الرأي العام

الموضوع في 'منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية' بواسطة محمد., بتاريخ ‏22 ابريل 2010.

  1. محمد.

    محمد. عضو جديد

    مقدمة:

    الرأي العام هو المادة الخام الذي تعمل فيه العلاقات العامة و حيث تسعى العالقات العامة دوما على تنميته سواء فيما يتعلق بالنظم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية كما تعمل على دراسته و تحليله و معرفة طبيعته و كيفية تكوينها، و طرق التأثير فيها و لعل أهم سمات المجتمعات الحديثة الاعتراف بأهمية الشعوب و اعتبار الرأي العام الفصل النهائي في الشؤون العامة من سياسة و اقتصاد و اجتماع، و مع أن الرأي العام وجود معنوي لا نراه، فإن ذلك لا ينقص شيئا من قوة شأنه في ذلك شأن الضغط الجوي الذي لا نراه لكنه موجود.
     و عليه فما هو الرأي العام و ما هي طرق قياسه؟









    خطة البحث

    مقدمة:

    1. ماهية الرأي عام

    ‌أ. تعريفه
    ‌ب. النشأة
    ‌ج. الأنواع
    ‌د. الخصائص
    ‌ه. الوظائف

    2. قياس الرأي العام

    ‌أ. مفهوم القياس و تطوره
    ‌ب. طرق القياس
    ‌ج. أهمية القياس
    ‌د. مشكلاته
    ‌ه. نموذج عن القياس في مصر


    خاتمة:




    ماهية الرأي العام

    1. تعريف الرأي عام:

    بالرغم أن مصطلح الرأي عام لم يستخدم بهذا المسمى إلا في أواخر القرن الثامن عشر نتيجة لظهور الجماهير الغفيرة بسبب النمو السكاني السريع حينذاك، فقد اختلفت التعاريف حوله:
    ‌أ. و يرى "كولي": أن الرأي العام لن يكون تجمع لأحكام فردية مختلفة و لكنه تنظيم تعاوني يتم عن طريق إتصال التأثير المتبادل و المشترك.و ربما يختلف الرأي العام عن افتراض أن الأفراد ربما يكونون في تفكير معين كأفراد منفصل الواحد منهم عن الآخر.بيد أن هذا يتلاشى حينما نرى أن الرأي العام بمثابة سفينة تبنى عن طريق مآت من الرجال لا يستطيع واحد بعينه بنائها على انفراد. أما "ليونارد دوب" فيرى أن الرأي العام اتجاهات و مواقف الناس، إزاء موضوع يشغل بالهم بشرط أن تكون هذه الجماهير في مستوى اجتماعي واحد.
    ‌ب. و صيغ "جينز برغ""Gins berg" الرأي العام بصبغة اجتماعية، ففي رأيه أن الرأي العام رغبة مبهمة تسود المجتمع و تهدف إلى المحافظة على كيان المجتمع، فهو ظاهرة اجتماعية، و ينتج تلقائيا من تفاعل مجموعة الآراء المختلفة التي تسود بين أفراد المجتمع، و تتبلور في شكل موضوعات معينة.
    ‌ج. و عرفه "البيج""Albig" بأنه ثمرة تفاعل الآراء و الأفكار داخل أي جماعة من الناس، و عرفه "جيمس برايس"في كتابه(الديمقراطيات الحديثة)بأنه اصطلاح مستخدم بالتعبير عن مجموعة الآراء التي يدين بها الناس إزاء المسائل التي تؤثر في مصالحهم العامة و الخاصة .





    2. نشأة الرأي العام:

    إن مصطلح الرأي العام لم يتداول إلى في العصر الحديث و بصفة خاصة منذ الثورة الفرنسية هذا لا يعني أن هذا المصطلح لم يرتبط بحياة الناس إلا في حقباتها المتأخرة فالرأي العام كظاهرة عرف منذ أن برزت قدرة الناس على استخدام كلمة تعكس رأيهم، و قد تناول الفكر الإنساني منذ مئات السنين موضوعات تتعلق بالرأي العام. الأمر الذي يدعو إلى القول بأن الحضارات القديمة لم تكون خالية من المفاهيم القريبة من الرأي العام، و لقد كان اجتماع كلمات الجماهير في صورة رأي عام خلال الفترات التاريخية المختلفة من حياة البشر.
    فالرأي العام يعاصر وجود الجماعات الإنسانية أو الظاهرة البشرية في صورة جماعات و هو مظهر مباشر لوجود مجتمع سياسي.

    ‌أ. الرأي العام في المجتمعات البدائية:
    في هذه المجتمعات أدرك الإنسان قيمة الرأي العام و استخدام قوته لتحقيق مآربه و إبداع أساليب مثل السحر و للتأثير الفعال في الجماهير، ففي المجتمعات القديمة مثل مصر فقد اعتنى الملوك و الكهنة بعمليات التأثير في أفكار الناس حيث تكشف الآثار المصرية القديمة عن إدراك واعي و عميق لأهمية الرأي العام كما تكشف عن أجواء المصريين القدامى إلى أساليب متطورة من نشأتها التأثير في الرأي العام و السيطرة على العقول.

    ‌ب. الرأي العام في الفكر اليوناني:
    لعب الرأي العام دورا كبيرا في الدول اليونانية فقد كانت دولة "المدينة" تستمر سلطتها من رضا الحكوميين و بذلك انفتح مجال أمام تبادل الآراء و عكس المناقشات حول حق المشاركة في الحياة السياسية، و شكلت كتابات كل من "أفلاطون، و أرسطو"بداية لدراسة ظاهرة الرأي العام .و قد عرف اليونانيون مفاهيم قريبة من فكرة الرأي العام كالاتفاق العام، و المنافسات الحرة التي أوجدها المواطنون في إبداء لآراء و الأفكار أثناء كفاحهم ضد الأرستقراطية و الطغيان، و قد ظهر الرأي العام خلال مناقشاتهم الجدلية التي بلغت حدا كبير من التنظيم لا يقل عن مظاهرة في العصر الحديث.
    و كانت السيادة في تلك المدن لهيئة المواطنين مجتمعين، و كانت هذه الهيأة أو الجمعية تمثل ما يعرف اليوم بالبرلمان و الحكومة و القضاء.أي بالهيئة التشريعية و التنفيذية و القضائية و كانت تأخذ قراراتها بأغلبية الأصوات الحاضرين و كانت سلطتها كاملة أي تفعل ما تشاء كما يقول "أرسطو"لا يحكما إلا صوت الأغلبية أي صوت الرأي العام و كان من حق كل مواطن أن يتكلم و يبدي برأيه.

    ‌ج. الرأي العام في العصر الروماني:
    مع ظهور الإمبراطورية الرومانية برز ما يسمى آنذاك بصوت الجماهير و ظهر ناقلوا الأخبار المحترفون و كانت الكلمة تنتقل من خلال الاتصال الشخصي، و عبر شبكة الطرق التي بناها الرومان لتربط بين أطراف إمبراطوريتهم.و أقامت على هذه الطرق مراكز و كل منها مزود بجياد حيث يمكن للكلمة سواء كانت مرسوما إمبراطوريا أو أمرا عسكريا أن تنتقل بسرعة كبيرة و قد كان للكلمة و الخبر أبلغ الأثر في تشكيل الرأي العام الروماني.

    ‌د. الرأي العام في العصور الوسطى:
    كان للرأي العام في عصور النهضة الإسلامية دورا فعالا في مختلف جوانب الحياة الإسلامية لممارسة هذه الحريات فقد اهتم الإسلام بالحريات كحرية الرأي و العقيدة و الحرية الشخصية و حرية التملك و التنقل ووضع أصول عامة للحكم منها مبدأ الشورى و وضع ضوابط لممارسة هذه الحريات و أقر حق الشعب في مقاومة طغيان الحاكم فالخليفة مقيد بإتباع القرآن، و السنة و إجماع الصحابة و قد أدرك العلماء أهمية الرأي العام فكانوا يهتمون بمعرفة أراء الرعية و اتجاهات الرأي العام.
    أما في أوروبا فقد شكل الصراع بين الكنيسة و السلطة الحديثة مدخلا أساسيا لتبلور و ظهور الرأي العام و ظهرت تعابير مثل "إن صوت الشعب من صوت الله"مما دفع بعض الكتاب إلى الإشارة إلى هذه الظاهرة في كتاباتهم"جون سالزبوري"تطرق إلى الرأي العام 1159 و اعتبره سندا للبرلمان و السلطة.ثم أشار "ميكيافليي"بدوره إلى أهمية الرأي العام و ربطه بالسلطة، ثم أشار "مونتسيكيو" إلى اصطلاح العقل العام و يقابله عند "جون جاك روسو"اصطلاح الإدارة العامة.

    ‌ه. العصر الحديث:
    عقب القرن 15 و عصر النهضة اخترع"كوتن بورغ"آلة الطباعة و انتشرت الفلسفة و العلوم، و بدأ الباحثون يهتمون بدراسة العلوم الإنسانية و السلوكية، و شملت أوروبا حركة فكرية قوية في كافة المجالات و أتيح للعامة قدر كبير من المعرفة و الإلمام بالقراءة و الكتابة و ظهرت الصحف مما أتاح للكلمة المكتوبة دور أكبر في التأثير في الرأي العام كما تقدمت وسائل المواصلات تقدما كبيرا، و كان لهذه التطورات أثر كبير في زيادة قوة الرأي العام. و بدأ الاهتمام به و أخذ مكانه الطبيعي في كتابات المفكرين و في خضم الثورة الفرنسية ظهر الاصطلاح الحديث لهذه الظاهرة و هو مصطلح الرأي العام، و الذي كان يتكرر كثيرا من فلاسفة العصر و رجال السياسة و الأدب، و لقد أدركوا المضمون النظري و العملي لرأي الشعب و نجاحه في الدول التي تأخذ بالنظام الديمقراطي، تأكد ذلك بظهور وسائل الاتصال مثل البرقية، و ازدهار الثورة الصناعية، و نظريات تتصارع في شتى الميادين و تحرير المرأة و العبيد و انتشار التعليم و تطور الأفكار و الآراء مما زاد من فعالية الرأي العام.
    و في القرن 20 توج الرأي العام انتصاراته و تزايدت فاعليته و ذلك بالتقدم المذهل في وسائل الاتصال الجماهيري و أصبحت أجهزت الإعلام المختلفة من أهم الأجهزة التي تعتمد عليها الأنظمة الحكم المختلفة في الاتصال الجماهيري و الوقوف على اتجاهاتها و ميولها و محاولة التأثير عليها.

    3. أنواع الرأي العام:
    ‌أ. التقسيم الزمني:
    1. الرأي العام الكلي الدائم:و يرتكز على قاعدة تاريخية و ثقافية و دينية و يشترك فيه كل أفراد الجماعة و يمتاز بالاستقرار و الثبات و لا تؤثر فيه الحوادث الجارية أو الظروف الطارئة إلا نادرة و أهم عناصره الدين أو العقيدة و العادات و التقاليد و هذا الرأي وليد التجارب الأفراد و تفاعلهم مع المجتمع فهو طويل الأجل قد يستغرق سنين أو قرون و من الصعب تغيير اتجاهاته.
    2. رأي عام مؤقت: و يرتبط بحادث عارض أو مصلحة مؤقتة أو جماعة أو فئة اجتماعية أو فئة اجتماعية و ينتهي بانتهاء العادات أو المصلحة أو الرابطة التي تجمع الجماعة. فهذا النوع من الرأي العام المؤقت لا يصاح أن تقام عليه دراسات يعكس الرأي العام الدائم، و يوصف الرأي العام المؤقت أنه "ديناميكي" رأي نشيط متحرك و هذا ينشأ عن الرغبة في التغيير في التغيير و من ثم فإنه يستمد تقويته من اعتماده على الحيوية و العقلانية أكثر من اعتماده على العادات و التقاليد و القيم...الخ، و يتلاءم هذا الطراز من الرأي العام مع المجتمعات الصناعية، و قد تعمل وسائل الاتصال الجماهيرية على تكوين الرأي العام مع المجتمعات الصناعية، و قد تعمل وسائل الاتصال الجماهيرية على تكوين الرأي العام المؤقت بالنسبة لقضية ما و أيضا الخطابات السياسية و كذلك الأحزاب السياسية و الجماعات عندما تعمل على تكوين رأي عام مؤقت بالنسبة للأهداف المحددة أو برامج مؤقتة، و سرعان ما ينتهي بانتهاء هذه الأهداف فالرأي العام يتغير إذا تغيرت العوامل الزمانية و المكانية.
    3. الرأي العام اليومي: و هو الذي يتأثر بالأحداث اليومية التي تصدر على صفحات الصحف والأحداث و المناقشات البرلمانية فهو رد الفعل لما يحدث يوميا.

    ‌ب. تقسيمات الرأي العام وفقا للمعيار العددي:

    1. رأي الأغلبية: هو رأي ما يزيد على نصف الجماعة التي تمثل المجتمع حول قضية مهمة تهم المجتمع و الأغلبية معرض لأن يكون رأي الأقلية و من عيوبه أنه قد يركز على الكسل و النوم و يدع شؤونه لفئة من غير الأكفاء لتعبير عنه و القيام بأعبائه، الأغلبية يكون لها تأثير إذا كان أفرادها على أسس متجانسة أو شروط معينة مثل أعضاء البرلمان أو طلاب الجامعات فإن رأي الأغلبية يكون له تأثير فعال.
    2. رأي الأقلية:هو رأي ما يقل عن نصف الجماعة في المجتمع و قد يمثل رأي فئة من الفئات في المجتمع مثل قادة الرأي العام أو المفكرين لأن الواحد من هؤلاء هو واحد من حيث القيمة العددية و لكنه أكثر من ذلك من حيث التأثير الكيفي، فيجب مراعات الأقلية لأنها تعمل على كسب رضا الجماهير لتتحول إلى أغلبية، فرأي الأغلبية يمكن أن يتحول إلى أقلية و لرأي الأقلية يمكن أن يتحول إلي أغلبية و هذا تبعا للمناقشة و تغير الزمن.
    3. رأي الأقلية مجتمعة: هو رأي الأقليات الكثيرة حيث تتفق أحيانا على رأي معين في ظرف معين و لهدف ضعيف و لكن قد يخفي هذا النوع من الرأي العام بالأمة إلى التحول السريع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار و من أجله قد تسقط وزارة ثم أخرى و حتى الحكومة تتمكن من أن تصبح أغلبية.

    ‌ج. تقسيمات الرأي العام حسب النطاق الجغرافي:
    • الرأي العام المحلي: و هو ما يعبر عن الرأي السائد في منطقة جغرافية معينة أو في إحدى المحافظات داخل الدول. و له خصائص تميزه عن المجتمع الوطني الانتماء(إلى ذلك المجتمع المحلي) الصغر(وحدة مستقلة مثل العائلة)، التجانس(تشابه نشاط الأفراد و اتجاهاتهم على أساس المهن و المستوى الاجتماعي و السن و المستوى التعليمي).
    فهذه الخصائص تؤثر تأثيرا كبيرا على الرأي العام السائد في المناطق المحلية.
    • الرأي العام الوطني: يرتبط هذا النوع من الرأي بالوطن أو الدولة و تستفيد إليه السلطة القائمة و يتميز بعدة خصائص أهمها:
     التجانس: بمعنى أنه بالرغم الخلافات الداخلية التي قد تحصل أحيانا إلى حد الصراع و التطاحن إلا أن الرأي العام الوطني يملك خ خلفية من التراث و التقاليد.
     إمكان التنبؤ به و بأبعاده و ردود فعله عن طريق الدراسات التي يقوم بها مراكز و وحدات بحوث الرأي العام .
     معالجة المشاكل الوطنية و التي تعنيه بالدرجة الأولى و بالتالي يندر أن يكون مضمونه إحدى المشاكل الدولية إلا إذا كانت تمس الاهتمامات الوطنية.
    • الرأي العام العالمي: و يقصد به الاتجاهات التي تسيطر على أكثر من مجتمع واحد و التي تعكس توافق بين سياسة واحدة و هو سمة من سمات المجتمع الدولي المعاصر، و تذهب دراسة الرأي العام إلى أن أنه يتشكل تدريجيا حول مشكلات وطنية مشتركة بين عدد كبير من البلدان(التخلف، الجوع...)أو قضايا ذات نطاق دولي مثل التعاون من أجل التنمية، نزع السلاح إقامة نظام اقتصادي جديد...
    • بالإضافة إلى أنواع أخرى: التقسيم الكيفي (قائد، مستنير، منقاد)تقسيم كمي(الأقلية، الأغلبية، الساحق و الجامع)الكامن، المتوقع حدوثه، الديني، المهني...

    ‌د. تقسيمات الرأي العام حسب الطبيعية:
    1) رأي كامن وراء ظاهرة: هو الرأي العام غير الظاهر لأسباب سياسية أو اجتماعية و قد يظهر في شكل همسات و نبرات خافتة لا تلبث أن تنفجر و تتحول إلى ثورة في حالات كثيرة خاصة عندما تفشل الحكومات في ملاحظة الرأي العام الكامن و التكيف معه.
    و هناك رأي عام تعبر عنه أجهزة الإعلام أو المنظمات السياسية و الثقافية و يمارس تأثيرا على سلوك الأفراد و الجماعات السياسية العامة لدولة.
    2) رأي ثابت و رأي عام مؤقت: الرأي العام الثابت هو الذي يرتكز على قاعدة تاريخية و ثقافية و دينية و يمتاز بالثبات حيث لا تؤثر فيه الحوادث الجارية إلا نادرا.
    الرأي العام المؤقت هو الذي يرتبط بمشكلة طارئة أو حادث عرضي أو برامج ذات أهداف زمنية محددة ينتهي بانتهائها.
    3) رأي عام إيجابي و رأي عام سلبي: و ينظر إليه حسب نشاطه و تأثيره و مشاركته في السياسة العامة، حيث يفترض وجود قطاع من الجمهور سلبي يكتفي بتلقي وجهات النظر و الانسياق وراءها و وجود قطاع آخر نشط يمثله المثقفون و عادة الرأي و الذين يستطيعون فهم حقائق الأمور و لا يتأثرون بوسائل الإعلام بل هم الذين يؤثرون فيها بأفكارهم.

    4. خصائص الرأي العام:
     التغلب: حيث أن الرأي العام ظاهرة متغيرة فالناس لا يثبتون على خلل واحد، و يعبرون أرائهم في الأشخاص أو الأحداث من رأي آخر.
     التبرير: أي محاولة تعليل السلوك بأسباب منطقية يقبلها العقل مع أن الأسباب الحقيقية انفعالية.
     الإبدال و التعويض: و قد يعتري الجمهور قلق لسبب من الأسباب و حين لا يستطيع توجيه غضبه نحو السبب الأصيل فإنه يلجأ إلى عملة الإبدال كالقيام بالتظاهر أو الإضراب أو كغيره.
    و قد يمارس الجمهور نشاطا تعويضا كاللجوء إلى شرب الخمر أو لعب الميسر و التحمس للرياضة و غيرها.
     التطابق و الاتفاق: هي حالة ميل الفرد إلى الاتفاق مع رأي المجتمع حتى و لو اختلفت مع قناعاته الحقيقية(بين أخوتك مخطئ و لا وحدك مصيب).

    5. وظائف الرأي العام:
     يعمل الرأي العام على رعاية المثل الإنسانية و القيم الاجتماعية و يقف ضد من يحاول الخروج منها.
     يعمل على رفع الروح المعنوية حين تتعرض الأمة لكارثة أو لغزو خارجي مثل ذلك مقاومة الاتحاد السوفياتي ضد الغزو النازي.
     يعمل على إنجاح خطط الدولة في التنمية السياسية و التنمية الاقتصادية كما يقوم بدور في إحباطها إذا لم تمكن الدولة من إقناع الرأي العام بتوجهها.







    قياس الرأي العام

    1) مفهوم القياس:

    تشير الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية في مفهومها للقياس الاستطلاعات على الرأي العام إلى أنه يتضمن تحديد ردود أفعال الأفراد والذي يتمثل عادة في كلمات أو عبارات في ظروف المقابلة و يتناول هذا المنظور القياس عادة و كيف يتسع محيط الرأي لكي يشمل المتغيرات الجغرافية أو المستويات الاقتصادية و الاجتماعية أو المتغيرات الدينية و الاستطلاع ليس هدفا في ذاته بل هي أداة كما يقول "ترومان"لجمع المعلومات عن مجتمع تشكل فيه الحكومة المركز الرئيسي بين المؤسسات و تفصل فيه نقطة اتخاذ القرارات عن المواطنين نتيجة البيروقراطية التي لابد منها.

    2) تطور قياس الرأي العام :
    قبل ظهور الطرق العلمية المضبوطة لقياس الرأي العام كانت هناك المجتمعات القديمة طرق بسيطة غير مضبوطة بالطبع للقياس الرأي العام و غير مقننة و لكنها كانت تؤدي المقصود منها على شكل اجتهادي لغرض تحسين أحوال الناس و أقوالهم و آرائهم.
    و كذالك أستعملت المقابلة كطريقة استقصاء رأي الناس و وجهات نظر حول القضايا المختلفة منذ القدم.
     أما في عصرنا ظهرت صورة حديثة لقياس الرأي العام فقد حلت الأدوات و المناهيج المضبوطة محل الطرق القديمة و إن كانت لا زالت بعد تمثل جانبا لا يمكن الاستفتاء عنه للقياس الرأي العام. كالمقابلة و الملاحظة و ترجع البداية المبكرة لقياس الرأي العام 1774 و التي قامت به شركة أرامز للاستطلاعات و مؤسسة "بن فرانكلين" بتكليف أول كونقرس خاص بالمستعمرات الأمريكية الثلاث و كان الهدف منه هي معرفة استجابة الجمهور للحرب المقترحة ضد انجلترا آنذاك.
     و أول عملية لقياس الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية كانت إثر انتخابات 1896 حينما اعتمدت العديد من الصحف في شيكاغو بإجراء استطلاعات الرأي العام بهدف التنبؤ بنتيجة المنافسة على الانتخابات الأمريكية
    حيث قامت جريدة the Chicago tribue بإرسال بطاقات اقتراع لأكثر من ثلاث مائة من الأفراد المسجلة أسمائهم في كشف الانتخابات على نفس المدينة فكانت النتيجة فوز "وليام" كممثل للحزب الجمهوري بنسبة 58% و هي نفس الانتخابات الفعلية تقريبا.
    و نجحت عملية قياس الرأي العام نجاحا كبيرا في التنبؤ بنتائج الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة الأمريكية.
    و توصلت التنبؤات للرأي العام من قبل معهد جالدوب عام 1960 بنتائج الانتخابات بين كينيدي و نيكسون و مع بدايات عام 1965 كان قياس الرأي العام مستخدم من خلال حوالي 40 دولة و تعد فرنسا و ألمانيا الغربية و اليابان من أكثر الدول المستخدمة لهذا النوع من الاستطلاعات .

    3) طرق قياس الرأي العام:
    تعتمد معظم النظم السياسية و الغير السياسية إلى قياس الرأي العام لمعرفة مدى تقبل الجماهير لها و لهذا يحاول بعض الحكماء و الرؤساء و الملوك و الأحزاب السياسية و الجمعيات الخيرية المرشحين للانتخابات إلى استطلاع رأي أغلبية الشعب ببرامجهم السياسية و مشاريعيم الاقتصادية و الاجتماعية و الصحية و يلجأ أصحاب السلطة و السياسة إلى عدة طرق من أجل قياس الرأي العام و هذه الطريقة هي:
    ‌أ. استطلاع الرأي العام :
    و هي النوع الأول من البحوث استهداف التعريف السريع و الفوري للرأي العام حول قضية أو قضايا معينة في مجال أو عدة مجالات سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية.و استطلاع الرأي العام ما هو إلا وصف تخليص للرأي العام. و تعتبر أكثر عوامل الوصف شيوعيا في الاستخدام ذكر نسبة الأفراد المفضلين لاقتراح ما أو مرشح معين عندما تواجهه أسئلة من نوعية "هل تؤيد أم تعارض".
    و هناك عدة مقاييس يمكنها وصف الآراء الفردية ليس فقط اتجاهاتها للتأييد أو المعارضة و لكن أيضا تأييدا للمعلومات و القوة و الثبات و الأهمية و ما إلى ذلك. و يمكن استخدام هذه البيانات في أبحاث الرأي العام لدراسات الطرق التي تتطور بها الآراء و تتغير على المستوى الفردي و وصف آراء التجمعات و تغيرها بمرور الزمن.
    و تعتمد الدراسات التجريبية للجمعيات للرأي العام على أي من هذه التصنيفات و الأبعاد التحليلية شريطة أن يتم اختيار الاستطلاع المناسب فيمكن تحليل التوازن في التأييد في جماعة ما بالنسبة أجانبي قضية معينة ليس فقط فيما يتعلق بمعدلات النسبية المعبرة عن التأييد أو المعارضة للعروض المعينة و لكن فيما يتعلق أيضا بالمستويات المقارنة لقوة الرأي الحقيقية و معدلات النشاط السياسي الملاحظة على كل جانب من الجوانب القضائية.
    و قد أثيرت تساؤلات كثيرة حول الفرق بين المسوحات و الاستطلاعات و هذا ما جاءت به "كاترين مارش"عندما حاولت التفرقة بين المسوحات و استطلاعات الرأي اعتمادا على وظائف "F.unctions" كل منهما و ليس اعتمادا على أي أساس تقني أو منهجي، فالمسح في رأيها يتم القيام به لأفضل فهم لشيء ما أما الاستطلاع فهو جزء من العمليات الديمقراطية و مردود على ذلك للاستطلاع قد يكون"لأفضل فهم لشيء ما" و المسح يمكن أن يكون جزء من العمليات الديمقراطية. كما فرضت أنه إذا تم تجاهل نتائج المسوحاته فإنه لا يحدث شيء، و لكن إذ تم تجاهل نتائج الاستطلاع فإن بعض سياسيين سوف يدفعون الثمن و هذا الرأي مردود عليه، أيضا-إن المسح الجيد و المعلن عنه جيدا يمكن أن يكون هو موجها أيضا للناس.
    ‌ب. الاستفتاء العام:
    يمثل الاستفتاء العام إحدى الوسائل الديمقراطية الغير مباشرة التي تتعلق بقضايا حاسمة و يطبق على جميع الأفراد الذين يتمتعون بالحقوق السياسية، و يتم اختيار عينة من الجمهور موضوع الاستفتاء بدقة و عناية و توجه إليه عدد من الأسئلة التي تتضمن موجزات كاملا عن المشاركة العامة المراد قياسها لاتجاهات الرأي العام و توضع هذه الأسئلة طبقا لخطة و يتم استخلاص النتائج من إجابات الأفراد عن هذه الأسئلة و تسليم استمارات الاستفتاء شخصيا إلى الأفراد أو ترسل إليهم بالبريد أو تذاع إلى الجماهير عن طريق أجهزة الإعلام المتنوعة و تتلقى الجهة التي تقوم بالقياس للإجابات و تقوم بدراساتها و استخلاص النتائج .
    ‌ج. تحليل المضمون:
    تعد طريقة تحليل المضمون من الأساليب العلمية لقياس الرأي العام و يستخدم لمعرفة اتجاهات الرأي العام و غير ما تقدمه الصحافة و الإذاعات و التلفزيون و سائر وسائل الاتصال الأخرى من معلومات و مواد يمكن تحليلها و دراستها لإمكانية التعرف اتجاه الحكومات و الشعوب في بعض الدول و تعتبر أيضا أداة التحليل السياسي و يجب أن يفهم أساسا على أنه عملية عزل خصائص فكرية معينة و البحث عن مصادرها عن تكرارها...ملابساتها...عن علاقاتها الارتباطية و غيرها من الحقوق التي تدور حول الرسالة و قد حاول "فان""Fan" دراسة العلاقة بين رأي الجمهور الذي يظهر من خلال الاقتراعات و الاتجاهات العامة في مضمون وسائل الإعلام، لتحقيق ذلك ظهر نموذجا فعالا للتنبؤ بنتائج الاقتراع الحملة الانتخابية من خلال تحليل المضمون التقارير الإخبارية لوكالة "الأسوشتيد برس" عن طريق تقرير الرسائل الايجابية و السلبية عن المرشحين، و قد أتاح هذا النموذج توقعات دقيقة جدا و صائبة عن نماذج الاقتراعات.
    ‌د. المقابلات المتعمقة:
    يستخدم الباحثون_ بالإضافة إلى الأشكال السابقة طرق أخرى أقل تنظيما منها المقابلات المتعمقة، و هي الطريقة تعتمد على إجراء و حوارات أكثر مرونة و كذلك بترك تحديد الانتخابات و الأسئلة للمستجيبين في الغالب، و قد أستخدم هذه الطريقة في الدراسات المبكرة عن تأثير وسائل الإعلام و تهدف هذه المقابلة أساسا إلى استخراج أفكار جيدة و افتراضات غير مسبوقة و التي كانت تخضع بعد ذلك لاختبار من خلال طرق محددة.
    ‌ه. الجماعات المحورية:
    تعتبر أبحاث الجماعات المحورية شائعة بوجه خاص في دراسات سلوكيات المستهلك و مواقفه كما أنها تطبق في بعض الأحيان في أبحاث الرأي العام، و من خلالها يتم تجميع مجموعة من الناس سويا لمناقشة مواضيع معينة و تسجل تفاعلاتهم و تدرس. و على الرغم من أن هذه الوسائل تضحى بالتمثيل النموذجي لعينة الاستطلاع إلا أن الأسئلة غير المحدودة للإجابة للجماعات المحورية يمكنها أن تساعد الدارس على فهم عملية التفكير المستخدمة للتواصل إلى الآراء و يمكن تحقيق ذلك بالملاحظة محادثات مجموعة من الزملاء تركز على موضوع مستحوذ على اهتمام العامة و موجها بواسطة أحد الأشخاص ثم يتم تحليل البيانات مكتوبة على تلك المحادثات و تفسيرها من قبل المحللين لمعرفة أي من عناصر المناقشة أصبح جزء من الاهتمام العامة.

    4) أهمية قياس الرأي العام
    تفرض ديناميكية الرأي العام و تغييرها المستمر على صانعي السياسات و متخذي القرارات سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو سواء على المستوى القومي أو القطاعي أو الجزئي المركزي أو المحلي قياس الرأي العام اتجاه قضايا مختلفة قياسا علميا دقيقا و بشكل دائم و مستمر و كذلك بهدف معرفة للواقع الفعلي بحجمه و دراسة مشكلاته الملحة و تقييم ما تم التوصل إلى الصورة الصحيحة عما لدى الجمهور من معلومات و آراء و اتجاهات.
    فالقياس الدقيق لاتجاهات الرأي العام لدى الجمهور أو لدى فئات أو قطاعات مختارة منها سوف يتاح الفرصة لمنظمات مختلفة في اتخاذ قراراتها في ضوء الحقائق الموضوعية كما يسمح للدولة و المنظمات المختلفة فيها أن توجه الرأي العام توجيها سليما و أن تحشد قوته و تركيزها لتتجه اتجاها محابيا لأنماط التنمية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و هو ما يتماشى مع الاتجاهات الحديثة في تأثير في الرأي العام على أساس قاعدة التوجيه نحو الأهداف الوطنية بالاستخدام الواعي للإعلام و الاتصال و أكد "ترومان" أن الاستفتاءات العامة تستطيع أن تساعد للحكم في الاستعانة بالبيانات و التساؤلات و الفروض الضمنية في المجالات التالية:
    o تقديم بيانات يمكن على أساسها فروض و دعم الخطة للبرامج المقترحة.
    o اختيار خطط برامج مفتوحة و تقسيم فعاليات برامج قائمة.
    o تسهيل الجوانب الإعلامية في سياسة قائمة.
    و يضيف الدكتور "عبد القادر حاتم" على ذلك ميزة أخرى و هو أن نتائج الاستفتاء الذي يجرى حول تنفيذ السياسة يساعد في وضع سياسات جديدة.

    5) مشكلات قياس الرأي العام
    تمثل المشاكل المنهجية و الأخلاقية التي تواجه استطلاعات الرأي العام بؤرة اهتمام الباحثين المختصين في مجال الرأي العام و العلوم الاجتماعية و الذين حاولا جاهدين و وضعوا الحلول التي تكفل ارتفاع مصداقية تلك البحوث مع إقرار المواثيق الأخلاقية التي تلزم العاملين في ذلك المجال و الالتزام بها حتى تضمن عدم استغلال نتائج هذه البحوث.
    ‌أ. المشاكل النظرية:
    تتمثل هذه المشاكل النظرية في اتجاه الرافض جملة و تفصيلا لعملية قياس الرأي العام و هذا الأخير بطبعه عابر سريع التأثر متقلب و يذهب العالم الفرنسي"بوردييه" في هذا الشأن إلى أنه لا يوجد ما يسمى بالرأي العام الحقيقي لأن قياسات الرأي العام ما هو إلا وسيلة من وسائل العمل السياسي و إن وظيفته الرئيسية هي إشاعة الوهم بينما هو ببساطة مجموعة من الآراء الفردية و التعبير عنه بنسب مؤوية أبعد ما يكون عن الحقيقة الفعلية إلا أن الرأي العام ما هو إلا نسق من القوى و التوترات و الصراعات في لحظات محدودة و يلجأ أصحاب السلطة إلى إجراء تلك القياسات في معرض احتياجاتهم إضفاء الشرعية على النظام السياسي القائم.
    و قد ذهب البعض إلى رفض العملية من منظور درجة الوعي التي يتمتع بها الفرد في مجتمع حيث أن الوعي الاجتماعي محدود في مختلف الأنظمة السياسية لأسباب مختلفة.
    فللوعي الاجتماعي في النظام الليبرالي وعيا زائفا لا يطابق الحقيقة لأن الطبقة الحاكمة تحاول فرض اديولوجيتها بأساليب متعددة كالسيطرة على وسائل الاتصال المختلفة بينما النظام الشمولي مقيد لا يسمح للمواطنين بتطبيق المنهج النقدي بالإضافة إلى السيطرة على وسائل الإعلام و الرقابة على حرية تداول المعلومات أما النظام التسلطي فالوعي محاصر فيه بمعنى غير مسلح بنظرات متكاملة و لا يقف بين الليبرالية من ناحية و الشمولية من ناحية أخرى.
    و هناك مشكلة أخرى تتعلق بمدى الاهتمام الذي يوليه الأفراد للقضايا العامة و الأمور السياسية فقد أتضح أن المواطنين يتفاوتون في اهتمامهم المعتاد بالسياسة و بالتالي متفاوتون في مطالعتهم لمعلومات السياسية بالإضافة إلى أن المواطنين لا يحملون في أذهانهم مواقف محدودة و ثابتة عن كل قضية يتم الاقتراع عليها بل هم يتبنون مواقف للرأي كلما واجهتهم قضية جديدة.
    و نجد أن عددا قليلا من الناس يتظاهرون بانتظام هام جدا بالشؤون العامة مما أدى ذلك إلى تمييز بعض الباحثين بين العامة الشاملة و العامة اليقظة و العامة المثقفة التي تشارك في مناقشة قضايا التي كانت تركز على الأفراد الأكثر اهتماما و ثقافة و شهرة و نقدا.
    و قد حاد ذلك بالعالم"ليبمان" و قال:"إن الفرد بمفرده ليس لديه آراء بشأن كل القضايا العامة فهو لا يعرف ماذا يحدث و لماذا يحدث، إنني لا أستطيع تخيل كيفية قدرته على المعرفة و لا يوجد على الأقل سبب للتفكير في مجموعة من الأفراد الجهلاء في جماعة من الناس يمكن أن يكون لهم قوة مواجهة في القضايا أو الشؤون العامة" .
    ‌ب. المشاكل المنهجية:
    من الواضح أن عملية القياس سواء كانت محددة أو غامضة و غير علمية فلن يستطيع المرء أن يتجنب القضايا المنهجية المثارة حولها، فمن المستحيل دراسة أية ظاهرة بأسلوب حيادي تماما و من هذا المنطلق نعرض فيما يلي المشاكل التي تعوق عملية القياس:
     اختيار موضوع الاستطلاع: إن النقطة البادية في التسلسل المنهجي التي تمر بها قياسات الرأي العام و استطلاعاته هي طبيعة الموضوع و مدى استيفائه للشروط المنهجية و أبرزها هي: أن يكون الموضوع مطروحا للجدل و المناقشة و تتوافر عن معلومات التي تجعل الجمهور على وعي بها في حالة عدم توفر هذه الشروط يصبح الموضوع غير صالح للقياس و إذ تم القياس تكون النتيجة مجموعة آراء فردية لا تعبر بأي حل عن الرأي العام.
     العينة:إن قياسات الرأي العام ما هي إلا بحوث تطبق فيها طرق علمية للبحث و من ثم لا تنفرد هذه القياسات باستخدام أنواع من العينات لا تستخدم في بحوث أخرى.
    و يعكس الاهتمام المتزايد بضرورة اختيار العينة أسباب تتعلق في قضية منهجية في غاية الأهمية و هي قضية التعميم أو الانتقال من الجزئي إلى الكلي فنتائج الاستطلاع ما هي إلا مقولات عامة إلى الجمهور بناءا على المعلومات مأخوذة من عينة صغيرة من أفراد هذا الجمهور و هذا هو محور النقد الموجه إلى استطلاعات الرأي العام و قياساته و من هنا جاء اهتمام الباحثين بمعالجة جوانب منهجية في العينة و قد أجمع معظم المصادر العلمية على شرطين أساسيين يجب توافرهما في العينة الجيدة و هما:
    أن تكون العينة ممثلة للمجتمع الأصلي و هذا يلزم باحثي الرأي العام أن يحددوا مجتمع العينة التي يتم سحبها منه، و أن يصفوه وصفا دقيقا أما الشرط الثاني: هو أن تكون لوحدات المجتمع الأصلي فرص متساوية حتى لا يقع الباحث الذي يتجاهل هذا الشرط في شبهة التحيز.
    و على الرغم من التطور الذي طرأ على طرق اختيار العينة و الاقتناع بأنها الأداة الملائمة تماما للبحث لما تتمتع به من مزايا أكثر من الأنواع الأخرى المستخدمة في المسح إلا أن الجدل النظري مازال مستمرا حول جدوى أية عينة و فاعليتها في تمثيل المجتمع.
    فالعينة ما هي إلا أقلية من الأفراد تمنح في الاستطلاعات حق تمثيل المجتمع، بالإضافة إلى أن هذه الأقلية ما هي إلا أقلية تم اختيارها بطريقة عشوائية و العشوائية قد تؤدي إلى استبعاد بعض العناصر من المجمع الأصلي.
     بناء الاستمارة: تجرى استطلاعات الرأي العام اعتمادا على استمارة الاستطلاع إلا أنه هناك عددا من المشاكل و الأخطاء المنهجية التي يمكن أن تتضمنها الاستمارة و التي تؤدي إلى تشويه النتائج التي يتم الحصول عليها، و من الأخطاء الشائعة في بناء الاستمارة ما يتعلق بصياغة الأسئلة، حيث يتم وضع أكثر من سؤال في سؤال واحد، مثال"هل يصح أن نسمع للمشاهدين للأفلام السينمائية تحت سن 17 سنة أن يشاهدوا أفلام ذات مشاهد جنسية فاضحة"
    و من بين المشاكل التي نتعرض لها في بناء الاستمارة تضمينها لأسئلة محددة النهاية، أو غير محددة النهاية، لذا اتجه العديد من الباحثين إلى المناداة بتطوير قاعدة تجريبية راسخة لتدعيم قدرة الأسئلة المفتوحة على قياس الرأي العام.مؤكدين على فائدة هذه الأسئلة في استطلاعات الرأي. و توجد مشكلة أخرى تتعلق بالمبحوثين حيث أظهرت الأبحاث أن الناس يكونون راغبين في إبداء آراء في أمور ما حتى عندما يكون لديهم أي أحكام كافية أو مواقف متعلقة بهذه الآراء و هذا ما يطلق عليه "بالآراء الزائفة".
    و الواقع أن إيجابيات استمارة البحث و سلبياتها موضوع مثار في مناهج البحث الاجتماعي و أدواته منذ فترة طويلة، و رغم ذلك تبقى الاستمارة باعتبارها أهم أداة بحثية متعة في استطلاعات الرأي، بما تتميز به من مميزات غالبا لا تتوفر في أية أداة بحثية أخرى.
     تحليل البيانات:آخر خطوة من خطوات استطلاع الرأي هي تحليل البيانات التي تم جمعها من الجمهور و تصنيفها تمهيدا لعرضها و نشرها عبر وسائل الإعلام، حيث تستخدم في هذه المرحلة أساليب و معاملات إحصائية لتحويل النتائج الكيفية إلى نتائج كمية، فأصحاب الاتجاه الكيفي لا يعترضون على الإحصائيات في حد ذاتها و لكنهم يعترضون على الفعال التأويلية التي يقوم بها الباحثون أأصحاب الاتجاه الكمي حيث يقومون ببتر الواقع ليتماشى مع المعالجة الإحصائية كما أنهم يذهبون إلى أن الإحصائيات تصلح بشكل أفضل في إطار متوسط في كل من الزمان و المكان فهي تشوه إذا كان الإطار صغيرا جدا و هي تخفي كثيرا جدا عندما يكون الإطار شديد الاتساع،
    و من الانتقادات الموجهة لمعالجة الإحصائية للنتائج أنه في المجتمعات متعددة الثقافات لا تكون الأرقام موضوعية فغالبا ما تستخدم الحصص النسبية من الناس كلوحة يفترض أنها تجلب العدالة الاجتماعية و لكن بدلا من ذلك تؤكد على مبادئ التفرقة العنصرية.
    و على الرغم من أن الإحصائيات في العلوم الاجتماعية غير موضوعية إلا أنه يجب علينا استخدامها في كثير من الأحيان. و ينبغي أن تستخدم الإحصائيات بطريقة العلوم الاجتماعية لا بطريقة العلوم الطبيعية، حيث يجب تغيير الأرقام و شرحها و أن يتضمن التحليل مختلف الأبعاد و المتغيرات التي من شأنها الإسهام في إظهار وجهات النظر التي تعرضها تلك النتائج و فهمها.
     التجاوزات الأخلاقية:إن الباحث يرى أن التجاوزات الأخلاقية ترتبط بالنواحي المنهجية المختلفة حيث أنها تحدث في أي مرحلة من مراحل الاستطلاع فقد تحدث في اختيار العينة أو في اختيار الأسئلة و ترتيبها كما أن النتائج يمكن ترتيبها لخدمة أهداف معينة و بذلك فإن التجاوزات تشمل النواحي المنهجية بالإضافة إلى عملية النشر.
    و كان أول من واجه هذه التجاوزات "جورج جالوب" عندما قدم ما أسماه مرشدا أو دليلا للجمهور متضمنا 09 قواعد تساعد على تقييم الجمهور لاستطلاعات الرأي و تكاد هذه القواعد تكون هي نفس القواعد التي نصت عليها غالبية المواثيق الأخلاقية على ضرورة الالتزام بها عند إعداد التقرير النهائي للاستطلاعات أو عند نشر نتائجها.
    كما اقترح "جالوب" تكوين مجلس استشاري يتكون من أخصائيين و سيكولوجيين و تمثل به كافة الجماعات السياسية لتكون مهمته فحص منهجيات مؤسسات قياس الرأي العام و مندى التأكد من دقتها في كافة مراحلها .
    و لكن بالرغم من هذه المجهودات الفردية و الأكاديمية للحد من التجاوزات والارتفاع بمستوى الأداء في استطلاعات الرأي.إلا أن الساحة مازالت مليئة بالعديد من استطلاعات التي تقوم حولها الشبهات للتجاوزات المنهجية و الأخلاقية التي تعترضها. و في حقيقة الأمر أن هذه التجاوزات و كيفية معالجتها تختلف باختلاف النظام السياسي القائم.


    6) نموذج عن القياس في مصر:

    و قد بدأت قياسات الرأي العام في مصر مبكرا مقارنة بالدول النامية ألأخرى حيث قام أحد الباحثين بإجراء استطلاع للرأي العام في 1956 بعد صدور الدستور و الذي نص على حق الانتخاب المصريين على السواء، و بذلك أصبح من حق المرأة المصرية أن تزاول حق الانتخاب و حق الترشيح و قد قام الباحث باستطلاع الرأي العام حول هذا الموضوع"منح المرأة المصرية حقوقها السياسية" و على الرغم من البداية المبكرة لهذا الاستطلاع فقد اتبع الباحث الخطوات العلمية على الرغم من قلة الإمكانيات الموجودة في تلك الفترة حيث لم يستطع تطبيق الاستطلاع على محافظة القاهرة فقط.
    و من الدراسات المبكرة في مصر تلك الدراسات التي قام بها جهاز البحوث بالإذاعة المصرية و ذلك عقب حرب 1968 عندما تضمن خطاب سياسي للقائد تساؤلا إلى أي الاتجاهين ينحاز حيث وصلت إلى الجهات العليا خطابات بأن تقتصر برامج الإذاعة على الأنباء و الأناشيد الحماسية في حين طلبت رسائل أخرى بأن تعود الإذاعة إلى برامجها العادية، و قد اعتبر جهاز البحوث هذا التساؤل إشارة له للتعرف بأسلوب علمي على مطلب الرأي العام حيث قام المركز بتصميم قياس للرأي اعتد فيه على عينة حصص طبقية و أمكن توصيل رد فعل الرأي العام إلى الجهات المسؤولة في غضون أيام.
    و عندما تولى"السادات" فقد طرأت بعض التغيرات السياسية و الاقتصادية حيث أنشأ منابر و انتهج سياسة الانفتاح الاقتصادي التي أدت إلى جلب الاستثمارات و المؤسسات الأجنبية إلى مصر و بدأت هذه المؤسسات في البحث عن بيانات عن المجتمع المصري لخدمة أغراضهم الاقتصادية و من هنا توالت الأبحاث و لكنها تركزت على جمهور التلفزيون لخدمة الأغراض الإعلانية.
    إلى جانب هذه الحالات تم إنشاء العديد من مراكز لقياس الرأي العام في مصر من أهمها:
    1. المركز القومي للبحوث الاجتماعية و الجنائية: ب يعد أول جهاز متخصص في هذا المجال و قد أسهم المركز في إرساء الأسس و المفاهيم الخاصة بقياس الرأي العام و في الإعداد العلمي للعنصر البشري الذي يتولى هذه المهمة و المركز يعد مؤسسة من مؤسسات الدولة و يتضح من ذلك تركيزه على الموضوعات الاجتماعية و الاقتصادية و الابتعاد عن الموضوعات السياسية.
    2. جهاز البحوث في إتحاد الإذاعة و التلفزيون: فمحطات الإذاعة و التلفزيون و المتقدمة فيها بصفة عامة تحرص على إجراء بحوث المستمعين و المشاهدين بصفة مستمرة و منتظمة لمعرفة الرأي في برامجها و حجم و عادات الاستماع و المشاهدة و هناك عدة طرق لقياس الرأي العام فيما تقدمه الإذاعة و التلفزيون من برامج منها: الاستقصاء التلفزيوني، رسائل المستمعين و المشاهدين، الاستبيان و تحليل المضمون و غيرها.
    و على الرغم من المكانة العلمية و العملية لهذا المركز إلا أنه ينقصه الاستمرار و المتابعة في القياس لأسباب مالية و تنظيمية كما يشكو من قلة الاستفادة التطبيقية من نتائجه نتيجة لضغط العمل اليومي على الأجهزة التي يخدمها.
    إضافة إلى ما سبق توجد بعض المراكز و التي تم إنشاؤها داخل بعض الجامعات، فقد أنشأت جامعة القاهرة مركز بحوث الرأي العام 1982 و تبعتها مراكز أخرى.
    و يتضح مما سبق أنه رغم الاهتمام الكبير بمعرفة اتجاهات الرأي العام في مصر إلا أن هذا الاهتمام لا يواكبه اهتمام بقياسات الرأي العام فلم يحظ هذا لموضوع بما هو جدير به الاهتمام على الرغم من أن مصر تمتلك جميع العناصر اللازمة لقيام هذه الصناعة.


    الخاتمة:


    و ختاما لما سبق نقول أن الرأي العام لم يتداول إلا في العصر الحديث بالتحديد منذ الثورة الفرنسية و أنه يتسم بالتقلب و التبرير و الإبدال و التطابق و الاتفاق و لما له من وظائف عدة تجعله مؤهلا لأن يلعب الدور الفعال في الدولة إلا أنه رغم إمكانية قياس الرأي العام باستعمال الطرق المعتمدة لذلك إلا أنه تعترضه عدة صعوبات تقف حاجزا أمام هذه العملية (القياس)منها المشاكل الفكرية و المشاكل المنهجية.
     
  2. عزازنة رياض

    عزازنة رياض مشرف منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية

    رد: الرأي العام

    شكرا لك أخي على المجهود