الشيخ عبد الـحميد بن باديس

الموضوع في 'منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية' بواسطة محمد., بتاريخ ‏21 ابريل 2010.

  1. محمد.

    محمد. عضو جديد

    الشيخ عبد الـحميد بن باديس الـمربي و الـمصلـح الديني


    ولد عبد الـحميد بن باديس، رئيس جمعية العلـماء الـمسلـمين الـجزائريين وأحد أعلام الـحركة الإصلاحية الإسلامية في الـجزائر خلال النصف الأول من القرن العشرين، يوم 5 ديسمبر 1889 بقسنطينة حيث وافته الـمنية يوم 16 أبريل1940 ، كان ينحدر من عائلة عريقة تعود أصولها إلى بني زيري .وبلوغين بن زيري، مؤسس الـجزائر العاصــمة، أحد أشهــر أعضــاء هــذه العائلــة الأميرية. و قد حفظ عبد الـحميد بن باديس القرآن في مسقط رأسه، وفقا للـمناهج التقليدية، كما تعلـم قواعد اللغة والأدب العربي وأصول العلوم الإسلامية.

    وقد أوكلت مهمة تعليمه وتهذيبه، وهو لا يزال طفلا، إلى حمدان لونيسي، وكان من أتباع الطريقة التيجانية الصوفية، وكان تأثيره عظيـما مستديـما على الشيخ بن باديس. هذا الأخير، الذي انتسب، ابتداء من سنة 1908 ، إلى جامعة الزيتونة، بتونس، تأثر هناك كذلك، بأساتذته خاصة منهم الطاهر بن عاشور، من أتباع الـحركة السلفية الإصلاحية الداعية إلى العودة إلى إسلام مطهر من كل ما شابه من شوائب وهي الـحركة التي انتشرت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الشرق الأدنى وفي مصر. وبعد حصوله على الشهادة سنة 1912، مارس عبد الـحميد بن باديس التعليم بالزيتونة لـمدة سنة، وفقا لـما كان متعارفا عليه في هذه الـجامعة التونسية.
    بعد أدائه مناسك الـحج بـمكة الـمكرمة والـمدينة الـمنورة، حيث توجه إثر انتهاء دراسته في تونس، تعرف عن كثب على حركة الوهابيين الإصلاحية الـمتشددة وهي في أوج انتشارها بالبقاع الـمقدسة. واجتـمع مجددا، خلال إقامته بالـمدينة الـمنورة، بحمدان لونيسي، أول أساتذته، الذي انتقل للإقامة بـمدينة الرسول صلى الله عليه وسلـم، حيث باشر تعميق معارفه على يديه وعلى يد أساتذة آخرين.

    بعد عودته إلى الـجزائر، امتهن بادئ الأمر، من سنة 1913 إلى سنة 1925، التعليم والتنشيط الثقافي، قبل أن يكرس طاقته ويوجهها لإصلاح الـممارسات الدينية السائدة في البلاد. وخلافا للرأي الذي أشاع له مؤرخون وناشرون، فإن الـحركة الإصلاحية الدينية في الـجزائر لـم تولد من العدم على أيدي ابـن باديس ورفاقه.


    ذلك أن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد شهدتا بروز مفكرين إصلاحيين تـمثلهم مجموعة من العلـماء والأساتذة الـمقتدرين بالـجزائر العاصمة وقسنطينة وتلـمسان وغيرها، من أمثال الشيخ مجاوي والشيخ بن سماية والشيخ بن على فخار، الذين أدانوا الـممارسات الظلامية لبعض الطرق الدينية وتلك الـمتصلة بـمن كانوا يعتبرون أولياء صالـحين، لورعهم أو نسبهم. كما نددوا بسيطرة إدارة الإحتلال على الشؤون الدينية والإسلامية. وقد التقى الشيخ محمد عبده، خلال زيارته سنة 1905 إلى الـجزائر العاصمة وقسنطينة، بالعديد من هؤلاء العلـماء الـمعلـمين.

    وقد تطورت الـحركة الإصلاحية في الـجزائر ما بين الـحربين العالـميتين بفـضل ما بذله ابن باديس ومجمـوعة مـن أتبـاعه الأوفياء، من قدامى تلاميذه ومن رفاق له تلقوا، في معظمهم، تكوينهم بتونس أو في الشرق الأوسط. وقد استرشدت هذه الـحركة بفكر ونشاط محمد عبده ورشيد رضا، لكنها اتسمت، كذلك، بـميسم أفكار الوهابيين الـمتزمتة، بل الـمتشددة في أحيان كثيرة، حيث أخذت عنهم عديد الأفكار والـممارسات.

    وكان هدف ابن باديس، العقل الـمدبر والقائد الـمنشط لهذه الكوكبة، الذي اجتـمعت فيه صفات النزاهة والأمانة الفكرية اللامتناهية والذي هام حبا بالـجزائر ولغتها ودينها، هو تطهير الإسلام الـجزائر من كافة الـممارسات التي لا تتفق مع القرآن والسنة من حيث هما الـمصدران الوحيدان للعقيدة الإسلامية. هؤلاء الرجال الـمتفانين والـمتطوعين كانوا يرومون جميعهم، عن طريق التربية والكتاب والصحافة، بعث سنة السلف الصالـح في عهود الإسلام الزاهـرة الأولى، مع تكييفها مع ما تقتضيه آفاق التفتـح على حداثة معتدلة. كان على الـمسلـمين، في نظرهم، أن يجعلوا السلف الصالـح مثلهم الأعلى فأطلقوا على أنفسهم، اسم السلفية، مثلـما كان الـحال في الشرق الأوسط. كما عرفوا باسم الإصلاحية.


    حال عودته إلى البلاد إذن، ومن 1913 إلى 1925، خصص عبد الـحميد بن باديس جهوده وما أوتي، كمربٍ، من ملكات ومواهب، للتعليم، بدءا من العلوم التربوية كالأدب والتاريخ والـجغرافيا إلى العلوم الـمدنية والدينية. وكان يوجه نشاطه التربوي نحو الشباب، ذكورا وإناثا، والكبار، على حد سواء :

    ففي سنة 1917، افتتـح درسا عموميا بـمسجد سيدي قموش بقسنطينة.

    كان ينظم، بـمقر رابطة الإغاثة الإسلامية بقسنطينة، وبـمساعدة تلامذته، دروسا مسائية للكبار. وكان برنامج الدراسة يتضمن تعليم اللغتين العربية والفرنسية.

    سنة 1918، أبان ابن باديس عن قدرته التنظيـمية الفائقة بإرسال الدفعة الأولى من الطلبة الـجزائريين إلى جامعة الزيتونة بتونس، وكان الـمأمول أن يصبحوا إطارات للتعليم الـحر، فاتـحين الـمجال لبعثات دراسية مبرمجة دوريا.



    - شجع ونظم و أشرف على بروز العديد من الفرق الـموسيقية والـمسرحية والأندية الرياضية عبر التراب الوطني.

    - كان من بين أوائل القادة الذين أدركوا مدى الـمساهمة التي يـمكن للـحركة الكشفية تقديـمها في تأطير الشباب وهيكلته ضمن منظمات جماهيرية.

    - ومن جهة أخرى، ظهرت شيئا فشيئا إلى الوجود، بإيعاز منه وتـحت إشرافه، مراكز ثقافية كان أشهرها نادي الترقي بالـجزائر العاصمة الذي كان يشرف على إدارته الطيب العقبي، أحد رفاق الأستاذ الأوفياء.






    لقد اتـخذ نشاط الـمجموعة من أجل إحياء الـمسلـمين الـجزائريين أخلاقيا، وبعث إسلام أصيل في نظرها، وتأكيد الشخصية العربية الإسلامية للشعب الـجزائري أشكال عدة. كما تـخندقت، للدفاع عن مثلها، في خندق الصحافة.


    هكذا قام عبد الـحميد بن باديس، ابتداء من سنة 1925، بنشر جريدة الـمنتقد وفي أعمدتها باشر، هو و رفاقه، نشر الأفكار الإصلاحية. ومنعت الـجريدة من الصدور ابتداء من عددها رقم 18 لأنها كانت، في رأي الإدارة الاستعمارية، تـحريضية. لكن ابن باديس بقي على إصراره وأصدر بعدها عدة منشورات دورية، تبقى أشهرها الشهاب، التي صدرت من 1925 إلى1939، حيث قرر الشيخ إيقافها تـخوفا، حسب ما يراه بعض الـمؤرخين لسيرته الذاتية، من أن يضطر إلى اتـخاذ موقف لصالـح هذا أو ذاك من الطرفين الـمتصارعين في أوروبا.




    ثاني وسيــلة استعملـها ابن بــاديس ورفــاقه كانــت إنشــاء الـمدارس لتعليم اللغة العربية ومبادئ إسلام مجدد.

    وإذا كانت جريدة "الشهاب" تعلن عن إنشاء 70 مدرسة، إلى غاية سنتي 1934 - 1935، مكونة من قسم أو قسمين وموزعة على مختلف جهات الوطن، يدرس فيها 3000 تلـميذ، فإن جمعية العلـماء، التي تـم إنشاؤها سنة 1931، قد نشرت، سنة 1950، قائمة من 124 مدرسة، بها سلك تربوي يضم 274 معلـما. وأعلنت نفس الـجمعية، سنة 1954، عن عدد 40000 تلـميذ يرتادون مؤسساتها الـمدرسية. وكانت قد أنشأت، سنة 1947، بقسنطينة، معهد ابن باديس الثانوي الذي كان يتولى تكوين الـمعلـمين والطلبة الـمدعوين إلى مواصلة تعليمهم في فاس وتونس والشرق الأوسط.



    وقصد جمع كافة الإرادات الـحسنة التي رمت بثقلها في الكفاح من أجل تـجديد الإسلام، انضم ابن باديس ورفاقه، سنة 1931، لشيوخ أهم الطرق الدينية و أنشأوا جمعية العلـماء الـمسلـمين الـجزائريين. تـم انتـخاب عبد الـحميد بن باديس رئيسا لـجمعية العلـماء الـمسلـمين الـجزائريين خلال اجتـماع للـجمعية العامة التأسيسية، بنادي الترقي، بالـجزائر العاصمة، سنة 1931، ضم رفاق وتلامذة الشيخ وأتباعه ومندوبين من داخل البلاد. وكان مجلس الإدارة الأول للـجمعية يضم: الطيب العقبي، مبارك الـميلي، البشير الإبراهيـمي والعربي التبسي.



    وهكذا، فقد استـحوذ الإصلاحيون على أهم الـمناصب في الـجمعية وهمشوا، بسرعة، مــمـثلي الطرق. بعد سنة واحدة، تـمت القطيعة مع شيوخ الطرق الذين شكلوا، بدورهم، جمعية علـماء الـجزائر السنيين. وقد أدى الصراع الـمفتوح والقطيعة بين الـمجموعتين الـمتعارضتين، العلـماء الإصلاحيين من جهة، وشيوخ الطرق والزوايا من جهة أخرى، إلى زرع البلبلة في أوساط الشعب، خاصة منه الفلاحين وسكان الـمناطق الداخلية الـمتـميزين ببساطتهم الطبيعية في أداء الشعائر الدينية والذين كانوا لا يزالون جد متـمسكين بزواياهم، خاصة و أن هذه الزوايا كانت لها سلطة روحية معتبرة ونفوذا عميقا فيـما يتصل بالـمسائل الدنيوية : التعليم، التـحكيـم، الضيافة، الأعمال الـخيرية.....



    ينبغي التأكيد على أن الإصلاحيين قد أبانوا، مبكرا، عن وطنية معتدلة تقترب من وطنية أتباع حزب بيان الشعب الـجزائري لفرحات عباس، على الأقل فيما يتعلق بإشكالية انعتاق الشعب الـجزائري وأنهم قد تطلعوا باستمرار إلى تغيير للسياسة الاستعمارية الفرنسية. كان شعارهم هو الثلاثية : "الإسلام ديننا، العربية لغتنا والـجزائر وطننا".



    كان نهج الإصلاح الإسلامي، إصلاح العلـماء الـمجتـمعين حول الـمعلـم القائد، ابن باديس، يقوم أساسا على العودة إلى الـمرجعين الأساسيين للإسلام : القرآن والسنة. فكانوا يدعون إلى إحياء الإسلام، وأعمالهم التي كانت تتـخذ مرجعا دائما لها إسلام السلف الصالـح الـمطهر من البدع الـمذمومة، كانت هجوما مركزا على كافة الأوساط التقليدية، الـمتهمة بنشر صوفية ظلامية، راجعة القهقرة، متناقضة وقيـم الإسلام الأصيلة. وكانوا ينددون، بوجه أخص، بالتبجيل الذي كان يحظى به الأولياء الصالـحون ويتهمون شــيوخ وأتبــاع الزوايا والطرق بالشعوذة وكتابة التـمائم وحتى بالشرك. وكانوا يقدمونهم على أنهم مستغلون للشعب ومستغلون، دون وازع ولا رادع، لسذاجة سكان الريف.



    وإذا كان ابن باديس نفسه، الذي يقدم على أنه متصوف، لـم يعتـمد دائما القسوة تـجاه الطرق الدينية بحكم تـحليه بفضائل الاستماع والتسامح التي تليق بواحد من أتباع ابن عربي وجلال الدين الرومي، فإن أعضاء آخرين في الـجمعية أظهروا، عكس ذلك، تشددا عقائديا أدى إلى انقسام بعض مدن البلاد إلى معسكرين متعارضين تـحدث بينهما مواجهات حول علوم الدين والأخلاق والـممارسة اليومية للشعائر الدينية. وقد قادوا، مرارا، حملات قاسية، بل عمدوا في بعض الأحيان إلى الشتـم والتـجريح والتشهير والسخرية ضد أتباع الـممارسات الدينية الشعبية.



    ولـم تسلـم من هذه الـحملة بعض الزوايا التي كان على رأسها رجال خيّرون، حقيقـون بالإشـادة والتنــويه. وقام بعض شيوخ الزوايا، توخيا للـحفاظ على سلطتهم وما كانوا يتـمتعون به من مزايا، بالتقرب من الإدارة الاستعمارية التي عرفت كيف تستعيدهم وتستعملهم، بطريقة ماكيافلية، ضد العلـــماء الإصلاحــيين والأحزاب الداعية إلى الاستقلال، على حد سواء.



    وشيئا فشيئا، وحتى يتـجنب الإجراءات العقابية للـحكم الاستعماري التي كان يجسدها الـمنع الـمتكرر لصدور الـجرائد ومنع تعليم اللغة العربية، فإن ابن باديس قد امتنع تكتيكيا، في برامج نشاطه وفي جهوده الرامية إلى تـحقيق انعتاق الشعب الـجزائري، امتنع عن التطرق إلى الآفاق والأهداف السياسية. ولـم ينفك، هو ورفاقه، ينادون بالانتماء العربي الإسلامي للشعب الـجزائري. وجندوا نفسهم لـخدمة الوطن عن طريق التعليم ونشر الثقافة العربية الإسلامية. وموقف التـحصن الثقافي الـماهر هذا الذي تبناه ابن باديس ورفاقه قد وقف سدا في وجه ممارسات الـمحتل وتصرفات الآباء البيض الرامية إلى استلاب الشعب وإحداث القطيعة بينه و بين هويته ورصيده الـحضاري. و سينجح الـمسعى الشجاع للـمصلـحين الدينيين في كبح ما كان يتعرض له الشعب الـجزائري من طمس لشخصيته و تفريق لصفوفه. وقد كان النجاح، بـما لا يدع مجالا للتشكيك، حليف هذا الكفاح الـمتستر ضد العرقية و الـجهوية، ضد الأدواء والآفــات التي اختلقــتها وحفـزتها وأذكتــها العقول الـمدبرة للاستعمار. وهكذا، شاركت الـحركة الإصلاحية، التي أطلقها ونشطها ابن باديس، دون أن تعلن أبدا موقفها صراحة من استقلال الـجزائر، شاركت في تـجذير الوطنية التـحررية وفي توسيع رقعة مقاومة الـممارسات الاستعمارية الفرنسية الرامية إلى تـمديد الاحتلال الإمبريالي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.



    وكان الهدف الأسمى لقائد الإصلاح الديني هو الـمحافظة على شخصية الـجزائر، موحدة ومتـجانسة وجزءا لا يتـجزأ، في كنف خصوصياتها العرقية، الدينية والثقافية.



    إن انعدام الانتماء السياسي لابن باديس، الواضح والـجلي على الأقل في بدايات نشاطه، لـم يـمنعه من الاضطلاع بدور الصدارة في تنظيم ونشاط الـمؤتـمر الإسلامي الـجزائري الذي انعقد في يونيو 1936 بالـجزائر العاصمة وضم التيارات السياسية الرئيسية في البلاد، باستثناء دعاة الاستقلال، وطالب الـمؤتـمر بـمنح الـجنسية الفرنسية، مع الاحتفاظ بقانون الأحوال الشخصية، لنخبة من 20000 جزائري، أي لفئة اجتـماعية مكونة من الـحائزين على الشهادات ومن الـموظفين الـمتعلـمين الذين كان بإمكانهم، بالتالي، الـمشاركة في مختلف الانتخابات، مع الـمنتـخبين الأوروبيين أو الأقدام السوداء. ورغم اعتدال الـمطالب الهادفة إلى تـحسين الوضع الـمزري للشعب الـجزائري، فإن الـمعمرين والإدارة الاستعمارية قد أجهضوا، بكل ازدراء، هذا الـمشروع.



    عند وفاته، سنة 1940، خلف ابن باديس العديد من التلاميذ والأتباع والرفاق الذين حاولوا مواصلة عمله. وكان أشدهم وفاء واستـماتة في سبيل استقلال الوطن هو، بلا منازع، الشيخ العربي التبسي. وقد اختطفته الشرطة الفرنسية خلال حرب التـحرير الوطنية ولـم يتـم أبدا العثور على جثته.



    وخلافا لبعض أعضاء جمعية العلـماء الـمسلـمين الـجزائريين، فإن ابن باديس لـم يلـجأ أبدا إلى العنف الكلامي مع الـمناوئين له، حتى شيوخ الزوايا منهم. لقد كان أكثر طمأنينة وتسامحا وتفتـحا من العديد من رفاقه وكان يتـحلى بالتواضع ونكران الذات والزهد طوال حياته كمفكر ملتزم بالـجبهات التي فتـحها. كان يريد أن يضم الأوساط الـمعادية والـمشككين واللامبالين إلى مشروعه العظيـم الـمتـمثل في مجتـمع أخضعت أسسه الدينية والثقافية للإصلاح. واتـخذ نفس الـموقف الـمتسامح والـحليـم مع الأعراق والديانات الأخرى في البلاد، فلـم يتـخل أبدا عن إنسانية عميقة كان ينهلها أساسا من معتقداته الدينية و من التعاليـم الثمينة التي زودته بها محصلته الثقافية التي جمعها و هو بعد شاب يافع، في بلده أولا، ثم خلال رحلاته التعليمية في الوطن العربي.


    الوجه السياسي لابن باديس

    لم يكن هدف ابن باديس الخوض في المسائل السياسية البحتة, ولكن الوضع المتردي الذي كانت تعيشه بلاده والانتهاكات والمظالم التي كان يتعرض لها الشعب فرضت عليه أن يدخل هذا الميدان من مداخل مختلفة. وإن لم يصرح بذلك, ويخوض في بعض المسائل التي يراها جديرة بالمناقشة, والتي كان يحرص من خلال تناوله على اكساب المواطنين وعيا بحقوقهم, وبأشكال الظلم المسلط عليهم, وإدراكا لحقيقة ما يجري في وطنهم, ليعرفوا - كنتيجة لذلك - ما يجب فعله...

    لقد خاض ابن باديس منذ أن فرض على نفسه هذه المهمة معارك نضالية شديدة دفاعا عن الكيان الجزائري, وقد انتهج في نضاله هذا أساليب متعددة إصلاحية وتربوية وسياسية, فكانت مواجهاته السياسية ساخنة تظهر في الصدام مع الإدارة الفرنسية وعملائها, وفي الدعوة إلى تحضير الرأي العام وتعبئة الجماهير للمطالبة بحقوقهم, كما كانت تظهر في الاجتماعات التي تعقد للنظر في أوضاع الجزائر, وتحديد المطالب التي ترفع إلى السلطة الفرنسية, وفي تقديم العرائض والاحتجاجات, وفي الردود الصحافية, التي كان أساسها الدفاع عن الشخصية الجزائرية, وكرامة المواطن التي اصبحث محل مساومة.

    ولم يكن ابن باديس في كل هذه المجابهات يخفي أفكاره السياسية التي كان يعبر عنها بلهجة حادة أحيانا تنبئ عن شخصية قوية وجريئة, وثقة عالية بالنفس, وعن تفكير منسجم يظهر معه تفكير الخصوم ضعيفا ومتهافتا, وحتى الحكام لم يسلموا من نقده لهم وتسفيه أفكارهم, والتنديد بأساليب معاملتهم لأبناء البلد الذين استعانوا بهم في وقت الشدة والحروب, وتعنيفهم على المماطلة في تنفيذ الوعود التي كانوا يلوحون بها.

    ومن الأمور التي تشكل الوجه السياسي لابن باديس والعمل الاصلاخي الذي أعطاه كل حياته ما يلي :

    1- مجابهة الإدارة الفرنسية والدخول في صراع معها.

    2- الدعوة إلى عقد مؤتمر إسلامي والمساهمة فيه.

    3- دعوة النواب إلى مقاطعة المجالس النيابية.

    4- محاورة لجنة البحث البرلمانية الفرنسية.

    5- نداء إلى سكان قسنطينة لمقاطعة الاحتفالات القرنية لاحتلال المدينة.

    6- موقفه السياسي من وعود حكومة فرنسا.

    7- موقفه من إرسال برقية التضامن مع فرنسا ضد التهديد الألماني.

    8- محاولة أخرى للتحاور مع حكومة فرنسا.

    9- تقديم العرائض والاحتجاجات.

    10- الردود على التصريحات.

    11- مقاومة سياسة الاندماج والتجنيس.

    12- موقفه من مساومة الولاية العامة وإغراءاتها.

    13- رأيه في الحرية والاستقلال.

    14- استخلاص لأصول الولاية (الحكم) في الإسلام.

    15- دوره في إخماد نار الفتنة بين اليهود والمسلمين صيف 1934.






    تحليل مكونات شعار الحركة الإصلاحية

    إن التحليل الذي اعتمده ابن باديس في تبيان حقيقة العناصر المكونة للشخصية الوطنية وتحديد مفهوم كل عنصر من عناصرها طرح فيه جملة من المعاني والتحديدات التي أضافت غلى عناصر التعريف عناصر اخرى وظيفية وتاريخية تحدد من خلالها المفهوم المتكامل والدال الذي اعطاه ابن باديس للإسلام واللغة العربية والوطن الجزائري, ذلك المفهوم الذي يتطابق مع شعوره الوطني ونظرته الاجتماعية, وفكرته الفلسفية, واتجاهه الديني, وفيما يلي تبيان حقيقة كل عنصر كما يراها ابن باديس.

    الإسلام ديننا :

    الإسلام في منظور ابن باديس منهج هداية ونظام اجتماعي شامل تنتظم ضمن فصوله أمور الحيتة الدنيا, ومطالب الحياة الأخرى, لأن الإسلام في جوهره, وكما فهمه ائمة السلف هو سعي جاد إلى المواءمة بين الطبيعة والإنسان وبين الحياة البشرية في جوانبها المادية, والحياة البشرية في جوانبها الروحية, وهو بهذا يسع الأوطان والأقوام والأجناس, وستوعبها ويحترم الأديان ويعترف بها, ويدعو إلى حسن المعاملة حتى مع المخالفين للدين, غير المحاربين, مصداقا لقوله تعالى : "لا يناهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين غير المحاربين, ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" (الممتحنة : 8) فالإسلام دين عدل وإنصاف وتسامح, لأنه كما يقول ابن باديس : " دين الإنسانية التي لا نجاة لها ولا سعادة إلا به, لأن خدمتها لا تكون إلا على أصوله".

    ومن أقوله التي تؤكد فيها هذا المفهوم قوله : "الإسلام عقد اجتماعي عام فيه ما يحتاج إليه الإنسان في جميع نواحي الحياة لسعادته ورقيه, وقد دلت تجارب الحياة كثيرا من علماء الأمم المتمدنة على أن لا نجاة للعالم مما هو فيه إلا بإصلاح عام على مبادئ الإسلام ويقصد هنا في ضوء المبادئ والقواعد التي يدعو إليها الإسلام".

    إن الإسلام الذي يراه ابن باديس طريقا لخلاص الأمة من أوضاعها المتردية هو الإسلام الإيجابي الذي يحارب السلبية والجمود, والاستكانة والاستسلام لليأس والكسل, ويناهض كل أشكال الاستغلال والاضطهاد, والتميز العرقي والجنسي, ويدفع المنتمين إليه إلى الثورة على ما في نفوسهم من ضعف وجبن وتردد, وعلى الأوضاع الفاسدة التي تعوق مجتمعهم عن النهوض والتقدم ومقاومة التخلف بكل أشكاله.

    فابن باديس حرص على تحديد مفهوم يعطى للإسلام والذي يجمع بين الاعتقاد والسلوك, وبين العلم والعمل, أو بين البناء الفردي والباء الاجتماعي, بين الدين والسياسة بين الدين والدنيا, بين المحافظة على مقومات الأمة وبين العمل للسير بها في ركاب الحضارة المعاصرة, وبعبارة أخرى بين التشبت بحقيقتها كأمة لها وجود متميز وبين التطلع إلى الأخذ بأسباب التقدم والتطور, لمسايرة الركب, هذا هو الإسلام الذي ظل ابن باديس يدعو إليه ويجاهد في سبيل بعثه نقيا صافيا كما كان في عهوده الأولى.

    العربية لغتنا :

    اللغة في الأساس مستودع قيم الأمة, والحافظة لكيانها والرمز المعبر عن حقيقتها, والوعاء الحامل لهويتها وتراثها, فهي عقل الأمة وروحها ووجدانها, وأساس وحدتها, وعماد تفكيرها, ومنطلق نهضتها.

    واللغة من جهة أخرى هي الجسر الذي يصل أبناء الأمة بأسلافهم, وبما تركوه من مجد وفكر, وهو الذي يصلهم بأبنائهم وأحفادهم في المستقبل, ويعزز الروابط بين أفراد الأمة الواحدة.

    وابن باديس الذي حفظ القرآن وتأثر بحقائقه, وتشرب الثقافة العربية الإسلامية منذ صغره امتلأت نفسه حبّا لهذه اللغة, وتقديرا لقيمتها الثقافية, فدرسها ودرس تاريخها وآدابها, وعرف الوظائف الحية التي تضطلع بها, والقيم التي تزخر بها, وأدركبعمق ارتباطها بالإسلام, وبوجدان الإنسان المسلم, لأنها الأداة التي بها يناجي ربه, ويفهم القرآن, ويطلع على حقائق الإسلام والتراث, وبها يتواصل مع ابناء جنسه ويحسّ بانتمائه القويّ إلى أمته, وبأن هذه اللغة جزء من كيانه وركن من أركان شخصيته.

    نورد فيما يلي نصا لابن باديس يحدد فيه مكانة اللغة العربية وارتباطها بالتاريخ وعلاقتها بالعقيدة والفكر والوجدان, ويشير إلى خصائصها, ويحدد من خلال ذلك نظرته غليها فيقول : " علينا أن نعرف تاريخنا ومن عرف تاريخه جدير بأن يتخذ لنفسه منزلة لائقة به في هذا الوجود... ولا رابط تربط ماضينا بحاضرنا الأغر والمستقبل السعيد إلا هذا الحبل المتين : اللغة لغة الدين لغة الجنس, لغة القومية, لغة الوطنية المحروسة...

    غنها وحدها تارابطة بيننا وبين ماضينا, وهي وحدها المقياس الذي نقيس به أرواحنا بأرواح أسلافنا, وبها نقيس من يأتي بعدنا من أبنائنا وأحفادنا الغرّ الميامين أرواحهم بأرواحنا, وهي وحدها اللسان الذي نعتز به, وهي الترجمان عما في القلب من عقائد وما في العقل من أفكار وما في النفس من آلام وآمال...

    إن هذا اللسان العربي العزيز الذي خدم الدين وخدم العلم وخدم الإنسانية هو الذي نتحدث عن محاسنة منذ سنين, فليحقق الله أمانينا".

    الجزائر وطننا : الجزائر بالنسبة إلى ابن باديس هي وطنه الخاص, وهي عنده ليست اقليما جغرافيا فحسب, ولكنه كيان حي من البشر الذي يعيشون فيه, وتؤلف بينهم روابط الدين واللغة والتاريخ, يقول في الشطر الثاني من السؤال (لمن أعيش) أعيش للإسلام والجزائر :

    "...أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص, وتفرض علي تلك الروابط لأجله - كجزء منه - فروضا خاصة ,انا اشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة, فأرى من الواجب أن تكونخدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة وكما أني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتني في حاجة إليه, إلى رجاله وإلى ماله, وإلى آلامه وآماله, وكذلك أجدني أعمل - إذا عملت - قد خدمتُ بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إله, وهكذا.

    ويشرح ابن باديس هذه الأوطان ويرتبها ترتيبا طبيعيا في دوائر متداخلة ومتكاملة, في مقال بعنوان : "الوطن والوطنية" صدره بشعار جريدة (المنتقد) وهو : "الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء", قال فيه : " بهاتين الجملتين منذ نيف وعشر سنين توجنا جريدة المنتقد الشهيدة وجعلناهما شعارا لما تحمله في رأس كل عدد منها. هذا آيام كانت كلمة الوطن والوطنية كلمة إجرامية لا يستطيع أحد أن ينطق بها, وقليل جدا من يشعر بمعناها, وإن كان ذلك المعنى دفينا في كوامن النفوس ككل غريزة من غرائزها, لا سيما في أمة تنسب إلى العروبة, وتدين الإسلام, مثل الأمة الجزائرية ذات التاريخ المجيد...."

    أهداف جمعية العلماء


    لقد كان ابن باديس ورفاقه أعضاء جمعية العلماء، من الحصافة بمكان، حيث أبدوا أشياء وأضمروا أخرى، مكتفين في تصريحاتهم الرسمية بإعلان الدعوة إلى الإصلاح الديني والتعليمي حذرًا. فقد جاء على لسان رئيسها: (أن الجمعية يجب أن لا تكون إلا جمعية هداية وإرشاد، لترقية الشعب من وهنت الجهل والسقوط الأخلاقي، إلى أَوْج العلم ومكارم الأخلاق، في نطاق دينها الذهبي وبهداية نبيها الأمي، الذي بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، عليه وآله الصلاة والسلام، ولا يجوز بحال أن يكون لها بالسياسة وكل ما يتصل بالسياسة أدنى اتصال، بعيدة عن التفريق وأسباب التفريق...).
    ويضيف ابن باديس قائلاً: (إن المسلمين هم السواد الأعظم في وطنهم، فإذا تثقفوا بالعلم، وتحلوا بالآداب، وأُشْرِبُوا حبّ العمل، وانبعثت فيهم روح النشاط، كان منهم كل خير لهذا الوطن وسكانه على العموم، بما يُسرّ به الحاكم والمحكوم).
    ويختصر لنا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مهمة الجمعية بقوله: (إن المهمة التي تقوم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بأدائها، وهي السير بهذه الأمة إلى الحياة عن طريق العلم والدين، هي أقوم الطرق وأمثلها وأوفقها لمزاج الأمة...).
    والحقيقة أن جمعية العلماء المسلمين، أدركت بوضوح أن العلة في بقاء الاستعمار جاثمًا على صدر الأمة دهـرًا طويلاً، تكمـن في ما يسمى بالقابلية للاستعمار، والتي مردها إلى ما طرأ على الشعب من انحراف في عقيدته وفكره، وأن العلاج الصحيح يتمثل في إزالة تلك العلة من أساسها، وهو ما يعبّر عنه الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، بقوله: (إن القضية عندنا منوطة أولاً بتخلصنا مما يستغله الاستعمار في أنفسنا من استعداد لخدمته). أو كما قال أحد الصالحين: (أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم). وذلك مصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )(الرعد:11).

    ويمكننا القول: بأن الجمعية ركّزت في مراحلها الأولى على الأهداف التالية:

    1 ـ إصلاح عقيدة الشعب الجزائري، وتنقيتها من الخرافات والبدع، وتطهيرها من مظاهر التخاذل والتواكل التي تغذيها الطرق الصوفية المنحرفة.

    2 ـ محاربة الجهل بتثقيف العقول، والرجـوع بها إلى القــرآن والسنــة الصحيحة، عن طريق التربية والتعليم.

    3 ـ المحافظة على الشخصيـــة العربيــة الإسلاميــة للشعـب الجزائـــري، بمقاومة سياسة التنصير والفرنسة التي تتبعها سلطات الاحتلال.

    والشيء الذي تجدر الإشارة إليه في هذا المجال، هو أنه رغم أن الفصل الثالث من القانون الأساس للجمعية، يحرّم عليها الخوض في المسائل السياسية، إلا أن هذه الأخيرة قد تركت لأعضائها كامل الحرية للخوض في السياسة، بصفتهم الشخصية لا بوصفهم أعضاء فيها، حفاظًا على كيان الجمعية واستمرار مسيرتها.