان لموقع البصرة الجغرافي الأثر البارز في سبقها للاشتغال بالنحو , فالبصرة تقع على طرف البادية مما يلي العراق , فهي أقرب مدن العراق إلى العرب الأقحاح الذين لم تلوث لغتهم بعامية الأمصار فعلى مقربة منها بوادي نجد غربا والبحرين جنوبا والأعراب يفدون إليها منهما ومن داخل البصرة وليست كذلك الكوفة وبغداد فمكن هذا أهل البصرة أن يأخذوا عن العرب دون أن يتكلفوا مشاق السفر .(1)

    ــــــــــــــــــــــــ
    (1) إبراهيم عبود السامري : المفيد في المدارس النحوية , دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة , عمان الأردن , الطبعة الأولى ص 31

    ثالثا: قرب سوق المربد من البصرة:
    كان للعامل الثقافي أيضا أثر واضح في سبق البصرة للاشتغال بالنحو إذ كانت تنعقد فيها مجالس للعلم والمناظرة ويفد إليها الشعراء ورواتهم فهي تشبه سوق عكاظ في الجاهلية ينزل العلماء والأدباء والأشراف للمذاكرة والرواية والوقوف على ملح الأخبار وكان اللغويون يأخذون عن أهله ويدونون ما يسمعون فيأخذ عنهم النحويون ما يصحح قواعدهم ولم تكن سوق الكناسة بالكوفة إذ أن ساكنيها من الأعراب أقل عددا وفصاحة ممن كان بالبصرة وإن كان منهم لفيف من بني أسد وغيرهم إلا أن أغلبهم يمانيون وأهل اليمن قد فسدت لغتهم لمجاورتهم الحبشة واتصالهم بالهند ومخالطتهم التجار الذي يفدون إليهم من مختلف الأمصار .
    والذي نراه أن النحو كان موجود قبل أبي الأسود سواء قيل أنه بتوقيف أو كان بالتواضع والاصطلاح ودليلنا هو :
    1- ما روي عن عمر بن الخطاب (رصي الله عنه) أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (رحم الله أمرا أصلح من لسانه) فما هي الطريقة التي يصلح يها الإنسان من لسانه إذا لحن ؟ إنها طريقة النظر فيما كان له قانون
    2- ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا قال: تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد من المروءة. فمن أين وكيف نتعلم العربية بدون أن يكون لها قانون قد وضع .
    3- ما وري من أمر علي (رضي الله عنه) أو عمر (رضي الله عنه) أو زياد بن أبيه في قصة المقرئ الذي أقرأ الأعرابي : (أن الله برئ من المشركين ورسوله) بالجر , بأنه لا يقرأ القرآن إلا عالم بالعربية فمن أين يأتي قانون العربية إذا لم يكن هناك ظابط وإلا فنطق العرب بالعربية بدون ظابط سواء يستوي في ذلك جميعهم ولا يوصف أحدهم فيها بعلم عن غيره .
    4- قصة عبد العزيز بن مروان والأعرابي الذي إليه شكا إليه ختنه كما تقدم حيث ألزم عبد العزيز نفسه آلا يخرج إلى الناس حتى يتعلم من العربية ما يقيم به لسانه فحبس نفسه مع من علمه العربية(1)



    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) نفس المرجع السابق , ص 32
















    المبحث الثاني:المنهج مصادر الدراسة عند البصريين

    المطلـب الأول: منهج الدراسة عند مدرسـة البصرة
    المطلب الثاني: مصادر الدراسة عند مدرسة البصرة












    المطلـب الأول:منهج الدراسة عند البصريين
    إن البصريين كانوا أكثر حرية و أقوى عقلا و طريقتهم أكثر تنظيما (1) و خطتهم هي الاعتماد على الشواهد الموثوق بها، الكثيرة الدوران على السنة العرب التي تصلح للثقة فيها أن تكون قاعدة تتبع. ولن يكون ذلك إلا إذا وردت في كتاب الله الكريم أو نطق بها العرب الخلص الذين اعترف لهم بالفصاحة لبعدهم عن مطنة الخطاء، كالاتصال بالأعاجم سواء بالرحلة أو الجوار، أو لرسوخ قدمهم في اللغة و تبصرهم بها، و اطلاعهم عليها ككبار العلماء و الأدباء، هؤلاء الذين يمكن أن توضع أقوالهم موضع الاعتبار. لذلك لم يكن بدعا أن ترى السيوطي يقول، اتفقوا على أن البصريين اصح قياسا، لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع و لا يقيسون على الشاذ. في الحقيقة، نحاة البصرة تأثروا بالبيئة البصرية و نهج المعتزلة و تأثروا بهم في الاعتداد بالعقل و طرح كل ما يتعارض معه، فأهملوا الشواذ في اللغة، لهذا سمى نحاة البصرة أهل المنطق. (2)ومن الأمور التي تراعيها مدرسة البصرة في بحثها الآتي:
    أولا : المادة العلمية :
    اعتمد البصريون في مادة منهجهم العلمي على الأفصح من الألفاظ والأسهل منها على اللسان ولدلك اختاروا من بين القبائل التي اعتمدوا عليها القبائل المقطوع بعراقتها في العربية , والمصونة فطرتهم من رطانة الحضارة الأجنبية فاختاروا من العرب قيسا وتميما وأسدا فأخذوا أكثر قواعدهم من هؤلاء في اللغة والإعراب والتصريف ثم اخذوا من هديل وبعض كنانة وبعض الطائيين , ولم يأخذوا عن حضري ولا من سكان البراري ممن كان يجاور الأمم الأخرى ومن هنا رفضوا الأخذ من لخم وجذام لمجاورتهم أهل مصر , ولم يأخذوا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد لمجاورتهم أهل الشام , ولا من النمر لمجاورتهم اليونان , ولا من بكر لمجاورتهم النبط والفرس .
    ثانيا: اختيار سلامة لغة المأخوذ عنهم :
    كان البصريون يختبرون سلامة لغة من يشكون في أمره , ممن سبق من القبائل الفصيحة ويروي ابن جني في دلك فيقول : ومن دلك ما يحكي أن أبا عمرو بن العلاء استضعف فصاحة أعرابي يسمى : أبا خيرة لما سأله فقال: كيف تقول : استأصل الله عرقاتهن ؟ ففتح أبو خيرة التاء من عرقاتهن فقال له أبو عمرو : هيهات أبا خيرة لأن جلدك وهدا يعني أن اللحن أو ما يشبه دلك رى إلى الأعراب , لأن أبا عمرو كان قد سمع أبا خيرة يروي الشاهد بالكسر , فلم يتردد في مؤاخذة أبي خيرة , وهو أحد الأعراب الدين أخدت عنهم اللغة , باللحن ودلك لتقدمه في السن وطول مخالطته لأهل الحواضر .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) ضحى الإسلام : أحمد أمين , دار الكتاب العربي , بيروت الطبعة الأولى 1935
    (2) المدارس النحوية، د. شوقي ضيف، دار المعارف , مصر،
    .
    ثالثا: التأكد من الثقات في صحة المروي:
    كان البصريون يتحرون عن الرواة فلا يأخذون إلا برواية الثقات الدين سمعوا اللغة من الفصحاء عن طريق الحفظة والأثبات الذين بذلوا الجهد في نقل المرويات عن قائليها منسوبة إليهم فقد أبوا أن يستدلوا بشاهد لم يعرف قائله.
    رابعا: كمية المقيس عليه المنقول عند العرب:

    اشترط البصريون فيما ينقل عن العرب الكثرة الكاثرة فيقعدون على الأكثر وإلا فعلى الكثير , وإلا فعلى القليل , وإلا فعلى الأقل , وإلا فعلى النادر ,وإلا قاسوا الأشباه على الأشباه , والنظائر على النظائر إدا لم يتناقص مع الوارد ولدا اعتبر سيبويه قياس فعولة بفعيلة في النسب إليها بحذف حرف المد وقلب الضمة فتحة وإن لم يرد منها إلا شنيء في النسب إلى شنوءه , لأنه لم يرد ما يخالفها فإذا ما خالف الوارد ما سبق من قياس أولوه أو اعتبروه شادا يحفظ ولا يقاس عليه وقد ينكرونه أو يقولون إنه ضرورة .(1)












    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) إبراهيم عبود السامري : المفيد في المدارس النحوية , دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة , عمان الأردن , الطبعة الأولى ص 32

    المطلـب الثاني:مصادر الدراسة عند البصريين
    اعتمد البصريون في دراستهم طائفة من المصادر وهي :
    1- القرآن الكريم :
    أقام البصريون نحوهم على القرآن الكريم حيث كانوا يستشهدون في كثير من المسائل بآيات من القرآن الكريم , فكان القرآن أحد مصادرهم المهمة والأساسية .
    2- الشعر العربي:
    اعتمد البصريون الشعر العربي أصلا من أصولهم في الاستشهاد على صحة المسألة , كما اعتمدوا على الشعر الإسلامي فاستشهدوا في نحوهم بشعر الفرزدق وجرير وأراجيز العجاج ورؤبة وأبي النجم وفي بعض الأحيان يتجاوزون الحقبة التي وقفوا عندها في استشهادهم فقد جاء الاقتراح للسيوطي فيما رواه ثعلب عن الأصمعي : أن إبراهيم بن هرمة أخر من يحتج به , ومن المعلوم أن ابن هرمة هدا قد ولد سنة تسعين للهجرة وعمر طويلا حتى تجاوز منتصف القرن الثاني . كما أن أوائل البصريين قد اطمأنوا إلى سلامة لغة جماعة من العلماء ممن ينتمون إلى أصول غير عربية , فقد جاء أبا عمرو بن العلاء قد قال في الحسن البصري :" ما رأيت أفصح من الحسن البصري والحجاج بن يوسف الثقفي , فقيل له : فأيهما أفصح فقال: الحسن " وقد أشار الجاحظ إلى أن هدا , ودهب إلى أن هؤلاء الفصحاء الدين ينتمون إلى أصل غير عربي أبو علي الأسواري , وعمرو بن فائد الذي جلس يعظ في مسجده نحو ست وثلاثين سنة وقد كان يونس بن حبيب يسمع منه كلام العرب ويحتج به .إذن يمكننا القول أن المادة التي احتج بها البصريون في وضع أصول العربية هي : لغة التنزيل والشعر العربي القديم جاهليه وإسلاميه وما أثر من الأمثال الجاهلية .(1)


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) نفس المرجع السابق, ص 34







    المبحث الثالث:موقف البصريين ممن خالف قواعدهم

    المطلب الأول: موقف البصريين ممن خالف قواعدهم من القراءات
    المطلب الثاني: موقف البصريين ممن خالف قواعـدهم من الشعر
















    المطلب الأول: موقف البصريين ممن خالف قواعدهم من القراءات
    اعتمد البصريون لغة التنزيل , ولكنهم ضيقوا في هدا أشد الضيق , فلم يأخذوا بقراءات عدة وهي شيء من العربية ولها أساس في لغة العرب فقد حملوا على الخطأ قراءة عبد الله بن عامر مقرئ أهل الشام في قوله تعالى :" وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم " بنصب " أولاَدهم " وجر " شركائهم " والخطأ المزعوم في هدا أنهم يمنعون الفصل بين المتضايفين في غير ضرورة الشعر . فلم يقبلوا قراءة ابن عامر مع علمهم أن للقراءة سندا متصلا وأن القراءات السبع مما يجب أن يؤخذ يه وهي حجة قائمة . ومثل هدا ذهابهم إلى تخطئة قراءة نافع لقوله تعال " لهم فيها معائش " بالهمز في معائش وحجتهم في التخطئة أن الياء في
    " معايش" أصلية لأنها من المد في " معيشة " والمد الأصلي لا يبدل همزة .
    وهدا عبد الله بن أبي إسحاق " ت 117 هـ " يخالف جمهور القراء تمسكا بالقياس النحوي من دلك أن كان يخالفهم في قراءة قوله تعالى :
    " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " فقد كانوا يقرؤون : " والسارقُ والسارقةُ " بالرفع على الابتداء بينما الخبر فعل أمر وجعله دلك يقرؤهما بالنصب على المفعولية . كان البصريون لا يكترثون بالقراءات التي تخالف قواعدهم وكأنها من ابتداع القراء وليس لها من سند يوصلها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهي قراءات مشهورة مع اتصال سندها فقد ذهبوا على تخطئة قراءة حمزة مقرئ أهل الكوفة لقوله تعالى " واتقوا الله الذي تساءلون بن والأرحام " بجر " الأرحام" وهي قراءة مشهورة وهي إحدى القراءات السبع المعروفة ووجه التخطئة أنهم لا يجيزون العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار ما عدا ما ورد من دلك ضرورة وقراءة حمزة هده قد قرأ بها ابن العباس والحسن البصري وهي قراءة متصلة السند .(1)

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) نفس المرجع السابق , ص 35

    المطلب الثاني: موقف البصريين ممن خالف قواعدهم من الشعر
    بلغ من تقديس البصريين لقواعدهم أن خطئوا كثيرا من الشعراء وقد ظهر هدا في عهد الطبقة الثانية على يد عبد الله بن أبي إسحاق فقد اعترض على الفرزدق حين سمعه ينشد قوله في مديحه لبعض بني مروان :
    وعض زمان يا بن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجرف
    اعترضه لرفعه قافية البيت وكان حقها النصب لأتنها معطوفة – كما يتبادر – على كلمة " مسحتا" المنصوبة أو بعبارة أدق لأن القياس النحوي يحتم دلك ويوجبه وما خالف دلك فهو خطأ وانحراف عن القواعد .
    وقد بلغ الأمر بالبصريين أن يخطئوا الشعراء الفصحاء من الجاهليين إدا ألفوا القياس من داك تخطئة عيسى بن عمر الثقفي للنابغة في قوله :
    فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع
    حيث قال عيسى بن عمر أساء النابغة إنما هو "ناقعاً" إذ جعل القافية مرفوعة وحقها أن تنصب على الحال لأن المبتدأ قبلها تقدمه الخبر وهو الجار والمجرور وكان النابغة ألغاهما لتقدمهما وجعل " ناقعا" الخبر
    بل هدا أبو عمرو بن العلاء الذي يقال عنه إنه كان يتحرز عن تخطئة العربي يخطئ ذا الرمة في قوله :
    حراجيج ما تنفك إلا مناخة على الخسف أو ترمي بها بلدا قفرا
    ودلك لأنهم قالوا : إن أفعال الاستمرار بمعنى الإيجاب فلا يصح الاستثناء من خبرها .
    وقد ضاق الشعراء بهذا المنهج فهجوا النحاة يقول عطية بن الأسود الكلبي عن النحاة حينما عيب عليه بيت من الشعر :
    مادا لقيت من المستعربين ومن قياس نحوهم هدا الذي ابتدعوا
    على أن تخطئة الاقحام فيما خالف قواعد البصريين لم تكن من كل علماء البصرة بل من بعضهم كعيسى بن عمر وشيخه عبد الله بن إسحاق من متقدمي البصريين دون غيرهما – غالبا- من معاصريهما .
    فهدا يونس بن حبيب وشيخه أبو عمرو كانا يتحرزان عن تخطئة العربي ويعتمدان قوله ويعتبرانه شادا في القياس فصيحا في الاستعمال لكن البصريين المتأخرين بعد سيبويه اتخذوا موقف عيسى بن عمرو أبي إسحاق لهم منهجا في الوقت الذي اتخذ الكوفيون فيه موقف يونس وأبي عمرو لهم مذهبا .(1)
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) نفس المرجع السابق , ص 37













    المبحث الرابع: طبقــــات علماء مدرسة البصـرة

    المطلب الأول: طبقـــات علماء مـدرسة البصرة
    المطلب الثاني: أشهــــر علماء مدرســة البصرة

























    المطلب الأول: طبقات علماء مدرسة البصرة

    قسمت كتب الطبقات طبقات العلماء على النحو الآتي:
    الطبقة الأولى:
    تبدأ من عهد نصر بن عاصم " ت 89 هـ" إلى يحي بن يعمر " ت 129 هـ"
    الطبقة الثانية:
    تبدأ من عهد عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي " ت 117 هـ " إلى عهد أبي عمرو ابن العلاء " ت 154 هـ "
    الطبقة الثالثة:
    تبدأ هده الطبقة من عهد الأخفش الأكبر " ت 172 هـ " إلى عهد يونس بن حبيب " ت 182 هـ"
    الطبقة الرابعة :
    تبدأ هده الطبقة من عهد سيبويه " ت 188 هـ " إلى عهد أبي زيد الأنصاري " ت 215 هـ "
    الطبقة الخامسة :
    كانت هده الطبقة في عهد الأخفش الأوسط " ت 211 هـ "
    الطبقة السادسة:
    كانت هده الطبقة في عهد الجرمي " ت 255 هـ"
    الطبقة السابعة:
    كانت في عهد المبرد " ت 285 هـ"



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) نفس المرجع السابق , ص 44
    المطلب الثاني: أشهر علماء مدرسة البصرة
    1- سيبويه: هو عمرو بن عثمان بن قنبر , من موالي بني الحارث ابن كعب , فارسي الأصل والمولد , بصري النشأة عاش عمرا قصيرا , وتوفي180 هـ على أقرب الروايات , ومع دلك فقد قدم للعربية أهم كتاب في تاريخها الطويل .و( الكتاب ) هكذا بدون عنوان عرف بأنه ( قرآن النحو ) أي هو ( الكتاب) الذي اتبعه النحويون والحق أن التغيير الذي طرأ على النحو كما قدمه سيبويه ليس تغييرا في الجوهر.
    ومن الواضح أن سيبويه لم يكن لف الفضل الأكبر في تأليف الكتاب بل أخذ معظمه عن أستاذه الخليل بن أحمد . وعامه الحكاية في سيبويه عن الخليل . فكلما قال سيبويه ( سألته ) أو قال ( قال) من غير أن يذكر قائله فهو الخليل بن أحمد .وقد كان القدماء يضعون ( الكتاب ) في المحل الأول , فقد قال أبو عثمان المازني:
    ( من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح ) . وقال الجاحظ :
    ( أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك وزير المعتصم ففكرت في شيء أهديه له , فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه , فلما وصلت إليه قلت له : لم أجد شيئا أهديه لك مثل هذا الكتاب , وقد اشتريته من ميراث الفراء , فقال : والله ما أهديت لي شيئا أحب إلي منه . وروي أن الجاحظ لما وصل إلى ابن الزيات بكتاب سيبويه أعلمه به قبل إحضاره فقال له ابن الزيات : أو ظننت أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب ؟ فقال الجاحظ: ما ظننت ذلك , ولكنها بخط الفراء , ومقابلة الكسائي , وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ , يعني نفسه , فقال ابن الزيات : هذه أجل نسخة توجد وأعزها , فأحضرها إليه , فسر بها ووقعت منه أجمل موقع ).
    وقد توفر عدد كبير من العلماء القدامى على شرح ( الكتاب) وتعليمه , أشهرهم أبو سعيد السيرافي , ثم المبرد وعلي بن سليمان الأخفش , والرماني , وابن السراج , والزمخشري , وغيرهم . ولقد نشر الكتاب لأول مرة المستشرق الفرنسي ديرنبور Derenbourg في جزأين
    ( باريس 1889,1881). ثم نشر الكتاب بعد ذلك في القاهرة في مطبعة بولاق في جزأين
    (1318هـ,1316 هـ) وهي أحسن الطبعات المتوافرة ضبطا وذقه , وبهامشها نتف من شرح أبي سعيد السيرافي على الكتاب . وأخيرا قدم الأستاذ عبد السلام هارون نشرة جديدة للكتاب صدرت في خمسة أجزاء يحتوي الجزء الخامس منها على فهارس قيمة تعين الدارس على الرجوع إلى مبتغاه في شيء من اليسر .(1)
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) دروس في المدارس النحوية: عبده الراجحي,دار النهضة العربية , بيروت , الطبعة الثانية 1998
    2- المبرد: هو أبو العباس محمد بن يزيد المبرد , أحد الأعلام الكبار في تاريخ العربية أدبا ولغة يشغل مكانه مهمة في التاريخ النحوي لأن رياسة النحو البصري انتهت إليه , على حين انتهت رياسة النحو الكوفي إلى معاصره ثغلب , وعن طريق الأخذ عنهما نشأ مذهب نحوي جديد هو المذهب البغدادي .
    و لد المبرد بالبصرة أوائل القرن الثالث (210 هـ تقريبا ) , وبها نشأ وتلمذ للجرمي وأبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني وغيرهم من شيوخ البصرة , درس كتاب سيبويه وأحاط به ونقد بعض ما فيه بعد ذلك , على أن ( الكتاب) ظل مسيطرا عليه سيطرة تكاد تكون كاملة مما نلحظ مظاهرة في المقتضب الذي نختار لك منه نصا .
    انتقل المبرد إلى سر من رأى أيام المتوكل ثم انتقل إلى بغداد بعد مقتله , وبها استقر , وفيها معاصرته لتغلب , ومناظرته اللغوية معه التي أثرت النشاط العلمي في بغداد حينذاك والتي حولت التعصب المدرسي إلى الأخذ عنهما معا والانتقاء من كلا المذهبين . وقد تلمذ للمبرد عدد من كبار النحاة منهم الزجاج وأبو بكر بن السراج , وقدم للعربية عددا من الآثار العلمية أهمها ( الكامل ) الذي عده القدماء واحدا من أربعة كتب في الأدب , ومنها كتابه الذي ندرسه.
    نوفي المبرد 285 هـ أي أنه عاش خمسا وسبعين سنة . ألف كتابه المقتضب بآخرة من عمره , بعد أن اكتملت أدواته العلمية وبعد أن نضجت معارفه , والكتاب يمثل المذهب البصري خير تمثيل , ولئن كان المبرد أن يناقش سيبويه فإن تأثير الكتاب فيه لا يحتاج إلى دليل .
    نهض بتحقيق الكتاب تحقيقا ممتازا الأستاذ محمد عبد الخالق عضيمة في أربعة أجزاء زود آخرها بفهارس فنية تقدم خدمة علمية جليلة لدراسة , ونشره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ( 1388,1385هـ) . (1)


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) نفس المرجع السابق ص : 62