العلاقة المنطقية بين استراتيجيات التكامل والأداء الاقتصادي

الموضوع في 'منتدى كلية العلوم الاقتصادية' بواسطة smart girl, بتاريخ ‏19 يونيو 2008.

  1. smart girl

    smart girl عضو جديد

    العلاقة المنطقية بين استراتيجيات التكامل والأداء الاقتصادي
    للمنشآت الصغيرة في الوطن العربي


    إعداد
    آ. د. طارق شريف يونس
    رئيس قسم إدارة الأعمال
    كلية الإدارة والاقتصاد / جامعة الموصل
    مقدمة
    تعدّ استراتيجيات التكامل بأنواعها (الرأسي والأفقي والأمامي والخلفي) وما يتفرع عنها جميعاً من استراتيجيات فرعية أحد أهم المداخل التي دفعت باقتصاديات الدول النامية نحو استثمار أداء المنشآت الصغيرة (الصناعية والخدمية وغيرها) وفي مختلف القطاعات وعلى نحوٍ اقتصادي ، إذ أن المنشآت الصغيرة ومنها منشآت الأعمال تعدّ إحدى سمات البنية الاقتصادية العربية ، وأن هذه المنشآت على سعتها فهي لا تنفي أهمية دور المنشآت المتوسطة والكبيرة في الوطن العربي .
    وفي هذا السياق ، تتصدى للعلاقة المنطقية التي تحدثها استراتيجيات التكامل بأنواعها في إطار التفسير الكمي الذي تعرضه ضمن نماذج رياضية واقتصادية لهذه العلاقة ، مع الإشارة إلى بعض التجارب والممارسات التي أفصحت عنها مثل هذه العلاقة ، فضلاً عن محاكاتها ضمن خصوصية المنشآت الصغيرة في الوطن العربي .
    إن أشكال التكامل واستراتيجياته وما ينطوي عليها من الاستفادة من مزايا التكامل ضمن البحث الحالي ، سيتم عرضها على أساس التطرق لطبيعة الحيازة الاقتصادية لعوامل الإنتاج ومنافذ التوزيع ، وما ينطوي عليها من تكامل أمامي وخلفي ، فضلاً عن التنويه عن توزيع مخاطر الاستثمار في إطار البيئة العربية ، والبحث عن أهمية توسيع مجالات الإنتاج وتفعيل استراتيجيات التنويع ، والسعي نحو بلورة معالم مهمة في استثمار فرص التحالف والاندماجات وكذلك المناورة الإستراتيجية في إطار هياكل السوق المستهدفة في سياق التوازن الاستراتيجي وصياغة نموذجه في إطار اقتصاديات الحجم واقتصاديات المجال . وكل ذلك الطرح سيلامس نماذج تعظيم النمو (Growth Maximization Model).
    ويختتم البحث بوضع معايير الحجم الأمثل للتكامل الاستراتيجي لمنشآت الأعمال الصغيرة في الوطن العربي تتجسد جميعها على شكل استنتاجات وتوصيات .
    أولاً: الإطار النظري للبحث
    يتناول الإطار النظري مهمة توضيح المفاهيم وتحليل بنيتها وتمييز عناصرها وفقاً لنظريتي المعاني والدلالة كضرورة منهجية ومعرفية . إذ إن ضرورات ترتيب الأفكار النظرية والتصريفات على وفق الأسباب المنطقية التي تعزز نقاط انطلاق الإطار التحليلي والتطبيقي تشكل بمجملها مرتكزات شاملة لوصف أنموذج البحث ومراميه ومقاييسه ، وعلى هذا النحو يتصدى هذا الإطار إلى ما يأتي :
    1-1 مفهوم المنشآت الصغيرة
    يقتصر عرض مفهوم المنشآت الصغيرة في إطار هذا البحث إلى اختيار مدلولاته ضمن الطروحات المعاصرة التي أكدت على مجال بناء هذا النوع من المنشآت ضمن رؤى الجودة الشاملة (Total Quality) لهذه المنشآت وما ينبثق عن ذلك من استهداف بناء القدرة التنافسية في عصر تنافسي لا يسمح بدخوله إلاّ لمنشآت الأعمال القادرة على أداء عملياتها المضمونة الأرباح . ولا سيما وأن اقتصاديات الدول الأوربية تعتمد إلى حدٍ كبير على نجاح قطاع منشآت الأعمال الصغيرة.(Huxtable, 1995: P.3) وفي المملكة المتحدة وحدها هناك أكثر من 70% من مجموع منشآت الأعمال الصغيرة توظف أقل من (100) فرد ، وأن معظم هذه المنشآت هي عبارة عن منشآت أعمال تدار من قبل العائلة التي تمتلكها . وفي الغالب شهدت أغلب هذه المنشآت نجاحاً ملموساً في أدائها الاقتصادي بسبب إدارتها من قبل مالكيها. (محمود ، 1998 : ص 137) وفي ظل المنافسة العالمية واتساع اقتصاديات السوق وبروز ظاهرة الاحتكار وبالذات الحكومي فرض على هذه المنشآت أن تواجه تحديات المنافسة الاحتكارية والتحولات في طلبات الزبائن والمستهلكين .. وعلى هذا النحو ، فإن تطور مفهوم منشآت الأعمال الصغيرة صاحبه تطور في عملية تطور الأعمال وثقافة هذه المنشآت . إذ كانت تقوم ابتداءً على توجه مالك المنشأة الصغيرة على الاهتمام بالسلعة وإنتاجها في سياق المفاهيم الشخصية لرب العمل (المالك) ، ثم تحول الاهتمام نحو العمليات (Processes) والتأكيد على الرقابة المحكمة على العمليات على وفق طموحات المالك ، وأعقبها مرحلة الاهتمام بالتخطيط (Planning Driven) والتركيز على المحيط الخاص بالأعمال وبالذات المحيط الخارجي ومكوناته البيئية والعمل على التكيف وإجراء التغيرات المناسبة على السلعة والعمليات وتلبية احتياجات الزبون .(Huxtable, 1995: P. 4) ومع مرور منشآت الأعمال الصغيرة بهذه المراحل التطورية صاحبها تطور مهم في خصائص الأعمال الصغيرة .
    إن الخصائص الأخيرة التي ميزّت الأعمال الصغيرة في عصر العولمة هي خصائص الجودة والتي تعني تلبية الأعمال الصغيرة لحاجات الزبون وتحقيق الرضا التام لديه حول السلعة أو الخدمة المقدمة له . وتطور هذا المفهوم في سياق منشآت الأعمال الصغيرة ليصبح أوسع من الجودة واستحداث الجودة الشاملة ، والتي تعني حركة منشأة الأعمال برمتها ومفاصلها نحو مسايرة الحركة التي تشهدها الجودة والاقتصاد معاً . وترتب على هذا المفهوم تطبيق إدارة الجودة الشاملة (TQM) لتضمن هذه المنشآت الحصول على منافع مزدوجة (Double Benefits) ليس فقط تلبية احتياجات الزبون المتجددة والمستمرة في التطور ، وإنما تحقيق منافع جوهرية في العوائد والربحية كمحصلة للأداء الاقتصادي الذي ينشده البحث الحالي .
    والجدير بالذكر أن التطور الذي حصل على الجودة في منشآت الأعمال بشكلٍ عام قد حمل متضمنات تطورية انعكست على مفهوم الأداء الاقتصادي لمنشآت الأعمال والتي نوجز تاريخ تطور الجودة بالآتي :
    ت المرحلة التاريخية متضمنات التطور
    1 مرحلة الخمسينات (1950s) الكمية وليس الجودة
    2 مرحلة الستينات (1960s) اهتمام الزبون ـ فحص عمليات الإنتاج
    3 مرحلة السبعينات (1970s) ندرة الموارد ـ ضمان الجودة لتخفيض الهدر والتلف
    4 مرحلة الثمانينات (1980s) الاختراق المذهل لليابان في مجال الجودة من خلال التميز التكنولوجي
    5 مرحلة التسعينات (1990s) إدارة الجودة الشاملة ـ التميز التكنولوجي وفاعلية استخدام العاملين
    6 مرحلة الألفين (2000s) جودة الحياة والجودة في المجتمع وبيئة التوطن
    وأصبح الأداء الاقتصادي لمنشآت الأعمال الصغيرة محصلة لإدارة الجودة الشاملة للزبون والعاملين والمنظم والذي انطلقت منه معطيات (ISO9000) ، وإدارة الجودة الشاملة. (Huxtable, 1995: PP. 14-15)
    وعموماً ، فقد ارتبط مفهوم منشآت الأعمال الصغيرة بنوعين من المعايير التي استخدمت لأغراض تصنيف المنشآت وهي على النحو الآتي : (شيحا ، 2001: ص 88)
    آ. المعايير النوعية : والتي تصنف حسب طبيعة مشاركة الإدارة في أداء العمل والعاملين . وغالباً ما تكون أعباء اتخاذ القرارات التشغيلية والإدارية على عاتق المالك ، فضلاً عن وجود معايير قانونية للمنشأة الصغيرة ومعايير تكنولوجية وتنظيمية .
    ب. المعايير الكمية : وأهم هذه المعايير وأوسعها انتشاراً هي معايير عدد العاملين ورأس المال المستثمر وحجم الموجودات وغيرها . ومن المعايير الكمية التي اعتمدتها منظمة التعاون والتنمية لتصنيف منشآت الأعمال هو معيار عدد العاملين ، وعلى وفق ذلك يتم تحديد حجم المنشأة ، وعلى وفق ما يأتي :
     عدد العاملين أقل من (20) فتعد منشأة صغيرة جداً .
     عدد العاملين أكثر من (20) وحتى (99) فتعدّ منشأة صغيرة .
     عدد العاملين بين (100-499) فتعدّ منشأة متوسطة .
     عدد العاملين أكثر من (500) تعدّ منشأة كبيرة .
    ولكن محتوى هذا المعيار لم يعتمد على نطاق عالمي ، حيث طرح (Brotch & Heimins) معياراً كمياً شاع استخدامه في الدول النامية حيث حدد المنشأة الصغيرة بعدد العمال فيها يقع بين (10-49) وإن ما زاد على ذلك هي منشأة متوسطة وكبيرة ، وما قلّ عن ذلك فهي منشأة صغيرة (أسرية) .
    كما أن هناك تصنيفاً شاملاً عرضه (مازن شيحا ، 2001 ، ص ص 145-148) يوضح طبيعة الاختلافات في تحديد معايير منشآت الأعمال في البيئة الأجنبية والعربية وعلى النحو الآتي :
    الجدول (1)
    نماذج للمعايير الكمية الشائعة
    الدولة القطاع الحد الأعلى
    آ. العمالة
    الدانمارك جميع القطاعات 20 (صغيرة ومتوسطة)
    ايرلندا جميع القطاعات
    النرويج جميع القطاعات
    النمسا جميع القطاعات 50 (صغيرة ومتوسطة)
    بلجيكا جميع القطاعات
    فرنسا جميع القطاعات
    السويد جميع القطاعات
    سويسرا جميع القطاعات
    ألمانيا جميع القطاعات 100 (صغيرة ومتوسطة ، تصنيف بروتش وهيمنز)
    كنــدا الصناعات التحويلية 100
    بقية الصناعات 50 (صغيرة ومتوسطة)
    الولايات المتحدة الصناعة 250 صغيرة
    500 متوسطة
    كوريا الجنوبية الصناعة 20 صغيرة ، 300 متوسطة
    الخدمات 50 صغيرة ، 300 كتوسطة
    مصر جميع القطاعات 9
    تركيا جميع القطاعات 9
    الهند جميع القطاعات 100 صغيرة ومتوسطة (بروتش وهيمنز)
    البنك الدولي (8) الصناعة 50 صغيرة
    ب. رأس المال (الأصول)
    الولايات المتحدة (5) جميع القطاعات 285 ألف دولار صغيرة
    كوريا الجنوبية (6) جميع القطاعات 200 ألف دولار صغيرة
    الهند جميع القطاعات 30 ألف دولار صغيرة
    نيجيريا جميع القطاعات 227.800 ألف دولار صغيرة (1,1 مليون دولار متوسطة)
    الهند جميع القطاعات 100 ألف دولار صغيرة
    الباكستان جميع القطاعات 50 ألف دولار صغيرة
    مصر جميع القطاعات 440 ألف دولار (صغيرة ومتوسطة)
    اليابان الصناعة 100 مليون ين
    منظمة العمل الدولية الصناعة 100 ألف دولار صغيرة (8)
    ج: المبيعات
    كنــدا حالات خاصة 5 مليون دولار (صغيرة ومتوسطة)
    د: العمالة ورأس المال (الأصول)
    فنلندا جميع القطاعات 100 عامل + 75 ألف دولار
    إيطاليا جميع القطاعات 300 عامل + 10.5 مليون دولار
    الفلبين جميع القطاعات
    جميع القطاعات 99 عامل + 2.5 مليون دولار (صغيرة)
    200 عامل + 10 مليون دولار (متوسطة)
    اليابان الصناعات التحويلية 300 عامل + 400 ألف دولار
    القطاعات الأخرى 50 عامل + 8- ألف دولار

    كما تشير معطيات الجدول (2) إلى المعايير في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي .
    الجدول (2)
    المعايير المعتمدة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي
    آ. معيار العمالة
    البحرين 1-9 صغيرة جداً (8) (تصنيف بروتش وهيمنز)
    10-49 صغيرة
    50-99 متوسطة
    100- كبيرة
    السعودية 1-49 صغيرة (6)
    الإمارات العربية 1-9 صغيرة (7)
    الكويت 1-9 صغيرة (6)
    ب. معيار رأس المال (9)
    السعودية 1 مليون ريال – صناعات صغيرة
    الإمارات 500 ألف درهم – صناعات صغيرة
    الكويت (6) 200 ألف دينار كويتي كافة القطاعات
    البحرين 9 ألف دينار بحريني (صغيرة جداً)
    19-380 ألف دينار بحريني صغيرة
    380-1890 ألف دينار بحريني متوسطة
    1890- فأكثر (نحو مليون دولار) كبيرة
    وفيما يخص المعايير التي تعتمدها منظمة الخليج الاستشارات الصناعية التي تمزج بين معيار العاملين وحجم الاستثمار ، فيتح ذلك في الجدول (3)
    الجدول (3)
    المعايير المعتمدة من قبل منظمة الخليج الاستشارات الصناعية
    المعيار منشآت صغيرة منشآت متوسطة منشآت كبيرة
    من إلى من إلى من إلى
    الاستثمار (مليون دينار) -- 1 1 5,5 5,5 --
    العمالة -- 30 30 60 60 --

    ومن خلال العرض السابق يتضح أن هنالك اختلافات بسيطة في تحديد المعايير وأن أكثرها شيوعاً هي معياري العمل ورأس المال ومعاملهما ويرتبط ذلك بطبيعة الأهداف التي تنشدها الدولة في تصنيفاتها لهذه المنشآت .
    إن هذه المؤشرات تعزز أهمية الولوج في رسم استراتيجية شاملة للتكامل (شرارة ، 2001: ص 47) بين منشآت الأعمال الصغيرة في الوطن العربي (أبو قحف ، 2001: ص 95) ، وهذا ما يدفعنا باتجاه البحث في استراتيجيات التكامل والنهوض من خلالها بالأداء الاقتصادي في إطار عربي شامل والتي سيتم عرضها ضمن تحديد معالم القدرة التنافسية لهذه المنشآت من خلال ما يعكسه الوضع العربي وإمكاناته المختلفة في المحاور البحثية اللاحقة .
    1-2 معالم القدرة التنافسية لمنشآت الأعمال الصغيرة في إطار عربي
    يعد النظر في إمكانات الدول العربية وتحليلها وتقويمها من الأمور المهمة في تحديد مقومات قوتها والعمل على تعزيزها فضلاً عن تحديد جوانب ضعفها والتخطيط لمعالجتها، وان هذه الأمة قادرة على استغلال الفرص التي تتيحها البيئة الدولية في إطار عربي والتقليل من تأثيرات التهديدات التي تعترض مضيّها في تنفيذ رسالتها على نحو عالمي .
    إذ إن تحديد مكونات القدرة التنافسية لمنشآت الأعمال العاملة في العالم العربي يتطلب رصد جميع الأنشطة الإدارية والفنية والتكنولوجية والثقافية وغيرها ، وإن تعدد الأنشطة وتداخلها يطرح موضوعات لا حصر لها مما يؤدي إلى اكتشاف عناصر القوة وسعة إسهاماتها في رسم خياراتها الرصينة والمدروسة في المحيط الذي تعيش فيه.
    إلاّ أن صورها تتمثل في مجموعة معالم أهمها ما يأتي :
    1-2-1 إسهامات الموارد البشرية
    إن معرفة الأمم لرأسمالها البشري معرفة دقيقة أساس كل تقدم. (شاكر ، 1976، ص 115) ويشكل العنصر البشري أحد مصادر القوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لأية دولة، وفي إطار أهميته في العلاقات الدولية كرأسمال بشري لا يمكن أن يعمل دون مزجه مع عوامل أخرى منها ما يتعلق بالتركيب السكاني وهيكل الأعمار ودرجة التجانس الاجتماعي، إذ إن شيوع التجانس في المجتمع يدفع باتجاه الوحدة والتماسك في حين تعدد القوميات والأجناس قد يرتبط بظاهرة التوتر إلى حد ما.
    وكذلك الأمر فإن ارتفاع مؤشرات التقدم الثقافي والتكنولوجي والصحي والعلمي يساعد في تحقيق التفوق الحضاري من خلال الموارد البشرية التي تعد وعاءً مهماً في بناء الحضارة.
    ومع هذا لا يمكن أن يكون الكم البشري وحده عاملاً حاسماً في تحديد قوة المنشآت وأساس علاقاتها مع الغير وإنما يرتبط بتوجيه هذا الكم الوجهة الصحيحة لبناء الذات وبناء العلاقات الاجتماعية خارج الأطر التقليدية.
    وفي هذا السياق فان تنمية رأس المال البشري هي تنمية لأجله ولذاته ، وأن تنمية الموارد البشرية هي أهم حلقات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولاسيما وان تنمية الموارد البشرية أصبحت دالة للكم البشري، وأصبح ذلك الشغل الشاغل لعلماء الاجتماع والسياسة والاقتصاد والمهتمين بحقوق الإنسان والتوازن الاستراتيجي الدولي وغيرهم من مراكز البحوث والهيئات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني الحديث، وان الحديث عن تنمية العلاقات في المجتمع الواحد لا يحمل معنى إذا كان يخلو من هذا الهدف ذي الأبعاد الإنسانية ولو ضمن حدوده الدنيا، لقد كان هذا المفهوم وراء الإنجازات التي حققتها البشرية عبر أية حضارة بارزة بل هو سر تفوقها وسبب مسارها التطوري(بدوي ، ، ص141)، وهكذا فقد تطور مفهوم التعامل مع الكم البشري كمصدر قوة ليشمل في أولوياته تنمية هذه الموارد ليقود جوانب القوة الأخرى، وأصبحت معايير استخدام الكم البشري متعددة الأوجه وتتمحور حول البعد الأخلاقي للإنسان وإنسانيته، ونشير في هذا الصدد إلى نص ابن خلدون في مقدمته عندما قال "الإنسان غاية جميع ما في الطبيعة ، وكل ما في الطبيعة مسخر له.
    1-2-2 إسهامات المجال الاقتصادي
    يترتب على المجال الاقتصادي علاقات تتجاذبها الأطراف المختلفة أو المتشابهة في القوة الاقتصادية الإقليمية والدولية ، ويعد التعاون بين المنشآت الصغيرة في إطار عربي من أهم التطورات التي تحدث تغييراً لصالحها في ميدان التعاون المحلي والإقليمي وتحديد مستقبلها ووزنها في العلاقات العربية ، ولاسيما الوضع الجغرافي والثقافي والحضاري لكل دولة لهذه المنطقة يؤهلها لصياغة استراتيجية اقتصادية مؤهلة للمنافسة العالمية .
    كما يمثل المجال الاقتصادي فيما إذا أحسن استخدامه بمثابة عنصر ضغط مهم ومؤثر(جنسن ، 1989، ص 185) على النظم المناهضة للتكامل بين الكيانات الاقتصادية الصغيرة ، وفي إطار عربي فإن توفر الموارد النادرة والتي تتوزع بشكل عجيب بين الدول العربية يوفر مستلزمات تحقيق العلاقات التكاملية بين منشآت الأعمال وغيرها مع دعمها بتهيئة الشروط الاقتصادية المناسبة. وفي هذا السياق فإن المقومات الحضارية والثقافية والاجتماعية مع المجال الاقتصادي سيكون لها دوراً مهماً في صهر تلك المقومات ضمن خصائص مميزة لمستوى التكامل الجمعي، ولاسيما أن الدول العربية التي تواجه عوزاً اقتصادياً قد تجابه شروطاً قاسية عند ركونها إلى الدول الأجنبية في سد حاجتها الاقتصادية ، في حين أن الدول العربية التي تتمتع بوفرة اقتصادية فهي بحاجة إلى قوى عاملة بكل فئاتها المهارية لتشغيل عناصرها الاقتصادية ، وعلى هذا النحو باتت الحاجة إلى التكامل ضرورة لا يمكن تجاهلها في إطار تحقيق المنافع المتبادلة والمتكافئة بين المنشآت الصغيرة من جهة وبين هذه المنشآت وغيرها عبر الحدود الجغرافية في إطار عربي ، وان التفكير خارج إطار التكامل المنشود يشكل تراجع محتوم للمنطقة العربية وتهديد خطير لمستقبلها.
    ويشير (الحمصي) إلى مجموعة اعتبارات ضرورية لتحقيق التكامل الاقتصادي بين منشآت الأعمال والذي يؤدي إلى إقامة علاقات متعددة الأوجه والأبعاد (الحمصي ، 1980، ص ص 96-117)، إذ تساهم العديد من العناصر في تحديد المقومات الابتدائية للتكامل والتي تشكل بمجموعها نسيجاً مترابطاً يعكس إعتمادية هذه المنشآت بعضها على البعض الآخر كوحدة متكاملة ومتكافئة ولاسيما وان هناك عناصر العوز والنواقص التي تنشأ بسبب حاجة الهياكل الإنتاجية الحالية أو الموارد الإنمائية أو الإمكانات التسويقية، وبذلك فإن عنصر العوز يعد أحد دوافع التكامل مع الغير ، وهذه هي إحدى صيغ بناء العلاقات التبادلية بين الوحدات الاقتصادية التي تنضوي تحت تكتل تكاملي يجري على أثرها صفقات البيع والشراء بحسب وشروط النواميس الاقتصادية وترافق هذه الصيغة تنمية ظروف التكامل الجماعي ، إذ تدر على الأطراف المكونة للتكتل منافع اكبر بكثير من تلك التي يمكن أن تنالها منشآت الأعمال وهي فرادى ، وعلى هذا النحو فان التكتل التكاملي هو تدبير هادف ، متعدد الغايات والوسائل تخدم مختلف التطلعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويرها لأطراف التكامل ، وعلى هذا النحو يبرز أنموذجاً يطلق عليه بالتكتل التكاملي ، إذ يساهم ذلك أبعد من الوقوف عند حد توفير المستلزمات وانسيابية الاحتياجات بين الأطراف وإنما تمتد مع الوقت لإنشاء مؤسسات إنتاجية كبيرة الحجم بما يحقق الوفورات المتبادلة ضمن معطيات المجال الاقتصادي وما يتصل بها من تجاوز التكاليف المزدوجة في إطار محلي أو التكاليف الخالية من التعرفات الجمركية السائدة خارج منطقة التكامل والذي يطلق عليه بالوفورات الخارجية.
    فضلاً عن تحقيق الوفورات الداخلية التي قد تنشـأ عن قيام مشروعات متخصصة ذات حجوم كبيرة قادرة على تطبيق أساليب إنتاجية متطورة، وتدور عملية خفض الكلف في دائرة الأطراف بالنتيجة نتيجة شيوع ظاهرة النفع المتبادل ضمن إطار التوسع بالإنتاج وتدفقاته على أسواق المنطقة بأسرها، وتعد هذه العملية بحد ذاتها بمثابة حوافز مغرية للمضي بتطوير صيغ وحلقات جديدة للتكامل الجمعي.
    والجدير بالذكر ، متى ما شرعت الأقطار العربية في تطبيق هذا المنهج على منشآتها الصغيرة ابتداءً فإنها ستحصل على ثقلها الدولي وتعزز عندئذٍ دورها في مضمار العلاقات الدولية ولاسيما وان الدول العربية مؤهلة لذلك بسبب ما تمتلكه من مقومات وشروط التكامل الجمعي.
    إن توفر الظروف الموضوعية في إطار عربي يشكل نقطة مهمة في هذا المضمار، وأن تعزيزها بإرادة سياسية صادقة تمثل ركناً مهماً وملازماً لنجاح نظرية المجال الاقتصادي كأحد أركان القدرة التنافسية للعالم العربي، ومن أشكال التكامل الاقتصادي ما يأتي:
    أ. التكامل الإنتاجي
    يحفز هذا الشكل الأطراف الإنتاجية للمنشآت الصغيرة في إطار عربي على تحقيق وفورات متبادلة للعمليات الإنتاجية الحالية والمستقبلية من خلال تبادل الإمدادات الإنتاجية بين الوحدات والمشاريع وبما يؤدي إلى انخفاض ملموس في التكاليف الإنتاجية، وبهذا الشكل يتم التحول من التعامل مع الخارج إلى التعامل مع الأقطار في البيئة العربية، ومع مرور المراس الإنتاجي ستتم عملية تحقيق الوفورات وتحسين النوعية، ومن البديهي أن تقارب هذه الأقطار جغرافياً يحقق لها وفورات عديدة بسبب التقارب المكاني وقصر مسافات النقل والاتصال بينهما.
    ب. التكامل الإنمائي
    يبحث هذا الشكل في تهيئة فرص استثمارية جديدة ضمن ما تتيحه الموارد الطبيعية المتاحة داخلياً أو لدى الأقطار العربية وبما يحقق النفع العام لها، إذ إن تهيئة الطرف القادر على التمويل والطرف الذي يتمتع بوفرة موارد محددة وآخر يتمتع بالخبرة والمهارة والـموارد البشرية الـمؤهلة يمكن أن ينشئ عـلى هـذا التعاضد مشـاريع إنمـائية متكامـلة.
    جـ. التكامل التسويقي
    يدعو التكامل التسويقي إلى استخدام نطاق الأسواق المحلية (الوطنية) وكذلك العربية على نطاقٍ أشمل للمتاجرة بالمنتجات النهائية من السلع والخدمات على اختلاف أنواعها وبما يشجع إقامة مشروعات إنتاجية ذات حجوم كبيرة ، مستفيدة من وفورات الإنتاج الواسع وتخفيض التكاليف الحدية وما يترتب عليها من تعزيز العوائد الناجمة من حجوم الاستثمارات في هذه المشروعات.
    ولا يقف الأمر عند المسألة التسويقية وإنما تحقيق مرامي إنمائية متعددة الأغـراض، ومع مرور الزمن واكتساب الخبرة في مجال الإنتاج والسوق فإنه وفقاً لمفهوم منحنى الخبرة Experience Curve كلما تضاعفت الخبرة المتراكمة في إنتاج منتج معين فإن الكلفة الخاصة بالوحدة لأنشطة الإنتاج والتسويق تنخفض بنسبة 20%-30% ويتحقق ذلك الانخفاض في تكلفة الوحدة من خلال ستة عوامل وهي (السيد ، 1990، ص 259):
    1. تحقيق اقتصاديات (وفورات) الحجم الكبير (اقتصاديات السعة) .
    2. زيادة فعالية أداء القوى العاملة (اثر التعلم).
    3. تحسين العملية الإنتاجية بذاتها.
    4. الوصول إلى تنميط المنتج.
    5. الوصول إلى التصميم الأمثل للمنتج.
    6. تنمية عدد من البدائل في مكونات المنتج ذاته.
    وعموماً ، إن اعتماد المنشآت الصغيرة في إطار عربي لهذا الأسلوب يستدعي التفكير بتقسيم السوق إلى قطاعات سوقية ترتبط ارتباطاً دلالياً بعوامل التكامل الإنتاجي والتسويقي والاستثماري على أساس الجدوى الاستراتيجية للاقتصاد الوطني والعربي.
    د. التكامل الثقافي والحضاري
    يأتي هذا النمط من التكامل نتيجة لتشابه أنماط الحياة الاجتماعية بين سكان المنطقة بأسرها ، إذ تنشأ مجموعة فعاليات ومؤسسات ثقافية وتعليمية كرد فعل لتحقق الأنماط التكاملية المار ذكرها وبما يفتح فرصاً للتواصل المعرفي بين المجتمع العربي الواحد والتضامن الجماعي والدفاع عن المصالح المشتركة والإنجاز الحضاري في المنطقة تجاه المخاطر والتحديات الخارجية.
    وعلى المستوى التكاملي للمنشآت الصغيرة في الوطن العربي فإن مسألة الفوائض في الموارد الاقتصادية وتنوعها (القوى البشرية بأصنافها العديدة، ومن الموارد التمويلية والأموال العينية (الرساميل)، ومن ثم الثروات الطبيعية المعدنية والنباتية والحيوانية والمناخية ... الخ) تظهر في منطقة عربية وقد تكون عاطلة في حين هناك نواقص تشكل أزمة أمام اقتصاد منطقة عربية أخرى وعلى هذا النحو فان عملية التكامل تحقق توازن في تفعيل القدرات التنافسية للمنطقة العربية بأسرها والتكتل الاقتصادي والاجتماعي.. يتيح للأمة العربية الاستفادة القصوى من المزايا النسبية المتاحة لدى البعض منها وبالتالي رفع مستوى الخبرة والنماء في الأمد القريب والبعيد ومن ثم القدرة على مواجهة المنافسة العالمية.
    وفي هذا السياق ، نجد أن الجانب المتفائل للتكامل العربي بين منشآتها الصغيرة لا يتقاطع مع طرح مؤشرات ينبغي الوقوف عليها بصدد حجم التحديات التي ينبغي التخطيط لاحتوائها وإعادة نصابها إلى وضعها الطبيعي في المنطقة العربية .
    وفي هذا السياق ، ولكون الدول العربية جزءاً من النظام العالمي فان بمقدورها من خلال ما تمتلك من ميزة تنافسية التأثير على طرق عمل النظام العالمي من جهة وبناء ذاتها من جهة أخرى ، وان الاعتماد الجماعي على الذات العربية هو البديل الاستراتيجي لتقرير مستقبل هذه المنشآت .
    1-3 استراتيجيات التكامل وتفعيل القدرة التنافسية : المفهوم والآلية
    ليس من السهل الحديث عن التكامل الاقتصادي بمفرداته المختلفة من وجهة نظر أيديولوجية دون البحث عن موطئ قدم ملائم في السوق من خلال البحث عن نوافذ استراتيجية، أي فرص تسويقية ولاسيما وقد اعتادت السوق العربية على استقبال كل ما هو مستورد وانتشار ظاهرة إغراق السوق التجارية بالسلع الأجنبية، ولذلك يتطلب من الدول العربية العمل على صياغة استراتيجية التكامل على نحو يحقق لها نتائج مرغوبة تتناسب مع الفرص البيئية، وان تقوم هذه الصياغة على ما يأتي (هيلين ، 1990، ص 242):
    1. التركيز على الإبداع وليس التقليد منهجاً للتكامل.
    2. البحث عن فرص القيادة في قطاعات محددة من السوق.
    3. تحديد مسارات التنافس على قيمة السلع وليس على الأسعار.
    4. أن تعتمد على قدرتها وقوتها الذاتية في قطاعات محددة من السوق.
    إن تحقيق أهداف التكامل العربي في أي من مجالات الأنشطة التجارية أو الصناعية أو الإمداد وما شابه ذلك لابد من أن يقوم على تحديد وصياغة البدائل الاستراتيجية التي توضح السلوك المعياري للقيادات الموكلة إليها إدارة المؤسسة الاقتصادية والاجتماعية فيها، وتوضيح ما هو الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه المؤسسات العربية في المستقبل، ويتم ذلك من خلال إثارة مجموعة تساؤلات تمهد لها وضع البدائل الاستراتيجية وهي (هيلين ، 1990، ص 242):
    1. هل تبقى الدول العربية ضمن مجالات الصناعة والتجارة الحالية في إطار علاقاتها مع الدول العربية أو الأجنبية ؟
    2. هل ينبغي الإبقاء على مجالات معينة كلياً أو جزئياً أم تركها والتفكير بمعالجة الوضع عن طريق الاندماج أم التصفية في إطار الشراكة العربية؟
    3. ما هي مجالات التفوق في الأداء وعلى مستوى مجالات الأعمال الحالية، ومدى كفاءتها وفاعليتها؟
    4. هل من الممكن أن تبحث عن مجالات محددة تصلح لان تكون نافذة للنمو وتحقيق وفورات الحجم في السوق أم الإنتاج أم كليهما؟
    5. هل من الممكن تشخيص التجارب والاستراتيجيات الناجحة في الوطن العربي وإعمامها والاستفادة من مزاياها؟
    إن تحليل الوضع البيئي لكل دولة عربية بشكل دقيق وتشخيص الفرص البيئية التي تتاح لها في إطار عربي أو معرفة التهديدات التي تواجهها من جراء إقدامها على تصرف معين يخص أنشطتها الاقتصادية، فضلاً عن تشخيص إمكانياتها الخاصة بنقاط قوتها الداخلية المادية والبشرية والمالية والتقانية وكذلك نقاط ضعفها، سوف يمكنها من تحديد الإجابة الدقيقة حول تحديد اختياراتها الاستراتيجية العامة، إذ أنها أي القيادة العليا تلجأ إلى استراتيجية الاستقرار (الإبقاء على الوضع القائم لنشاطها الاقتصادي) إذا كانت الإجابة عن السؤال الأول بـ (نعم) ويتوقع اختيار استراتيجية تخفيض مستوى النشاط (الانكماش) إذا كانت الإجابة عن السؤال الثاني أو الثالث بـ (نعم)، أما إذا كانت الإجابة عن السؤال الرابع أو الخامس
    بـ (نعم) فتكون استراتيجية النمو أكثر ملاءمة، ومن الممكن أن تختار القيادات العليا أكثر من استراتيجية في ضوء نتائج تحليلها للموقف البيئي والوضع الاقتصادي لأنشطتها، إذ أن تحديد نقطة البداية في الشروع بالإنماء الجمعي، والجزئي وتخصيصه لقطاع محدد أو مجال معين يمثل بداية مهمة لكل مستقبل واعد، وتجدر الإشارة إلى أن استراتيجية الاستقرار تتناسب مع الظروف البيئية التي يمكن التنبؤ بها وتركز المؤسسات الاقتصادية جميع مواردها في مجال إعمالها الحالية بهدف تحسين ما لديها من مزايا تنافسية، في حين أن استراتيجية النمو سواء في الإنتاج أو السوق عندما تستطيع المؤسسة الاقتصادية من التوسع بسرعة في السوق وكسب حصص سوقية أكبر وإن البيئة التي تعمل بها مؤاتية لهذا النمط من التصرف، وعموماً فان استراتيجية النمو تمكن المؤسسة الاقتصادية النامية من تغطية أخطائها نتيجة ما تحققه من فائض تنظيمي فضلاً عن رفع قيمتها الذاتية في المحيط الذي تعمل فيه.
    ومن الممكن أن تتحقق استراتيجية النمو من خلال استراتيجيات التكامل ومنها ما يأتي:
    أ. استراتيجية التكامل الرأسي
    تتراوح هذه الاستراتيجية بين السيطرة على جميع حلقات العملية الإنتاجية من استكشاف وبحث وتطوير واستخراج المواد الأولية ثم التصنيع والتسويق والتسليم للمستخدم النهائي، ولعل العمل لهذه الاستراتيجية يتمثل في الصناعات النفطية والتي كانت وما زالت هذه الصناعة بحاجة إلى رعاية شاملة لكل متطلباتها الصناعية، وكذلك الصناعات الأخرى ذات الطلب غير المرن بأنواعها ، وان اغلب ما تتعرض له الأمة من استغلال يقع في دائرة السلع الضرورية ، وتزخر القدرات في الوطن العربي بتوفير مستلزمات استراتيجية التكامل الرأسي فهناك التكامل الراسي الخلفي قد يتحقق من خلال تنظيم القدرات الاستراتيجية للدول التي تتمتع بمزية وفرة المواد الأولية ، أو وفرة الخبرات ، فعندئذٍ يكون ذلك مجالاً لتوريد بعض الدول التي تقيم صناعة معينة ما تحتاج إليه من المدخلات ، كما تتيح امكانات الدول العربية المتميزة في مجال التوزيع والتسويق والنقل إلى إمكانية تطبيق الدولة التي تقيم صناعة معينة إلى التكامل الرأسي الأمامي في مجال السلع والسيطرة على منافذ التوزيع الموصلة إلى المستهلك النهائي، وهذا شأن الصناعات المختلفة في العالم حينما تفكر ببدائل ناجحة ولاسيما وان التكامل الراسي يصلح في صناعات النفط والمطاط والمعادن الأساسية والسيارات ومنتجات الغابات.
    وقد تدخل الدول العربية في إضافة علاقات صناعية وتجارية متميزة على أساس هذه الاستراتيجيات، وهناك على الأقل أربعة أنواع من استراتيجيات التكامل الراسي تتراوح بين التكامل الشامل والعقود طويلة الأجل، وطالما هناك شعور بنّاء يسود الأمة فيتم تجاوز كل العقبات التي قد تقف أمام التكامل والبحث في إحالة المشروع إلى دائرة الممكن والحتمي.
    ب. استراتيجية التكامل الأفقي
    تصلح هذه الاستراتيجية عندما تلجأ الدولة إلى التفكير بزيادة مجال الصناعة أو الزراعة أو مشابه ذلك، ومن الممكن أن يتم دمج المؤسسات الاقتصادية المتشابهة إلى الحد الذي يصبح أدائها أداءً اقتصادياً وفضلاً عن تحقيق التنسيق بين أنشطتها المختلفة دون دخول هذه المؤسسات بالمنافسة المنهكة لقدراتها وهي مجزأة، فضلاً عن تهيئة هذه القطاعات للعمل باتجاه المنافسة العالمية، إذ أن هذا النوع من المنافسة يتطلب كيانات مؤسسية عالية التأهيل والإمكانات.

    ثانياً: الإطار المنهجي للبحث وأنموذجه
    2-1 أهداف البحث
    يتجه البحث نحو بلورة أهدافه في إطار تحديد الأساليب الممكنة لرعاية المنشآت الصغيرة في الوطن العربي ، فضلاً عن طرح أفكار عملية من شأنها التشجيع نحو الولوج في الاستثمار بالمشاريع الصغيرة وعدم التردد أو التخوف من ظاهرة شيوع المنظمات الأسيرة (Captive Organizations) . كما تهدف الدراسة إلى تعميق الثقة بالقدرات لحالية في مواجهة المخاطر الاستثمارية في هذه المنظمات ورصد نجاحاتها في إطار تطبيق مفاهيم استراتيجيات التكامل والنظريات الاقتصادية الخاصة بتحديد اقتصاديات السعة أو الحجم . إذ إن تطبيق المقولات العلمية تمثل درعاً واقياً يحمي صغار المستثمرين في إطار البيئة التنافسية التي تحيطه . ولا سيما أن المنافسة الحالية في إطار العولمة Globalization في مجال الإنتاج والأسواق والاستثمار حادة بين الكبار والصغار ، وأن منافسة الغلبة فيها للأقوى والقيمة للمعلومات .
    كما يهدف البحث إلى طرح النماذج الرياضية التي تعكس دينامية النموذج لغايات تنافسية وتحديداً في إطار اختبار المتغيرات الانتقائية التي تخدم اختيارات الإدارة الاستراتيجية في المنشآت الصغيرة الحجم حيال التكامل والأداء الاقتصادي المستهدف محلياً وعربياً .
    2-2 أهمية البحث
    يستمد البحث أهميته من كونه يتصدى إلى موضوع أصطلح عليه على وفق إعادة صياغة مذاهب المناهج الاقتصادية وهو اقتصاد ما بعد الصناعة والمسمى بالمذهب المنظمي(*) (Entrepreneurialism) والذي بدأ ينتشر في عدد كبير من الدول المتقدمة والنامية (أبو قحف ، 2001 ، ص91) ، ومع تصديه لهذا الموضوع فإن أهميته تكمن في الآتي:
    1. يوجه البحث معالجته المعرفية نحو الاقتصاد الخدمي واقتصاد المعلومات ، إذ يبتعد في طروحاته عن اقتصاد التصنيع الذي كان سائداً في الماضي .
    2. توكيد أهمية النزعة نحو أداء منشآت الأعمال الصغيرة وعلى وجه التحديد بشيوع استخدام تكنولوجيا الكومبيوتر الجديدة والاستثمارات الصغيرة بإقامة توليفات أعمال خدمية تعمل كقوة دافعة للتنمية الناشئة .
    3. يفيد البحث في عرض مفاهيم نظرية وتطبيقية تساندها نماذج كمية يمكن استخدامها لترشيد القرارات الاستراتيجية في إطار ممارسة مختلف أنشطة المنشأة الصغيرة . ولا سيما وأن هذا العصر هو عصر المنظم (Age of Entrepreneur) وأن الاتجاه في الأغلب هو نحو المهمة الحرة والاستثمار المحدود ضمن الإمكانات المحدودة في دنيا الأعمال .
    4. يساهم البحث في فتح آفاق جديدة تساعد المعنيين بالتخطيط التنموي في رسم سياسات ترتبط بدور المنشآت الأعمال في تعزيز مختلف البرامج الإنمائية في الأقطار العربية وعلى مستوى القطر الواحد كذلك .
    2-3 مشكلة البحث
    يتناول البحث موضوعاته على أساس دعم وتعزيز التوجه نحو تفعيل آليات العمل الجمعي ، إذ إن عمل منشآت الأعمال على نحوٍ فردي يحقق لها مستوى أداء معين ، إلاّ أن النهوض بمستوى الأداء إلى الحد الاقتصادي والذي يتحدد هذا الحد وفقاً للمقارنة المرجعية (Benchmarking) الذي أفرزته التحولات التي شهدتها أداءات منشآت الأعمال الصغيرة في العالم والتي بدورها دفعت نحو مواجهة تحديات العولمة من جهة والتغلب على قيود الواقع (العمل الفردي) من جهة أخرى يعكس بحد ذاته إطاراً عاماً لمشكلة البحث .
    وعلى هذا النحو تم بلورة مجموعة إثارات بحثية على وفق ما يأتي :
    1. ما هي طبيعة العلاقة المنطقية التي تحدثها عملية تطبيق استراتيجيات التكامل في مجال عمل منشآت الأعمال في الوطن العربي؟
    2. ما هي المعالجات الرياضية التي من شأنها أن تعكس الجانب الإجرائي لترشيد قرارات التكامل التي تنبثق عن تلك الاستراتيجيات؟
    3. ما هو السبيل إلى تقويم كفاءة وفاعلية الحجم والسعة والمجال الاقتصادي في تنفيذ استراتيجيات التكامل؟
    4. ما هي النتائج الاقتصادية وطبيعة تأثيرها في مستوى الأداء الاقتصادي عند التوسع في مشروع التكامل أو التراجع عنه في منشآت الأعمال الصغيرة ؟
    وفي هذا السياق ، سيتم بلورة إجابات فلسفية ورياضية لهذه الإثارات ، وصولاً إلى بلورة أطر عامة لتفعيل هذه الاستراتيجيات .
    2-4 أنموذج البحث وفرضياته والأسلوب التحليلي
    إن المقدمات البحثية التي تطرق إليها البحث في أهدافه وأهميته يمكن أن تشكل أبعاد التأثير الإيجابي على نتائج التكامل المنشود في إطار منشآت الأعمال الصغيرة وأداءها الاقتصادي . إذ يقوم الأداء الاقتصادي الذي تعاضده استراتيجيات التكامل على تقديرات تحددها مجموعة عوامل أهمها :
    1. السلوك المنطقي لآليات التكامل وعلاقتها باقتصاديات السعة واقتصاديات المجال .
    2. إمكانية الحول على بيانات دقيقة تساعد في تحديد سلوك النموذج الرياضي واشتقاقاته إلى حد الحصول على تقديرات عقلانية للنتائج .
    3. السيطرة على الظروف المحيطة بتفعيل التكامل وإزالة الحواجز والمعوقات السياسية والتجارية وغيرها التي تعترض إمكانية تطبيق نموذج البحث الحالي في إطار عربي .
    وعلى النحو الذي ذهبنا إليه في التمهيد لنموذج البحث ، فإن أبعاده الأساسية تتمثل في الآتي :
     خيارات التكامل Integration Choices
     تعظيم العائد من التكامل (أي تعظيم العائد الاقتصادي)
     تعظيم العائد الاقتصادي لأداء منشآت الأعمال في إطار التكامل .
     كفاءة السعة الحجمية Maximize the Revenue Size Efficiency
     كفاءة السعة المجالية Scope Efficiency
     فاعلية التكامل في منشآت الأعمال صغيرة الحجم Integration Effectiveness
    وتأسيساً على أبعاد نموذج البحث ومقدمات بنائه فإن الفرضيات البحثية هي ذات صفة فلسفية تقوم على منطق نظري وتتمثل بالآتي :
    1. يرافق عملية التكامل بأنواعه تحقيق معدلات أداء اقتصادية تفوق معدل التغيير الذي يحصل على مدخلات العمليات المعدة لأغراض التكامل .
    2. ينخفض مستوى النتائج (المخرجات) التي تحققها منشآت الأعمال الصغيرة بمعدلات أدنى من معدلات تخفيض مستوى التكامل الخلفي .
    3. تساهم زيادة معدلات الاستثمار المتحققة من التكامل الخلفي والأمامي في تحقيق معدلات نماء أعلى من مجموع نماء منشآت الأعمال الصغيرة وكل على انفراد .
    ولغرض بلورة إجابات منطقية توضح العلاقة القائمة في عنوان البحث وأهدافه وأنموذجه ، فإن تحليل ذلك سيكون على أساس التحليل الرياضي للعلاقات الدالية واشتقاقاتها الخطية المباشرة .

    ثالثاً: الإطار التحليلي للعلاقة التكاملية التي تنشدها المنشآت الصغيرة في الاقتصاديات العربية الواعدة
    تأسيساً على العلاقة النظرة التي صيغت بموجبها استراتيجيات التكامل ومتضمناتها وما تفرع عنها من مقدمات ونتائج واعدة ، يتناول هذا المحور التحليل الرياضي للعلاقة التكاملية للاستراتيجيات التي من شأنها أن تعدّ مدخلاً مهماً في قياس آلية أداء المنشآت الصغيرة . ولتوضيح هذه العلاقة نشير إلى كون الأداء الاقتصادي لمنشآت الأعمال الصغيرة يعتمد على عناصر التكامل (Brickley et., al., 1997: P.375) التي تفصح عنها الخيارات الاستراتيجية لمنشآت الأعمال الصغيرة في أحد أنواع التكامل (التكامل الجزئي) (Micro Integration) أو التكامل الكلي (Macro Integration) ، إذ نرمز للأداء الاقتصادي بالرمز (p) وأن هنالك عناصر تتحدد بموجب الطريقة التي تسعى منشأة الأعمال الصغيرة إلى تبنيها كأن تكون الطريقة تكامل خلفي أو أمامي (Backward or Upstream) ، كأن تسعى إلى التكامل مع منشأة صغيرة لتسويق سلعها أو لاستكمال حاجتها من العناصر التي تساهم في رصد مدخلاتها ومستلزماتها الإنتاجية على أساس التوريد من الخارج (Outsourcing) والذي يعني استكمال حاجتها من مصادر خارج إطار إمكانياتها الذاتية ووفق صيغ وأشكال وسياسات تحددها المنشأة الصغيرة كاختيار استراتيجي Strategic Choice . وتقوم هذه العلاقة على نظرية الاستغلال الأمثل للطاقات التي توفرها بيئة التكامل على نطاق محلي أو دولي وتوفير حوافز قوية لتدنية الكلف وتقصية العوائد ولا سيما في حالة التحولات التي تشهدها الأسواق في إطار العولمة .
    والجدير بالذكر أن الخيارات المثالية هي الخيارات التي تحقق قيمة مضافة من خلال إعادة هندسة العلاقات بين المنشآت الصغيرة القائمة على أساس التكامل ، ومتى ما تفوق المنافع من التغيير تكاليف هذا التغيير فإن خيارات التكامل لا يمكن التراجع عنها .
    وفي هذا السياق يمكن أن نعرض نموذجاً رياضياً يوضح مدى نجاح أو فشل استراتيجية التكامل التي تنشدها منشآت الأعمال الصغيرة ومهما كان نوع التكامل
    (Caillaud & Jullien, 1995: P. 434) . ويتمثل النجاح بالمنفعة (U) خلال مدة زمنية محددة t ، وبذلك ينشد مالك المنشأة الصغيرة تحقيق منفعة خلال مدة معينة (Ut) . ومن الممكن أن يعبر عن هذه المنفعة بتعظيم العوائد (Maximize the revenues) ، فعند تكامل منشأة صغيرة (A) ومنشأة صغيرة (B) فإن خصائص هذا التكامل يتمثل بالنموذج الرياضي:


    So that
    for U non negative
    وعلى هذا الأساس فإن العائد المتحقق للمالك من خلال التكامل هو
    U¬¬ > 0
    ,
    where
    ومتى ما تشير المحصلة النهائية التي تحصل عليها من قيمة (لامبدا) أكبر من الصفر فإن بوادر التكامل الإيجابي تتسع ضمن مدى التوزيع الذي تعرضه معادلة التوزيع :



    وفي سياق الحديث عن تدنية الكلف Minimal cost التي ينطوي عليها التكامل بين المنشآت الصغيرة سيكون من خلال مقارنة قيم  / U والتي يجب أن تكون اقل ما يمكن، وتكون النتيجة التي تشير إلى ذلك من خلال :
    U-y = Positive
    أي يجب أن تكون موجبة .
    وهذا النموذج هو محصلة للمؤشر الذي يتحدد بـ :

     > 0
    ومسار تنفيذه من خلال :
    a  0, 1/2
    والذي يتحقق وفقاً للعلاقة الرياضية الآتية :




    إن انخفاض قيمة (لامبدا) ويصاحبه انخفاض في قيمة الانحراف المعياري والتباين يؤدي إلى تحسين محصلة نموذج التكامل بين منشأة الأعمال الصغيرة .
    إذ أن مؤشر  و  يعدان مهمان كلما اقتربا من الصفر
    مما لا شك فيه أن التكامل بين المنشآت الصغيرة ليس بالضرورة أن تتجه نحو منشآت أعمال كبيرة ، وإنما الهدف الرئيس يكمن في الإبقاء على السعة الكفوءة الصغيرة الحجم (Minimum Efficient Scale) ، وتعرف عندئذٍ المنشأة الصغيرة الحجم بأنها منشأة أعمال ذات الحجم الذي يصل فيه معدل كلفته أقل ما يمكن على مدى زمني بعيد ، وأن سعة حجم الأعمال تزداد بازدياد التكامل الذي يضيف إلى عناصر العمليات التحويلية كلف اقتصاديات المجال (Economies of Scopes) والذي يعني بأن كلف إنتاج أكثر من سلعة في مصنع واحد أو تسويق أكثر من خدمة في منشأة أعمال واحدة هو اقل من مستوى الكلفة التي تنجم عن الإنتاج أو التسويق في منشآت أعمال متفرقة. (Brickley et. al., 1997: P. 104)
    وتفيد هذه القاعدة النظرية باستعراض الدالة الرياضية التي تساعد في تخمين الكلفة المستهدفة من التكامل المنشود في إطار اقتصاديات السعة واقتصاديات المجال وعلى النحو الآتي :
    VC = bQ
    Where:
    VC = Variable Costs
    b = Market Response Parameter
    Q= Quantity of Output produced

    وعلى هذا الأساس فإن التكامل في الأسواق العربية وتفعيل العلاقات التجارية يؤدي ذلك إلى تعاضد الأنشطة الأعمالية Synergy في منشآت الأعمال ويتسع السوق للزيادة في حجم المخرجات ومن ثم تعزيز مزيد من التكامل الخلفي والأمامي وتهيئة مناخ الاستثمار في منشآت الأعمال الصغيرة . وفي هذا السياق فإن المزيج الأمثل للتكامل الخلفي والأمامي يمكن أن يحسب على أساس تطوير كفاءة الإنتاج في منشآت الأعمال وعلى وفق ما يأتي :

    MPi / Pi = MPj / Pj
    For all inputs i and j
    ومع زيادة منحنى الطلب على عوامل التكامل فإن ثمة زيادة في السلع الحدية على السعر والتي تعكس الزيادة التراكمية على المخرجات من المدخلات والتي ترتبط باستثمار وحدات نقدية مضافة ، وهكذا يتم تفعيل الدور الإنمائي الذي تلعبه وحدات الأعمال الصغيرة في الاقتصاديات العربية محلياً وإقليمياً ، ونعبر عن هذه العلاقة بالمعادلات الرياضية الآتية :
    Pi / MPi = Pi / MPi = Mc
    Where MR = MC
    Then Pi = MR * MPi
    وهكذا فإن الدخل التراكمي يتحقق Incremental Revenue في إطار تهيئة ظروف التكامل المنشود لمنشآت الأعمال الصغيرة .
    إن العوائد من السعة أو الحجم (Return to Scale) هي الأخرى من الممكن رفضها في إطارها الكمي ، والذي يعكس المدى الذي يذهب إليه التكامل في منشآت الأعمال ، إذ أن التباين النسبي الحاصل في الحصول على مزيج مدخلات من مصادر خارج منشأة الأعمال يتحدد من خلال علاقة ذلك التباين بالمدخلات التي تنشدها عملية التكامل . وبتطبيق هذه النظرية فإن الافتراض الذي يشتق منها هو أن التغيير الذي يحصل بنسبة (1%) لجميع المدخلات التي تدخل في العملية الإنتاجية فإن النتيجة لا بد وأن تنعكس بنسبة أعلى من (1%) على المخرجات.(*)
    وتكون المعادلة هي :
    Q = SA
    وفي حالة النظر إلى المسألة باتجاه معاكس فإن تحقيق مستوى التكامل الخلفي أو الأمامي بنسبة معينة فإن مستوى انخفاض حجم المخرجات سيكون أقل من مستوى نسبة التخفيض المستهدف في عملية التكامل ، وتكون المعادلة هي :

    Q = S 1/3 A 1/3

    وبذلك فإن الفرضية الفلسفية التي عرضها البحث الحالي تنسجم تماماً مع الافتراضات التي تم عرضها في الإطار التحليلي للعلاقات المنطقية في المعادلات الرياضية واشتقاقاتها ، وإن تطبيق هذه الافتراضات على أرض الواقع في منشآت الأعمال الصغيرة سوف يحقق مرامي أنموذج البحث الحالي ، فضلاً عن قدرة هذا النموذج على مجاراة الإمكانات الوفيرة التي تنعم بها الدول العربية على انفراد ، فكيف إذا تم تطبيق هذا الأنموذج في إطار عربي شامل نحو استشراف تكامل عربي شمل على مستوى منشآت الأعمال الصغيرة .

    رابعاً: الاستنتاجات والتوصيات
    تنطلق الاستنتاجات والتوصيات من الإطارين النظري والتحليلي ، إذ يعكس الإطار التحليلي مجريات الواقع على أساس من رد الفعل الذي يحاكيه البحث النظري ، فضلاً عن مجاراة النموذج الرياضي لمقولات الفلسفات الإدارية والاقتصادية في إطار ممكنات الواقع العربي .
    إن أغلب الطروحات البحثية في إطار ما يشهده العالم اليوم من تكتلات اقتصادية وتوجهات عالمية نحو أهمية التكامل بين منشآت الأعمال على اختلافها محلياً وإقليمياً وعالمياً، إذ إن نتائج العمل الجماعي وتوظيف الميزات التنافسية يعود بالنفع العام على تلك المجاميع . وفي هذا السياق لم تخلو أهداف اللقاءات العربية الرسمية وغير الرسمية من الحديث عن النتائج الإيجابية التي يحققها التكامل وتمييز الذات أو السيادة على السوق والمجال الإنتاجي . وتساهم مجموعة عوامل في تحقيق التميّز في الأداء التي حوتها المضامين النظرية في البحث والإطار الرياضي التي تعكس الحصيلة التي يحققها التكامل بن منشآـ الأعمال الصغيرة العربية وعلى النحو الآتي :

     خفض الكلف بسبب تجاوز إشكالية ازدواجية المصروفات الثابتة والعائمة وإلغاء الحلقات الزائدة في عملياتها .
     حماية الموارد النادرة من سيطرة الأطراف الخارجية عليها .
     تحسين مستمر لمستوى التقانة المستخدمة .
     تطوير القدرات التساومية لمنشآت الأعمال الصغيرة في إطار عربي وعالمي .
     استثمار المهارات العربية وتعزيزها وتعميق الثقة بالاعتماد على الذات .
     رفع دخل المنشآت الصغيرة من خلال رفع العوائد التي تحققها عملية التكامل بأنواعه.
     إسهام منشآت الأعمال الصغيرة في استيعاب أفواج رأس المال البشري والفكري الذي تعرضه أسواق العمل العربية .
     رفع كفاءة هذه المنشآت بخصوص استخدام رأس المال العربي وتعبئة المدخرات المختلفة .
     إمكانية حضانة صغار المستثمرين وتعبئتهم وتوجيههم في إطار احتياجات برامج التنمية العربية .
     إمكانية رعاية صغار المستثمرين وحمايتهم من التراجع نتيجة التأثيرات التي تحدثها تيارات العولمة .
     تهيئة الحجوم وتأهيلها لأغراض حصول المنشآت الصغيرة في إطار التكامل بالحصول على الائتمان المطلوب لاستثماراتها ضمن عمليات التكامل .
    إن الاستنتاجات التي أوردناها أعلاه إنما هي معاني لمقولات التكامل بين منشآت الأعمال الصغيرة التي تستند قراراتها على تقديرات مدروسة بشكلٍ جاد على أسس توزيع مخاطر الاستثمار في ظروف يشوبها قدر من الغموض وتنوع فرص الاندماجات والتحالفات وما ينطوي عليها من المناورات الاستراتيجية ضمن هياكل السوق المحلية والعالمية .
    واستكمالاً لما ورد من استنتاجات فإن البحث الحالي يطرح مجموعة توصيات أهمها ما يأتي :
     تعدّ المناخات التنموية العربية سواءً على مستوى البلد الواحد أم على مستوى البلدان العربية من أهم مستلزمات نجاح العملية التكاملية . ولا سيما وأن دافع الأطراف التي تصبو إلى التكامل تبحث عن عوائد مستقبلية خالية من حرب الحوافز التي أفرزتها العولمة . إذ إن التضحية بعوائد آنية من التكامل يعدّ عنصراً مهماً في نجاح مأمول في الأمد القريب .
     ضرورة ترشيد المناخ التنموي ومعالجة الإختلالات الهيكلية القائمة ، والعمل على صياغة سياسات لمجالات الاستثمار الداخلي والخارجي ومعالجة المبادلات التجارية والخدمية على نحوٍ واضح وبما يسهم في تحديد استراتيجية واضحة المعالم لطبيعة التكامل بين منشآت الأعمال الصغيرة . ولعل التركيز على تنويع الاستثمارات في هذه المنشآت يساعد في تنشئة جيل تنموي يحمل بواعث التكامل والتقدم بين منشآت الأعمال الصغيرة .
     تنشئة التجارة البينية كأحد مقومات النماء المحلي والعربي . إذ إن الدول العربية بحاجة إلى تجارة بينية قوامها منشآت الأعمال المختلفة أكثر من غيرها في هذا العالم. ولعل دعم الدول العربية لهذه التنشئة من خلال توسيع أنماط الإنتاج والخدمات على نحوٍ تكاملي من جهة والتوسع في التسهيلات اللوجستية التي تقوم عليها الأنشطة التجارية المختلفة من جهةٍ أخرى يخدم في تعزيز استراتيجيات التكامل بين منشآت الأعمال الصغيرة في الوطن العربي .
     ضرورة تحليل الإدارات القائمة على إدارة المنشآت الصغيرة حجم التحديات والقيود التي قد تواجهها أمام الاستراتيجيات التي تصاغ في المنشآت التي تعمل ضمن رعاية القائمين على تطبيق منهج العولمة ، وعلى وجه الخصوص تحديد مستقبل هذه المنشآت في ظل سياسات منطق التجارة العالمية (WTO).
     توفير مقومات المناخ الاستثماري العربي وإسناده من خلال عناصره الرئيسة المتمثلة بالضمان والمردود والسيولة وتكوين قناعات الاستثمار في منشآت الأعمال الصغيرة ضمن مظلة المناخ الاستثماري سيقود حتماً إلى التوسع في تقليد النماذج الناجحة في السوق العربية ، ولا سيما عندما ترتبط هذه العملية بتحويل التكاملات الإنتاجية حصراً وما يتفرع عن هذا النوع المناخ من بورصات وأسواق مالية عربية من عدم التقليل من أهمية التمويل بوساطة الائتمانات المصرفية التقليدية .
    وعموماً ، إن حالة التكامل المأمول على نطاقٍ عربي مرهون بتفاعل العديد من العوامل المار ذكرها ومحصلة للجهود البحثية في هذا المضمار .


    ________________________________________
    (*) يقصد بالمنظم (Entrepreneur) بأنه صاحب المشروع الذي يبادر بالقيام بلإنشاء مشروع صغير وبملكية خاصة وذو نزعة مرتبطة بالتنمية الاقتصادية ومستعد لتحمل المخاطرة.
    (*) e.g. 100 pounds of steel and 100 pounds of aluminum produce 10.000 auto parts while 101 pounds of steel and aluminum produce 10.201 auto parts (a 2% increasing in outputs).


    المصادر
    المصادر العربية
     محمود ، عبدالرحيم الريح (دكتور) ، حضانة صغار المستثمرين ، آفاق اقتصادية ، المجلد 19 ، العدد 74 ، 1998.
     شيحا ، مازن ، تعزيز القدرة التنافسية للصناعات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون العربي لدول الخليج العربية ، آفاق اقتصادية ، المجلد 22 ، العدد 88 ، السنة 2001.
     أبو قحف ، عبدالسلام (دكتوراه) ، اقتصاديات الأعمال والاستثمار الدولي ، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية ، جمهورية مصر العربية ، 2001 .
     شرارة ، مجدي عبدالله (مهندس) ، أهمية تكامل الصناعات الصغيرة مع الصناعات الكبيرة : دراسة حالة لمدينة العاشر من رمضان ، آفاق اقتصادية ، المجلد 21، العدد 85 ، السنة 2001 .
     شاكر ، محمود ، سكان العالم الإسلامي ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1976 .
     بدوي ، محمد طه (دكتور) ، مدخل إلى علم العلاقات الدولية ، دار النهضة العربية ، بيروت ، 1972 .
     جنسن ، لويد (دكتور) ، تفسير السياسة الخارجية ، ترجمة د. محمد بن أحمد مفتي و د. محمد السليم سليم ، عمادة شؤون المكتبات ، جامعة الملك سعود ، الرياض ، السعودية ، 1989 .
     الحمصي ، محمود (دكتور) ، خطط التنمية العربية واتجاهاتها التكاملية والتنافرية ، دراسة للاتجاهات الإنمائية في خطط التنمية العربية المعاصرة لآراء التكامل الاقتصادي العربي 1960-1980 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ت1 ، 1980 .
     السيد ، إسماعيل محمد (دكتور) ، الإدارة الاستراتيجية : مفاهيم وحالات تطبيقية ، المكتب العربي الحديث ، الإسكندرية ، 1990 .
     هيلين ، توماس و ديفيد هنجر ، الإدارة الاستراتيجية ، ترجمة د. محمود عبدالحميد مرسي ، و د. زهير نعيم الصباغ ، معهد الإدارة العامة ، المملكة العربية السعويدة ، 1990 .

    المصادر الأجنبية
     Huxtable, Neil, Small Business Total Quality, Chapman & Hall, London, 1995.
     Brickley, James A., & Clifford W. Smith & Jerold L. Zimmerman, Managerial Economics and Organizational Architecture, Irwin & McGraw-Hill, Boston, U.S.A., 1997.
     Claillaud, Bernard, & Bruno Jullien, Managerial Incentives Based on Acquisitions of Information, Journal of Economics & management Strategy, Vol. 4, Number 3, Fall, 1995.


    آ. د. طارق شريف يونس
    رئيس قسم إدارة الأعمال
    جامعة الموصل / الموصل – العراق
    ص. ب. (78)
    International Fax: 00946081433
    e-mail: col-admeco@urulink.net




    عنوان الكتاب
    Charles W.L. Hill and Gareth R. Jones " Strategic Management Theory : An Integrated Approach
    "5th ed. ( Houghton Mifflin Company, Boston, USA,2001"