العدالة.. مستشفى الشعوب

الموضوع في 'منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية' بواسطة MentalitéDZ, بتاريخ ‏8 ابريل 2010.

  1. MentalitéDZ

    MentalitéDZ عضو جديد

    على الأدراج الرخامية لمجلس قضاء الجزائر، جلس رجل خمسيني يبكي. كان وحيدا، ويبدو عليه اليأس والإحباط. كان يردد عبارة واحدة: "هذي ماهيش عدالة"!؟ وأمام العاطفة المشينة التي لا أزال أرثها، تقدمت منه لأواسيه، وربما أجلس معه وأبكي، فقد كنت في نفس حالة انهياره تقريبا: دخلت هذا المبنى الفخم مدافعا عن حق الدولة كبطل، وخرجت منه محكوما عليه كمجرم! لكن الرجل لم يترك لي فرصة مواساته. قال: سأنقل قضيتي أمام المحاكم الدولية.. وغادر المكان.

    وعلى ذلك الدرج الرخامي، تداعت في ذاكرتي جهود واجتهادات ونضالات وثورات الشعوب من أجل الحق في العدالة في مختلف أنحاء العالم، وعبر مختلف الحقب التاريخية.. وتأكدت أن العدالة هي مستشفى الشعوب الذي تجد فيه إكسير الحياة أو علقم الموت.

    لا نعرف في التاريخ شعبا من الشعوب استطاع أن يحيا دون عدالة أو تحت سلطة ظالمة، ولا نعرف حضارة سادت بقضاة لا يعرفون الحقوق ولا يحكمون بالمنطق. ليست ثورات الجوع هي التي حركت التاريخ في نهاية الأمر، وإنما ثورات البحث عن العدالة، فالجياع غالبا عندما يشبعون، يرقصون، أما المظلومون، فلا يجنحون إلى السلم إلا إذا أخذوا حقهم.

    منذ حمورابي العظيم، يلجأ المظلومون، حين تضيق بهم الطرق، إلى العدالة كي تنصفهم وتقتص لهم، لأن أي طريق آخر للاقتصاص سيكون غير قانوني ـ حسب قانون حمورابي هذا ـ ويعاقب عليه القانون. وبفضل اليد الطويلة والصارمة للعدالة، يتردد المجرمون والجنح في ارتكاب ما يعاقب عليه القانون، ويعيش الناس بسلام في حمى قضاء يسهر على حماية حقوقهم. هكذا تحيا الشعوب وتبنى الحضارات.

    لكن العدالة في الجزائر مصدر شؤم في ثقافتنا الاجتماعية، لا يلجأ إليها الناس إلا لأنهم يخافون منها ويخشون ظلمها، وحين يضطر أحد للجوء إليها، ففي الغالب لا ينتظر منها إنصافا. أحد القضاة قال لي مرة: لست هنا لأحكم بالعدل، أنا هنا لأطبق القانون! تبدو هذه المقولة وكأنها صحيحة. لكن الجزائر المحصنة جيدا بترسانة من القوانين ومصادر التشريع، تعاني من مشكلة تطبيق القوانين، وبالتالي تعاني من عدالة ظالمة.

    سأترك جانبا وباء الرشوة المهينة التي وسخت أيدي بعض القضاة الفاسدين، والتي أصبح بعضها منشورا ومقروءا في الصحف، وسأترك التدخل السياسي المهين أيضا في عمل القضاة، وكذلك التخلف الإداري والأمية التي يعاني منها قطاع العدالة، لكنني مثلما قال لي أحد المحامين: لو كنت مكان وزير العدل، لفرضت على القضاة كل يوم حفظ مادة من القانون، وكل أسبوع قراءة كتاب في الثقافة العامة لتوسيع مداركهم، وأفرض عليهم إعادة رسكلة مرة كل خمس سنوات، وطرد كل من يخطئ في ثلاث من أحكامه!

    للأسف، هذا النوع من الأفكار البناءة لن تصل به إلى منصب وزير، وهو بهذه السياسة سيثقل كاهل القضاة المثقل أصلا بأشياء أهم، ليس القانون ولا الثقافة ولا توسيع مداركهم من أولوياته.. وأغلبهم يعرفون أن العدالة الجزائرية أصبحت أضحوكة بين الناس، ليس لأن بعض أحكامها بلهاء وغير عادلة فقط، وإنما لاختراقها القانون الذي هي موجودة أصلا لتطبيقه. على كل، لخص الجزائريون كل هذا في نكتة مضحكة، فقد سأل رجل أحد العابرين عن موقع قصر العدالة، فقال الرجل: أما القصر فها هو أمامك، أما العدالة فلا أعرف أين تقع

    عبد العزيز غرمول