القانون التجاري في ثوبه الجديد

القانون التجاري في ثوبه الجديد

سنعالج في هذا البحث موضوعا هاما وحيويا يتعلق بالقانون التجاري في ثوبه الجديد أو ما يسمى بقانون التجارة الدولية بعد أن لقي اعترافا عالميا به, كفرع قائم بذاته ومستقل عن فروع القانون الأخرى, والموضوع لا ترجع أهميته البالغة الى كونه حديثا على الفقه القانوني العربي وبالتالي الى افتقار المكتبة العربية الى مصادره فحسب [1], وانما ترجع أيضا وقبل كل شيء الى الأهمية العملية التي تحظى بها التجارة الخارجية في العلاقات الدولية المعاصرة, لا فرق في ذلك بين دول متقدمة ودول متخلفة, أو بين دول رأسمالية واشتراكية [2]. بل لا مبالغة في القول أن التجارة الدولية تحتل مركز الصدارة في العلاقات الدولية الحديثة [3], وأنها تلعب دورا بارزا في تغيير مجراها كثيرا من الأحيان. ومن هنا ولد - على سبيل المثال - مجلس التعاون الاقتصادي المتبادل للدول الاشتراكية(الكوميكون)[4] والمجتمع الاقتصادي الأوروبي (السوق المشتركة) [5] ومنطقة التجار الحرة الأوروبية [6]. ومن هذا المنطق أيضا, كان إبرام الاتفاق التجاري الشهير بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي عام 1972[7].
ولا شك أن الخلفية القانونية تعتبر _ أن احسن استعمالها _ من مقومات التجارة الدولية ومن وسائل ازدهارها الأساسية[8], وان مسألة تنازع القوانين تعتبر من المسائل العملية الهامة في التجارة الدولية [9]. ذلك أن تعدد النظم الوطنية وتباينها - وهو الواقع - يؤديان الى وقوع التنازع بينها [10], وفي غالبية الأحيان الى اختلاف الحلول التي تعطي للمسألة الواحدة [11]. ثم إن ترك هذه التجارة الى سلطان القوانين الوطنية من شأنه إشاعة القلق في التعامل التجاري الدولي وهو بحاجة الى الثقة والاستقرار[12]. وكذلك الأمر بالنسبة للمتعاملين في التجارة الدولية [13]. وهم مضطرون إليها بحكم طبيعتها, التي لا مجال فيها للمناداة بالإقليمية البغيضة أو اعتبارات السيادة الوطنية [14]. فلا عجب إذن - والحال كذلك - أن تشهد هجوما واسع النطاق لتحطيم تلك القيود [15], وتوحيد قواعد التجارة الدولية [16] توحيدا عالميا أو إقليميا[17], حيث ترتب على ذلك إبرام العديد من الاتفاقيات الدولية [18], كان أهمها اتفاقيتا لاهاي بشأن البيع الدولي للمنقولات المادية [19]
والقانون التجاري في ثوبه الجديد أو قانون التجارة الدولية له من الخصائص في الوقت الحاضر ما يكفل استقلاله النسبي عن القوانين الأخرى[20], بما فيها القانون التجاري التقليدي. وحتى تكون الرؤيا أكثر وضوحا ينبغي القول أن قانون التجارة الدولية مر بثلاث مراحل متميزة عن بعضها البعض[21], يمكن تسميتها بالمرحلة العرفية ومرحلة التقنينات الوطنية ومرحلة التدوين الدولي [22]. وفي المرحلة الأخيرة وهي المرحلة المعاصرة ابتدأ قانون التجارة الدولية يشق طريقه بشكل واضح, نحو الاستقلال عن فروع القانون الأخرى, وبشكل خاص عن قرينه أو أصله القانون التجاري التقليدي, وقد أعقب ذلك الاعتراف به رسميا وعمليا على ما سيتبين لنا بعد قليل. وزيادة في الفائدة نجد لزاما علينا أن نشير - ولو بإيجاز شديد - الى المرحلتين الأوليين من مراحل تطور قانون التجارة الدولية لننتقل بعد ذلك الى المرحلة الثالثة, وهي المرحلة التي استقل بها هذا القانون رسميا عن غيره من القوانين .

أولا : المرحلة العرفية:
وهي ترجع من الناحية الزمنية الى العصور الوسطى [23], حيث كان المولد الحقيقي للقانون التجاري [24], كمجموعة من القواعد , تعارف على تطبيقها التجار [25], الذين كانوا يتنقلون من سوق الى سوق [26] ومن مرفأ ﻵخر [27], أو يجتمعون بشكل دوري في الأسواق الكبرى للقيام بصفقاتهم التجارية [28]. وقد امتاز القانون التجاري في هذه المرحلة بطابع دولي موحد [29], وبطابع شخصي[30]. فهو من التجار ولأجلهم [31], ولا يطبق إلا على مجتمعهم [32]. وبقي الحال كذلك, حتى إدخاله في القوانين الوطنية, حيث انتقل هذا القانون الى المرحلة الثانية.

ثانيا : مرحلة التقنيات الوطنية:
وهي مرحلة انقسم فيها القانون التجاري نفسه [33], فتفتت وحدة قواعده وتشتت [34], نتيجة للنزعات الإقليمية [35] التي تولت تمزيقه[36] ومن ثم إدخاله في القوانين الوطنية [37], فتراجعت أمامها القواعد العرفية[38] واندحرت. وكان لبريطانيا سبق المبادرة في هذا الشأن[39], تلتها فرنسا[40] فألمانيا[41]. وما كان للدول الأخرى إلا أن تتهافت بدورها على إدخال القواعد الدولية للتجارة في قوانينها المحلية[42] , متخذة الدول الثلاث قدوة لها في ذلك السبيل[43]. وعندئذ أصبحت ظاهرة التقنينات الوطنية مميزة للقانون التجاري في المرحلة الثانية من مراحل تطوره [44]. ولكن التجارة بطبيعتها دولية[45]، وهذا ما أدى بالتالي - حتى في هذه المرحلة - الى ظهور أعراف تتناسب مع تلك الطبيعة[46], بحيث قيل أن المرحلة الثانية ما هي إلا مرحلة عابرة أو انتقالية [47] الى المرحلة الثالثة.

ثالثا : مرحلة التدوين الدولي ( قانون مستقل للتجارة الدولية )
تعتبر مرحلة التدوين الدولي آخر مرحلة وصل إليها قانون التجارة الدولية من مراحل تطوره, وهي من الناحية الزمنية تعتبر المرحلة المعاصرة[48]. ففي الوقت الحاضر ابتدأت مجموعة كبيرة من قواعد القانون التجاري تشق طريقها نحو الدولية من جهة, ونحو الاستقلال النسبي عن القوانين الأخرى بما فيها القانون التجاري نفسه من جهة ثانية. والقواعد المذكورة تتعلق أساسا بالتجارة الدولية, وليس بالتجارة الداخلية. وقد قيل بشأن ذلك[49] أنه إذا كان من الجائز أن تسري في شأن التجارة الداخلية قوانين التجارة الوطنية التي توضع خصيصا لها مراعية حاجاتها وظروفها, فمن غير المقبول أن تطبق هذه القوانين ذاتها على التجارة الخارجية التي تجري في مجال دولي فتواجه ظروفا مختلفة.
ولتوضيح ذلك أكثر يمكننا القول أن الواقع العملي فرض علينا وجود قانونين تجاريين لا قانون واحد: أولهما القانون التجاري التقليدي وثانيهما القانون التجاري بعد كسائه ثوبا جديدا أي القانون التجاري الدولي أو ما هو معروف باسم " قانون التجارة الدولية " [50]. وكما هو واضح من التسمية فإن القانون التجاري الوطني يطبق على العلاقات التجارية الداخلية, أي التي تجري في إطار دولة واحدة, بخلاف قانون التجارة الدولية الذي يطبق قواعده على العلاقات التجارية التي تجري في نطاق أكثر من دولة وذلك متى توفرت شروط تطبيق تلك القواعد وخاصة بالنسبة الى دولية العلاقة التجارية ذاتها[51].
ووجود قانون مستقل للتجارة الدولية, ليس من نسج الخيال, أو بدعة من أحد ابتدعها ليخفي وراءها مصالح خاصة أو غايات شخصية. وانما هو حقيقة واقعة فرضت نفسها إزاء ظروف التجارة الدولية الحديثة وازدياد حجمها بشكل هائل من جهة [52], وإزاء تنوع القوانين الوطنية وعدم ملاءمتها للتجارة الدولية من جهة ثانية[53]. ولهذه الحقيقة طأطأ العديد من فقهاء القانون التجاري رؤوسهم, وعلى نهجها سار التجار عمليا, وفي إطارها عملت العديد من المنظمات الدولية, وبها اعترفت الأمم المتحدة رسميا.
ففيما يتعلق بالفقه, يأخذ كثير من الفقهاء بفكرة وجود قانون التجارة الدولية, كقانون مستقل عن فروع القانون عموما وعن فروع القانون الوطني بشكل خاص, كما يؤيد هذه الفكرة - ولو بتحفظ - أيضا كثيرون[54]. وهذا القانون لا يعتبر جزءا أو تابعا للقانون الدولي بمفهومه التقليدي, لان الأخير ما هو إلا فرع من فروع القانون العام, في حين أن قانون التجارة الدولية يعتبر فرعا من فروع القانون الخاص, وبالمثل فإنه لا يعتبر من قبيل القانون الوطني لسبب مزدوج: فهو من جهة يستمد أحكامه من مصادر دولية, كما أنه لا يطبق, من جهة أخرى, إلا على العلاقات التجارية الدولية متى توفرت شروط ذلك[55]. فهو إذن ينتمي - كما قيل - الى القانون الخاص الدولي[56].
وفيما يتعلق بالتجار - والأمر يمسهم مباشرة - فقد تبينوا ما تتعرض له مصالحهم التجارية من مخاطر وعدم استقرار بسبب تعدد القوانين الوطنية وتنازعها, وبالتالي عدم وجود قواعد موحدة دولية تحكم تجارتهم الدولية[57]. إذ كيف يطمئن أطراف عملية تجارية ذات طابع دولي على حقوقهم إذا كانوا لا يعلمون مقدما أي قانون سيطبق عليها. وبفرض إمكان تعيين هذا القانون مسبقا, فإنه سيكون على أية حال قانونا وطنيا غير معد لمواجهة حاجات التجارة الدولية, غريبا عن أحد طرفي النزاع إن لم يكن غريبا بالنظر إليهما معا[58]. ونتيجة لذلك قاموا بإنشاء تجمعاتهم المهنية في شكل جمعيات وطنية ودولية على حد سواء[59], حيث كانت كل جمعية من هذه الجمعيات تتخصص بتنظيم تجارة معينة(كتجارة الحبوب مثلا) [60] وتطوي بالتالي تحت لوائها المتعاملين بهذه التجارة دون غيرهم [61].
وقد كان الهدف من وجود التجمعات السابقة هو تسهيل العلاقات التجارية لنفس السلعة محل التنظيم وتذليل العقبات التي تعترضها[62]. ومن أجل ذلك قام المصدرون والمستوردون (المنتمون الى هذه التجمعات) بتحرير العديد من العقود النموذجية, ليتبعونها بمحض أرادتهم فيما يبرمونه من اتفاقيات تتعلق بتصدير السلعة أو استيرادها[63]. ولا شك أن إبرام الاتفاق على أساس عقد نموذجي ما, وشيوع ذلك في التجارة الدولية [64], إنما يقصد به ما تتضمنه العقود النموذجية عموما من أحكام تفصيلية[65] وحلول دقيقة لغالبية المسائل التي يمكن أن تنجم عن عقد البيع الدولي[66]. ومن الناحية العملية فإن مثل هذا الأمر يمكن أن يؤدي الى تجنب تنازع القوانين[67] وبالتالي عدم اللجوء الى القوانين الوطنية لحل المنازعات الدولية[68], وهو ما يرنو إليه قانون التجارة الدولية ويبتغيه أطرافها[69].
وفيما يتعلق بالمنظمات الدولية, فقد لاحظ كثير منها فكرة الاستقلال وهي تتبلور عمليا في قانون التجارة الدولية[70], فلم تقف مكتوفة اليدين إزاءها أو موقفا سلبيا منها, بل على العكس من ذلك تماما, أخذت تؤيد هذه الفكرة وتغذيها عن طريق عقد المؤتمرات والاجتماعات الدولية . وقد كانت بعض هذه التجمعات تعقد بهدف المناقشة والإعلام فحسب[71] , إلا أن غالبيتها كانت بقصد اتخاذ مواقف إيجابية لتدعيم حركة استقلال قانون التجارة الدولية كإبرام اتفاقية دولية مثلا أو صياغة عقود نموذجية موحدة لسلع معينة.
 
أعلى