التعدد المنهجي: أنواعه ومدى ملاءمته

الموضوع في 'منتدى علم الاجتماع' بواسطة lovbb, بتاريخ ‏9 يناير 2008.

  1. lovbb

    lovbb عضو جديد

    التعدد المنهجي: أنواعه ومدى ملاءمته
    للعلوم الاجتماعية



    الأستاذ الدكتور/ سامي بن عبد العزيز الدامـغ
    أستاذ الخدمة الاجتماعية
    قسم الدراسات الاجتماعية – جامعة الملك سعود


    التعدد المنهجي: أنواعه ومدى ملاءمته
    للعلوم الاجتماعية

    مقدمة
    تنامت في العلوم الاجتماعية مؤخرا الكتابات المتشائمة، التي تتبنى مقولة أن العلوم الاجتماعية تمر بأزمة متعددة الأوجه. فهي، استناداً إلى هذه الكتابات، تعاني أزمة منهج وأزمة تنظير وأزمة تفسير للواقع. ويلاحظ أن معظم تلك الكتابات قد استندت إلى مقارنة العلوم الاجتماعية بالعلوم الطبيعية لتدعيم وجهة نظرها (رجب (أ)1991، رجب (ب)1991).
    ونرى أن وضع العلوم الاجتماعية في مقارنة مع العلوم الطبيعية أمر مجحف بحق العلوم الاجتماعية، وأن مثل هذه المقارنات لا تنم عن إدراك تام لطبيعة العلوم الاجتماعية والطبيعية على السواء. فالعلوم الاجتماعية قائمة على مجموعة من الفرضيات المعلمة لها، ولها مزاعمها الخاصة بها، التي تختلف بالضرورة عن تلك الموجودة في العلوم الطبيعية (الدامغ 1993). والفرق بين الاثنتين واضح: فالعلوم الطبيعية تهتم بدراسة الظواهر الطبيعية التي تتصف بالثبات النسبي. أما العلوم الاجتماعية فتهتم بدراسة الظواهر الاجتماعية التي تتصف بأنها دائمة التغيير وبالغة التعقيد. ومن هذا المنطلق، فإن أي استخدام للعلوم الاجتماعية لا يجب أن يتم بمعزل عن الفرضيات المعلمة لكل جوانبها والتي يتم عن طريقها تفسير واقع ما.
    ويهدف هذا البحث إلى تقديم صورة مبسطة– وفي الوقت نفسه شاملة– عن التعدد المنهجي the methodology of triangulation أو كما يطلق عليه دنزن multiple triangulation (Denzin 1989). ويمكن تحديد مشكلة البحث في " مدى ملاءمة التعدد المنهجي لطبيعة العلوم الاجتماعية". وسيحاول الباحث من خلال عرضه للتعدد المنهجي الإجابة عن التساؤلات التالية:
    (1) إلى أي مدى يمكن تطبيق التعدد المنهجي؟ (2) ماذا يحقق توظيف التعدد المنهجي؟ (3) ما الصعوبات والعقبات المتوقعة عند استخدام التعدد المنهجي؟
    ونحن نرى أن هناك منهجين رئيسيين، هما المنهج الكمي والمنهج الكيفي. ويندرج تحت كل منهما عدد من المناهج الفرعية. وفي كل الأحوال، لا يعتبر التعدد المنهجي جديداً، إذ إن الكتابات المبكرة عنه في العلوم الاجتماعية بدأت تظهر في السبعينيات الميلادية. أما في العلوم الطبيعية، فإن توظيفه فعليا له تاريخ طويل. فقد دأبت تلك العلوم على استخدام أكثر من منهج في دراستها للظواهر الطبيعية (Denzin 1989, 234). والتعدد المنهجي في أبسط صورة هو استخدام أكثر من ملاحظ، أو أكثر من منهجية، أو استخدام أكثر من نظرية لتفسير البيانات بعضها أو كلها (Denzin 1989, 237).
    ويقوم التعدد المنهجي على فلسفة منطلقة من المقولة الشهيرة في التراث الغربي "no one of us is as strong as all of us" أو ما معناه "لا يوجد بيننا من هو أقوى منا جميعا".
    ويتكون التعدد المنهجي من خمسة أنواع رئيسية وهي: تعدد النظريات وتعدد المناهج وتعدد الملاحظين وتعدد النظريات وتعدد أدوات جمع البيانات وتعدد مصادر البيانات. ونعرض في ما يلي لكل منها:

    أولا: تعدد النظريات:
    تحظى العلوم الاجتماعية بوجود عدد كبير نسبيا من النظريات (Yegidis and Weinbach, 1991). وهي تتفاوت من حيث التركيز على المواضيع التي تتناولها، سواء ركزت على الشخصية أو على تفسير المجتمع أو على ظاهرة اجتماعية بعينها. كما تتفاوت من حيث طريقة بنائها (استقرائية أو استنباطية)، وكذلك من حيث قوتها ودرجة التحقق التجريبي من فرضياتها. وبالرغم من وجود هذا الكم الضخم من النظريات، فإنه ليس هناك نظرية تحظى بقبول كافة المتخصصين في أي فرع من فروع العلوم الاجتماعية (Trader 1977, 10). ذلك أن كل نظرية تنظر إلى الظاهرة من منظور مختلف خاص بها (العبيدي 1989). وعليه فإن اللجوء إلى نظرية بعينها لتفسير ظاهرة اجتماعية ما، من شأنه أن يحد من نظرة الباحث إلى الظاهرة المدروسة بشكل كبير، ويقلل، بالتالي، من مصداقية تفسيره لتلك الظاهرة.
    إلا أنه قلما يتمكن الباحثون من توظيف هذا النوع من أنواع التعددية. فعادة ما تكون الدراسات الاجتماعية قائمة على عدد بسيط من الفرضيات والتي تمثل أبعاد ومحاور تلك الدراسات، ومن ثم تتم عملية جمع البيانات في إطار تلك المحاور والأبعاد (أونجيل Denzin 1989, 239: 22, 1983). ولكن اللجوء إلى أكثر من نظرية وأكثر من منظور في دراسة الظاهرة، أو المشكلة الاجتماعية، له فائدة كبيرة. فتعدد النظريات يسمح للباحث أو الباحثين باختبار البيانات والمعلومات المجموعة في الدراسة، عن طريق أكثر من نظرية، مما يجعل التفسير المتوصل إليه أقرب إلى الدقة والصواب، لأن توظيف أكثر من نظرية في دراسة الظاهرة نفسها يمنع الباحث من التحيز لنظرية معينة وتجاهل نظريات أخرى. وفضلا عن ذلك، فإن استخدام أكثر من نظرية لتفسير الظاهرة أو المشكلة، محل الدراسة، يجعل الدراسة والتحليل أكثر عمقا ( Fielding & Fielding 1986, 33).
    وتجدر الإشارة إلى أن هناك تشابها بين تعدد النظريات والتكامل المعرفي inter-disciplinary approach، لذا من المهم التفرقة بينهما. فالتكامل المعرفي نشأ أساسا نتيجة إدراك علوم كثيرة– ومنذ وقت طويل– أن ما لديها لوحدها، وما تم الوصول إليه في حدود العلم أو الحقل ذاته لا يكفي، وأنها تحتاج إلى ما وصلت إليه العلوم الأخرى من تجارب وحقائق. ولعل مهنة الخدمة الاجتماعية أصدق دليل على ذلك. فهي مهنة اعتمدت على ركيزتين أساسيتين، هما علم النفس وعلم الاجتماع، أي أنها وليدة للتكامل المعرفي ومنه انفصلت وطورت، إلى حد ما، بعض النماذج النظرية الخاصة بها والتي تخدمها بشكل تطبيقي وعملي. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل إنها اعتمدت على علوم أخرى مثل علم الإدارة وعلم الاقتصاد، ووظفت بعض ما وصلت إليه تلك العلوم في ممارستها للمهنة.
    وفي الواقع، فإن هناك نظريات عدة وصلت للخدمة الاجتماعية نتيجة للتكامل المعرفي. ولعل نظرية الأنساق العامة general systems theory تعبر بشكل واضح عن ذلك. فهي نشأت أساسا في علم الأحياء، ومنه تم نقلها إلى علم الاجتماع حيث قام بارسونز وآخرون بتطوير مفاهيمها وتطويعها لعلم الاجتماع، ومن ثم انتقلت إلى الخدمة الاجتماعية.
    وعلى الرغم من التشابه الموجود بين فكرة التكامل المعرفي وتعدد النظريات، إلا أن هناك أوجه اختلاف بينهما. فالتكامل المعرفي في واقعه هو الاعتماد على أكثر من حقل في دراسة الظاهرة نفسها، ومن الممكن أن يكون الاعتماد على نظريات مختلفة من حقول علمية مختلفة في دراسة الظاهرة محل الدراسة، بينما يعتمد التعدد النظري على أكثر من نظرية (بغض النظر عما إذا كانت النظرية أساسا قد وصلت إلى الحقل عن طريق التكامل المعرفي كما هي الحال في نظرية الأنساق العامة) في إطار الحقل نفسه في دراسة الظاهرة.
    وقد تمخضت محاولات الدمج النظري (وليس التعدد النظري) في الخدمة الاجتماعية عن ولادة ما يسمى بالنموذج الإنتقائي eclectic model، الذي يتم فيه مزج أجزاء متفرقة من نظريات مختلفة لتفسير سلوك العملاء clients وتقديم العلاج الإكلينيكي لهم (Malcolm 1991, 47-50). إلا أن هذا النموذج تعرض لانتقادات حادة بسبب صهره لنظريات مختلفة، وفي أحيان كثيرة متضاربة في أساسها الفلسفي، في إطار واحد، وهو ما يختلف تماما عن تعدد النظريات الذي يسمح بتفسير الظاهرة والنظر إليها من زوايا مختلفة، مستخدما نظريات مختلفة مستقلة فلسفيا (ليست بالضرورة متناسقة فيما بينها) وذلك بغرض السماح للباحثين برؤية البدائل، المتاحة لهم نظريا، لتفسير البيانات من زوايا مختلفة، ومنع التحيز لنظرية بعينها، و/أو النظر إليها على أنها تمثل الواقع أو تفسره.
    وقد انتقد العديد من العلماء تعدد النظريات معتبرين أنه قد لا يؤدي إلى رسم صورة متكاملة عن الظاهرة محل الدراسة. إلا أن هذا هو الأساس أو الغرض من استخدام تعدد النظريات، ألا وهو رسم صورة متعددة المستويات للحقيقة، لأن الحقيقة، في واقع أمرها، قد يكون لها مستويات متعددة وأوجه مختلفة وليست بالضرورة صورة متسقة متكاملة الأجزاء.
    أما في واقعنا العربي، فإن الأمر أكثر تعقيدا. ذلك أن معظم النظريات– إذا لم تكن كلها– طورت أساسا من خلال واقع اجتماعي وثقافي وسياسي يختلف بصور متفاوتة عن واقعنا العربي، وقد يحتاج الأمر إلى مواءمة هذه النظريات أساسا لتتفق مع هذا الواقع، قبل تقرير استخدامها سواء بصورة منفردة أو بعضها في دراسة الظواهر الاجتماعية(1).

    ثانيا، تعدد المناهج:
    تتأرجح العلوم الاجتماعية بين قطبي المنهجية الرئيسيين وهما المنهج الكمي والمنهج الكيفي، فعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من الباحثين يميلون إلى المنهج الكمي، إلا أن ذلك لا يقلل على الإطلاق من شأن المنهج الكيفي.
    وهناك فرق واضح في العلوم الاجتماعية بين استخدام المنهج الكمي والمنهج الكيفي، فالمنهج الكمي يستخدم عادة لحصر وربط الظواهر الاجتماعية والنفسية (Epstein 1985). ويعني المنهج الكمي للكثيرين استخدام تقنية العينة العشوائية randomization والمنهج التجريبي وشبه التجريبي والمقاييس الموضوعية والتحليلات الإحصائية المعقدة ومنهج المسح الاجتماعي (Reichard & Cook 1985). والمنهج الكمي له نظرة وضعية Positivistic وذو خاصية جزئية reductionist وقائم على الاستنباط deduction وموضوعي objective وموجه نحو النتائج results-oriented وذو نظرة محايدة للعالم neutral (Dabbs 1982). كما أن المنهج الكمي مصمم للتحقق والتأكد من العلاقات الموصوفة عن طريق النظرية. فالتجريب والعلاقات الارتباطية، التي يكثر استخدامها في هذا المنهج مصممة بهدف التحقق من العلاقات بين المتغيرات (Reichard & Cook 1985). وأدوات جمع البيانات في المنهج الكمي مصممة لتقدم حقائق موضوعية، ثابتة، رقمية، وقابلة للملاحظة والقياس حول جزئيات أو متغيرات معرفة تعريفا إجرائيا. ومن هذه الأدوات الملاحظة المقننة وتصاميم البحث التجريبية والإستمارة والمقاييس المقننة.
    أما المنهج الكيفي، فيستخدم عادة لمعرفة الخصائص الأساسية والضرورية للظواهر الاجتماعية والنفسية (Epstein 1985). ويرتبط المنهج الكيفي باستخدام المنهج الاثنوغرافي ومنهج دراسة الحالة والمقابلات العميقة والملاحظة بالمشاركة (Reichard & Cook 1985). والمنهج الكيفي قائم على الاستقراء induction ويهتم بالظواهر بصفة أكثر ويعتبر أكثر شمولية وذو صبغة ذاتية subjective وموجه نحو الخطوات Process–oriented وله نظرة أنثروبولوجية نحو العالم anthropological view of the world (Dabbs 1982).
    ويصور المنهج الكيفي العالم على أنه شديد التعقيد، والحقائق فيه دائمة التغير ومكونة من أبعاد متعددة من التصورات والمعاني، التي تتأثر بشدة بالتفاعل بين السياق البيئي والتفاعل الذاتي للأشخاص. ويهدف المنهج الكيفي إلى الكشف عن معاني العلاقات القائمة في إطار الظواهر الاجتماعية، وأثر هذه العلاقات على الأداء الاجتماعي. أما الأدوات المستخدمة في هذا المنهج فهي الملاحظة المباشرة غير المقننة والمقابلة غير المقننة والمقاييس غير المقننة والطبيعية، التي تستخدم في دراسة الظواهر الخالية من التحكم التجريبي. وبالرغم من عدم وجود تقنين أو أنظمة محددة للمنهج الكيفي، كما هي الحال في المنهج الكمي، إلا أن جهود جمع البيانات يجب أن تتبع خطوطا عامة تتطلب الصدق والثبات، فضلا عن المهارة والمثابرة والتمرين المستمر للباحثين (Ruckdeschell 1985).
    وتجدر الإشارة إلى أن هناك القليل من الإتفاق بين العلماء المهتمين بالمنهجية على أوجه الشبه والإختلاف بين المنهجين الكمي والكيفي (Dabbs 1982). والفرق بين المنهجين يتعلق بجذورهما الفلسفية. فالمنهج الكمي منطلق من الفلسفة المنطقية الوضعية logical positivism، التي ترى أن المعاني مستقلة عما نراه من حولنا من أشياء، وأنها (أي المعاني) من الممكن تفتيتها إلى أجزاء صغيرة قابلة للقياس عن طريق مقاييس موضوعية. أما المنهج الكيفي فمنطلق من الفلسفة البنائية الاجتماعية social constructionism، التي ترى أن هناك حقائق متعددة وأن الحقيقة في واقع أمرها لها مستويات وأبعاد متعددة، وأن المعاني يمكن فهمها من خلال مستويات متعددة عن طريق السياق الاجتماعي.
    وفي الواقع، فإن هناك خلافا جدليا بين أنصار كل منهج يتمثل في محاولة إبراز نقاط القوة في المنهج المرغوب فيه وإبراز نقاط الضعف في المنهج الآخر. فأنصار المنهج الكمي على سبيل المثال، يشيرون إلى أن المنهج الكيفي تظهر فيه ذاتية الباحث وأن النتائج المتحصل عليها باستخدام هذا المنهج نابعة من ذاتية الباحث وعليه فهو أبعد من المنهج الكمي عن الموضوعية وبالتالي عن العلم. أما أنصار المنهج الكيفي فيرون أن المنهج الكمي يمثل انسياقا لا مبرر له خلف الأرقام والإحصاء، التي لا يمكن أن تعبر بصدق عن ظاهرة ما، ولا تمكن من التمعن في دراسة الظواهر بصفة عامة، لذا فهي سطحية.
    ومع ازدياد نبرة الخلاف وحدته، بدأت تظهر مؤخرا الكتابات المعتدلة التي تنادي بأن كلا المنهجين له مزاياه وله عيوبه، وأن هناك متسعا في العلوم الاجتماعية لكليهما، وعليه فكلاهما مطلوب. وحقيقة الأمر أن هذين المنهجين مكملان لبعضهما، إذ أن كلا منهما ينظر إلى الظواهر الاجتماعية من زاوية مختلفة. وقد يتبادر إلى الذهن في أول وهلة سؤال يتعلق بكيفية أو مدى إمكانية دمج هذين المنهجين. ويمثل التعدد المنهجي الوسيلة الوحيدة للجمع بين هذين المنهجين في دراسة واحدة، إذ بإمكان الباحث أن يستخدم المنهجين الكمي والكيفي معا في دراسة الظاهرة نفسها مستخدما التعدد المنهجي (AL-Jasir 1995, 14-17) (2).


    ثالثاً، تعدد الملاحظين:
    يتعامل الباحث في العلوم الاجتماعية مع ظواهر ومشاكل اجتماعية لها علاقة مباشرة بالإنسان والبيئة الاجتماعية بصفة عامة، لذا فإنه من المتوقع أن تؤثر الظاهرة أو المشكلة محل الدراسة على الباحث وبالتحديد على موضوعيته في دراستها.
    وترتبط الموضوعية ارتباطا وثيقا بقضية العلم والقيم، وهي القضية التي شغلت حيزا وأثارت جدلا بين المشتغلين في العلوم الاجتماعية بشكل عام. فالجدل قائم حول: هل هناك علم خال من القيم أم أن القيم تلعب دورا في توجيه البحث العلمي وبالتالي توجيه العلم ذاته؟
    وتعني الموضوعية في أبسط صورها أن يتم التعامل مع الظواهر الاجتماعية على أنها كيانات مستقلة تماما عن ذات الباحث، ومحاولة تجنب كل الاعتبارات الانفعالية والمواقف الذاتية. وإذا لم يتمكن الباحث من التخلص من مثل هذه الاعتبارات، فإنه يصبح عاجزاً عن معرفة الأسباب الحقيقية للظاهرة المدروسة (الهمالي 1988: 61). ومن هنا تتضح أهمية التزام الباحث في العلوم الاجتماعية بمتطلبات الموضوعية التي تتجلى في: أولاً، الابتعاد عن الأحكام الذاتية، والتركيز على أن الظواهر الاجتماعية مستقلة بذاتها وتتصف بالتلقائية. ثانياً، الالتزام بالحياد الأخلاقي المهني بقدر الإمكان. ثالثاً، الابتعاد عن الآراء والأحكام المسبقة في دراسة الظاهرة الاجتماعية، الذي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعامل مع الظواهر الاجتماعية ككيانات مستقلة عن شعور الباحث الداخلي. وأخيراً، الالتزام بملاحظة الحقيقة الاجتماعية كما هي لا كما يجب أن تكون عليه، وتفسيرها علمياً والكشف عن العلاقات الوظيفية المتداخلة بين الظواهر الاجتماعية.
    إلا أن دنزن (Denbzin 1989: 235-235) يعتقد أنه مهما كان مستوى تدريب الباحثين وحرصهم على الدقة والموضوعية، يبقى أن كل باحث هو عبارة عن خلاصة لتاريخه وماضيه والأحداث التي مرت عليه. لذا فإنه يتأثر بالبيئة التي يتعامل معها ويتفاعل معها بطريقة فريدة من نوعها. وعليه، فإن الموضوعية التامة مطلب يستحيل تحقيقه. لذا، وبهدف التقليل من احتمالية التحيز المترتبة عن وجود باحث يرصد ظاهرة ما بمفرده، يفضل توظيف أكثر من باحث لملاحظة الظاهرة نفسها (عبدالعال، 1988: 86)، إذ أن الاعتماد على أكثر من ملاحظ في دراسة ظاهرة ما كفيل بالحد من ظهور ذاتية الباحث في تلك الدراسة، ذلك أن ظهور ذاتية الباحثين، في حالة تعددهم، سيؤدي بالضرورة إلى تضارب تقارير الملاحظين وهو ما يشكل إشكالية منهجية. وعليه فإن اللجوء إلى تعدد الملاحظين كفيل بالحد من هذه الإشكالية المنهجية.
    ويقوم هذا النوع من أنواع التعدد المنهجي على افتراض أن استخدام، أو الإكتفاء، بملاحظ واحد لملاحظة ظاهرة ما أو سلوك ما، أو العيش في مجتمع ما وملاحظته، يكون أكثر عرضة للخطأ والتحيز، كما في حالة الاعتماد على مجموعة من الملاحظين. حيث أن تعدد الملاحظين من شأنه أن يضفي مصداقية أكثر ويقلل من الأخطاء في البيانات المجموعة مما يؤدي بالتالي إلى معرفة أدق وأصوب وأكثر قرباً من الواقع الاجتماعي(3).

    رابعا، تعدد أدوات جمع البيانات:
    يأخذ هذا النوع من أنواع التعدد المنهجي شكلين رئيسيين. أولهما، تعدد أدوات جمع البيانات. وثانيهما، التعددية داخل الأداة نفسها. أما الشكل الأول، وهو استخدام أكثر من أداة من أدوات جمع البيانات، فإنه يتمثل في أي استخدام لأكثر من أداة من أدوات جمع البيانات، كأن يستخدم الباحث الملاحظة والمقابلة، أو الملاحظة والاستبيان، أو المقابلة والاستبيان البريدي. ويبرر استخدام أكثر من أداة من أدوات جمع البيانات، على افتراض أن نقاط الضعف في أداة معينة هي نقاط القوة في أداة أخرى. لذا فإن استخدام أكثر من أداة من أدوات جمع البيانات في دراسة الظاهرة كفيل بتلافي العيوب الموجودة في كل أداة لوحدها. فالمقابلة، كأداة لجمع البيانات، تسمح بالحصول على معلومات عميقة ودقيقة من المبحوثين عن الظاهرة أو المشكلة المراد دراستها، ولا تحد المبحوثين بإجابات معينة. ولكن يعاب عليها أنه ليس فيها حفظ لسرية ومجهولية المبحوثين، وأنها تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وأنها مرتفعة التكاليف (Isaac & Michael 1989, 132). كما يعاب عليها أنه من الممكن أن يكون فيها تحيز، وقد تجعل المبحوثين يتحرجون من الحديث عن بعض المواضيع الحساسة.
    ولو نظرنا إلى الاستبيان البريدي كأداة لجمع البيانات- في المقابل- فسنجد أنه من الممكن أن يحفظ سرية ومجهولية المبحوثين، حيث يتم تعامل الباحث، في معظم الأحيان، مع استمارات تحمل أرقاما معينة من دون معرفة أي من المبحوثين في استمارة بعينها. كما أنه لا يكلف الكثير من الجهد والوقت، إذ لا تتطلب جهود جمع البيانات، بعد إعداد الاستمارات، إلا إرسالها بالبريد دفعة واحدة، ومن ثم انتظار النتائج بالبريد. وفضلا عن ذلك، فإن الاستبيان البريدي قليل التكلفة (Nachmias & Nachmias 1987, 227)، إذ من الممكن إعداد نسخ مكررة من الاستبيان، كما أن جهود جمع البيانات لا تتطلب أكثر من باحث واحد. والاستبيان البريدي عدا كونه سهل الاستخدام، فإن احتمالات التحيز فيه أقل من المقابلة واستخدامه يرفع الحرج عن المبحوثين ويمكنهم من الحديث عن بعض المواضيع الحساسة.
    ولكن يعاب على الاستبيان البريدي أنه لا يمكن الباحث من الحصول على معلومات عميقة ودقيقة، من المبحوثين، عن الظاهرة أو المشكلة المراد دراستها. فطبيعة الاستبيان البريدي تتطلب الاختصار، من ناحية، وعدم إمكانية عرض جميع الإجابات المتوقعة في خيارات للمبحوثين، من ناحية أخرى. كما يعاب على الاستبيان البريدي أنه يحدد المبحوثين بإجابات معينة، مما لا يترك للمبحوثين فرصة التعبير عن أرائهم الخاصة، التي قد لا تكون ضمن الخيارات المتاحة لهم في الاستبيان (وذلك في حالة عدم وجود اختيار "أخرى تذكر"). وأخيرا فإن الاستبيان البريدي لا يمكن الباحث من الحصول على معلومات كاملة عن الظاهرة أو المشكلة المراد دراستها. فكما هو معروف، فإن نسب الاستجابة في الاستبيان البريدي قليلة نسبياً، وقد لا تتجاوز في أفضل الأحوال 70% وهو ما يشكل عقبة أمام هذه الأداة من أدوات جمع البيانات.
    وكما هو ملاحظ، فإن نقاط القوة في المقابلة هي في الواقع نقاط الضعف في الاستبيان البريدي. ونقاط الضعف في المقابلة هي تقريباً نفسها نقاط القوة في الاستبيان البريدي. لذا فإن الجمع بين المقابلة والاستبيان البريدي في دراسة ظاهرة ما كفيل بتلافي العيوب الموجودة في كلاهما.
    وتجدر الإشارة إلى أن المقارنة السابقة بين المقابلة والاستبيان البريدي هي عامة في طبيعتها، لأن بعض مزايا وعيوب كل أداة يعتمد على طريقة استخدامها وتنفيذها، كما يعتمد مدى ملاءمة استخدام كل أداة على طبيعة المجتمع وظروفه.
    أما الشكل الثاني من هذا النوع من أنواع التعدد المنهجي، فيتمثل في استخدام أكثر من مقياس داخل الأداة نفسها (Denzin 1989, 243)، كأن يقوم الباحث باستخدام ثلاثة مقاييس مختلفة داخل استمارة بحث واحدة. أو كأن يقوم الباحث باستخدام مقاييس متعددة مع أحد تصاميم النسق المفرد single system designs (الدامغ 1994 Bloom & Fischer 1982;). ويعتبر هذا النوع أكثر أنواع التعدد المنهجي استخداماً، خصوصا عندما تكون الظاهرة أو المشكلة المدروسة متعددة الأبعاد، بحيث تتضمن الأداة، كالاستمارة على سبيل المثال، مقاييس مختلفة بحيث يقيس كل مقياس بعداً من أبعاد الظاهرة. وتعبر دراسة الرشيد (1994) أنفة الذكر عن هذا النوع من أنواع التعدد المنهجي، إذ أنها وظفت أكثر من أداة من أدوات جمع البيانات مثل الاختبارات السيسيومترية والملاحظة البسيطة.

    خامسا، تعدد مصادر البيانات:
    يقوم هذا النوع من أنواع التعدد المنهجي على افتراض أن اللجوء إلى، أو الاكتفاء بمصدر بيانات واحد فقط لدراسة الظاهرة/ المشكلة المراد دراستها، يكون محدداً للباحث بصورة كبيرة من ناحية، وأقل مصداقية من ناحية أخرى. ويستخدم تعدد مصادر البيانات بهدف التأكد من مصداقية البيانات من المصادر المختلفة، وكذلك إلى الظاهرة أو المشكلة من زوايا مختلفة. وحيث أن كل مصدر من مصادر البيانات يعكس في الواقع جزءا محددا من أجزاء الحقيقة، فإن اللجوء إلى أكثر من مصدر من مصادر البيانات وعدم الاكتفاء بمصدر واحد كفيل بتقديم أجزاء متعددة من الحقيقة المتعلقة بالظاهرة أو المشكلة المراد دراستها (Powers, Meenaghan et al 1985, 85-99) (4).

    مزايا التعدد المنهجي
    من خلال العرض السابق للتعدد المنهجي، يتضح لنا أنه يتفوق على غيره من مناهج البحث بالعديد من المزايا، التي يأخذ بعض منها صفة العمومية بالنسبة للتعدد المنهجي، بينما يقتصر بعضها الآخر على نوع بعينه أو أكثر من نوع من أنواع التعدد المنهجي، وهذه المزايا

    هي كما يلي:
    (1) يقلل من احتمالات الخطأ (عام)، التي قد تنتج عن وجود باحث واحد أو ملاحظ واحد ويقرب من الصواب (الواقع) مما يزيد من مصداقية البيانات المتحصل عليها. (2) يقلل من احتمالية التحيز (عام): تعتبر الموضوعية مطلباً تسعى العلوم الاجتماعية جاهدة لتحقيقه، ولما كانت هذه العلوم تتعامل مع ظواهر ترتبط بدرجات متفاوتة بذاتية الباحث وتؤثر وتتأثر به. فإن الملاحظة تعتبر من أكثر مناهج البحث عرضة للتحيز، وذلك نظراً لطبيعتها. لذا فإن الاعتماد على ملاحظ واحد يقلل، وبشكل كبير من قيمة النتائج المتحصل عليها. وفي المقابل فإن تعدد الملاحظين يقلل من احتمالية التحيز، مهما كان نوعه، كالتحيز لنتيجة أو لجنس أو لعقيدة أو للون، مما يزيد من موضوعية البحث وبالتالي مصداقية النتائج المتحصل عليها (عبد المعطي 1990، 68). (3) يساعد على تفسير النتائج عن طريق أكثر من منظور (خاص بتعدد النظريات)، مما يجعل التفسير المتوصل إليه أقرب إلى الدقة والصواب. فكلما أمكن شرح وتفسير البيانات والمعلومات عن طريق نظريات أكثر، كلما كانت أقرب إلى الدقة والصواب. (4) يزيد من مصداقية النتائج المتحصل عليها (خاص بجميع أنواع التعدد المنهجي باستثناء تعدد النظريات). فمقارنة البيانات التي أخذت عن طريق الملفات مع تلك التي أخذت عن طريق الأشخاص، على سبيل المثال، كفيل بكشف الأخطاء أو المعلومات غير الدقيقة. فكلما كانت البيانات والمعلومات موثقة عن طريق أكثر من مصدر، كلما كانت أفضل وأقرب إلى الواقع. (5) يساعد على تلافي القصور الموجود في كل منهج/ أداة/ نظرية/ مصدر/ ملاحظ على حدة (عام)، خصوصا أن مناهج البحث فيها لها نقاط قوة ونقاط ضعف، كما أن أدوات جمع البيانات فيها لها أيضا نقاط قوة ونقاط ضعف. (6) يمكن من الجمع بين المنهجين الكمي والكيفي (خاص بتعدد المناهج)، ذلك أن كلا المنهجين مطلوب وهما مكملان لبعضهما. ويبقى السؤال: كيف يمكن الجمع بين المنهجين الكمي والكيفي في دراسة واحدة؟ وفي الواقع يعتبر التعدد المنهجي الوسيلة الوحيدة التي يمكن بها الجمع بين منهجي البحث الكمي والكيفي والذي من شأنه أن يؤدي إلى تلافي عيوب المنهجين والجمع بين مزاياهما.

    عيوب التعدد المنهجي
    على الرغم من وجود العديد من نقاط القوة في التعدد المنهجي، لا يزال هناك العديد من نقاط الضعف التي، في كثير من الأحيان، تسبب الإحباط للباحثين مما يجعلهم يحجمون عن استخدامه وتوظيفه في أبحاثهم. ونقاط الضعف في التعدد المنهجي تتفاوت ما بين عام للتعدد المنهجي وخاص بنوع أو أكثر من نوع من أنواع التعدد المنهجي. ومن هذه النقاط: (أ) يستهلك الكثير من الجهد والوقت (عام). وبالتالي، فإن التعدد المنهجي قد لا يلائم كل الباحثين، ويبقى تطبيقه مرتبطاً إلى حد كبير بمدى حرص الباحث على الوصول إلى نتائج دقيقة وقريبة من الواقع من ناحية، وملاءمة ظروفه لتوظيف التعدد المنهجي من ناحية أخرى. (2) يؤدي إلى الإجابة عن أسئلة بحثية مختلفة (خاص بتعدد المناهج)، لأن الجمع بين المنهجين الكمي والكيفي قد يؤدي إلى أن كلا منهما قد يجيب عن تساؤلات بحثية مختلفة مما لا يخدم الباحث أو الدراسة التي يتم فيها توظيف تعدد المناهج. (3) يتطلب مبالغ طائلة للقيام به (عام)، ولذا، فإن التعدد المنهجي قد لا يلائم الأبحاث ذات الميزانية المحدودة أو التي لا تتلقى دعماً خارجياً. (4) أنه معقد (عام)، ولا يتكون من خطوات سهلة وميسرة، بل على العكس من ذلك، فإن اللجوء إلى أكثر من مصدر من مصادر البيانات و/أو أكثر من منهج و/أو أكثر من نظرية في دراسة ظاهرة ما قد لا يؤدي إلى رسم صورة متكاملة عن الظاهرة، ومن الممكن أن يؤدي إلى وجود نتائج متعارضة (Silverman 1985, 105). كما قد يؤدي تعدد الملاحظين إلى عدم الاتفاق فيما بينهم على ما يلاحظون، إذ أن كلا منهم له طريقة تفاعل فريدة من نوعها مع الظاهرة الملاحظة (Lincoln & Guba 1985, 307).

    تعليق
    لا يزال الباحثون في العلوم الاجتماعية يسعون في دأب من أجل الوصول إلى الحقيقة الاجتماعية social reality والتي تتناولها أبحاثهم من زوايا مختلفة وبطرق مختلفة، وهم في سعيهم هذا يحققون طموحاتهم بدرجات متفاوتة تبعا للمنهج المستخدم والأداة الموظفة ونوع الدراسة وطبيعتها. ولعل أكثر ما يعيق أداء الباحثين ويقلل إلى حد ما من قيمة إنتاجهم العلمي، هو اعتمادهم على منهج واحد و/أو أداة واحدة و/أو نظرية واحدة و/أو ملاحظ واحد و/أو مصدر واحد للبيانات. حيث أن لكل منهج أو أداة أو نظرية أو ملاحظ أو مصدر، عند توظيفه في دراسة ما منفردا، أوجه قصور ونقاط ضعف لا يتم تلافيها إلا عن طريق التعدد المنهجي.
    وتجدر الإشارة إلى أن التعدد المنهجي لا يمكن توظيفه توظيفاً أمثل في المجتمعات العربية بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي لهذه المجتمعات. فالمجتمعات العربية تختلف بثقافتها عن الثقافة الغربية التي منها انبثق التعدد المنهجي وبالتالي، من الضرورة مواءمة التعدد المنهجي للثقافة العربية وطبيعة المجتمعات العربية. فعلى سبيل المثال، فإن بعض أدوات جمع البيانات مثل الاستبيان البريدي قد يتم استبعادها أساسا عند دراسة مجتمع عربي بعينه، وذلك قد يكون إما بسبب سوء الخدمات البريدية و/أو بسبب تفشي الجهل في ذلك المجتمع، كما قد يتم استبعاد المقابلة في مجتمع عربي محافظ إذا كان الأمر يتعلق بعينة من النساء (على افتراض أن الباحث أو الباحثين من الرجال).
    كما قد يتعذر توظيف تعدد النظريات بسبب عدم ملاءمتها أو بعضها للثقافة العربية، لأن معظم النظريات نشأت أساساً في الثقافة الغربية وطوعت لشرح تلك الثقافة وتفسير الواقع الاجتماعي الغربي.
    ومما لا شك فيه أن العلوم الاجتماعية تعاني، من الناحية المنهجية، قصوراً واضحاً يتمثل في عدم دقتها وعدم موضوعيتها. وهي بالإضافة إلى ذلك تعاني من كثرة الخلافات بين المشتغلين فيها حول المنهجية الملائمة. ويمثل التعدد المنهجي ارتقاء عن القصور الناتج عن استخدام أي منهج أو أداة أو نظرية أو ملاحظ أو مصدر بيانات لوحده، وكذلك ارتقاء عن تلك الخلافات بين المشتغلين في العلوم الاجتماعية، إذ أنه يخلو من تحيز لنظرية أو لمنهج أو لأداة أو لملاحظ أو لمصدر بيانات بعينه.
    لقد حاولنا من خلال هذا البحث العرض للتعدد المنهجي وأنواعه الخمسة، كما عرضنا لمزايا وعيوب هذه الأنواع، التي تكون المحصلة النهائية لمزايا وعيوب التعدد المنهجي. وبناء على ما تقدم من الممكن وضع بعض النقاط كنتائج لهذا البحث وهي كما يلي:
    1. أن التعدد المنهجي هو أنسب مناهج البحث وأكثرها ملاءمة لطبيعة العلوم الاجتماعية.
    2. أن التعدد المنهجي لا يتناسب مع كل الدراسات ولا مع كل الباحثين، لأنه يتطلب ميزانيات كبيرة نسبيا من ناحية، وبذل الكثير من الجهد والوقت من ناحية أخرى، وهو ما لا يتوفر دائماً.
    أن استخدام التعدد المنهجي يتطلب مهارة خاصة من قبل الباحثين، إذ أن النتائج المتحصل عليها باستخدام التعدد المنهجي قد لا تكون متناسقة. كما أن القدرة على توظيف أكثر من نظرية لدراسة الظاهرة نفسها مستوى يصعب الوصول إليه. لذا فإن استخدام التعدد المنهجي يتطلب تدريبا أعلى للباحثين ومستوى وقدرات بحثية أكبر.
    ولا يفوتنا هنا أن نقر بأن طبيعة الظاهرة أو المشكلة التي يدرسها الباحث قد تحدد إلى حد كبير المنهج المستخدم وأدوات جمع البيانات التي يمكن توظيفها. ومع ذلك يبقى التعدد المنهجي مطلباً من المفروض أن يسعى الباحثون إلى تحقيقه متى ما كان ذلك متاحاً.

    الهوامش:
    (1) قام الدامغ (AL-Damigh 1992) بإجراء دراسة على عينة من الأخصائيين الاجتماعيين الإكلينيكيين في ولاية إلينوي في الولايات المتحدة الأمريكية لمعرفة اتجاهات الرأي لديهم نحو الكحولية alcoholism. ولقد قام بتوظيف ثلاث نماذج نظرية رئيسية في حقل إدمان الكحول وهي أولا: النموذج المرضي the disease model: ثانيا: نموذج التحكم بالشرب the controlled drinking model: ثالثا: النموذج متعدد الأبعاد the multivariate model.
    وعلى الرغم من أن الباحث قام بتصميم استمارة بحث questionnaire احتوت على 40 عبارة ممثلة لهذه النماذج النظرية، إلا أنه في مرحلة التحليل الإحصائي وتفسير النتائج اضطر إلى استبعاد النموذج متعدد الأبعاد وذلك لاشتراكه مع النموذجين النظريين الأخريين في كثير من الفرضيات.
    وبالرغم من أن هذا يعتبر نقطة ضعف في الدراسة إلا أنه- وهو ما يعنينا في هذا البحث- يعكس مدى صعوبة توظيف نظريات متعددة في دراسة الظاهرة نفسها من ناحية ويمثل تدعيمها لوجهة نظر دنزن (Denzin 1989, 239) من ناحية أخرى.
    (2) قامت بنية الرشيد (1994) بإجراء دراسة على مجموعة من الفتيات المتخلفات عقليا ممن تتراوح أعمارهن ما بين 10-13 سنة وتتراوح نسبة ذكائهن ما بين 50-70 درجة (المورون) والمقيمات إقامة داخلية في معهد التربية الفكرية للبنات في الرياض، وذلك بهدف تحديد أثر ممارسة خدمة الجماعة في إشباع بعض الحاجات النفسية والاجتماعية (الحاجة للإنتماء والتقبل والإستقلالية) للأطفال المتخلفين عقليا. وقد عمدت الباحثة إلى استخدام المنهج التجريبي وقامت بإجراء تجربة قبلية بعدية باستخدام مجموعة واحدة the one group pretest-posttest design وهو من التصاميم التي تندرج تحت تصاميم البحث شبه التجريبية (Campbell and Stanley 1963, pre-experimental designs). كما قامت باستخدام مجموعة من أدوات جمع البيانات وهي كما يلي: (1) مقياس الحاجة إلى الاستقلالية (2) الملاحظة (الملاحظة البسيطة) (3) الاختبارات السوسيومترية.
    وكما هو ملاحظ فلقد قامت الباحثة بما يلي: أولا، استخدمت المنهج الكمي (التجربة القبلية البعدية باستخدام مجموعة واحدة ومقياس الحاجة إلى الاستقلالية والاختبارات السيسيومترية) وكذلك المنهج الكيفي (الملاحظة البسيطة). ثانيا: استخدمت أكثر من منهج داخل إطار المنهج الكمي، فقد قامت باستخدام المنهج التجريبي والمنهج غير التجريبي. ثالثا: استخدمت أكثر من أداة من أدوات جمع البيانات. وهذه الدراسة وبالرغم من أوجه القصور الموجودة فيها والمرتبطة جزئيا باستخدامها للمنهج التجريبي، أن هناك العديد من النقاط والمرتبطة بالصدق الداخلي internal validity والصدق الخارجي external validity والتي لم يتم التحكم فيها والتي لا يتسع المجال لذكرها بالتفصيل، إلا أنها تعبر وبشكل جيد عن إمكانية توظيف (وليس التوظيف الأمثل) للتعدد المنهجي في دراسة واحدة.
    (3) قام ساندز (Sands 1990) بإجراء دراسة استخدم فيها المنهج الإثنوجرافي ethnography في إحدى المؤسسات التي تتولى دراسة وتقويم حالات الأطفال المعرضين للإضطرابات العقلية، والتي تضم متخصصين مهنيين من مجالات وحقول مختلفة، وذلك بهدف التعرف إلى الطريقة التي يتواصل ويتعامل بها المتخصصون في حقول مختلفة مع بعضهم. واستخدم الباحث مجموعة من أدوات جمع البيانات من ضمنها الملاحظة بالمشاركة، والتي وظف من خلالها تعدد الملاحظين. فقد قام الباحث نفسه مع اثنين من طلبة الدراسات العليا بحضور الاجتماعات النصف أسبوعية التي أجريت لخمس حالات بهدف تقويمها. وجلس هو مع الملاحظين الآخرين خلف المتخصصين المهنيين من مجالات مختلفة خلال الاجتماعات ورصدوا الطريقة التي يتعاملون بها مع بعضهم (Sands 1990, 119). وتعبر هذه الدراسة عن تعدد الملاحظين، إذ قام ثلاثة باحثين بعملية الملاحظة في الوقت نفسه.
    (4) قام شرف الدين الملك (1993) بإجراء دراسته حول طبيعة التعرض لحوادث السرقة في المملكة العربية السعودية. وكان هدف البحث هو تحديد دور ضحايا السرقة في وقوع الحوادث، وكذلك تحديد بعض الخصائص الشخصية والاجتماعية الثابتة لدى المجني عليه. وقد استخدم الباحث مصادر بيانات متعددة فلجأ إلى الآتي:
    1- الفئة الأولى مكونة من سجلات 240 من الذكور من ضحايا حوادث سرقة توجد عنهم معلومات لدى أقسام الشرطة المختلفة في مدينة الرياض.
    2- الفئة الثانية مكونة من 240 من أرباب أسر سعوديين يسكنون قرب مسكن المجني عليه، بحيث يكون بين كل مسكن وآخر خمسة مساكن لا يدخلها الباحثون.
    3- الفئة الثالثة مكونة من 240 طالبا ثانويا من مدارس قريبة من منزل المجني عليه.
    4- الفئة الرابعة مكونة من 240 من ملاك المحلات التجارية المجاورة لمنزل المجني عليه تم اختيارها بالطريقة نفسها التي تم بها اختيار منازل أرباب الأسر.
    5- الفئة الخامسة مكونة من 240 من الذكور يختارون من مساجد قريبة من منزل المجني عليه.
    وكما هو ملاحظ، فقد لجأ شرف الدين الملك (1993) إلى مصادر عدة من مصادر البيانات. فالفئة الأولى من عينته كانت عبارة عن الوثائق والسجلات الموجودة لدى الشرطة. أما بقية الفئات فهي لأفراد يمثلون شرائح مختلفة من شرائح المجتمع. وهو باستخدامه مصادر متنوعة لدراسة ظاهرة السرقة، حصل على معلومات قيمة عن الظاهرة ونظر إليها كذلك من زوايا مختلفة.

    المصادر العربية

    رجب، ابراهيم
    1991 أ "المنهج العلمي للبحث من وجهة إسلامية في نطاق العلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية" بحث مقدم إلى ندوة التأصل الإسلامي للخدمة الاجتماعية. القاهرة. 10-13، أغسطس المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
    رجب، إبراهيم
    1991 ب "مداخل التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية (مع اهتمام خاص بمهن المساعدة الإنسانية)" بحث مقدم إلى ندوة التأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية. القاهرة. 10-13، أغسطس المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

    العبيدي، إبراهيم
    1989 "دور النظريات الاجتماعية في أبحاث الشيخوخة" العصور (4) 347، 359.

    أركان، أونجيل
    1983 أساليب البحث العلمي: دراسة مفاهيم البحث لأخصائي العلوم الاجتماعية. ترجمة حسن ياسين ومحمد نجيب. الرياض: معهد الإدارة العامة.

    أحمد، بدر
    1978 أصول البحث العلمي ومناهجه. الكويت: وكالة المطبوعات.

    الرشيد، بنيه
    1994 أثر ممارسة خدمة الجماعة في إشباع بعض الاحتياجات النفسية الاجتماعية للأطفال المتخلفين عقلياً: دراسة تجريبية بمعهد التربية الفكرية للبنات بالرياض. رسالة ماجستير غير منشورة (الرياض: جامعة الملك سعود).


    الدامغ، سامي
    1993 الثورة العلمية في العلوم الاجتماعية: بين الجوانب النظرية والتطبيقية. المؤتمر السابع للخدمة الاجتماعية. القاهرة: دامعة حلوان.
    الدامغ، سامي
    1994 "تصميمات النسق المفرد". مجلة العلوم الاجتماعية، العدد (1) ربيع، 243-271.

    حسن، عبد الباسط
    1980 البحث في الخدمة الاجتماعية. القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر.

    عبد الباسط، عبد المعطي
    1990 البحث الاجتماعي: محاولة نحو رؤية نقدية لمنهجه وأبعاده. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.

    الجوهري، محمد، والحريجي، عبدالله
    1978 طرق البحث الاجتماعي. القاهرة: مطبعة المجد.

    الملك، شرف الدين
    1993 طبيعة التعرض للحوادث في المملكة العربية السعودية. الرياض، مركز أبحاث مكافحة الجريمة بوزارة الداخلية.

    مان، ميشيل
    1994 موسوعة العلوم الاجتماعية. ترجمة عادل مختار الهراوي وسعد عبدالعزيز مصلوح. الكويت، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع.

    الهمالي، عبدالله
    1988 أسلوب البحث الاجتماعي وتقنياته. منشورات جامعة قار يونس، بنغازي.
















    المصادر الأجنبية

    Al -Damigh, S.
    1992 Attitudes of Clinical Social Workers Towards Alcoholism. Unpublished Doctoral Thesis. Urbana-Champaign; II: University of llinois.

    Al –Jasir, A.
    1995 "Qualitative-Quantitative Debate" Social Work Journal 399 (13) January. 1-20.

    Bloom, M. & Fischer, J.
    1982 Evaluating Practice: Guidelines For The Accountable Professional. Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.

    DAbbs, J.
    1982 Making Things Visible. In J. Van Maanen, J. Dabbs et al (Eds.). Varieties of Qualitative Research. Beverly Hills, CA: Sage Publications.

    Denzin, N. K.
    1989 The Research Act. Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.

    Epstein, I.
    1985 Quantitative and Qualitative Methods. In R. Grinnel (Ed.). Social Work Research and Evaluation. Itasca, II: F. E. Peacock Publishers.

    Fielding, N. & Fielding, J.
    1986 Linking Data. Newburg, CA: Sage Publications.

    Isaac, S. & Michael, W.
    1989 Handbook in Research and Evaluation> San Diego, Ca: Edits Publishers.

    Lincoln, Y. & Guba, E
    1985 Naturalistic Inquiry. Beverly Hills, CA: Sage Publications.
    Malcolm, P.
    1991 Modern Social Work Theory: A Critical Introduction. London: The Macmillan Press LTD.

    Nachmias, D. & Nachmias, C.
    1987 Research Methods in the Social Sciences. New York: St. Martin's Press.

    Patton, M. Q.
    1980 Qualitative Evaluation Methods. Beverly Hills, CA: Sage Publications.

    Powers, G. Meenaghan, T. et al.
    1985 Practice Focused Research: Integrating Human Service Practice and research.
    Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.

    Reichard, C. & Cook, T.
    1985 Qualitative and Quantitative Methods in Evaluation Research. Beverly Hills, CA: Sage Publications.

    Ruckdeschell, R.
    1985 Qualitative Research. Columbus, Ohio: Charls, E. Merill.
    1990 "Ethnographic Research: A qualitative Research Approach to Study of the Interdisciplinary Team" Social Work in Health Care 15 (1) (February) 115-129.

    Silverman, D.
    1985 Qualitative Methodology and Sociology: Describing the Social World. Brookfield, VT: Gower Publisher.

    Trader, H. P.
    1977 "Survival Strategies for Oppressed Minorities" Social Work 22: 10-13.

    Yegidis, B. & Weinbach, R.
    1991 Research Methods for Social Workers. White Plains, NY: Longman Publishing Group.
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏9 يناير 2008
  2. BOUREZG NOUAR

    BOUREZG NOUAR عضو جديد

    رد: التعدد المنهجي: أنواعه ومدى ملاءمته

    بارك الله فيكم على نشركم لهذا الموضوع الثري و المركز المفيد و الهادف فجزاكم الله على حسن الاختيار و و جزاكم الله على النشر
     
  3. dolifrp

    dolifrp عضو جديد

    رد: التعدد المنهجي: أنواعه ومدى ملاءمته

    جزاك الله خيرا سيدي
    ممتع جدا ان تزيدني مما علمت
     
  4. faido

    faido مشرف منتدى علوم الإعلام والإتصال

    رد: التعدد المنهجي: أنواعه ومدى ملاءمته

    اللهم وفقه لخدمة دينك وأعنه على فعل الخير وسدد بالحق طريقه وألهمه رشده إنك ولي ذلك والقادر عليه اللهم إن اعتز بك فلن يذل، وإن اهتدى بك فلن يضل، وإن استكثر بك فلن يقل،
    وإن استقوى بك فلن يضعف، وإن استغنى بك فلن يفتقر ، وإن استنصر بك فلن يخذل،
    وإن استعان بك فلن يغلب، وإن توكل عليك فلن يخيب، وإن جعلك ملاذه فلن يضيع،
    وإن اعتصم بك فقد هُدي إلى صراط مستقيم، اللهم فكن له وليا ونصيرا،
    وكن له معينا ومجيرا وارزقه الإخلاص وتقبل منه يا أكرم الأكرمين
    لا إلــــه إلا الله محمد رسول الله
     
  5. soumiadidin

    soumiadidin عضو جديد

    رد: التعدد المنهجي: أنواعه ومدى ملاءمته

    موضوع رائع ومعلومات حديثة بارك الله فيك اود يا استاد ان تزودنا بمثل هذه المواضيع القيمة و هذا الاسلوب العلمي
    املي اللقاء بك في مواضيع مماثلة قريبا