الحرية والتحرر

الموضوع في 'شعبة اداب و فلسفة' بواسطة amina.54, بتاريخ ‏12 مايو 2008.

  1. amina.54

    amina.54 عضو جديد

    الحرية والتحرر
    الخميس, 20 مارس, 2008

    منذ القدم، والإنسان يتوجس خيفة من (الضرورة) التي تطوق وجوده، ووجود الأشياء حوله، لاسيما وهو يرى الناس مختلفين في أوضاعهم وسلوكياتهم، فدار في خلد الإنسان منذ القدم أن ثمة قدراً مكتوباً وراء كل ذلك يتحكم بحياة الإنسان، وأفعاله، هو بمثابة قسر له، ولحريته، حتى بالغ اليونانيون فذهبوا إلى أن (القدر) يتحكم بالالهة مثلما يتحكم بالإنسان.

    وتاريخياً، كان التزود بالعلم، والحكمة، سواء عن طريق الممارسات الطقوسية القديمة، أو عن طريق النظر والتأمل، هو السبيل للانعتاق من أسر الضرورة، والترقي في مدارج الوجود، لا سيما وأن فرص الإنسان لتحسين أوضاعه، وظروف معيشته محدودة، وتتطلب الجهد الأمين، والكد الصادق، سواء في تحصيل الخبرات، أو تجنب الشرور.

    ففي هذه المرحلة تشكل الضرورة الأصل والحرية حالة كسبية للخروج منها؛ أي إنها طارئة.

    الضرورة والحرية في الحضارات القديمة:

    أسهمت الحضارات القديمة في هذا المجال إسهاماً قيماً والذي يمكن الإشارة إلى بعض معالمه كالآتي:

    أ) في الحضارة الفرعونية: في وثيقة (شباكا)(2) التي أحيت تعاليم (منف) القديمة، أن (بتاح آتوم) هو خالق كل شيء، إنه هو الذي نطق بأسمائه حسب مشيئة قلبه، وأنه يحل في كل جسم من حجر، أو شجر، أو أحياء، وأنه قلب كل حي، ولسانه.

    وان (الماعت) آلهة العدل، أو العدل نطق ألوهي، نطق به (بتاح آتوم) يوم نطق أعضائه، وأسمائه فأجرى (قدر) الأشياء في العالم، ولكن حدث فيها اضطراب منذ زمن (أوزيرس)، وقدوم الموت إلى العالم.

    إن (النطق الألوهي) هو الناموس المتعالي للأحداث في العالم، و(تحقيق النطق) هو الشعار الذي رفعه المصريون القدماء، كعنوان لحكمتهم في الحياة، وممارساتهم الطقوسية لخلق إنسان عارفٍ، هو المحقق للنطق والإنسان الأمثل وقتها...

    إن (تحقيق النطق) يكسب الإنسان براءته، ويجعله عارفاً مزدهراً، منتصراً و(البراءة الأوزيرسية) هي الرتبة التي يمكن للإنسان بلوغها، وهي عبادات سحرية وجنائزية للترقي في مراقي الوجود.. وهنا نلاحظ نفس الأساس السابق حيث تشكل الضرورة استجابة للناموس وأن الإنسان بسعيه للرقي يتجه للحرية.

    ب) سومر وسورية وبابل وآشور: وأما الحياة في سومر، وسورية وأيضاً في بابل، وآشور، فقد كانت أكثر قلقاً واضطراباً منها في مصر القديمة، التي كانت تنعم بالدعة، وقد رفع البابليون إلههم (مردوك) إلى مصاف الآلهة السومرية المتوارثة (آنو، وشمش وآيا) وغيرها، وجعلوه يحوز على كافة سلطاتهم وكانت احتفالات (تحديد المصائر) من أبرز مظاهر ثقافتهم، فيها يكرس طالع العام الجديد، وقد كانت هذه الاحتفالات عمل كهانة وسحر وتطلع للغيب، وهي في حقيقتها مبادرة إنسانية في المجادلة المدنية، والاجتماعية، ويقوم النظام الاحتفالي فيها على مشاركة الملك، وحاشيته لفئات الشعب المختلفة باحياء سيرة (مردوك) وحربه ضد اللانظام، وانتصاره فيها، وتكريسه النظام في الكون، والمجتمع، يساعده في ذلك (تابو) صاحب ألواح القدر.

    كل ذلك عكس على الخصوص حسهم الأصيل بحرية الإنسان، ومشاركته الآلهة في تحديد المصائر، وتكريس طالع العام الجديد في كل عام، وعاماً إثر عام(5).

    وفي قصيدة الخلق البابلية:

    إنك أنت حاكم السماء والأرض، بكلمتك وضعت الناس في العالم، أنت الذي يسمي أسماء الملوك والأمراء - أو - مردوك نطق حياته - أو - جليلة سابية كلمة مردوك- أو - أن كلمتك مثل آنو - أو - في كلام البقلة الحياة - إلى آخر القصيدة(6)، فالفكر البابلي يمتاز عما سواه بأنه أفسح للإنسان فرصة أكبر للمشاركة في تحدي المصير دون إنكار الناموس والقدر مع بروز حالة التجزيئية أي نظام القدر لمدة سنة فقط.

    (2)

    مـــع الفلسفة اليونــــانية

    وأما اليونان فبحكم المرحلة الحضارية، والإنسانية التي كانوا يعيشونها استطاعوا أن يلهجوا بذكر (الحرية) والتي قابلوها بالضرورة التي عليها قوانين الطبيعة،لا سيما وأن معظم مفكريهم، ولنقل فلاسفتهم، كانوا يؤمنون بأن الروح سجينة الجسم،وأن الجسم يحمل الإنسان عبء أهوائه وشهواته وقد آمن اليونان بالقدر،وجعلوا الإنسان والآلهة تخضع له، وبفعل توسعهم في احتكار قوانين الطبيعة، وأيضاً حقيقة وجودها قالوا بالضرورة الطبيعية وراحوا يستعينون على توضيحها بالقول بوجود (الدور) وتكراره، في حين أن تأملاتهم في الأخلاق، أو في السياسة، أو في العمران، والقوانين التي تحكمها، ساعدتهم على توضيح جوانب من ظروف بروز الحرية،أو أيضاً حدودها..

    آ) قبل سقراط: قال (بارمنيدس) إن الوجود موجود، وإن الضرورة بمثابة آلهة تحتل مركز العالم، وقال (لوقبيوس) أن نظام العالم ينشأ بـ(الضرورة الإلهية) من حركة الجواهر الفردية، والتي هي ذرات تتحرك في الخلاء.

    وقال (ديمقريطس) إن حركة الجواهر تولد الأشياء، وفق (ضرورة مطلقة) ناشئة عن تلاقي هذه الجواهر، وافتراقها، وتكرار الدور في ذلك.

    وفي المقابل ذهب (فيثاغورس) إلى أن الكون حي، وذو روح تحكم ظواهره، ويتبدى حضور الروح فيه في النظام العجيب لحركة النجوم، والتي تتم وفق إيقاع أبدي، إن الكون كلٌ منتظم، انه كوسموس، أو عالم منتظم، ترتبط أجزاؤه بعضها ببعض بروابط متناسقة، فهناك (عالم النجوم) وهو عالم الحقائق الخالدة، و(عالم ما تحت القمر) أي عالم الأشياء الفانية التي يعتورها الفساد(7).

    والإنسان ذو طبيعة ثنوية؛ إذ هو يقوم بالجسم والروح؛ الجسم فان، الروح خالدة، وكانت موجودة قبل حلولها في الجسم، وهي حين ترتفع إلى مستوى (معرفة القانون) الذي يخضع له العالم، وتعيش في العدالة، والقداسة تجد ما تصبو إليه من (حرية) حريتها... إن الروح في حركة دائمة، ونشاطها الدائم يدل على أنها من طبيعة إلهية، وتنتسب إلى الكائنات الأبدية بالذات... أما (انكساغوراس) فقد كان يقول بالجواهر الفردية التي تختلط بعضها ببعض؛ إذ تمتزج وتنفصل(8)...

    وقد أضاف إلى تفسيراته القول بوجود (العقل) نفسه، وان العقل هو المبدأ الذي أخرج الأشياء من اختلاطها الأول، وحدد بالتالي نظام العالم (العقل) الذي هو أصفى الأشياء وهو متميز عنها جميعاً.. وذلك أنه بينما تمتزج الأشياء بعضها ببعض، لا يختلط (العقل) بأي شيء، بل هو يوجد لذاته ومستقل استقلالاً مطلقاً، كما أنه يمتلك معرفة كل شيء، إنه هو الذي أحدث النظام الذي في العالم، كما انه هو الذي يحرك العالم.. ويقول (انكساغوراس) الأشياء جميعها قد نظمها العقل.

    ب) سقراط: وقد ذهب (سقراط) إلى أن العالم خاضع لتدبير العقل الإلهي الذي نظم الأشياء في تناسق كامل، فالأشياء منتظمة تنظيماً يحملنا على رفض أن يكون للصدفة دور في هذا الانتظام... إن (العقل الإلهي) وهو الكلي أظهر عنايته بتنظيمه الأشياء، كما أنه يظهر عنايته في (الخيرات) التي تغمر الإنسان وعلى الخصوص تمتع الإنسان بالعقل، وكما أن أجسامنا أجزاء من العناصر المادية التي تكون منها العالم، فإن نفوسنا أجزاء من (العقل الإلهي).. وفي محاورة (فيدون) لأفلاطون سمع سقراط يتحدث عن بداياته الفلسفية، فيقول: كانت لي في حداثتي رغبة قوية جداً في تعلم علم الطبيعة، وفي معرفة علل الأشياء، ولكني لم أجد شيئاً يرضيني في النظريات التي كانت تفسر الأشياء بالعناصر المادية، وسمعت أخيراً أحدهم يعرض نظرية (انكساغوراس) في أن العقل هو العلة المنتظمة للأشياء جميعاً، فسلب لبي بذلك، ولكني حينما انصرفت إلى دراسة فلسفة (انكساغوراس) عن قرب، شعرت بخيبة كبيرة، إذ إنني رأيت أنه بعد أن جعل من (العقل) مبدءاً، لم يعطه أي دور قط، وإنما عاد إلى تفسير الأمور بعللها المادية(9).

    وقد عزف سقراط بالفعل عن الطبيعيات والرياضيات، فلم يحفل بها، وصرف همه إلى ما كان يعتبره (معرفة حقيقية) أي معرفة النفس من أجل تقويمها، وبالتالي دراسة الأخلاق والمعاني الأخلاقية؛ وذلك أن الحقيقة في نظره هي الخير، وأننا نجدها في ذواتنا ونفوسنا فالآلهة تعطي إشارات للإنسان عن طريق الكهانة، ولكنها أيضاً تكلمه عن طريق (الصوت الإلهي) والذي يمكن لكل شخص في الناس سماعه، وسقراط شخصياً كان يعتقد أن الصوت الإلهي يتحدث إليه، وأنه هو الذي يملي عليه سلوكاته...

    إن العقل نور غريزي في الإنسان، والعلم المتضمن في النفس والذي من واجبنا تنميته هو:

    علم الخير(10) والناس يولدون، وفي نفوسهم جميع المعارف، وإنما هم يحتاجون فقط إلى من يساعدهم على تبنيها، المهم هو سيطرة النفس على الجسم فبهذه السيطرة يملك الإنسان حريته. إن الحرية ليست حالة عدم اكتراث إزاء الخير والشر، وإنما هي معرفة الخير ثم القيام به، إنها الحكمة نفسها، والورع هو مراعاة القوانين الإلهية الأبدية؛ قال: وليس من أحد شرير بمحض إرادته؛ ذلك أن كل شر لدى الإنسان يأتي من نقص في المعرفة، إن المعرفة (تحرر)، كما إنها توصل إلى الحقيقة، إن الحقيقة سيدة مطلقة، ومن وصل إليها يأبى أن يعود إلى (عبودية)، الأهواء والنزوات(11).

    ج) أفلاطون: ذهب أفلاطون إلى أن موضوع العلم هو ماهيات الأشياء، وبينما قصر سقراط همّه على الأخلاق، صار تلميذه يفكر بالطبيعة كلها، ناهيك عن أن سقراط كان رأى أن العلم متضمن في النفس، وأن بإمكاننا استخراجه، بينما قرر أفلاطون أن العلم تذكر، وأنه شيء فطرت النفس عليه، كما أنه حاضر في شتى المجالات، وخاصة المجال الرياضي.. إلا أنه جعل (الماهيات) مفارقة، وبريئة من المادة، وأطلق عليها مصطلح (مثل، أو صور) جمع (مثال، أو صورة)، وفصل بالتالي بين عالم المحسوس وعالم المعقول، وجعل المثل، أو الصور(12) هي النماذج التي تصنع عليها الأشياء، وإنها هي الأساس لتلك الأشياء؛ فالعالم حادث، ومخلوق، وهو بطبيعته ناقص ولكنه أحسن عالم ممكن؛ إذ يستحيل أن يكون خيراً محضاً، وفي هذا العالم المحسوس تنشأ الأشياء، وتموت، ولا تتوصل إلى تحقيق كمال نماذجها في حين أن (عالم المثل) وعالم الماهيات الأبدية التي هي - كما يقول في (محاورة فيدروس) - المظاهر الكاملة، والسعيدة التي تشع من قلب الضياء الخالص، وكانت حظيت بها النفس.

    وتشكل (المثل) في عالم المعقول هرماً قمته (محض الخير) الذي هو الله سبحانه وتعالى، فهناك (خير مطلق) كانت النفس تأصلته قبل حلولها في الجسم، والجسم هو الذي يوجه النفس إلى الأشياء الفانية، والفاسدة، ولابد أن تهجره النفس(13) وتصعد مستندة إلى الجدل العقلي، والحب إلى حيث الخير والجمال.. وإن النفس، بحكمة العلم، أي النظر والتأمل في الحقائق الأبدية، تستطيع أن تنفصل عن الجسم، و(تنحدر) منه؛ فالنفس تصل إلى حريتها عن طريق النظر، والتأمل، و(الحرية) هي الارتقاء بواسطة الجدل العقلي نحو الوجود المطلق...

    د) ارسططاليس: فصل أفلاطون (المثال) عن الأشياء، ولكن ارسططاليس عاد فربط بينها وأكد أن (الماهية) لا تنفصل عن الشيء الذي هي ماهيته، أو لنقل بعبارة أخرى: إن (الصورة) لا تنفصل عن المادة، وإن المركّب منها هو كل مطلق يكتفي بذاته، وإنه بالتالي منفصل لوحده إطلاقاً.

    والصورة حاضرة في قلب الأشياء، إنها المبدأ الداخلي الذي يهب الأشياء حقيقتها الجوهرية، أي حركتها وحياتها، وبذلك فهي علة كل فاعلية في الطبيعة، إن الصورة هي الطبيعة، وهي النفس، وان المادة من دون الصورة عدم، وتكون بالفعل، وإن (الضرورة) تقال عن المادة، لأنه من الضروري أن ترتب المادة على نحو ما، ولكن علة هذه الضرورة هي الصورة، وأيضاَ الغاية...

    ويضيف أرسططاليس أن التحقق في العالم هو الضرورة الشرطية، وليس الضرورة المطلقة(14)، والضرورة نوعان: نسبية تحصل كما حصل شيء، ومطلقة تتعلق بالوجود بما هو وجود.. وبذلك يكون أرسططاليس أخضع المادة للعقل، كما أخضع الآلية للغائية، وكسر النطاق الضروري لدى المفكرين، واستناداً إلى تفصيله يُتخلص إلى القول بالعلل الأربع: الصورة والمادة، والفاعلية، والغاية فتح المجال للإمكان، والحرية...

    إن (خير) كل موجود هو في تحقيقه وظيفته، والوظيفة الخاصة بالإنسان هي فاعلية النفس الناطقة، و(الفضيلة) ملكة، وتكتسب اكتساباً بمعونة الطبيعة، ولكنها ملكة (اختيار) وهناك فضائل(15) خلقية وعقلية، الأولى تكون وسطاً بين طرفين مرذولين، والأخرى هي العلم، والفن، والحكمة العملية، والفهم، والحكمة النظرية.

    والحكمة العملية حين تتوجه إلى عمل يكون موضوعها الأشياء، التي تحكم عليها بالنسبة إلى الانسان نفسه، بينما الحكمة النظرية موضوعها الأشياء كما هي في ذاتها وفي حقيقتها الثابتة، إن (الحكمة النظرية) تنظر إلى ما هو ضروري وأبدي، والإنسان حين يحيا حياة الفكر والنظر والتأمل والعقل يقترب من الحقيقة المطلقة، يتذوق السعادة القصوى، ويشارك في الفرح الذي هو الوجود المطلق، وهو متعته...

    هـ) أبيقورس: عادت الفلسفة بعد أرسططاليس إلى الاهتمام بالطبيعة واستطاع الأبيقوريون والرواقيون أن يتوسعوا فيها ويقدموا إضافات في موضوع الحرية والضرورة، فقد اصطنع أبيقورس مذهب (ديمقريطس) ولكنه عدّل فيه، إذ كان ديمقريطس يقول بوجود ذرات هي جواهر متجانسة، وغير منقسمة تتلاقى، تقترن وتفترق بشكل آلي، فيحدث تلاقيها الكون والفساد، فقال أبيقورس إن الجواهر الفردة ليست متجانسة، ولكنها متحركة بحركة باطنية، وإن لها أيضا (انحرافاً) عن خط سقوطها ينحرف بهذا الخط من تلقاء نفسها، فتلتقي وتؤلف المركبات.. وإن (الإرادة الحرة) عند الإنسان هي مثل هذا الانحراف، وتظهرنا عليه قدرتنا على أن نوجه حركتنا أينما نريد(16) حتى ضد حركة الجسم الطبيعية، ناهيك عن أن (العقل) الذي يملي علينا هذا التوجيه هو نفسه جسم، وكذلك (النفس) فهي أيضاً جسم، وما من جوهر غير جسمي إلا الخلاء وإن العقل ليس الخلاء، لأن الخلاء لا يفعل ولا ينفعل، في حين أن الفعل والانفعال ينتميان إلى العقل، وبالتالي النفس...

    وإن الآلهة لا تتدخل في العالم، وإن خلق العالم وتسييره عبء ثقيل يتنافى مع السعادة الإلهية، وإن النفس جسم لطيف مركب من الجواهر الفردة، الملساء والمستديرة أكثر ما تكون الملاسة والاستدارة، وهي مبدأ الحساسية، وتقوم في الآلة الجسدية، ويستحيل أن نتصور أنها تحافظ على الإحساس بعد فناء الجسم..

    و(اللذة) هي الخير الأعظم، والتي تدل المنازع التي فيها على خيرتها.. واللذات طبيعية، وغير طبيعية، واللذات الطبيعية بعضها ضروري، وبعضها غير ضروري، إلا أنها كلها موضوع واحد، هو صحة الجسم، وطمأنينة النفس، ونحن إنما نعمل له، وان ما ندعوه (لذة) هو حالة الصحة الجسدية، والطمأنينة النفسية.. ولذا نلاحظ عودة الضمير لتكون هي الحالة الأصلية وأن الحرية هامش ممكن ضمن هذه الضرورة.

    و) زينون: وذهب زينون إلى أن العالم كائن حي وحكيم، والبرهان على ذلك جماله، فحين نرى جمال العالم لا يمكننا أن نشك بأنه من صنع العقل، وأما ما ندعي أنه نتيجة التلاقي العارض للجواهر الفردة فهذا لا يدل على عقل، وأما رأي أبيقورس أن خلق العالم، وتسييره عبء ثقيل يتنافى مع السعادة الإلهية فهو رأي مستحيل، لأن الله ليس معطلاً، بل إن طبيعته هي الفاعلية المطلقة، وهو يحدث الأشياء، ويوجهها توجيهاً إلى سبيل الخير، دون أن يناله أي تعب...

    والفكرة الرئيسية في علم الطبيعة الرواقي(17) هي فكرة ارتباط الأشياء بالمبدأ الإلهي الذي هو قوام حقيقة العالم، والعقل الكلي هو القانون الذي ترتبط به الأشياء جميعا بعضها ببعض والذي لا يمكن خرقه، وهذا القانون يدعى (القدر) إن القدر هو العقل الكلي من حيث أنه علّة الأشياء كلها، ومن حيث أنه يحدث الترابط بين العلل الجزئية كلها وهذا الترابط يتحكم بالحاضر والماضي والمستقبل(18).

    وأما (الخير) فهو توافق كل كائن مع ذاته، أي توافقه مع طبيعته الذاتية، و(اللذة) تولد إضافي، أو إضافة تحدث للكائن حينما يكون قد وجد ما يتفق مع نفسه، وبنيته، و(الطبيعة الذاتية) للإنسان هي كونه يتمتع بالعقل، فالحياة وفق الطبيعة هي الحياة وفقاً لما يراه العقل، وقتئذٍ يتفق الإنسان مع ذاته، ومع جملة الأشياء؛ لأن (العقل) لا يخص الإنسان وحده، بل يخص الكائن الكلي، أي العالم(19). وذلك هو مغزى كلمة زينون الشهيرة (الحياة وفق الطبيعة) ومعنى هذا كله هو سيطرة الضرورة العاقلة وان التطابق بين الكائن والضرورة هو الكمال ولذا لا معنى للحرية.

    (3)

    في الـــتراث الإسلامـــي

    احتفى التراث الإسلامي بمفهومي الحرية، والضرورة، وعكس اللونيات الأصلية لتمثلهما، أو لمعالجة المسائل المتعلقة بهما، والتي كانت تثار حولهما سواء عند المتكلمين، أو الفلاسفة، وفيما يلي قبسات من ذلك.

    آ) الجبرية: لقد ظهرت في العصر الأموي نظرية عرفت بـ(الجبرية)، تقول بنفي الفعل عن العبد حقيقة، وإضافته إلى الله تعالى... وقد قال بالجبرية (الجعد بن درهم)، وهو من التابعين، وكان مؤدب (مروان بن محمد) آخر ملوك بني أمية، ويقول ابن النديم إن الجعد بن درهم من أتباع ماني(20) كما اتهمه (ابن حجر العسقلاني) بالزندقة(21).

    وقد نفى الجعد بن درهم الصفات عن الله لتنزيهه عن أن يوصف بما يوصف به البشر من أعمال، أو أن تكون له حواس كحواسهم مثل العين أو اليد، وفي نظره أن الإنسان لا اختيار له، وأن حركته الاختيارية كحركة الأمواج والأشجار..

    وذكر بعضهم أن الجعد بن درهم كان يرى أن التكليف بالايمان، وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد، ولا هو بمقدوره وأن تكليفه كتكليف معدٍّ أن يرقى إلى السبع الطباق(22)، وقد أخذ الجهم بن صفوان عن الجعد بن درهم القول بالجبر، ورأى أنه لا يجوز أن يوصف الله بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي تشبيها، فنفى كونه حيا عالماً، وأثبت له فقط القدرة والفعل والخلق لأن لا شيء من خلقه وصف بها، ولا يوصف الإنسان بالقدرة ولا بالاستطاعة، فالإنسان (مجبر، مسيّر) في أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، إنما يخلق الله الأفعال فيه على حسب ما يخلقها في سائر الجمادات، وتنسب إليه مجازاً، كما تنسب إلى الجمادات(23)... والتكليف والثواب والعقاب بالتالي جبر - باقتضاء مزاعم الجبريين -.

    ب) القدرية: وفي المقابل، نشأت فرقة مناوئة للجبرية، عرفت بـ(القدرية).. يقول (الشهرستاني): إن السلف كانوا من أشد الرادين على الجهمية(24).

    وقد ظهرت القدرية في البصرة على يد (معبد الجهني) ثم دعا إلى القدرية في الشام (غيلان الدمشقي) وفي رأي القدرية أن الإنسان حر الإرادة وانه (مخير، مختار) وليس مجبراً مسيراً، وأنه قادر على فعل الخير، والشر، ومسؤول عن أفعاله...

    وكان غيلان الدمشقي يعتقد بأن الإنسان هو الذي يفعل ما يشاء باختياره، لان الله لا يأمر بالظلم، أو الفحشاء، أو العصيان بل إن ذلك كله من عمل الإنسان، ويضاف إلى ذلك أن المعتزلة(25) أنكروا رأي الجهم بن صفوان وراحوا يقولون بالعدل الإلهي، وأسموا أنفسهم أهل العدل، لاعتقادهم بأن أفعال الإنسان تتعلق بالإنسان نفسه وهي غير مخلوقة لله،وأن من يقول أن الله خالقها ومحدثها، فقد عظم خطؤه..

    اجتهــــادات الفلاسفــــة

    وأما الفلاسفة العرب المسلمون، فإن اجتهاداتهم في العلوم الفلسفية بشتى أنواعها من منطق أو طبيعيات، أو أخلاق، أو إلهيات، ساعدتهم على استجلاء العديد من المسائل الوجودية وخاصة تلك التي أهمّت الأوساط الفكرية والدينية وقتها...

    ورغم أن الفلاسفة العرب المسلمين وقتها كانوا ينقلون عن سابقيهم من فلاسفة اليونان واللاتين، إلا أنهم حرصوا على أن يصدروا عن ذواتهم، كما حرصوا على أن يتلائموا مع مناخ الفكر العربي الإسلامي ومناخ المسائل الكلامية...

    1- نظرية الواجب والممكن: ومن النظريات التي اقترنت باسم الفارابي نظرية (الواجب والممكن)؛ وهي نظرية مستوحاة من أرسططاليس في الوجود بالقوة، والوجود بالفعل، وتمييزه بين ما هو ضروري وما هو ممكن(26)...ونجد نواتها عند الباقلاني، والجويني وغيرهما..

    ومؤدى النظرية، أنه وفقاً لما يمليه مبدأ العلية، إذا وجد الممكن بنفسه صار واجبا بغيره وذلك لعجزه عن إيجاد نفسه، واحتياجه إلى علة لوجوده، أو لنقل أيضاً إن وجود الممكن دليل قاطع على (ضرورة) وجود الواجب (العلة الأولى)، وعلى هذا فإن الإمكان سيتحول إلى هامش حرية، لكنه في النهاية معلول للضرورة أو الواجب.

    فكل ممكن يقتضي شيئاً ليتم وجوده، ولكن بما أن سلسلة العلل الداعية إلى وجود الكائنات الممكنة يستحيل أن تمر بغير نهاية، فقد وجب أن تنتهي إلى كائن واجب الوجود بطبيعته، والواجب في نظر الفارابي، وجوده وهويته وحده لا تمايز فيها(27).

    ويضيف الفارابي: إن الله عقل محض، يعقل نفسه، فيكتفي بها، فلا يدرك الجزئيات الدنيا، في حين أثبت ابن سينا له علم الجزئيات، لأنه يعقل كل شيء على نحو كلي، فهو عقل ذاته، وعقل أوائل الموجودات عنه وما يتولد عنها(28).

    2- العناية والقضاء والقدر: وكذلك ذهب ابن سينا إلى القول بـ(العناية الإلهية) والتي هي ظاهرة - في نظره - في سنّ الله نظاماً بديعاً للطبيعة، وإن العناية الإلهية هي أيضاً تستند إلى معرفة الله للمعلولات، بمعرفته العلل والقوانين العامة(29).

    والقضاء في نظر ابن سينا، هو (علم الله) المتعلق بالكل، على حسب النظام الذي يكون في الوجود و(القدر) هو إفاضته الكائنات على حسب ما في علمه(30).

    وفي النجاة (العناية): كون الأول عالماً لذاته بما عليه الوجود من نظام الخير(31)، وبالتالي إحاطة علم الله بالكل، وإرادته لما يجب أن يكون عليه الكل، حتى يكون كل شيء على أحسن نظام يحقق به غايته. وفي محاولة ابن رشد التوفيق بين القول بإرادة حرة والقول بالقضاء والقدر، ذهب إلى أن الله خلق لنا قوى نقدر بها اكتساب أشياء تتقابل في الحياة، إلا أن هذه الأشياء لا تحقق إلا بمؤاتاة أسباب سخرها الله لنا في الخارج و(الأفعال) المنسوبة لنا تتم بالأمرين؛ أي بإرادتنا والأسباب الخارجية، وقد قدر الله هذه الأسباب الخارجية، وسخرها لنا حتى نريد بها، أو بمقتضاها أحد المتقابلين، أي إن الضرورة لا تنافي الحرية وأن النظام الكوني قد جمع بينهما بتناسق واضح.

    إن (الإرادة) شوق يحدث لنا عن تخيل ما، أو عن تصديق لشيء، ولكن هذا التصديق ليس هو لاختيارنا، بل هو شيء يفرض علينا من الأمور التي في الخارج.

    وإن أفعالنا بالتالي تجري على نظام محدد، لأنها مسببة من أسباب خارجية، نظمها الله، ومتوقفة على الأسباب والدواعي التي تفرض علينا من الخارج، فهناك إرادة حرة، هي كالعقل شرط من شروط التكليف، ولكن هناك أيضا ضرورة، رغم أنها أصيلة وهي تخدمنا(32).

    3- الإشراق: يضاف إلى ذلك قول الفارابي ثم ابن سينا بالإشراق، وكانا يشترطانه في المعرفة وهذا الشرط ليس من وحي ارسططاليس كما أن ابن رشد سوف يرفضه، أي (فيض) نور العقل الفعال على الإدراك الحدسي، الحسي والعقلي، و(العقل الفعال) هو العقل الحادي عشر المفيض عند الفارابي، كما أنه العقل العاشر المفيض عند ابن سينا.

    وبما أن الله أزلي، فأن الفيض عنه أزلي وكمالات الأول أن يعرف نفسه فتعكس أشعة إدراكه لنفسه، وينشأ الكائن الثاني، والتعقل بالتالي هو الإبداع، وكذلك فاضت العقول حتى (العقل الفعال) والذي جعله الفارابي، ثم ابن سينا واهب الصور...

    وكان أرسططاليس ذكر (العقل الفعال) الذي ينقل ما هو بالقوة إلى الفعل، وشبهه بالشمس التي تجعل المرئيات بالقوة مرئيات بالفعل. ثم جاء (أفلوطين) فجعل (العقل الفعال) ثانياً بعد الواحد المطلق، وجعل فيه صور الموجودات، والتي منه، وبالفيض تنتقل إلى النفس الكلية...

    والعالم عند الفارابي، ثم ابن سينا ثمرة (الفيض) وموزع بين السماء، حيث عقول الكواكب الثابتة والمتحركة وبين الأرض وهي مركز عالم ما تحت القمر، أو عالم الكون والفساد و(العقل الفعال) وحده يعنى رغم تأثير العقول الأخرى بما تحت القمر، أي عالم الكون والفساد، والسعادة مترتبة أيضا على الإشراق...

    4- السعادة: وقد رتب الفارابي على ذلك وجوب التحرر من (المادة) وأن الأخلاق تكتسب اكتساباً بالعادة، وإذا لم تطلب السعادة، وتمارس الفضائل ، كانت أفعال الإنسان غير جميلة،وصادرة عن الخسائس والرذائل.

    وسعادة كل كائن هي في تحقيقه كماله الخاص به، والكمال الخاص بالإنسان هو المعرفة، والتفكير، والتأمل.. إن السعادة هي الخير المطلوب لنفسه، وتكون بادراك المعقولات والحقائق، إنها تنال بأفعال إرادية، هي الفضائل(33).

    وفي رأي ابن سينا: إن معرفة الخير المطلق هي أسمى السعادات ولكن (المادة) تعوقنا عن إدراكه، والسعيد من استطاع أن يتغلب على شواغل الجسم، ويرتفع فوق هذا العالم ويتحرر من قيود المادة، ويعشق الكمال المطلق...

    إن الشر مصدره (المادة) وليدة الإمكان ومنشأ التعدد والمتناقضات، وبواسطة العقل يتحرر الإنسان منها، وبتحرره منها يتحرر من الشر، والإنسان متى حقق كماله فإنه يتغلب على الشر العارض في الكون...

    وأما حصوله على (الخير) فيرتكز إلى النظام القاضي بالتحول إلى ماهو أسمى، والانتقال من القوة إلى الفعل، ويكون ذلك بالإشراق والحدس، وتأثير العقل الفعال، و(الشر) يسير في الوجود بالقياس إلى الخير، وهو ضروري لنظام الوجود تقتضي الحكمة الإلهية بقاءه(34).

    5- مع أخوان الصفا: أما رأي أخوان الصفا بالعناية الإلهية، والقضاء7 والقدر، فهم يقرون بالعناية الإلهية، ويذكرون أن الحكمة الإلهية، والعناية الربانية، جعلت أعضاء كل شخص من الحيوان مناسبة لجملة جسده، وخاصة الإنسان وهو العالم الصغير الذي حوى العالم الكبير، كما يذكرون نسبة كل عضو في الجسم الإنساني إلى الأفلاك في العالم؛ فالطحال زحل، والقلب الشمس، والكبد المشتري، والمرارة المريخ، والمعدة الزهرة، والدماغ عطارد، والرئة القمر(35).

    ويذهب أخوان الصفا إلى أن الرضا بالقضاء والقدر من شرائط الإيمان، وأن هذا الرضا طبيب النفس بما تجري به المقادير، وأن هذا الجريان من موجبات أحكام النجوم، وأن (القضاء) هو: علم الله السابق بما توجبه أحكام النجوم(36). ثم يضيفون بأن العارفين بحرمة الناموس هم هؤلاء الراضون بما جرت به المقادير، مثل سقراط، والمسيح، والإمام الحسين(ع) وغيرهم(37)...

    على أننا يجب أن نلاحظ وجود تيارات أخرى للضرورة والحرية وأن هناك تفاوت بين آراء الفلاسفة وعلماء الدين، وأن بعض العلماء لا يرون في الفلاسفة أهلية للخوض في هذه المواضيع وأنهم غالباً ما يجنحون وراء خيالاتهم لانتحال آراء بعيدة عن رأي الدين، ولهذا فإن مذهب الإمامية تميز بالجمع بين الحرية والضرورة في المبدأ المعروف وهو مبدأ الأمر بين الأمرين.

    (4)

    فـــي العصور الحديثـــة

    آ) ديكارت: يعرّف ديكارت(38) (الحرية) بأنها القدرة على فعل الشيء، أو الامتناع عن فعله، وهي في نظره أقرب ما تكون إلى معجزة، لأن مثلها في ذلك كمثل الخلق من عدم...

    وإن حالة (استواء الطرفين) أي اللامبالاة، أو اللا إكتراث، والتي يشعر بها الإنسان حين لا يكون مدفوعاً إلى اختيار هذا الجانب أو ذاك تحت تأثير أية قوة مسببة، أو أي مبرر عقلي، هي أدنى درجات الحرية...

    و(الإرادة) قبل فعلها أفعالها، حرة دائماً، لأن لديها القدرة على الاختيار بين شيئين متعارضين، ولكنها ليست دائماً في حالة استواء الطرفين، بل هي تخضع للبواعث، والتي تظل ذات أثر فعال في الفعل الإرادي...

    وكلما كانت (البواعث) حاسمة، ومعقولة، كانت (الإرادة) حرة بكل معنى الكلمة، على أن يتوفر للإنسان الانتباه إلى ما يريد تحقيقه، حتى تنقاد إرادته إلى نور العقل، فلا تظل في حالة الحياد، أو عدم الاكتراث...

    يقول ديكارت: إن (حرية) استواء الطرفين هي أدنى درجة من الحرية، وهي بهذا المعنى تعبر عن نقص في المعرفة أكثر مما تعبر عن كمال في الإرادة، ولكن ربما يقصد البعض بكلمة استواء الطرفين، أو اللامبالاة، تلك القدرة الإيجابية التي بمقتضاها نستطيع أن نختار هذا أو ذاك(39).

    وديكارت - بالفعل - يميز بين نوعين من الحرية:

    1- حرية تقوم على تحدد الإرادة، وتلك هي الحرية المعقولة.

    2- حرية تقوم على لا تحدد الإرادة، وتلك هي حرية استواء الطرفين والحرية الأولى عنده حرية عليا ولاحقة، في حين أن الحرية الثانية حرية دنيا وتكون سابقة(40).

    ب) كانط: وفي رأي كانط: إن الحياة الإنسانية ذات ازدواجية، فمن جهة هناك وجودنا الحسي الذي يتمثل في سلسلة من الأفعال تندرج تحت عالم التجربة في الزمان؛ ولذلك فهي مترابطة كسائر الظواهر، وتتسلل وفقاً للقوانين الأخرى..ثم من جهة ثانية، هناك ذاتية الحقيقة، والتي هي متعالية على الزمان، وهي التي تدير أفعالنا سواءٌ أكانت خيرة أم شريرة، أي هي التي تخلع الطابع الخلقي على ظواهر السلوك، وعلينا بالتالي تفسير حياة الإنسان في مجموعها.

    إننا كما يقول كانط: أحرار ومجبرون معاً، نحن (أحرار) من جهة ذاتنا الحقيقية المتعالية على الزمان، ونحن (مجبرون) من جهة أفعالنا التي تتحقق في الزمان، وإيماننا بحريتنا يعود إلى شعورنا بأن أفعالنا متوافقة علينا...

    ثم يضيف: إلا أننا لا نستطيع أن نتحقق من (وجود الحرية) بالرجوع إلى التجربة النفسية، والتي تظل مرتبطة بالبواعث، والدوافع، ولا بالاعتماد على البرهان المنطقي الذي يجعل (الحرية) بمثابة نتيجة ضرورية لشيء آخر.

    ولكن هناك الأخلاق التي يمكنها أن تقدم لنا الحل، خاصة إذا اتجهنا إلى تحليل شعورنا بـ(الواجب) فحياتنا الحسية ليست كل شيء، لأننا في حقيقتنا نحيا حياة أخلاقية، هي حياتنا الحقيقية و(الواجب) هو الشيء الوحيد الذي يمكن اعتباره يقيناً، مباشراً ومطلقاً(41).

    فكل شيء ما عدا (الواجب) يحتمل النقاش، لأنه شرطي، وأما(الواجب) فهو وحده الذي يتصف بطابع الأمر المطلق، وذلك لأنه صوري ومحض، ونزاهة محضة، كما أن رائده التعبير عن صوت الفعل الذي هو جوهر ذاتنا المتعالية..

    ويعرف(كانط)الواجب بأنه: ضرورة أداء الفعل احتراماً (للقانون)(42)، وهو ينشأ فينا تلقائيا بفعل العقل نفسه، واحترام القانون بالتالي هو الباعث الأخلاقي الوحيد، وأن ما يحدد (الإرادة) ليس أي مضمون تجريبي بل هو (الصورة) الخالصة للقانون، والذي يتجلى آنئذ على شكل نظام أخلاقي، وليس شكل ضرورة طبيعية(43).

    ج) برغسون: أما برغسون فانه يذهب إلى أن (حماية الحرية) تدل على وجود (حرية حقيقية) تقتضي بذل الجهد كي يتحول الإنسان عن عاداته العملية، ويرتفع فوق حياته المادية، فالحرية هي الممارسة للحرية، أي التحرر من مقتضيات الحياة العملية، والتحرر على الخصوص من سلطة العلم، والمجتمع واللغة، ثم النفاذ إلى الحياة الباطنية لمتابعتها في ديمومتها.

    إن مفهوم الحرية عند برغسون يقوم على تصوره للزمن الحي، أي الديمومة، إذ أنه أولى اهتمامه للاتصال، أو الاستمرارية في الحياة النفسية، وبمقتضى هذا الاتصال أو هذه الاستمرارية الباطنية يرتبط الماضي بالحاضر، كما يرتبط الحاضر بالمستقبل ويجيء (الفعل الحر) ثمرة تقدم داخلي، تلقائي...

    إن الشخصية الإنسانية هي نفسها اتصال حقيقي حي، يقضي بأن يظل الماضي حياً نافعاً في الحاضر، وبرغسون يؤكد وجود وفاعلية هذا الاتصال في الشخصية، ويرى أن (الفعل الحر) ينبعث عن الشخصية بأكملها، بحيث - حسب برغسون-: إننا نكون أحراراً، عندما تصدر أفعالنا عن شخصيتنا بأكملها(44).

    و(الفعل الحر) هو الذي يكشف (عن الأنا العميقة) التي تظل في العادة كامنة في علائق حياتنا اليومية المألوفة، والإنسان في الفعل الحر يؤكد ذاته، كما هو يريد أن يكون، وتكون ذاته.. إلا أن (الأفعال الحرة) نادرة في حياتنا النفسية، لأنها خلق ابداعي، وتلقائية روحية، واستقلال ذاتي في آن واحد..

    والكثيرون يتوهمون أن الإنسان هو من خلق عوامل خارجية، كالوارثة أو المجتمع، ولكن برغسون يقرر أن هذه العوامل ليست سوى مواد، يستفيد منها الإنسان، كما يستفيد مما يمده به ماضيه وحاضره، كي يخلق منها صورة فريدة...

    أما مادة (الفعل الحر) فهي الإنسان نفسه في لحظة معينة من تاريخ حياته، بما لديه من عادات، وأخلاق، وأساليب معيشة، ومن هذا الفعل ينبثق إنسان جديد(45) إذاً بالفعل الحر يخلق الإنسان نفسه بنفسه، والحرية بالتالي تأكيد للوجود الذاتي الذي هو قوة لا نهائية؛ فالحرية تلقائية روحية...

    (5)

    مـــع الوجــوديــين

    أ) لافيل: (الحرية) في نظر لافيل بحث عن (القيم) وسعي وراء الممكنات، وجهد إلى تحقيقها، وأن وظيفة الحرية ضرب من التوافق بين الوجودية كما هي، والوجودية كما ينبغي أن تكون، والشيء الأساسي في ذلك ليس أن نعيش ونختار، وإنما الشيء الأساسي، والذي عليه المعوّل هو أن نختار (الماهية) التي تلائمنا...

    و(القيمة) هي سر الحرية، ولا يعرف هذا السر إلا من ممارسة أن الوجودية هي في حد ذاتها بدون قيمة، وأن الذي يعطيها القيمة، إنما هو الماهية(46) والطريق إلى الماهية هو نفسه الطريق إلى الخير، فالماهية تكفي نفسها بنفسها، ولكن الوجودية كوجودية لا تستطيع ذلك(47).

    يقول لافيل: هناك (هوى) يمكن أن نسميه بـ(هوى أن نعيش وجودتنا)، إن (الوجه السلبي) لهذا الهوى هو القلق، ومن يستدير نحوه يغرق بصره في العدم، ويتلقى أشكال الزعزعات في حين أننا نتشبث بالوجه الإيجابي لهذا الهوى ونخاف بفعل القلق أن نضيعه...

    إن (الحرية) في ذهابها بين هذين الوجهين تكشف (القيمة) التي يمكن لوجوديتنا أن تساهم فيها، وهناك قبل أي اختيار لنا (مثل أعلى) إنساني يتحدر مما يسميه لافيل بـ(الماهيات - القيم) والتي هي في رأيه تفرض نفسها على الإنسان وفكره.

    إن على كل إنسان أن يكشف مثله الأعلى يوماً إثر يوم، وفي جميع أفعاله، وإن (الحرية) في ذلك محدودة بالإمكانيات الخاصة المتعلقة بطبيعة الشخص وظروفه(48).. وإن القيمة بفعل الخطر الذي يتهددها تدعونا إلى أن نكرس لها جميع جهدنا، وأيضاً جميع حبنا...

    ب) سارتر: وأما سارتر فإنه يسوّي بين (الحرية) وبين الوجود لذاته، أي الشعور أو العدم.. إن(الشعور) قطع في الوجود، وشعور بهذا القطع، وذلك بوصفه تركيبا لوجود يعاني نفسه معاناة مستمرة، وهو يعدم ماضيه.. هذا الشعور بالإعدام هو الشعور بالحرية في نظر سارتر، والصورة التي يتخذها هذا الشعور بالحرية هو القلق، إنه القلق من كيفية وجود الحرية، وفي القلق تكون (الحرية) موضع سؤال بالنسبة لنفسها...

    إن الإنسان مقضي عليه أن يكون وراء ماهيته، وراء حوافزه، ودوافعه، وأفعاله. إنه مقضي عليه أن يكون حرا، فهو يحدد وجوده الخاص بواسطة الغايات التي يضعها لنفسه، وليس سوى الحرية أساساً لذلك...

    والإنسان يصنع وجوده بحريته، إن (الحرية) كلٌ غير قابل للتحليل وأطرها هي هذه الوقائع والغايات، إنها لا توجد إلا في موقف، غير أن الموقف لا يوجد إلا بها، فالإنسان مقضي عليه أن يكون حراً(49)..

    إني مسؤول عن كل شيء ولكني لست مسؤولاً عن مسؤوليتي... أنا لست اساساً لوجودي...إني هذه (الحرية) التي يؤكد الوجود بها نفسه، وفي العقل الذي اكتشف به هذه الحرية(50).

    ج) برديائيف: الحرية في نظر برديائيف شيء أصلي وأولي وليس موضوع برهان، إنها مسلّمة يفترضها العقل مسبقاً، وهي موجودة كشرط لتواجدنا، وإن أية محاولة لفهم فعل من أفعالها بطريقة عقلية تعني جعل هذا الفعل مثل ظواهر الطبيعة..

    في حين أن (الحرية) لا بد أن تكون موجودة حتى قبل أن نفكر في العالم، إنها سر غامض ولا يمكن أن تنبثق من الوجود، وإنما تضرب الحرية بجذورها في العدم، فهي تنطلق من الهوة التي تسبق الوجود، و(فعل الحرية) فعل أصلي لا عقلي تماماً - بحسب برديائيف -.

    إن (القديس أوغسطين) جعل للحرية شكلين: الحرية الكبرى، والحرية الصغرى، ولكن هاهنا معنيين مختلفين للحرية:

    فالحرية:

    1- إما أن تعني الحرية الأصلية، اللامعقولة التي تسبق الخير والشر، وتتحكم في الاختيار بينهما.

    2- أو أنها تعني الحرية النهائية المعقولة، حرية الحق والخير...

    وهذا يدل على أن الحرية تفهم في وقت واحد على أنها (نقطة بدء) وطريق، كما تفهم أيضاً على أنها (غاية) ونهاية، ومن هنا كانت الحرية في حد ذاتها ظاهرة ملتبسة، وهي متضمنة في جدل يمكن أن تنتقل عن طريقه إلى ضدها...

    والحرية الأصلية يمكن أن تنقلب إلى فوضى، وتؤدي إلى مأساة العالم، والحرية النهائية يمكن أن تؤدي إلى الإكراه، والاستبداد.. إن مأساة العلم هي مأساة الحرية، وبدون حرية ليس ثمة إنسانية، الحرية هي الوجود الإنساني(51).

    (إن الحرية أصل أولي: أباح الخالق تعالى للبشر كل شيء في الحياة إلا استثناءات خاصة تخرج من القاعدة بدليل شرعي خاص، وهذا يعني أن القاعدة الأولية هي حرية الإنسان في الحياة والتفكير والعمل، ويقول تعالى في كتابه الكريم (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلو من رزقه وإليه النشور)(الملك15) (52).

    يقول سماحة أية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (دام ظلّه): (من اللازم إطلاق الحريات، وتوفير شرائطها من ناحية.. وتحديدها بحدود الصلاح والحكمة) (53).

    الإسلام هو إطار واسع يمنح الإنسان حرية الفكر والعقيدة والتأمل والاستنباط وأن يعتنق الحق ويلتزم الصواب بملء حريته واختياره، لا أن يقسر على الإيمان، أو تفرض عليه عقيدة قهراً، فذلك يتنافى مع إنسانية الإنسان وصفاته التي ميزه الله بها.. إن الحرية هي عطاء الله سبحانه وتعالى للإنسان
     
  2. محب الحكمة

    محب الحكمة مشرف عام

    رد: الحرية والتحرر

    شكرا على الموضوع المفيد و شكرا على المعلومات القيمة
     
  3. MOSTAGANEMOISE

    MOSTAGANEMOISE عضو جديد

    رد: الحرية والتحرر

    MERCI BEZAF
     
  4. الرمساء

    الرمساء عضو مميز

    رد: الحرية والتحرر

    بارك الله فيك