الجمهورية التركية الجديدة

الموضوع في 'منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية' بواسطة دومي إبراهيم, بتاريخ ‏21 ابريل 2010.

  1. دومي إبراهيم

    دومي إبراهيم عضو مميز

    الجمهورية التركية الجديدة

    [​IMG]

    لم تعد تركيا هي تركيا القديمة التي نعرفها؛ إنها الآن تركيا التي انفكت عن دورها حليفًا وفيًا للولايات المتحدة، وشرعت تلعب بأوراق السياسة الخارجية على نحو أكثر عقلانية.. إنها الآن إحدى القوى المؤسسة لميزان القوى في الشرق الأوسط ".

    إلى هذه النتيجة خَلُص "جراهام إي. فوللر" في آخر كتبه التي كتبها عن تركيا والمعنون بـ "الجمهورية التركية الجديدة.. تركيا: لاعب إقليمي متنام" وقد صدر الكتاب باللغة الإنجليزية عن معهد الولايات المتحدة للسلام بواشنطن عام 2008. وعلى الفور صدرت الطبعة الأولى من ترجمته إلى اللغة التركية في شهر مارس 2008 عن دار نشر " تيماش " (TIMAS) باسطنبول.

    المؤلف وتركيا
    تركيا والإرث العثماني
    حزب العدالة والتنمية
    حركة فتح الله جولان
    تركيا والعالم الإسلامي
    المسار المستقبلي لتركيا

    [​IMG]

    لمؤلف وتركيا

    "
    طلب المؤلف من القراء الأتراك أن ينسوا أنه قد عمل لسنوات طويلة في وكالة المخابرات الأمريكية، وبرر ذلك بقوله: كل شيء يتغير بمرور الزمن وأنا أيضًا قد تغيرت آرائي... إن ما أرجوه منكم ألاَّ تقرؤوا هذا الكتاب وكأن وراءه هدفا خاصا يوجهه... فخذوا ما وضعته في كتابي مأخذ الجد لأن ما أردتُ قوله هو فقط ما كتبته

    "
    جراهام فوللر ليس فحسب متابعا وراصدا ومحللا متميزًا لشئون الشرق الأوسط والشأن التركي خاصة؛ بل يستند في دراساته إلى تاريخ وخبرات عميقة من خلال شغله لمنصب رئيس وحدة الشئون التركية بالمخابرات الأمريكية. كما أنه حاصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير من جامعة هارفرد في الدراسات الروسية والشرق أوسطية، وتدرج في العمل المخابراتي لمدة خمسة عشر عاما في عدة دول مثل: تركيا وأفغانستان والمملكة العربية السعودية ولبنان واليمن، وترقى حتى تولى منصب نائب رئيس هيئة الاستخبارات الوطنية بوكالة المخابرات الأمريكية. ثم عمل بعد ذلك محللا سياسيا أول في مؤسسة "راند".

    وقدم خلال مسيرته العملية والعلمية عددا من الكتب والدراسات في مجال تخصصه؛ منها: "السياسة الخارجية التركية الجديدة من البلقان إلى الصين الغربية"، و"المشكلة الكردية في تركيا" بالاشتراك مع هنري باركى، و" المسلمون المنسيون: الشيعة العرب "، و"مستقبل الإسلام السياسي".

    والحقيقة أن العرض السابق لسيرة الكاتب الذاتية يعد توطئة مهمة لفهم مضامين الكتاب ومنهج تناولها؛ إذ هو منهج تحليلي متشعب للموضوع الواحد؛ يغوص في جذوره، ويعرض لمظاهره، ويستشرف تداعياته المستقبلية عبر جوانبه المختلفة. ومن ثم -وكما سنرى- يتميز هذا الكتاب عن غيره في بابه بمزج وتضافر واع بين غزارة البيانات والمعلومات وبين تحليل عميق يستند إلى رؤية إستراتيجية تراكمية.

    وقبل الولوج في عرض ودراسة رؤية فوللر لمكانة تركيا ووضعيتها الجديدة في ظل متغيرات الداخل التركي والتحولات الإقليمية والدولية خلال السنوات الأخيرة، تقتضي منا الأمانة العلمية أن نعرض لطلب خاص اختتم به فوللر المقدمة الخاصة التي كتبها للطبعة التركية. حيث طلب من القراء الأتراك أن ينسوا أنه قد عمل لسنوات طويلة في وكالة المخابرات الأمريكية، وبرر ذلك بقوله "كل شيء يتغير بمرور الزمن وأنا أيضًا قد تغيرت آرائي... إن ما أرجوه منكم ألاَّ تقرؤوا هذا الكتاب وكأن وراءه هدفا خاصا يوجهه... فخذوا ما وضعته في كتابي مأخذ الجد لأن ما أردتُ قوله هو فقط ما كتبته... فهذا الكتاب لا يهدف إلى تحقيق نقلة وتطور ما في السياسة الأمريكية أو توجهات وكالتها الاستخبارية". كما أشار فوللر إلى أن الرؤية والطرح الذي يقدمه الكتاب "لن يروق لمعظم صانعي السياسة في الولايات المتحدة.

    وثمة نقطة أخرى تتعلق بعنوان الكتاب أكَّد عليها فوللر في مقدمته للطبعة التركية. فقد ذكر أن العنوان الموجود على غلاف الكتاب في طبعته الإنجليزية والتركية ليس العنوان الصحيح الذي وضعه للكتاب في نسخته المخطوطة، وإنما هو عنوان من صنع دار النشر؛ إذ أوضح فوللر أن العنوان الحقيقي الذي يعبر بالفعل عن مضمون الكتاب هو "المكانة الجديدة لتركيا في العالم"، وذلك لأن الكتاب يتناول بالتحديد فترة جديدة في تاريخ الجمهورية التركية وليس الحديث عن مولد "جمهورية جديدة".

    ويتألف الكتاب بعد التمهيد والشكر من مقدمة وثلاثة أبواب. يحمل الباب الأول عنوان "المسار التاريخي لتركيا" ويحتوي على ستة فصول ترصد وتحلل في سياق تاريخي لسياسات الأتراك الداخلية والخارجية منذ العصر العثماني مرورًا بمرحلة التحول نحو الجمهورية التركية، وتغيرات فترة الحرب الباردة وانعكاسها على توجهات السياسة الخارجية التركية وانفتاحاتها على العالم الإسلامي، وصولا إلى ظهور الإسلام التركي مرة أخرى على الساحة السياسية، وتقديمه لطرح جديد ممثلا في برنامج حزب العدالة والتنمية.

    أما الباب الثاني فعنوانه "علاقات تركيا مع العالم الإسلامي ومع والدول الأخرى"، ويتألف من عشرة فصول؛ تعرض وتحلل لسياسات حزب العدالة والتنمية مع العالم الإسلامي والدول الأخرى، ومقومات النفوذ الإقليمي لتركيا، ثم يتناول علاقات تركيا مع كل دولة في فصل على حدة؛ مع سوريا، والعراق، وإيران، وإسرائيل، و( مصر، والمملكة العربية السعودية ودول الخليج وأفغانستان)، وأوراسيا، وأوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية. أما الباب الثالث والأخير فبعنوان "المسار المستقبلي لتركيا"، وهو من فصلين. يعرض الفصل الأول لسيناريوهات تركيا المستقبلية في السياسة الخارجية. ثم يقدم الفصل الأخير خاتمة للكتاب بعنوان "ماذا يمكن لواشنطن أن تفعل؟".

    والكتاب في مجمله يعرض ويحلل لتركيا في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية، والتحولات التي أجرتها على السياسات التركية لاسيما سياساتها الخارجية.

    ويرى فوللر أن مصطفى كمال أتاتورك قد قطع كل صلة بالجمهورية التركية الوليدة بالشرق الأوسط ولا سيما بدوله العربية والإسلامية، واتخذ من الغرب ودوله الأوروبية نموذجا وهدفا في الحد ذاته، وأنه قد وظَّف سياسات الدولة ولا سيما التعليمية إلى تأصيل العداء تجاه الأمة العربية والإسلامية وزرع الحلم الأوروبي في مخيلة الأجيال التركية، وهو ما وصفه فوللر بعملية "الاستئصال التاريخي للماضي العثماني من تاريخ الأتراك". وهو ما جعل -على حد قول فوللر- أربعة أجيال متتالية من الأتراك تعتقد بأن تركيا ليست دولة شرق أوسطية. ويؤكد فوللر على حقيقة تاريخية مفادها، أن الجمهورية التركية حتى نهاية الحرب الباردة كانت صديقًا وفيًّا للولايات المتحدة، لا تختلف مصالحها كثيرًا مع مصالح الولايات المتحدة، وأنها كانت دومًا على أُهبة الاستعداد طواعية لخدمة أهداف الولايات المتحدة الجيوبولوتيكية في المنطقة.

    غير أنه يرى أن تركيا قد حققت قفزات ضخمة طفرية في سياساتها الداخلية والخارجية، بفضل نجاحها في إرساء الديمقراطية إلى حد كبير، ما جعلها تدرك مصالحها الشخصية وتعمل على تحقيقها وفق إستراتيجية مستقلة، تتنافس أحيانًا مع سياسات واشنطن، وأنها أضحت تشعر بالانزعاج من تدخلات الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، ولا سيما عندما تتصادم مصالح أنقرة ومبادراتها مع الأهداف الأمريكية.

    ويمضي فوللر في اندهاشه من تغير الأوضاع من النقيض إلى النقيض فيقول: "إن تركيا اليوم أصبحت ترى الولايات المتحدة باعتبارها السبب والعامل الرئيسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط".

    ويعزو أسباب هذا الرؤية إلى ثلاثة أسباب، الأول: انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة بناء السياسة الأوروبية وزوال المخاطر والتهديدات الإستراتيجية والجيوبوليتيكية التي كانت تستهدف تركيا. والثاني: التعزز المستمر لتضارب المصالح الأمريكية مع المصالح التركية في المنطقة. وأما الأخير: فنجاح أنقرة في إقامة علاقات إستراتيجية جديدة متنامية مع العالم الإسلامي وأوراسيا والصين.

    ولعل الفصل السادس من الباب الأول الذي يحمل عنوان "ظهور الإسلام التركي مرة أخرى" هو أهم فصول الباب بما يحمله من تحليل لأسباب وظواهر وانعكاسات نمو الحالة الإسلامية التركية على الدولة والمجتمع معًا. وهو ما يعد في الآن ذاته توطئة لفهم مضامين الباب الثاني.

    فالكاتب يقر بصراحة ووضوح أن انتخابات الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2002 كانت نقطة التحول والانطلاقة الجديدة لصناعة فترة جديدة من تاريخ الجمهورية التركية. إذ يرى أن وصول حكومة حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بأغلبية ساحقة من خلال صناديق الاقتراع ثم حفاظها على النجاح ذاته في انتخابات عام 2007 يعبر عن استفادة كوادر حزب العدالة والتنمية من خبرات الأحزاب السياسية ذات الرؤية الإسلامية مثل (النظام الوطني، والسلامة، والرفاه، والفضيلة)، كما أنه يعبر أيضًا عن حرص وإصرار الناخب التركي على المصالحة مع ماضيه العثماني مع الإبقاء على الدولة العلمانية في آن واحد.

    تركيا والإرث العثماني

    "
    التحولات التي تشهدها تركيا داخليًّا وخارجيًّا في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية ليست تحولات طفرية بقدر ما هي نتاج منظم متسارع لتراكمات خبرات الحركة الإسلامية في تركيا

    "

    يقرر فوللر أن الدولة العثمانية كانت أطول الدول الإسلامية السنية عمرًا في تاريخ الدول الإسلامية، وأنها كانت نموذجًا للتعددية الثقافية والعرقية فوق أراضيها. ومن ثم ورث الأتراك هذه الثقافات جيلا بعد جيل.

    وأن هذه البيئة الثقافية التركية العثمانية قد تعرضت لحالة من الشتات في الأعوام الأولى لقيام الجمهورية التركية. وهو محق في رؤيته؛ إذ إن قيام الجمهورية التركية على فكرة القومية التركية والانسلاخ من الماضي والإرث العثماني قد جعل تركيا ولأول مرة في تاريخها سائبة بلا جذور تربطها متوجهة نحو الغرب دون وعد بالارتباط به من قِبَل الغرب.

    ويرى الكاتب أن "حكومة حزب العدالة والتنمية تسعى منذ وصولها إلى السلطة لتحقيق الموائمة بين النتاجات الثقافية والاجتماعية للفكر الكمالي، والمسار القسري لتركيا نحو التغرب من ناحية، وبين العناصر التقليدية والإسلامية للثقافة التركية من ناحية أخرى. وهو ما بدا في استعداد تركيا لأداء دور دولي موسع بين الشرق والغرب، وكذلك سعيها لخلق تقارب محلي بين القيم التقليدية والقيم المعاصرة".

    ويرى فوللر أن التحولات التي تشهدها تركيا داخليًّا وخارجيًّا في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية ليست تحولات طفرية بقدر ما هي نتاج منظم متسارع لتراكمات خبرات الحركة الإسلامية في تركيا.

    ويعزو البداية الحقيقية لتأثير الحركة الإسلامية بشكل واضح داخل المجتمع والسياسة التركية إلى عهد الرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال (Turgut Özal)، حيث قدم أوزال الكثير من الضمانات القانونية والتشريعية التي كفلت للحركات والجماعات الإسلامية آنذاك أن تنشط في مجال العمل الدعوي العام في ظل الأوقاف والجمعيات العلمية والخيرية. ويضرب مثلا بقانون البنوك الذي صدر عام 1983 ، والذي من خلاله تمكن الإسلاميون في تركيا من دخول عالم المال والمشروعات الضخمة؛ حيث تأسس بنك "البركة التركي"، وبنك "فيصل فينانس السعودي"، و"البنك التركي-الكويتي"، وهو ما عزز من النفوذ المالي والتمويلي للحركات الإسلامية؛ فأقاموا العديد من المشروعات الصناعية والتجارية واستطاعوا النفوذ إلى العالم العربي والإسلامي من باب الاقتصاد.

    حزب العدالة والتنمية

    "
    شخصية حزب العدالة والتنمية تمثل انحرافًا واعيًا عن شخصية الأحزاب الإسلامية السابقة أكثر من كونها إخفاء لأجندة دينية أو ممارسة للتقية

    "
    يقيم الكاتب حزب العدالة والتنمية الذي تأسس بزعامة رجب طيب أردوغان في أغسطس 2001 بأنه الحزب الأكثر اعتدالا في تاريخ الأحزاب الإسلامية التي ظهرت في تركيا خلال العقود الأربعة الأخيرة، بل وأنه الأكثر نجاحًا على الإطلاق بين الأحزاب السياسية عامة بما حققه من نجاحات في إدارة السياسة الخارجية وفي المجالين الاقتصادي والاجتماعي. ويعزو تميز حزب العدالة عن أسلافه من الأحزاب الإسلامية إلى تلقيه الدرس التاريخي والسياسي بعقلانية، وتكيفه الواعي مع معطيات العصر الحديث إلى حد جعل الكاتب يصفه بأنه "الحزب النموذج لدى الإسلاميين في العالم كله".

    ولعل أهم ما تميز به الحزب من سمات -حسب وجهة نظر الكاتب- هو ابتعاده منذ تأسسه عن الانضواء تحت أي معادلة إسلامية، فضلاً عن قبوله للعلمانية شرطًا أساسيًّا للديمقراطية والحرية. إضافة إلى تعريف الحزب للعلمانية التي ينتهجها تعريفًا واعيًا بأنها "حياد الدولة تجاه مختلف العقائد الدينية والقناعات الفلسفية"، ومن ثم فهو يرفض تعريف الأيديولوجية الكمالية للعلمانية بأنها سلطة الدولة على الدين. كما أن حزب العدالة والتنمية قد عرَّف نفسه منذ البداية بأنه "حزب ديمقراطي محافظ"، خالعٌا عنه مصطلحات "الإسلامي" و"الإسلاموي". والسمة الثانية التي تميز الحزب هي ذلك التوجه نحو سياسة خارجية مزدوجة التوجه؛ حيث تستهدف من ناحية الحصول على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، ومن ناحية أخرى إقامة روابط أكثر قوة مع سياسة العالم الإسلامي.

    ويثير الكاتب تساؤلاً حول ما إذا كان حزب العدالة والتنمية حزبًا إسلاميًّا أم لا. وذلك لأنه يرى أن "شخصية الحزب تمثل انحرافًا واعيًا عن شخصية الأحزاب الإسلامية السابقة أكثر من كونها إخفاء لأجندة دينية أو ممارسة للتقية".

    ويجيب الكاتب بنفسه على السؤال، فيؤكد على رأيه الشخصي بأن "حزب العدالة والتنمية ليس حزبًا معتدلا فحسب؛ بل هو حزب إسلامي يمزج القيم الدينية بالحياة السياسية". ويستند في رأيه هذا إلى قناعته بأن "الحزب الإسلامي هو الحزب القادر على وضع تعاليم القرآن والسنة النبوية في صورة مبادئ قادرة على إدارة الدولة والمجتمع، وهو ما يقوم به حزب العدالة والتنمية حاليًا حيث يعمل جاهدًا من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية واحترام التقاليد الدينية، والاعتراف بالقيم الدينية، وتوفير الرفاهية للمجتمع، وتأمين احتياجاته التعليمية والصحية، وتعزيز قواه الوطنية".

    حركة فتح الله جولان

    "
    الإسلاميون في تركيا يمثلون القوى المثقفة الأكثر إبداعًا داخل تركيا الآن، وأنه وإن كانت تركيا ستظل دولة علمانية إلا أنهم قد استطاعوا تطوير مفهوم العلمانية التركية

    "
    تعد حركة الشيخ محمد فتح الله جولان هي التطور المهم الثاني الذي يشهده الإسلام التركي على مستوى الفكر والممارسة. وتعد هذه الحركة حسب الكاتب "من أكبر مجموعات حركة رسائل النور في تركيا. ولقد تطورت هذه الحركة بتوجيهات زعيمها الشيخ فتح الله جولان، وأضحت اليوم الأكثر تأثيرًا والأكثر حداثة وأخذا بروح العصر بين الحركات الإسلامية في تركيا". وتتميز عن الحركات الأخرى في تركيا بتركيزها على خلق حراك وتغير اجتماعي تدريجي داخل المجتمع التركي من خلال نشر القيم الإسلامية.

    وتتخذ حركة جولان من التعليم وسيلة أساسية ورئيسية لتحقيق التغيير الاجتماعي وتفكيك بنية المجتمع الفكرية وإعادة صياغتها وفق نسق إسلامي؛ فتولى أهمية كبرى لبناء المدارس والجامعات وتزويدها بأحدث وسائل العلوم والتكنولوجيا لتربية طلابها على ربط العلم بالإسلام وكون العلم وسيلة للإيمان.

    ويرى الكاتب أن حركة جولان لم تكن على وفاق مع الأحزاب الإسلامية في تركيا ولا سيما مع أحزاب نجم الدين أربكان، وأنها تنادي بابتعاد الحركات الإسلامية عن العمل السياسي، بل وتعترض على نعت الآخرين لها بأنها حركة إسلامية. ويشير إلى أن علاقاتها بالأحزاب السياسية تتأطر في مدى الخدمة التي سيحققها الحزب لصالح تركيا، وغالبًا ما يكون ذلك الحزب حزب غير إسلامي.

    غير أن حركة جولان قد خففت من حدتها تجاه الأحزاب الإسلامية مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة. وقللت من انتقادها له، ثم تحسنت العلاقة بينهما تدريجيًّا إلى أن وصلت لحد التعاون في عدد من المجالات وهو -حسب الكاتب- ما أدى إلى زيادة شبهات ومخاوف الكماليين المتشددين من كليهما: حزب العدالة، وحركة جولان.

    ويخلُص فوللر في نهاية الباب الأول إلى أن "الإسلاميين في تركيا يمثلون القوى المثقفة الأكثر إبداعًا داخل تركيا الآن، وأنه وإن كانت تركيا ستظل دولة علمانية إلا أنهم قد استطاعوا تطوير مفهوم العلمانية التركية؛ فنسجوا علاقة جديدة بين ماضيهم العثماني وتقاليدهم الثقافية والدينية. ويعتبر فوللر الجوانب المشتركة بين حزب العدالة والتنمية وحركة جولان مؤشرًا بارزًا على هذه الظاهرة".

    علاقة تركيا مع العالم الإسلامي والدول الأخرى

    "
    باتت أنقرة ترى أن الولايات المتحدة قد تسببت في إحداث تغيرات قسرية في أوضاع الشرق الأوسط،، وتجاهلت احترام المؤسسات الدولية، بل ولم تعبأ بسيادة الدول

    "
    يتناول فوللر في الباب الثاني سياسات حزب العدالة والتنمية تجاه العالم الإسلامي، وتجاه كل من إسرائيل وأوراسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ويعزو سياسة التقارب التركي الحالية مع دول المنطقة والمعروفة بسياسة "تصفير المشكلات" مع دول الجوار بأنها عودة من الحزب إلى سياسة الحياد الكمالية والمعروفة بسياسة "سلام في الداخل، سلام في الخارج".

    ويتطلب هذا الباب الثاني -الذي يبلغ نحو نصف الكتاب- الاطّلاع المباشر على نصه كاملا؛ إذ إن الإيجاز قد يختزل مقاصد فصول هذا الباب اختزالا مخلا، لا سيّما وأنّه يتناول كافّة القضايا الحسّاسة في العلاقات التركية مع دول العالم الإسلامي والدول الأخرى خلال السنوات القليلة الماضية.

    بيد أنه يمكن القول إن الكاتب قد أجاد توظيف البيانات والمعلومات لخدمة مقاصد هذا الباب؛ حيث عرض لأُسس التأثير التركي في المنطقة، والتي يأتي في مقدمتها الجيش التركي، والعوامل الاقتصادية، وتصدير القوى العاملة. وأورد بيانات عن حجم تجارة تركيا الخارجية مع الشرق الأوسط في مجالات الطاقة والغاز الطبيعي وخطوط أنابيب البترول والسياسات المائية. ثم تناول بالتحليل تطور العلاقات التركية في ظل سياسة حكومة حزب العدالة والتنمية مع كل من سوريا والعراق وإيران وإسرائيل ومصر والمملكة العربية السعودية ودول الخليج وأفغانستان، وأوراسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

    وفي نهاية هذا الباب يقدم فوللر تحليله الخاص -على حد قوله- لرؤية أنقرة للسياسات الأمريكية في العالم العربي والإسلامي، ومفاده أن أنقرة باتت ترى أن الولايات المتحدة قد تسببت في إحداث تغيرات قسرية في أوضاع الشرق الأوسط،، وتجاهلت احترام المؤسسات الدولية، بل ولم تعبأ بسيادة الدول. ويمكن إيجاز هذه الرؤية في النقاط التالية:

    • أدت الحرب العالمية ضد الإرهاب بزعامة الولايات المتحدة إلى تفاقم المشكلات والأزمات في العالم الإسلامي، وأججت من التوترات في العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب.

    • أضرت الحرب العراقية بالمصالح التركية في المنطقة، وحرضت الأكراد على الانفصال، وأوجدت في النهاية مركزًا جديدًا للإرهاب الإسلامي الراديكالي في المنطقة.

    • قلصت واشنطن من حرية التحرك والمبادرات التركية في العراق.

    • خلقت السياسات الأمريكية تجاه إيران أجواء مضطربة عرقلت مرور الطاقة الإيرانية إلى تركيا، وخدمت فقط تعظيم القومية الإيرانية وروح المقاومة ضد الغرب.

    • كل مبادرة أمريكية تستهدف الحل العسكري تجاه الملف النووي الإيراني لن تكون ذات تأثير إيجابي، وستؤثر فقط سلبًا على مصالح تركيا.

    • لا تنتهج واشنطن السلوك اللائق بالقدر الكافي تجاه تركيا؛ إذ لا تتشاور مع تركيا تشاورًا جادًّا بشأن العمليات الإستراتيجية والعسكرية الرئيسية في المنطقة والتي من شأنها التأثير على أمن تركيا ومصالحها.

    • سياسات واشنطن الداعمة لإسرائيل دون قيد أو شرط تعظم دائمًا المشكلة الفلسطينية، وتزيد من الاستقطاب في المنطقة بين المسلمين والولايات المتحدة؛ وهو ما يضر بمصالح تركيا.

    • سياسة إرساء الديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة في العالم الإسلامي لم تضف إلى المنطقة سوى المزيد من عدم الاستقرار.

    ورغم هذه الرؤية السلبية من قبل تركيا للسياسات الأمريكية إلا أن حزب العدالة والتنمية حريص على الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة بشكل متزن، ودون الإخلال بمصالح تركيا الخاصة بالمنطقة وذلك -كما يرى فوللر- لأنه يعلم أن العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة هي الضمانة الأساسية لبقائه في السلطة بمنأى عن تدخلات الجيش وانقلاباته العسكرية.

    وفي نهاية الباب يخلُص فوللر إلى أن "ظاهرة تضارب المصالح الأمريكية والتركية التي تنامت في ظل السياسة الخارجية التركية الجديدة رغم ما تسببه من إزعاج للولايات المتحدة إلا أن الولايات المتحدة مضطرة إلى تحمل المزيد من نتائج هذه السياسة؛ وذلك لأن تركيا قد أصبحت لها سياستها وحساباتها الإستراتيجية الخاصة".

    المسار المستقبلي لتركيا

    "
    على واشنطن تكثيف آليات التشاور مع أنقرة والتنسيق مع تركيا في الخطط الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وعلى صانعي السياسة في الولايات المتحدة التنبه إلى أن تركيا قوة مفتاحية من الناحية السياسية والعسكرية في المنطقة، وينبغي أن تكون جزء أصيلا داخل عملية التخطيط الأمريكي تجاه المنطقة

    "
    يطرح فوللر ثلاثة سيناريوهات لمستقبل السياسة الخارجية التركية؛ فيرى أنها لن تخرج عن: (1) سياسة خارجية ذات صبغة أمريكية، (2) سياسة خارجية ذات صبغة أوروبية، (3) سياسة خارجية ذات صبغة تركية خالصة مستقلة، تتعدد فيها محاور وأبعاد التوجهات التركية الخارجية.

    فأما السيناريو الأول فيقر فوللر بأن تركيا الحليف الوفي للولايات المتحدة قد انتهت، غير أن لا تزال هناك مجموعة من الأسباب قد تدفع بتركيا مرة أخرى نحو الارتماء في أحضان السياسة الخارجية الأمريكية، ومنها:

    • شعور تركيا بتهديدات ومخاطر أمنية إقليمية جديدة.

    • تحول تركيا إلى هدف إستراتيجي من قبل قوات الجهاد الدولية.

    • رفض صريح من الاتحاد الأوربي لمنح عضويته لتركيا.

    • شعور تركيا بالحاجة إلى التسلح العسكري الأمريكي، وفي هذه الحالة ينبغي على الولايات المتحدة أن توفر كل ما تطلبه تركيا من أسلحة.

    • تعرض الشرق الأوسط لهزة عنيفة راديكالية تهدد تركيا تهديدًا مباشرًا.

    • احتياج تركيا لدعم الولايات المتحدة أمام صندوق النقد الدولي لتحسين أوضاعها الاقتصادية (غير أن الوضع الحالي يسير في الاتجاه المعاكس).

    • إعادة إحياء فكر "كمالي" معتدل، من خلال إقامة روابط وطيدة مع واشنطن بدافع الأمن التركي، ثم تبلور رفض إيديولوجي داخل تركيا مرة أخرى لتدخل تركيا في شئون الشرق الأوسط. ويمكن أن يتزامن مع هذا السيناريو قيام المؤسسة العسكرية التركية بالإجهازعلى منجزات السياسة الإسلامية في تركيا. وقد يسهم في ذلك أيضًا حدوث إخفاقات جادة للسياسات الإسلامية، أو ظهور نظم إسلامية متشددة عدائية.

    أما السيناريو الثاني الخاص بالاتحاد الأوروبي فيرى فوللر أن مسيرة تركيا نحو الانضمام للاتحاد الأوروبي تمضي ببطء على خطى متعرجة، ويكتنفها بعض المشكلات والعراقيل مثل الموقف الفرنسي المعارض لتركيا؛ وما يؤدي بدوره إلى خلق رد فعل مضاد للاتحاد الأوروبي في تركيا. غير أنه لا يستبعد انضمام تركيا لاحقا للاتحاد الأوروبي فيقول: "وإن يكن مستقبل تركيا في الاتحاد الأوروبي غامض إلى حد ما في الوقت الحالي إلا أن ثمة بعض العوامل قد تتغير خلال العشرة أعوام المقبلة وستتغير حتمًا. وستتزايد مبررات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بمرور الوقت".

    أما السيناريو الأخير فيرى فوللر أنه يرتكز على درجة عالية من الثقة بالذات والاستقلالية لدى الإرادة التركية على تطوير علاقاتها الإيجابية والفعالة مع كافة دول العالم. وأن ثمة رؤيتين إستراتيجيتين تقفان خلف هذا السيناريو:

    الأولى: هي رؤية العمق الاستراتيجي لأحمد داود أُوغلو، والمعروفة بإستراتيجية "العمق الإستراتيجي". وهي النظرية السياسية التي نظَّر لها الأستاذ الدكتور أحمد داود أوغلو وزير الخارجية التركي حاليًا في كتابه "العمق الإستراتيجي: مكانة تركيا في الساحة الدولية" والذي صدرت طبعته الأولى عام 2001 ومع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002 تبنى الحزب هذه النظرية وجعلها دستورا للسياسة الخارجية الجديدة. ويصفها الكاتب بأنها سياسة تنطلق من وضعية تركيا الجيوستراتيجية وعمقها التاريخي والثقافي لبلورة مكانة جديدة لتركيا في الساحة الدولية.

    والثانية: هي الرؤية الإقليمية لسادات لاتشينار (Sedat Laçiner)، وتستد إلى قدرة دول المنطقة على التكامل فيما بينها لتلبية احتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وحل مشكلاتهم الأمنية. وتدعو هذه الرؤية إلى توسيع قنوات الاتصال والحوار ليس فقط بين حكومات المنطقة، بل وبين شعوب الشرق الأوسط أيضًا، والعمل على بلورة "ذهنية إقليمية مشتركة".

    "ماذا يمكن لواشنطن أن تفعل؟" هذا هو السؤال الذي اختاره فوللر عنوانا لخاتمة دراسته، ويبرز فيه اعتقاده بأن تحسن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة مرهون بقيام الأخيرة بتحول واضح في سياساتها تجاه المنطقة. ومن ثم يقدم مقترحاته للولايات المتحدة ويطالبها بإجراء ثلاثة تعديلات مهمة وبشكل سريع في سياساتها الشرق أوسطية، وهي:

    • الضغط على الحكومة الكردية في شمال العراق لسد الأبواب أمام قوات حزب العمال الكردستاني وبشكل دائم، وهي خطوة ستسهم إسهامًا جادًّا في إعادة بناء الثقة بين تركيا والولايات المتحدة.

    • تراجع الولايات المتحدة عن سياسات العداء تجاه بعد الدول مثل سوريا وإيران وأن تعمل على إقامة قنوات للحوار معهم.

    • إسهام الولايات المتحدة إسهامًا جادًّا في حل المشكلة الفلسطينية وتحقيق العدالة وتنفيذ القوانين الدولية، وهو ما سيعمل على ترطيب أجواء التوتر التي تؤثر بدورها على الشرق الأوسط والرأي العام التركي.

    ويرى الكاتب أن هذه التغيرات الثلاثة لن تؤثر إيجابيًّا فقط على السياسات الأمريكية تجاه تركيا بل سيكون لها دورها الفعال والإيجابي على السياسات الأمريكية العامة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

    كما دعا فوللر واشنطن إلى تكثيف آليات التشاور مع أنقرة والتنسيق مع تركيا في الخطط الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ونبه صانعي السياسة في الولايات المتحدة إلى أن تركيا قوة مفتاحية من الناحية السياسية والعسكرية في المنطقة، وينبغي أن تكون جزء أصيلا داخل عملية التخطيط الأمريكي تجاه المنطقة.

    وقد وفق الكاتب إلى حد كبير في رصد وتحليل توجهات السياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية، وبدا حرصه الشديد على تحسن العلاقات التركية ـ الأمريكية، إيمانا منه، وهو الخبير في الشأن التركي، بأن تركيا قد عادت إلى ذاتها، وتخلت عن ربقة التبعية للولايات المتحدة، وأضحت تمتلك رؤيتها الخاصة، وتمسك بدفة توجهات سياساتها الخارجية

    ولتحميل دراسة تركيا الدولة والمجتمع

    اضغط الرابط التالي: http://www.aljazeera.net/mritems/streams/2009/11/24/1_954353_1_51.pdf

    والله الموفق
     
  2. عزازنة رياض

    عزازنة رياض مشرف منتدى العلوم السياسية و العلاقات الدولية

    رد: الجمهورية التركية الجديدة

    الله يا اخي صدقني قرات تاريخ تركيا و تاثرت كثيرا بهذه الدولة التي إستطاعت ان تواجه التحديات الكبيرة التي واجهتها

    ولاحظت شيئ غريب ان معظم ازمات تركيا هي نفسها ازمات الجزائر

    مثال على ذلك التحول الديمقراطي و دور المؤسسة العسكرية

    شكرا لك