الصين والشرق الأوسط .. بين رمزية السياسة وتكامل الاقتصاد‎

الصين والشرق الأوسط .. بين رمزية السياسة وتكامل الاقتصاد‎
* ‎د. حسن أبوطالب‎

مع نمو الصين اقتصاديا وحاجتها المتزايدة إلى الأسواق الخارجية والاستثمارات والمواد الأولية، تغيرت ملامح ‏سياستها الخارجية تجاه الكثير من مناطق العالم المختلفة. فالصين، التى كانت حتى أوائل الثمانينيات مجرد ‏أكبر اقتصاد زراعى مكتف ذاتيا، أصبحت فى عام 2005 سادس أكبر اقتصاد فى العالم، وبلغ إنتاجها المحلى ‏الإجمالى 1.2 تريليون دولار أمريكى، ويتجاوز نموها الاقتصادى السنوى 9%، وتعد - وفقا لبيانات 2006 - رابع ‏قوة اقتصادية فى العالم بعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا. كما تمتلك نحو 100 مليار دولار أمريكى من ‏احتياطيات النقد الأجنبى، لتصبح واحدة من كبريات الدول التى تملك احتياطيات من النقد الأجنبي‎.

ويعد الهدف الأكبر للسياسة الصينية الآن هو تأمين عناصر عملية التنمية فى الداخل، باعتبار أن الاستمرار فى ‏هذه التنمية‎ ‎سيؤمن للصين استقرارها فى الداخل ودورها العالمى فى الخارج. ويلى ذلك أهداف أخرى، مثل ‏تأمين سياسات عالمية تقود إلى عالم متعدد الأقطاب، تسوده المصالح المتبادلة عبر تعاون جماعى، والعمل ‏على احتواء بؤر التوتر الإقليمية المختلفة عبر الحوار، والابتعاد عن المواجهات العسكرية، ومتابعة التنافس ‏السلمى مع القوى الكبرى الأخرى، وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية‎.

وفى العامين الأخيرين، بدأ قادة الصين يتحدثون عما يعتبرونه هدفهم الأسمى، وهو بناء عالم متناغم يعتمد ‏الحوار والتعاون والانفتاح المتبادل. ففى خطاب الرئيس الصينى هو جنتاو، أمام مجلس الشورى فى أثناء زيارة ‏نادرة للمملكة العربية السعودية، فى أبريل 2007، عبر عن رؤيته لبناء عالم متناغم بأنه يتطلب السعى من أجل ‏الحفاظ على تنوع الحضارات ومسيرة التنمية والالتزام بالحوار وتبادل الآراء بين الحضارات، والتمسك بروح ‏الشمول، والسماح للحضارات بتكملة كل منها الأخرى من خلال التنافس، والنمو معا، وإيجاد أرضية مشتركة، ‏مع تنحية الخلافات جانبا، وضرورة أن تقر جميع الدول بالاختلافات فى التقاليد الثقافية، والأنظمة الاجتماعية، ‏والقيم، ومسيرة التنمية للدول الأخري‎.

أولا- الشرق الأوسط كمجال للتحركات الصينية‎ :

وفى الآونة الراهنة، يعد الشرق الأوسط إحدى أكثر مناطق العالم تأثيرا فى عملية التنمية الصينية، وهو الذى ‏يمتد من باكستان شرقا إلى شمال إفريقيا غربا، ويضم منطقة الخليج وبلدانا أساسية كإيران، وباكستان، ‏والسعودية، ومصر، وإسرائيل. ويمكن تحديد أهمية الشرق الأوسط للسياسة الصينية فى كونه المصدر ‏الرئيسى للنفط العالمى من جهة، ولواردات الصين النفطية المتزايدة من جهة أخرى، ناهيك عن كونه الأسواق ‏الكبيرة التى تلتهم المنتجات الصينية من كافة الأنواع، فضلا عن صادرات السلاح الصينية المتنوعة التى تذهب ‏إلى العديد من بلدان هذه المنطقة‎.

ومؤخرا، بدت القيمة الاستراتيجية للإقليم تتعاظم مع زيادة الموارد المالية للعديد من الدول الرئيسية فيه نتيجة ‏ارتفاع أسعار النفط، ومن ثم ارتفاع الوفورات المالية، لاسيما الخليجية التى لم تعد تشعر بالأمان الكافى فى ‏الولايات المتحدة أو بلدان الاتحاد الأوروبى، ومن ثم أخذت فى البحث عن أسواق واقتصادات تقبل استثمار هذه ‏الوفورات، وتكون قادرة على استيعابها فى أنشطة اقتصادية، وخدمية، وصناعية، وزراعية، مما ولد حاجة صينية ‏‏- شرق أوسطية متبادلة لتوظيف هذه الأموال المتعاظمة عبر بناء شراكات استراتيجية فى مجالات التصنيع ‏والخدمات والمبادلات الثقافية‎.

وفى المجال الثقافى، ثمة تحركات إيجابية، فقد أقيمت دورتان لندوة الحوار الحضارى بين الصين والدول العربية ‏فى إطار 'منتدى التعاون الصينى - العربي'، وأقام الطرفان بصورة متبادلة 'مهرجان الثقافة الصينية' و'مهرجان ‏الثقافة العربية'، وأقيمت معارض للخزف الصينى، والتطريز الصينى، والفنون الشعبية الصينية، والعادات ‏الاجتماعية الحديثة فى الصين فى عديد من الدول العربية، وفتحت العديد من الجامعات الصينية اقساما ‏لتدريس اللغة العربية التى تجد طلبا متصاعدا من قبل الطلاب الصينيين‎.

وما دام الأمر يدمج ما بين الاقتصاد والتجارة والتبادل الثقافى، فإن الحاجة إلى الاستقرار فى الإقليم تمثل لدى ‏السياسة الصينية أولوية قصوى، وهو استقرار يبعد عن الصين أعباء التورط فى أى مواجهة أو توتر، سواء مع ‏الأطراف الإقليمية المتورطة فى هذا النزاع، أو مع الولايات المتحدة التى تعد القطب المهيمن على سياسات ‏الإقليم بدرجة أو بأخري. ولهذا، تتبع الصين دائما سياسة حذرة يسودها الحياد تجاه أطراف الصراع، مع ‏الاستمرار فى تنمية علاقاتها الذاتية مع كل الأطراف فى المجالات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية إن وجدت‎.

ولا يخلو الأمر أحيانا من القيام بعمل رمزى يقلل الانتقادات التى عادة ما توجه للصين، باعتبارها عازفة عن ‏ممارسة دور يناسب مكانتها كقوة كبرى لها حق الفيتو فى الأمم المتحدة، وعليها التزامات تجاه الأمن والسلم ‏الدوليين لا يجوز التخلى عنها. بيد أن هذه التحركات والأعمال الرمزية لا تقود إلى تغيير رئيسى فى طريقة ‏التعامل الصينى مع هذه الصراعات. وأبرز تلك التحركات الرمزية تعيين مبعوث صينى خاص لأزمة الشرق الأوسط ‏الكبرى منذ 2004 للتواصل مع أطراف الصراع العربى - الإسرائيلى، وتشجيعهم على مواصلة الحوار والوصول ‏إلى تسوية تاريخية. وتبدو مشاركة الصين فى الآلية الجماعية التى تضم الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبى، ‏وروسيا لمعالجة أزمة البرنامج النووى الإيرانى، بعد فترة امتناع وتردد، كنموذج آخر للتغير النسبى فى السلوك ‏الصينى تجاه الأزمات الدولية، ولكنه لا يغير من منطلقات الصين شيئا، لاسيما‎ ‎الإصرار على الحل التفاوضى ‏للأزمة الإيرانية مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، ورفض أسلوب العقوبات أو المواجهة العسكرية‎.

إن سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط، بقضاياه ومشكلاته وفرصه الاقتصادية الرائعة، تعد نموذجا حيا للطريقة ‏التى تفكر بها الصين لتأمين مصالحها الحيوية، كما تعكس العلاقة الوثيقة بين متطلبات التنمية فى الداخل، ‏والنفاذ إلى أسواق الخارج مع مراعاة التغيرات التى باتت تفرضها العولمة من جهة، والحرب على الإرهاب ‏الدولى من جهة أخري‎.

ثانيا- رؤية الصين للشرق الأوسط ومشكلاته‎ :

يدرك القادة الصينيون الأهمية الكبرى للشرق الأوسط وارتباطه باستمرار حالة النمو الاقتصادى الداخلى بوجه ‏خاص، وبالصعود الصينى فى السياسة الدولية بوجه عام. كما يدركون الحاجة إلى إشاعة نوع من الاستقرار ‏النسبى فى الإقليم ككل، بما يحول دون تعطل المصالح الصينية المتنامية فيه. ويدركون أيضا أن هذه المهمة ‏ليست يسيرة، نظرا لما فى الإقليم من صراعات ممتدة وعمليات تنمية متعثرة، فضلا عن نفوذ أمريكى يصعب ‏تجاوزه وسياسات دولية تقودها واشنطن تميل نحو عسكرة الأزمات. وقد ذكر الرئيس الصينى هوجنتاو، فى ‏خطاب له فى أبريل 2007، أن وجود شرق أوسط متناغم هو فى مصلحة شعوب المنطقة والعالم بأسره على ‏المدى الطويل، كما أن السلام والاستقرار فى المنطقة يعتبر رغبة مشتركة للعالم بأكمله‎.

بيد أن بناء شرق أوسط متناغم، وفقا للرؤية الصينية، يتطلب جهودا فى أكثر من اتجاه. فأولا، ووفقا للرئيس ‏الصينى، ينبغى على جميع الأطراف تحقيق سلام واستقرار إقليمى من خلال تعزيز المشاورات والمفاوضات ‏على قدم المساواة كسبيل وحيد وملائم لتسوية الصراعات والنزاعات. وثانيا، أن يكون هناك احترام متبادل ‏وتمسك بروح الشمول فى معالجة الاختلافات بين مختلف الحضارات فى المنطقة، والمشاركة فى بناء منطقة ‏متناغمة تتعايش فيها جميع الحضارات. وثالثا، لا بد من تشجيع التنمية والتعاون من أجلها، مع الأخذ فى ‏الاعتبار أن دول المنطقة لها تاريخها وتراثها الحضارى الخاص بها، ويتعين احترام وضمان جهود وحقوق الدول ‏المختلفة بالمنطقة فى الاختيار المستقل لأنظمتها الاجتماعية وطريق التنمية الخاص بها. ورابعا، أن يكون ‏التعاون فى ظل ظروف العولمة أسلوبا لتعزيز التفاهم والصداقة بين مختلف الدول، وأن يسهم فى تحقيق الرخاء ‏المشترك، وبالتالى فى تحقيق سلام دائم فى المنطقة والعالم بأسره‎.

قد لا يكون هناك الكثير مما يمكن الجدال بشأن هذه الرؤية، لكن يظل السؤال: ما هو الدور الذى تلعبه الصين ‏بالفعل من أجل تحقيق هذه الرؤية؟ وهو تساؤل يعكس فى جانب منه حالة الفجوة أو المسافة الكبيرة بين رؤية ‏إيجابية فى مضمونها، ودور يفترض أن تلعبه الصين بحكم مسئولياتها الدولية، وكعضو فى مجموعة الخمس ‏الكبار فى مجلس الأمن الدولى، ولكنها تعزف عنه لسبب أو لآخر، أو تمارسه بصورة رمزية فى كثير من الأحيان. ‏وهو سبب يعود إلى تقدير الصين لنفسها وعدم رغبتها فى تحدى الظروف المعاكسة التى تحول دون تحقيق ‏هذه الرؤية، وأولها النفوذ الأمريكى فى المنطقة، والذى عادة ما تعزف السياسة الصينية عن تحديه أو حتى ‏ترشيده، وتفضل كثيرا أن تتماشى معه باعتبار أن هدفها الرئيس هو الحصول على الأسواق والموارد، والابتعاد ‏عن التورط فى مواجهة مباشرة مع القوة الكبرى فى العالم. فالأولوية لدى الصين هى مصالحها المباشرة. وكما ‏يقال دائما، فإن قادة الصين لا يضحون أبدا إلا لدولة واحدة فقط، وهى الصين نفسها‎.

ولفترة طويلة، ورغم تأييد الصين لتسوية تاريخية للصراع العربى الاسرائيلى، فقد كانت تتعمد الابتعاد عن ‏الدخول فى تفاصيل هذه العملية التى تعتبرها تحت الوصاية المباشرة للولايات المتحدة التى لا يمكن تحديها. ‏كما أن الرؤية العربية نفسها، وفقا للإدراك الصينى، تتسم بكثير من الخلافات رغم استنادها إجمالا على ‏المبادرة العربية للسلام منذ عام 2002 ومبدأ الارض مقابل السلام. ولذلك، كان الموقف الغالب للصين هو التأييد ‏عن بعد لكل ما هو متصل بالمفاوضات العربية - الإسرائيلية دون التدخل المباشر فى تفاصيلها، مع الاستمرار ‏فى نسج علاقات قوية مع كل أطراف الصراع دون الانحياز لأحد فى مواجهة آخر، وهو ما يتمثل جليا فى إبلاغ ‏الجانب الاسرائيلى أنهم -أى قادة الصين- يتفهمون قلق تل أبيب من امتلاك إيران أسلحة نووية. ويعتقدون أن ‏على طهران أن تكف عن مساعى امتلاك هذه الاسلحة التى تعارض بكين انتشارها، ولكنهم فى الوقت نفسه ‏لا يمكنهم قبول أو تأييد أى نهج عسكرى ضد إيران أو تشديد العقوبات الاقتصادية الدولية عليها، وفى الآن ‏نفسه يساندون كل جهد سياسى لاحتواء هذه الازمة‎.

ولذلك أيضا، لم يكن لبكين دور فيما يعرف باللجنة الدولية الرباعية المشكلة من الولايات المتحدة وروسيا والأمم ‏المتحدة والاتحاد الاوروبى، والتى تستهدف متابعة ما يتصل بالمفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية‎.

ومما يلفت النظر هنا أن تشارك الصين، بناء على دعوة امريكية، فى مؤتمر أنابوليس الذى عقد فى نوفمبر ‏‏2007، وكان غرضه إحياء عملية تفاوض فلسطينية - إسرائيلية تنتهى بإعلان الدولة الفلسطينية أو - على الأقل ‏‏- تحدد ملامحها النهائية. وفى هذا المؤتمر، طرح وزير خارجية الصين رؤية شاملة لما اعتبره تعزيز أسس ‏السلام فى الشرق الاوسط. وقد تضمنت خمسة مبادئ على النحو التالي‎:

‎1- ‎احترام التاريخ، ونظرا لما يشهده الشرق الأوسط من تغيرات عميقة، يجب على الأطراف المعنية ان تواجه ‏الواقع وتتخذ خطوات جريئة تتماشى مع تيار العصر. ومن ثم، فمن المهم الشروع فى عقد مفاوضات حول قضية ‏الوضع النهائى والعمل من أجل حل القضايا المتعلقة بالحدود واللاجئين وموارد المياه، وإقامة دولة فلسطينية ‏مستقلة تقوم على أساس خريطة الطريق ومبادرة السلام العربية‎.

‎2- ‎نبذ العنف وإزالة العقبات ومواصلة الالتزام الصارم بمحادثات السلام، فالقوة لا يمكنها أن تحقق سلاما دائما‎.

‎3- ‎دفع محادثات السلام بطريقة كلية ومتوازنة وتوفير البيئة المؤدية الى محادثات سلام. وبما أن هناك ارتباطا ‏بين القضية الفلسطينية والقضايا الأخرى فى الشرق الأوسط وأنهما تؤثران على بعضهما بعضا، لذا ينبغى ‏استئناف محادثات السلام بين إسرائيل وسوريا، وبين إسرائيل ولبنان فى الموعد المحدد، حتى يمكن لهذه ‏المحادثات ولمثيلتها الفلسطينية - الإسرائيلية أن تساندا وضع بعضهما بعضا‎.

‎4- ‎إعطاء أولوية للتنمية وتعزيز التعاون من أجل تدعيم أساس محادثات السلام. ومن هنا، تأتى أهمية قيام ‏المجتمع الدولى بزيادة المساعدات الإنسانية ومساعدات التنمية إلى فلسطين، وتأييد الخطة التى اقترحتها ‏الأطراف المعنية من اجل تعاون اقتصادى اقليمى كمدخل لضمان الأمن الاقليمي‎.

‎5- ‎بناء توافق وزيادة الاسهامات وتعزيز مساندة عملية السلام، إذ ينبغى على المجتمع الدولى أن ينفذ تعاونا ‏وثيقا ويقيم آلية متعددة الاطراف ذات قاعدة عريضة ومتوازنة وفعالة لتسهيل ومساندة محادثات السلام، وأن ‏الصين ترحب بجميع الجهود التى ستسهم فى عملية السلام‎.

وتوضح مثل هذه المبادئ، وفقا للوعى الصينى، مدى ارتباط قضية بناء السلام بتأمين الاستقرار الإقليمى، ‏والدور الذى يلعبه التعاون الدولى فى هذا الصدد. كما يظهر أيضا أن الصين لا تعد بشئ محدد، اللهم إلا تأييد ‏العملية السلمية وتقديم المساعدات التنموية للطرف الفلسطيني‎.

وفى السياق نفسه، يبدو الموقف الصينى من أزمة البرنامج النووى الايرانى مستندا إلى مبدأ أن الحوار والنهج ‏السياسى السلمى هما الأمثل لحل هذه الازمة، مع الابتعاد تماما عن كل ما يتصل بالتهديد العسكرى لما له ‏من تأثيرات سلبية على الاستقرار الاقليمى وتأمين مصادر النفط. وبالنسبة للعراق، فلا يخرج الموقف الصينى ‏عن هذا السياق، فهى مع العملية السياسية وتنادى بالمصالحة الوطنية الشاملة التى تقودها الحكومة ‏العراقية، وترى أن مسئولية دول الجوار الجغرافى فى مساندة الاستقرار العراقى مسألة حيوية ومن الواجب ‏الالتزام بها‎.

غير أن الانصاف يقتضى الاشارة إلى بعض تحركات مادية تعكس نزوع الصين للتواجد الفعلى، كقطب دولى يهتم ‏بالأمن و السلام العالمى والاقليمى حين تقتضى الحاجة، مثل قرار إرسال 1000 جندى صينى للمشاركة فى ‏قوات الأمم المتحدة فى لبنان المعروفة باسم اليونيفيل، والتى تمت زيادة عددها وفقا للقرار الدولى 1701 ‏الخاص بانهاء العمليات العسكرية فى لبنان فى أغسطس 2006 . كما أرسلت الصين وحدة عسكرية هندسية ‏للمساهمة فى تفعيل القرار الدولى بتحويل القوات الإفريقية الموجودة فى إقليم دارفور إلى قوات أممية يصل ‏حجمها إلى 22 ألف جندي. وكلتا الخطوتين تعد أحدث مظاهر الاهتمام الصينى بالوجود المتزايد فى الشرق ‏الأوسط، ولعب دور مباشر فى القضايا وثيقة الصلة بالاستقرار وإزالة التوترات‎.

ثالثا- المصالح الصينية الجوهرية فى الشرق الأوسط‎ :

‎1- ‎النفط: يعد الشرق الأوسط المصدر الأساسى للنفط والغاز للصين ولمدة طويلة مقبلة، إذ يزود الشرق ‏الأوسط الصين بـ 45% من احتياجاتها النفطية فى الوقت الراهن. ويقدر أنه فى عام 2015، سيرتفع الاعتماد ‏الصينى على نفط الشرق الأوسط إلى نسبة 70% من احتياجاتها الضرورية. وتعد الصفقات الصينية الكبرى فى ‏مجالى النفط والغاز مع كل من السعودية وإيران وقطر عنصرا أساسيا فى التحركات الصينية فى الإقليم. وتمثل ‏إيران حاليا ثانى أكبر مصدر للنفط للصين، إذ تؤمن طهران 14% من النفط الصينى المستورد من الخارج. وتبرز ‏دلالة الأهمية فى توقيع البلدين لاتفاق طاقة عملاق يمتد لمدة 25 عاما، فى أكتوبر 2004، بقيمة 70 مليار ‏دولار، تزود بموجبه إيران الصين بالغاز المسال، ‏LNG ‎والنفط، وتتولى مجموعة سينوبك الصينية ثانى أكبر شركة ‏صينية فى صناعة النفط تطوير حقل 'يداوران' الإيرانى العملاق للنفط جنوب غرب البلاد، والذى تقدر احتياطياته ‏بنحو ثلاثة مليارات برميل، على أن تشترى الشركة الصينية، بموجب مذكرة التفاهم، 250 مليون طن من الغاز ‏المسال على مدى ما بين 25و30 سنة من إيران، إضافة إلى اتفاق آخر لبناء مصفاة تكثيف غاز فى مدينة بندر ‏عباس، جنوب إيران، فى غضون السنوات الثلاث القادمة‎.

وتعد السعودية القطب الثانى فى الشرق الأوسط فى مجال توريد النفط للصين، وقد وقع الطرفان اتفاقا عام ‏‏2005 للتنقيب المشترك عن الغاز فى صحراء الربع الخالى بقيمة 300 مليون دولار، فى حين ستقوم شركة ‏أرامكو السعودية باستثمار 3.5 مليار دولار فى بناء مصفاة للنفط فى مقاطعة 'فوجيان'، ومصفاة أخرى بتكلفة ‏‏1.2 مليار دولار فى مقاطعة 'شيكنجداو' بالاشتراك مع شركة النفط الصينية الوطنية‎.

وتهتم الصين بصورة أساسية، على الاقل كموقف مبدئى، بتأمين ممرات النفط الدولية، لاسيما القادمة من ‏الشرق الأوسط. ويبدو هذا الاهتمام جليا فيما أكده الكتاب الصينى الأبيض عن الطاقة، الصادر فى 2007، من أن ‏حماية البيئة السياسية السليمة الآمنة والمستقرة، وحماية السلم العالمى والاستقرار الإقليمى، هما الشرط ‏المسبق لتحقيق أمن الطاقة العالمية، وأنه على المجتمع الدولى أن يعمل على حماية استقرار الأوضاع فى ‏الدول المنتجة للطاقة والدول المسئولة عن نقل الطاقة، وعلى وجه الخصوص الدول المنتجة للنفط فى منطقة ‏الشرق الأوسط، وضمان أمن وسلامة ممرات الطاقة الدولية، وتفادى تشويشات الخلافات السياسية الاقليمية ‏على إمدادات الطاقة العالمية، وإلا فسيحدث تسييس لمسألة الطاقة‎.

‎2- ‎الشراكة الاقتصادية الصينية مع الشرق الأوسط: حيث تنمو التجارة الصينية مع بلدان الشرق الأوسط بنسب ‏عالية، فقد ارتفع اجمالى التجارة الصينية السلعية من 2.5 مليار دولار أمريكى عام 1990 الى 24.4 مليار عام ‏‏2002، وتقارب 35 مليار دولار، وفقا لبيانات 2006، مما جعل الشرق الأوسط سوقا مهمة للمنتجات الصينية، ومع ‏ذلك فلا تمثل‎ ‎إلا نسبة 3.9% من اجمالى التجارة الصينية السلعية العالمية، وفقا لبيانات 2002 . كما أن‎ ‎حجم ‏الاستثمارات البينية لا يزال ضئيلا جدا بين الجانبين. فحتى نهاية 2002، لم تستثمر فى الصين إلا 422 مؤسسة ‏أتت من 12 دولة عربية‏‎ ‎بمبلغ 1.4 مليار دولار أمريكى من الاستثمارات المسجلة، مشكلة بذلك 0.14% فقط ‏من إجمالى الاستثمارات الأجنبية فى الصين، بينما وصل عدد المؤسسات الصينية المستثمرة فى دول الشرق ‏الأوسط إلى 217 مؤسسة بمبلغ‏‎ 0.23 ‎مليار، مشكلة بذلك نسبة 2.4% فقط من إجمالى الاستثمار الصينى ‏الخارجي‎.

وقد ترتفع هذه الأرقام قليلا حتى نهاية 2007، ولكنها تظل أرقاما ضئيلة تعكس الحاجة إلى الاكتشاف المتبادل ‏لفرص الاستثمار لدى الطرف الآخر، لاسيما فى ظل العولمة الاقتصادية الراهنة التى تقوم على تشابك ‏الأسواق والشراكات بين الشركات والدول‎.

ويستدل من بيانات التجارة الخارجية الصينية على أن التعاون بين الصين والدول العربية يتضمن‎ ‎الصناعة، ‏والزراعة، والطاقة، والعلوم، والتكنولوجيا، والسياحة وغيرها من القطاعات. وقد بلغ إجمالى حجم التجارة الثنائية ‏‏86.4 مليار دولار أمريكى عام 7002‏‎. ‎كما بلغ فى العام نفسه الاستثمار غير المصرفى للدول العربية فى الصين ‏‏1.28 مليار دولار أمريكى، بينما بلغ إجمالى الاستثمار غير المصرفى للشركات الصينية فى الدول العربية 2.44 ‏مليار دولار أمريكي. وتمتلك كل من الصين ودول مجلس التعاون الخليجى نحو 2.5 تريليون دولار من الأصول ‏الدولية، فى حين تصل التجارة بين الصين ودبى وحدها إلى نحو 11.5 مليار دولار. وتعتبر دول مجلس التعاون ‏الخليجى، والإمارات على وجه الخصوص، بوابة لتجارة الصين إلى الشرق الأوسط وإلى بلدان، مثل الهند ‏وباكستان، نظرا لقربها وروابطها المتينة مع تلك الدول‎.

وتبدو هناك فرصة كبرى فى الوقت الراهن لإعادة النظر فى العوائق، سواء فى الصين نفسها أو فى بلدان ‏الشرق الأوسط، والتى تحد من اجتذاب الاستثمارات المتبادلة، لاسيما فى ظل تنامى الوفورات المالية لدى ‏الدول الشرق الأوسطية المنتجة للنفط. فإقرار نظام الاقتصاد الحر من كلا الجانبين سيوفر لهما مناخا أكثر ‏ملاءمة لحركة التجارة الخارجية واجتذاب الاستثمارات الأجنبية، خاصة فى ظل ضرورات التنمية الشاملة، ورفع ‏مستوى المعيشة وتوسيع قاعدة التنمية فى الداخل والارتباط بالاقتصاد العالمي. وفى هذا السياق، يمكن ‏ملاحظة ما يلي‎:

أ- إن صيغة بيع، أو بالأحرى مقايضة، النفط والغاز فى صورته الخام، مقابل الحصول على سلع استهلاكية مصنعة ‏فى الصين، لم تعد صيغة مناسبة، لاسيما فى ظل حالة المنافسة الشديدة بين الصناعات الاستهلاكية على ‏المستوى العالمى ككل، الأمر الذى يفتح الباب أمام حوار موسع وعبر آليات ملزمة من اجل البحث فى بناء ‏شراكات اقتصادية ذات طابع استراتيجى بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط ككل، أو على الأقل البلدان ‏الرئيسية فيه، وبحيث يكون تبادل الخبرات التنموية والتصنيعية هو الأساس، مع مراعاة شرطى التبادلية ‏والإنصاف، وبما يقود إلى حالة تكامل بين الاقتصاد الصينى واقتصادات بلدان المنطقة، لاسيما وأن الصين الآن ‏بدأت خطواتها الأولى نحو أن تكون مرسلا للاستثمارات الخارجية، بعد أن ظلت طوال العقدين الماضيين بمثابة ‏مستقبل نهم لكل ما يأتى إليها من استثمارات الخارج‎.

ب- إن وفرة السيولة المالية لدى البلدان المنتجة للنفط، نتيجة الارتفاع الهائل فى الأسعار فى غضون الأشهر ‏الستة الماضية، فضلا عن السيولة المتجمعة منذ عقد مضى، وبما يصل إلى نحو 3 تريليونات دولار، تجعل ‏الحاجة إلى أنماط تنمية حقيقية بعيدة عن الاستغلال وهدر الموارد مسألة لا غنى عنها لأصحاب تلك الوفورات، ‏كما تقدم فرصة للأسواق والاقتصادات التى تتطلع إلى وفورات مالية من أجل الاستثمار، سواء أسواق الشرق ‏الأوسط نفسه، أو السوق الصينية الشاسعة. وهنا، تتضح الحاجة إلى مزيد من الخطوات المتبادلة على صعيد ‏الشفافية الاقتصادية والقانونية وفرص الاستثمار وسبل الشراكة المتوازنة، من أجل تدعيم الارتباط العضوى بين ‏اقتصادات المنطقة والاقتصاد الصيني‎.

ويشير د. يانج كوانج، مدير معهد دراسات غرب آسيا وإفريقيا التابع لأكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية - فى ‏دراسة له نشرت قبل عامين حول تقييم مستقبل العلاقات الاقتصادية بين الصين والشرق الأوسط - إلى أن ‏ترجمة الفرص الاقتصادية والتنموية المتاحة لكل من الصين والشرق الأوسط تتطلب عددا من الإجراءات، منها‎:

‎1- ‎أهمية تشجيع القطاع الخاص من كلا الجانبين على تطوير علاقاتهما التجارية وتحفيزه على دخول شراكات ‏بعيدة المدى، على أن تقوم الدول المعنية بإزالة العقبات التى تحول دون ذلك، والإسراع بالإصلاحات الاقتصادية ‏والقانونية وتوقيع المزيد من الاتفاقيات المعنية بضمان الاستثمار، وتجنب الازدواج الضريبى لخلق مناخ افضل ‏استثماريا وتجاريا لصالح القطاع الخاص، بالإضافة الى توفير خدمات للمعلومات والاستشارات القانونية وضبط‎ ‎الجودة وتصديق شهادات الماركات التجارية الشهيرة، وتوفير الضمان والائتمان البنكى، بالإضافة الى تنظيم ‏دورات‎ ‎التأهيل والتدريب‎.

‎2- ‎ادراج بند إقامة منطقة تجارة حرة على‎ ‎جدول أعمالهما بعد دراستها ومناقشتها، باعتبار أن مثل هذه ‏المناطق تزيد من فرص التبادل التجارى الحر، كما تفتح آفاقا كبرى لأطرافها فى الدخول فى شراكات اقتصادية ‏استراتيجية‎.

‎3- ‎توسيع دائرة الأمن البترولى، وجعله منطلقا لتوسيع دائرة التعاون الاستثمارى المتبادل، سواء فى الاستثمار ‏فى الاكتشافات والمسوح الجديدة للنفط والغاز، أو تجديد وإنشاء المصافى النفطية الجديدة، أو بناء مرافق لنقل ‏وتسويق النفط ومشتقاته، فضلا عن تأمين طرق وممرات نقل النفط‎.

‎4- ‎بناء آليات حوار استراتيجى متعددة المستويات، من قبيل منتدى التعاون العربى - الصينى، ومنتدى التعاون ‏الاقتصادى بين الصين وإفريقيا وغيرهما. فمثل هذه الآليات الجماعية تقدم سبلا واضحة لتعزيز العلاقات ‏الاقتصادية والتجارية المشتركة، كما تقدم الحلول المناسبة لما يطرأ من مشكلات تطبيقية‎.

يلفت النظر هنا أن هناك محاولات جرت فعلا لترجمة بعض هذه الشروط من أجل تفعيل العلاقات الاقتصادية بين ‏الصين والشرق الأوسط. ومنذ سنوات قليلة، بدأ الحديث عن إحياء طريق الحرير القديم الذى كان يربط الصين ‏بمنطقة غرب آسيا منذ 2100 عام، وكان يمر عبر مناطق تمثل اليوم دول باكستان، وأفغانستان، وإيران وصولا ‏إلى الخليج العربى، والعراق، وسوريا، ولبنان، ثم شمالا إلى تركيا، وذلك فى ظل هدف كبير لتنمية الصلات ‏التجارية والاقتصادية والثقافية بين هذه المجموعة الكبيرة من الدول والمجتمعات، كلها ذات علاقات تاريخية ‏قديمة جدا. واستلهاما لهذه الفكرة الكبيرة، عقد فى مايو الماضى فى بكين ما وصف بالقمة الأولى للشرق ‏الأوسط والصين لعام 2008 بحضور نحو 100 منظم أعمال، أغلبهم من الصين، والسعودية، حيث ناقشوا الفرص ‏والتحديات الرئيسية لإحياء 'طريق الحرير' القديم، أو - بعبارة أخرى - تعزيز التبادلات المختلفة، ولكن وفق آليات ‏حديثة، وفى ظل العولمة السائدة بكل ما تتيحه من فرص وتحديات فى الوقت نفسه‎.

‎-------------------------------------
‎* ‎خبير الشئون العربية بمركز الدراسات السياسية و الاستراتيجية بالأهرام‎.‎
‎ ‎
 
رد: الصين والشرق الأوسط .. بين رمزية السياسة وتكامل الاقتصاد‎

الشكر لكم
الشكر لمن يقرأ، الشكر لمن يقرأ و يرد و يكتب
الشكر لمن يقرأ ، و لا يكتب أي شيئ ، يكتب و يعتبر و يكون سببا للكتابة...
ألف شكر للجميع
 
رد: الصين والشرق الأوسط .. بين رمزية السياسة وتكامل الاقتصاد‎

شكرا على هذا الموضوع .
هل يمكن الصين ان تغير في مجرى العلاقات الدولية ام انها مازالت لم تحقق القفزة المنشدة لتحقيق ذلك .هل يعني ذلك انها تستطيع ان تسير حق الفيتو الممنوح لها لصالحها ام انها لاتستطيع ذلك منه تجاري الغرب حتى تصل الى الاستقرار.
 
رد: الصين والشرق الأوسط .. بين رمزية السياسة وتكامل الاقتصاد‎

سلام لكل الأحبة، و بعد
مرحبا ريم
جوابي عن تساؤلاتك
هو أن العالم أصبح الآن و أكثر من أي وقت مضى متعدد الأقطاب و في شتى الميادين خاصة في الميادين التي فيها صناعة القرار العالمي و اتخاذه ، و الصين قطب كبير ، و رقم صعب في هذه المعادلة ، في عالم أصبح فيه قانون القدرة و القوة لا قوة القانون كما قالت النظرية الواقعية و الواقعية الجديدة....
كما لا يفوتني أن انوّه بأن القوة الصينية ليست وليدة اليوم أو البارحة بل قوة تعاظمت و تتعاظم يوما بعد يوم ، بشريا و اقتصاديا و سياسيا ...فيكفي أنّها حقّقت قفزات نوعية خاصة بما يسمى بالمعادلة الصعبة بالتوفيق بين الكثافة البشرية و الفقر و التنمية الاقتصادية ، و ما الألعاب الأولمبية القائمة حاليا فوق أراضيها إلاّ دليل على هذه القوة القادمة ......بنعومة
 
أعلى