العلاقات الأمريكية - الروسية .. إلي أين ? .. وجهة نظر صينية* د. السيد أمين شلبي

الموضوع في 'منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية' بواسطة عزازنة رياض, بتاريخ ‏20 ابريل 2010.

  1. عزازنة رياض

    عزازنة رياض مشرف منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية

    منذ مؤتمر الأمن الذي عقد في فبراير 2007، والذي شهد انتقادات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للولايات المتحدة، والمتابعون للعلاقات الروسية - الأمريكية يرصدون انتقال الرئيس الروسي من الأقوال إلي الأفعال في تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة الأمريكية. وقد توترت العلاقات الروسية - الامريكية مؤخرا بسبب مشروع الدرع الصاروخية الذي تعتزم الولايات المتحدة إقامته في كل من بولندا وتشيكيا، الأمر الذي عارضه بوتين بقوة، واعتبره انه - ولأول مرة في التاريخ - يمد القدرة النووية الأمريكية إلي الأراضي الأوروبية. ويري بوتين أن ذلك سوف يغير البيئة الدفاعية والأمنية لأوروبا بشكل لا يترك أمام روسيا من خيار إلا أن تجيب عليه، وهو ما فعله بوتين بالفعل بتهديده بتوجيه الصواريخ الي اوروبا واصداره أمرا في 14 يوليو 2007 لوقف التزام روسيا بمعاهدة الاسلحة التقليدية في أوروبا CFE.

    ونتصور أن من أكثر الناس قربا ودقة في متابعة العلاقات الامريكية - الروسية وتقييمها علي المستوي العالمي هم - لاعتبارات كثيرة - الباحثون الصينيون. ومن هنا، توقفنا عند الدراسة المعمقة التي كتبها الباحث الصيني Zha Beixin في دورية Foreign Affairs Journal (Autumn 2007) الصينية، التي تصدر عن معهد الشعب الصيني للعلاقات الخارجية والتي جاءت تحت عنوان: 'إلي أين تتجه العلاقات الروسية - الأمريكية?'. في هذه الدراسة، يركز الباحث علي تقصي الاسباب وراء هذا التحول في اتجاه روسيا نحو الولايات المتحدة وانتقالها من عهد يلتسين، حيث تكيفت السياسة الروسية الخارجية مع المطالب والمواقف الامريكية والغربية بوجه عام، إلي عهد فلاديمير بوتين الذي أعاد تكييف هذه السياسة بشكل يؤكد فيه استقلالية القرار الروسي ومكانة روسيا ودورها في الشئون الدولية.
    ويرصد الباحث ثلاثة اسباب لهذا التحول.

    1 - اتجاه السياسة الروسية الي مزيد من الواقعية . ورغم أن سياسة الرئيس السابق يلتسين في التوافق الكامل مع السياسات الغربية كان لها في البداية صدي شعبي في روسيا، الا ان هذا الدعم قد تصدع نتيجة للانحدار الذي شهدته روسيا في حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي. وكان الدرس الذي استخلصته روسيا من هذه التجربة ذا شقين: الاول ان بلدا كبيرا مثل روسيا يجب الا تعتمد الا علي نفسها في التطور والتنمية. اما الدرس الثاني، فهو ان النقل الاعمي لنماذج التنمية الاجنبية مقضي عليه بالفشل، وان علي روسيا ان تجد طريقها الخاص الي ذلك. وهكذا فعند مجئ بوتين للسلطة، فقد اتخذ عدة قرارات لدعم السلطة المركزية وإحكام سيطرة الدولة علي خطوط الحياة الاقتصادية، الامر الذي جعل روسيا - وهي تدخل القرن الحادي والعشرين - تستعيد الاستقرار السياسي والاقتصادي، وبالتالي شهد الشعب الروسي تحولا ملحوظا في حياته.

    2 - لمست روسيا ان الولايات المتحدة لا تنظر إليها كشريك، فقد ظلت واشنطن تنظر لموسكو كمنافس محتمل يجب منع إحيائه واستخدام كل فرصة لإضعاف نفوذه.من ناحية أخري، فان اندفاع الولايات المتحدة لم يتوقف لبناء قدراتها العسكرية، كما انها قد انسحبت من معاهدة الصواريخ المضادة Anti Ballistic Missiles وكثفت جهودها لتطوير نظام دفاع صواريخ عالمي. وفضلا عن ذلك، شجعت الولايات المتحدة حلف الناتو علي زيادة توسعته شرقا، وجاء انضمام بولندا والمجر وجمهورية التشيك عام 1999 لكي يدفع بحدود المنظمة الشرقية الي 600 كم شرقا. كما ان انضمام بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وثلاث من دول البلطيق الي حلف الناتو بعد ذلك بخمس سنوات أوصل المنظمة الي ابواب روسيا. بينما أدي ما سمي بالثورات البرتقالية في جورجيا وأوكرانيا إلي تزايد قوة الاندفاع نحو انضمام البلدين الي حلف الناتو.

    3 - ميزان القوي بين روسيا والولايات المتحدة عند انهيار الاتحاد السوفيتي، انخفض الدخل القومي الروسي إلي النصف ، وظهرت الولايات المتحدة كالقوة الدولية الوحيدة، التي لا تجاريها أي دولة أخري في قوتها الشاملة، ولكن الوضع تغير حاليا. فرغم ان الولايات المتحدة تقود العالم في القوة العسكرية والتكنولوجية، فان وضعها الاستراتيجي يتآكل، وتواجه إدارة بوش بشكل متزايد التحدي والضغوط - داخليا وخارجيا - بالنظر الي العبء المتزايد في العراق. هذا التحول النسبي في ميزان القوي دعم ثقة روسيا في نفسها في التعامل مع الولايات المتحدة.

    ويتابع الباحث تحليله لواقع العلاقات الروسية - الامريكية واحتمالاتها، فيعتبر انه بالنظر الي الاهداف الاستراتيجية والجيوستراتيجية والمصالح الجيوبوليتيكية المختلفة، فان النزاع الروسي - الامريكي الجاري من الصعب حله، فالبلدان يدخلان الانتخابات الرئاسية، حيث ستجعل السياسات الانتخابية في موسكو وواشنطن من الصعب إحداث تحسن كبير في العلاقات الثنائية في المستقبل القريب اكثر صعوبة. ويضاعف من ذلك الاتجاه السائد حاليا في الولايات المتحدة تجاه روسيا، واتهام بوتين بالتراجع عن الديمقراطية والدعوة الي اتخاذ موقف حازم تجاهه. بل إن مرشحا جمهوريا للرئاسة هو جون ماكين اقترح علي الدول الغربية طرد موسكو من مجموعة الدول الثماني. وعلي هذا، فانه بالنظر الي المناخ السياسي الجاري، فانه ليس من المحتمل ان يخفف الكرملين او البيت الابيض من مواقفهما، ولهذا فان القيود علي العلاقات الروسية - الامريكية يمكن ان تستمر لبعض الوقت، كما انه لا ي ستبعد مزيد من التدهور.

    غير أن السؤال الذي يتردد هو: هل يعني هذا عودة الاجواء وعلاقات الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة والغرب عموما? ويجيب الباحث بأن حربا باردة جديدة ليست في الافق، أولا لأن البيئة الدولية مختلفة تماما عن تلك التي سادت في القرن الماضي، والعالم يتحرك بشكل غير قابل للعودة نحو تعدد الاقطاب Multi Polarization فلم يعد هناك معسكران مختلفان علي المستوي الايديولوجي، معسكران يلوح أحدهما بالسيف تجاه الآخر، بالاضافة الي ان التوازن بين قوة روسيا، والولايات المتحدة لم يعد نفسه كما كان من قبل. فرغم ما تشهده روسيا من انبعاث، فإنها لم تعد بعد قوة عظمي كما كانت من قبل، وقوتها الشاملة تبدو باهتة امام قوة الولايات المتحدة، حيث إن مجموع الناتج القومي اقل من 12/1 من إجمالي الناتج القومي بالنسبة للولايات المتحدة. ولأنها لم تعد توازن الولايات المتحدة، فان روسيا لا تستطيع ان تتجه اتجاها هجوميا وتنافس من اجل التفوق العالمي كما كانت تفعل خلال الحرب الباردة. وعلي أكثر تقدير، لن تبلغ روسيا من القوة اكثر من أن تكون واحدا من عدة مراكز في عالم اليوم، وبالتأكيد فان المواجهة العالمية مع الولايات المتحدة ليست هي ما تعتزم ان تفعله روسيا. يضاف إلي ذلك أن روسيا والولايات المتحدة لديهما مصالح مشتركة وتحتاجان لتعاون بعضهما بعضا في محاربة الإرهاب الدولي ومنع الانتشار. والواقع ان كلا الجانبين يحرص علي ان يترك للآخر فرصة للمناورة. وحتي في قمة علاقاتهما المتوترة، فان قنوات اتصال منتظمة تركت مفتوحة. هذا فضلا عن أن الاتحاد الأوروبي لا يرغب في ان يري توترا أكثر في العلاقات الأمريكية - الروسية. ورغم ان دول الاتحاد تشارك واشنطن وجهة نظرها في الديمقراطية المتراجعة في روسيا، فان الاتحاد الأوروبي أيضا علي وعي بعلاقته التجارية الوثيقة مع موسكو، خاصة اعتماده علي إمدادات الطاقة الروسية، الأمر الذي يجعله يتردد في مخاصمة موسكو أكثر من اللازم.

    ويستخلص الباحث أن العلاقات الروسية - الأمريكية سوف تظل علاقات معقدة تنطوي علي الاختلاف والتعاون، ولكنها لن تتطور الي مواجهة كاملة أو إلي حرب، فالولايات المتحدة سوف تستمر في ضغطها علي روسيا، وروسيا سوف تستمر في المقاومة، وسوف يتعاون الجانبان حيثما كان ذلك ممكنا، وسوف ينتقمان من بعضهما بعضا حيثما كان ذلك ممكنا.

    وينتهي الباحث إلي أن العلاقات الروسية - الأمريكية لن تكون في المستقبل امتدادا لسياسة الاتجاه بشدة نحو الغرب والتي سادت عقب تفكك الاتحاد السوفيتي مباشرة.