الاقتصاد الاسلامي ( مدكرة تخرج )

inconnu_007

مشرفة منتدى العلوم الإقتصادية
الفصل الاول
مدخل للدراسات المالية
في الاقتصاد الإسلامي



ينطوي الإسلام كنظام شامل للحياة على تنظيمات قاعدية للحياة في كافة جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وله سياساته الاقتصادية التي تتفق مع الإطار العام لنظامه الاقتصادي المتميز. وتقوم السياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي، ومنها السياسة المالية، على المعلومات التي يقدمها علم الاقتصاد الإسلامي، وإلى جانب ذلك فإنها تعكس جوانب غير اقتصادية كالقيم الاجتماعية والحقائق السياسية للحياة، وتتفق مع نظام المجتمع، وتأخذ في اعتبارها المفاهيم والإجراءات الشرعية التي تسهر الدولة على فرض احترامها.
ولذ لك تتطلب طبيعة هذا البحث ضرورة التطرق إلى بعض العناصر الأساسية في الاقتصاد الإسلامي قبل تحليل وظائف السياسة المالية.
ولعل أهم ما يندرج نحو ذلك، التطرق إلى تعريف الاقتصاد الإسلامي وخصائصه وهيكله العام، والدور الذي يرسمه للدولة، والأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي يتبناها، والسياسة الاقتصادية التي يضعها، ودور السياسة المالية في تحقيق أهدافها من خلال مختلف أدواتها.
وسوف نتناول ذلك من خلال العناصر التالية :
- ماهية الاقتصاد الإسلامي .
- دور الدولة وأهدافها في الاقتصاد الإسلامي .
- علاقة السياسة المالية بالسياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي .










المبحث الأول
ماهية الاقتصاد الإسلامي
إنّ لكل اقتصاد خصائصه الأساسية التي يتميز بها عن غيره من الاقتصاديات الأخرى، وينفرد الاقتصاد الإسلامي بخصائص ومقوّمات توازن بين القيم الأخلاقية والقيم المادية المؤثرة في السلوك البشري في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي.
ويتكون الإطار الهيكلي للاقتصاد الإسلامي من عدد من المرتكزات الأساسية كنظام الملكية، والحرية الاقتصادية، والتكافل الاجتماعي، يتحددّ وفقا لها محتواه المذهبي.
وهو ما سوف نتناول من خلال التطرق إلى العناصر التالية :
- طبيعة الاقتصاد الإسلامي.
- الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي.
المطلب الأول : طبيعة الاقتصاد الإسلامي.
إن الطبيعة الذاتية للاقتصاد الإسلامي والغاية المستهدفة من البحث فيه تختلف تماما عن طبيعة الأنظمة الأخرى، ذلك أن الاقتصاد الإسلامي يستمّد أصوله من القرآن والسنة، ويبحث في المناهج الإسلامية التي تحقق العدالة، وهذا ما يميزه بجملة من الخصائص، فهو متطور من حيث نظرياته المستندة على اجتهادات العلماء، وثابت من حيث الأصول والمبادئ العامة.
الفرع الأول : تعريف الاقتصاد الإسلامي.
عرف الدكتور محمد عبد الله العربي، الاقتصاد الإسلامي بأنه: "مجموعة الأصول العامة الاقتصادية التي نستخرجها من القرآن الكريم والسنة النبوية، والبناء الاقتصادي الذي نقيمه على أساس تلك الأصول بحسب كل بيئة وكل عصر" ([1]).
ونخلص من ذلك أن الاقتصاد الإسلامي ذو وجهين: الأول ثابت وهو المذهب الاقتصادي الإسلامي، والثاني متغير وهو النظام الاقتصادي الإسلامي.
أولا: المذهب الاقتصادي الإسلامي.

يتضح من التعريف السابق أن المذهب هو مجموعة الأصول العامة التي نستخرجها من القرآن والسنة، أي مجموعة المبادئ العامة التي وردت في القرآن والسنة والمتعلقة بشؤون الاقتصاد ومنها([2]):

- أن المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، وذلك لقوله تعالى:" وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه "([3]).
- ضمان حد الكفاية لكل فرد في المجتمع، وذلك في قوله تعالى: " في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " ([4]).
- تحقيق العدالة الاجتماعية وحفظ التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع، وذلك في قوله تعالى: " كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" ([5]).
- احترام الملكية الخاصة، في قوله تعالى: " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن" ([6]) .
- الحرية الاقتصادية المقيدة وذلك بمنع مختلف أوجه النشاط الاقتصادي التي تتضمن ربا أو احتكار أو استغلال، لقوله عز وجل: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" ([7]) .
- التنمية الاقتصادية الشاملة أي التكليف بعمارة الأرض، وذلك لقوله تعالى: " هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها " ([8]).
- ترشيد الاستهلاك والإنفاق والنهي عن التبذير، لقوله تعالى: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " ([9]) .
- حرمة الربا وحلية البيع، وذلك لقوله تعالى : " وأحل الله البيع وحرم الربا" ([10]).
ويستمد من هذه الأصول قوانين اقتصادية تتصف بكونها يقينية وليست احتمالية، دقيقة وليست نسبية، شاملة وليست جزئية، ومن ثم فان قوانين الاقتصاد الإسلامي لا تغيرها نزعات النفس ولا أهواء الحكام ...([11]).
ثانيا : النظام الاقتصادي الإسلامي.

وقد عرف النظام الاقتصادي الإسلامي بأنه البناء الاقتصادي الذي نقيمه على أساس المذهب الاقتصادي الإسلامي بحسب كل بيئة وكل عصر، ووفق ذلك فإن النظام الاقتصادي الإسلامي هو نظام مرن يتغير بحسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعترض سبيل المجتمع في مختلف العصور والأمكنة، فهو أداة إيجابية لمواجهة المشكلات التي تعترض سبيل المجتمع مثل([12]):
- بيان حد الكفاية أي المستوى اللائق للمعيشة، والذي تلتزم الدولة بتوفيره لكل مواطن فيها متى عجز أن يوفره بنفسه.
- إجراءات تحقيق عدالة التوزيع و حفظ التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع.
- إجراءات تحقيق كفاية الإنتاج والتخطيط الاقتصادي ومتابعة تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية.
- بيان نطاق الملكية العامة ومدى تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.
- بيان العمليات التي توصف بأنها ربا.
إلى آخر ذلك مما يتسع فيه مجال الاجتهاد وتتعدد فيه صور التطبيق، بحسب ظروف كل مجتمع، ونعبر عنه على المستوى النظري أو الفكري باصطلاح النظام الاقتصادي الإسلامي، وعلى المستوى العملي أو التطبيقي باصطلاح النظرية الاقتصادية الإسلامية، وهذه النظريات أو التطبيقات هي من عمل المجتهدين في الاقتصاد الإسلامي.
الفرع الثاني: خصائص الاقتصاد الإسلامي.
ينفرد الاقتصاد الإسلامي بجملة من الخصائص التي تميزه عن الاقتصاد الغربي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي ومنها:
أولا : ربانية المصدر والهدف.

يعد الإطار الديني هو الإطار الشامل لكل الأنظمة في الإسلام، في كل شعبة من شعب الحياة حين يعالجها الإسلام يمزج بينها وبين الدين، ويصوغها في إطار من الصلة الدينية للإنسان بخالقه، وهذا الإطار هو الذي يجعل النظام الاقتصادي الإسلامي قادرا على النجاح وضمان تحقيق المصالح الاجتماعية العامة للفرد، فكانت الخصيصة الأولى للاقتصاد الإسلامي أن مصدره إلهي([13]).



ويهدف الاقتصاد الإسلامي إلى سد حاجات الفرد والمجتمع الدنيوية طبقا لشرع الله تعالى الذي استخلف الإنسان في التصرف في المال والانتفاع به، فالفرد يدرك أن المال مال الله فيكون إرضاء مالك المال هدفا يسعى إليه الفرد في نشاطه الاقتصادي([14]).
ومن ثم فإن كل نشاط مادي يؤديه الفرد يتحول إلى نشاط ذو طابع تعبدي يثاب عليه عندما يبتغي بعمله وجه الله وتخلص النية والقصد، فلا ينحصر سلوكه الاقتصادي في إطار النفع المادي بل يتعداه إلى الجانب الروحي، أي يوازي بين منافع الدنيا ومسؤوليات الأخرى([15]).
ثانيا: الرقابة المزدوجة.

ويخضع النشاط الاقتصادي في الاقتصاد الإسلامي إلى رقابتين، رقابة ذاتية في المقام الأول إلى جوار الرقابة الشرعية التي تمارسها السلطة العامة، فالرقابة الأولى هي أشد وأكثر فاعلية قائمة على الإيمان بالله والحساب في اليوم الأخر، فإذا تمكن الفرد من الإفلات من رقابة السلطة العامة، فإنه لن يستطيع الإفلات من رقابة الله، لأن ذلك في حد ذاته فيه أكبر ضمان لسلامة السلوك الاجتماعي وعدم انحراف النشاط الاقتصادي([16]).
ثالثا: التوازن بين الروحية والمادية.
يعني الاقتصاد الإسلامي بالأهداف الروحية كعنايته بالأهداف المادية وهذا امتداد للوسطية التي تميزه، فالدولة عند تحقيق التنمية الاقتصادية تعتمد على حصيلة الإيرادات العامة، ولذلك كان من الوظائف الاقتصادية لإيرادات الدولة جانب المصالح العامة، ويدخل في هذه المصالح كل نشاط اقتصادي يكون ضروريا للمجتمع، فحصيلة الزكاة مثلا تساعد على زيادة دخول الأفراد الذي يؤدي بدوره إلى زيادة استهلاكهم ما يدفع بحركة النشاط الإنتاجي.
وتبرز المقومات الروحية في الاقتصاد الإسلامي من خلال ثلاثة أصول، فتوفير الحرية لكافة أفراد المجتمع يكون من خلال مكافحة استرقاق الشعوب من أفكار الغرب والعمل على التخلص منه، كذلك بعث همم الأفراد ومواهب المروءة فيهم، والعمل على رعاية العقائد والتعاليم وتبصير الفرد بغايته من الحياة.
إن الحياة تقوم على أساس سعي دائب في سبيل العيش يدفع عجلة التقدم المادي والعمراني للبشرية مع توفر طهارة الروح، وبالتالي يسعى الاقتصاد الإسلامي إلى تحقيق الرفاهية المتوازنة بشقيها المادي والروحي([17]).




رابعا: التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة.
ينفرد الاقتصاد الإسلامي بموقفه المتميز بالتوفيق بين مصالح الفرد والجماعة، فهو إذ يعترف بحرية الفرد يضع لها الضوابط الكفيلة بدرء وقوع الأضرار على الجماعة، فإذا تعارضت المصلحتان فإنه يقدم مصلحة الجماعة على مصالح الفرد اعتمادا على القاعدة الشرعية بدفع الضرر الأعلى بالضرر الأدنى، فإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما([18]).
فمبادئ الاقتصاد الإسلامي تعترف بالحرية الفردية كما تعترف بالملكية الفردية، ولكن في إطار من الالتزامات والحدود الشرعية والأخلاقية التي تعمل على التوفيق والتوازن والتوسط مع الحقوق الجماعية ([19]).
خامسا: واقعية الاقتصاد الإسلامي.
إن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد واقعي في غاياته التي يرمي إلى تحقيقها، وفي الطريقة التي يتخذها لذلك، حيث يقيم مخططه الاقتصادي على أساس النظرية الواقعية، فحين يستهدف مثلا إيجاد التكافل العام في المجتمع فإنه لا يستند على أساليب التوجيه فحسب، إنما يسنده بضمان تشريعي يجعله ضروري التحقيق([20]).
سادسا: الاقتصاد الإسلامي جزء من كل.
ويعتبر الاقتصاد الإسلامي جزء من النظام الإسلامي الكامل، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لا ينفك عنه، وهو قائم على التوحيد والأخلاق...، وفي تقرير علاقات البشر أن الناس كافة متساوون مهما اختلفوا لونا وشعوبا وثروة([21]).
فهو يصور وجهة نظر الإسلام عن العدالة وطريقته في تنظيم الحياة الاقتصادية([22])، باعتباره جزء من نظام الإسلام الشامل يترابط ويتفاعل ويتكامل في تناسق وتوازن مع بقية الأجزاء المكونة للإسلام كدين ونظام حياة كامل([23]).





فيرتبط بالعقيدة التي هي مصدر التموين الروحي للمذهب ويتكون ضمن إطارها العام، كما يرتبط بمفاهيم الإسلام عن الكون والحياة، وبأن الكون مسخرا للإنسان وأن الحياة تقوم على عبادة الله واعمار الأرض([24]).
سابعا: عالمية الاقتصاد الإسلامي.
تناول الإسلام حياة البشر كافة في مختلف نواحيها روحية كانت أو مادية ولذلك لم يكن الاقتصاد الإسلامي مجرد مبادئ وقيم إسلامية، إنما هو تنظيم اجتماعي اقتصادي([25])، يقوم على مبادئ ذات طابع عالمي كل دولة تطبقها تعد نموذج لنظام اقتصادي إسلامي.
فالتجربة الماليزية قد ساهمت في دحض التناقض المزعوم بين الإسلام والتقدم العلمي، وتسير في تقدم مستمر مع الدول الأخرى، وما وقف الدين الإسلامي حجر عثرة في سبيل تطورها وازدهارها([26]).
المطلب الثاني: الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي.
يقصد بالهيكل العام للاقتصاد الإسلامي تلك الأركان الأساسية التي يقوم عليها، ويتكون منها بنيانه وهي: نظام الملكية، ونمط الحرية الاقتصادية وأداة التكافل الاجتماعي.
الفرع الأول: نظام الملكية.
يقر الاقتصاد الإسلامي بأشكال مختلفة من الملكية، فالأصل في نظام الملكية أنها ملكية استخلافية، خاصة كانت أو عامة، غير أن للملكية الخاصة أولويتها، وللملكية العامة وظيفتها، كما أن للملكية المشتركة مصدرها ومجالها وطبيعتها الخاصة.
ويعبر هذا التنوع عن تصميم مذهبي أصيل، قائم على أسس وقواعد فكرية معينة، وموضوع ضمن إطار خاص من القيم والمفاهيم تناقض الأسس والقيم التي قامت عليها الرأسمالية والاشتراكية([27]).
أولا: الملكية العامة.
أقر الإسلام الملكية العامة التي تعني اشتراك الناس جميعا في المصادر الهامة للثروة والمنافع التي تقوم عليها ضروريات الحياة، فلا يختص بها واحد دون سواه، بل للجميع حق الانتفاع، والملكية العامة مقيدة، فلا يملك الحاكم أن يوسع فيها على حساب الملكية الخاصة...لأن تصرفه مقيد بالمصلحة العامة([28]).



ويمكن أن نحدد مجالات الملكية العامة فيما يلي([29]):
- كل ما يمثل من الثروة الطبيعية ضرورة عامة لجميع أفراد المجتمع.
- كل ما لم يتدخل العمل الإنساني في تكوينه، بل هو من إيجاد وخلق الله -عز وجل- ويستفيد من نتاجه كافة أفراد المجتمع، كالمعادن والمناجم والغابات.
- كل ما يستدعي مصلحة الجماعة إبقاءه في مجال الملكية العامة خدمة للصالح العام، كالمرافق الأساسية ومصادر الطاقة والجسور والطرقات.
كما يقصد بالملكية العامة كل المرافق العامة التي تخصص لإشباع الحاجات العامة كالجامعات والمدارس والمستشفيات وغيرها، بالإضافة إلى المشاريع الاقتصادية التي تقيمها الدول وتهدف من خلالها إلى إشباع طلبات اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها.
وتؤدي الملكية العامة عدة وظائف تعود بالنفع على أفراد المجتمع منها: ضمان استفادة الجميع من مصادر الثروة العامة وضمان مصدر ثابت ومتجدد لتغطية النفقات العامة للدولة([30]).
ثانيا: الملكية الخاصة.

تعرف الملكية الخاصة في الاقتصاد الإسلامي بأنها حق شخصي لا يجوز التعرض له ما دام المالك يلتزم فيها بما هو مقرر شرعا، لأن ملكية الفرد هي استخلاف إلهي ومنحة ربانية تقوم حيث شرعها الله وتمتنع حيث منعها.
ومن فطرة الإنسان التي جبل عليها حرصه الشديد على التملك والرغبة في الحيازة، لذا فإن الملكية الخاصة ليست وظيفة اجتماعية لأن جعلها كذلك يتعارض مع كونها من الحقوق الفردية، إنما هي حق فردي ذو وظيفة اجتماعية واسعة.
وتتسع وظيفة الملكية الخاصة لتشمل ثلاثة أنواع من الوظائف هي: الوظيفة الشخصية لحق الملكية والعائلية والاجتماعية([31]).



ثالثا: الملكية المشتركة.
يقصد بالملكية المشتركة، الملكية الناشئة عن عملية وقف عين ما، والوقف هو إحدى الصيغ التي حث عليها المشرع الإسلامي وأقرها، لدعم الأفراد للجهات ذات النفع العام بغرض استمرارها في أداء وظائفها الاجتماعية، حيث يتم بمقتضى هذه الصيغة حبس بعض الأعيان على ملك الواقف أو الجهة والتصدق بمنافعها أو صرف هذه المنافع على من اشترط الواقف التصدق أو الصرف عليهم([32]).
يعني أنه يتم حبس المال عن الاستهلاك والتداول في سبيل المقاصد العامة، لتحقيق المصالح الدينية أو الخيرية أو العلمية التي تحتاج إلى أماكن مهيأة وإلى نفقة دائمة تخصص لها([33]).
والوقف هو من جنس التصرفات التي تتم بالإرادة المنفردة للواقف، دون اشتراط لقبول الموقوف عليه، وهو على نوعين وقف أهلي ووقف خيري، أما الأول فهو من كان الموقوف عليه شخصا أو أشخاصا سواء كانوا من أقارب الواقف أو من غيرهم، وأما الثاني فهو من كان الموقوف عليهم إحدى الجهات التي تنهض بأداء خدمة عامة كدور التعليم وغيرها.
وينقسم الوقف من حيث طبيعة الشيء الموقوف إلى: وقف عقار ووقف منقول ووقف عقار بما عليه من منقولات، وإلى وقف عين ووقف منفعة ووقف عين بمنافعها، ويعد مصدرا دائما ومستقرا لتمويل مستحقيه إن كانوا معينين وتمويل جهات النفع العام إن كان على جهة، ومما يعزز دور الوقف أنه لم يعين للوقف مصرفا كما في الزكاة، ولم تخصص منافعه لبلد الوقف ما أضفى عليه من المرونة والفاعلية في أداء دوره في المجتمع.
إن الكثير من المرافق العامة الخدمية الدينية والصحية والتعليمية والتأهيلية تكلف الدولة الكثير من النفقات التي يمكن للأوقاف الخيرية أن تنهض بأعبائها([34]).
حيث يؤدي الوقف دورا تمويليا هاما في مساندة جهود الدولة في مجال توفير الخدمات العامة، وتمويل المشاريع التنموية ودعم القطاعات الاجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى تعبئة موارد الدولة وتخفيف الضغط على الميزانية العامة للدولة، أما أهمية الوقف الاجتماعية فهي تتمثل في قدرته على إقامة آليات جديدة للتضامن الاجتماعي، تتسم بالكفاءة والاستمرارية ويدعم استقرار المجتمع من خلال برامج الاستثمار البشري وتوفير فرص العمل([35]).




([1]) محمد شوقي الفنجري، المذهب الاقتصادي الإسلامي. ط2، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ص31.

([2]) المرجع السابق، ص ص 31- 34.

([3]) سورة الحديد، الآية رقم 07.

([4]) سورة المعارج، الآيتان رقم 24 و 25.

([5]) سورة الحشر، الآية رقم 07.

([6]) سورة النساء، الآية رقم 32.

([7]) سورة النساء، الآية رقم 29.

([8]) سورة هود، الآية رقم 61.

([9]) سورة الفرقان، الآية رقم 67.

([10]) سورة البقرة، الآية رقم 274.

([11]) عيسى عبده، الاقتصاد في القرآن والسنة. القاهرة: دار المعارف، 1982، ص 27.

([12]) محمد شوقي الفنجري، مرجع سابق، ص ص35 - 36.

([13]) محمد باقر الصدر، اقتصادنا. ط2، بيروت: دار الكتاب اللبنانية، 1982، ص278.

([14]) أحمد علي السالوس، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة. الدوحة: مؤسسة الريان للطباعة والنشر،ج1، 1998، ص31.

([15]) أنور عبد الكريم، " الاقتصاد الإسلامي: مصطلحات ومفاهيم ". ندوة السياسة الاقتصادية في إطار النظام الإسلامي، سطيف، من 29 شوال - 6 ذو القعدة 1411هـ (14-20 ماي 1991م)، جدة: البنك الإسلامي للتنمية، 1991، ص53.

([16]) حسن صالح عناني، خصائص إسلامية في الاقتصاد. القاهرة: المعهد الدولي للبنوك والاقتصاد الإسلامي، (دون تاريخ)، ص 103.

([17]) عطية عبد الواحد، مبادئ الاقتصاد الإسلامي. القاهرة: دار النهضة العربية، 1995، ص84.

([18]) أنور عبد الكريم، مرجع سابق، ص 55.

([19]) حسن صالح عناني، مرجع سابق، ص 136.

([20]) محمد باقر الصدر، مرجع سابق، ص 266.

([21]) أنور الجندي، دراسات إسلامية معاصرة. بيروت: منشورات المكتبة العصرية، 1982، ص 3.

([22]) محمد باقر الصدر، ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي. تونس: مطبعة الطباعة الحديثة، (دون تاريخ)، ص 36.

([23]) عبد الحميد الغزالي، الإنسان أساس المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية. القاهرة: الرسالة للطباعة والنشر، (دون تاريخ)، ص 7.

([24]) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، مرجع سابق، ص ص 277 - 282.

([25]) محمد شوقي الفنجري، مرجع سابق، ص 26.

([26]) عطية عبد الواحد، مرجع سابق، ص 193.

([27]) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، مرجع سابق، ص 259.

([28]) صالح حميد العلي، عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي والنظم الاقتصادية المعاصرة. بيروت: اليمامة للطباعة والنشر، 2000، ص78.

([29]) عطية عبد الواحد، مرجع سابق، ص 39.

([30]) المرجع السابق، ص 44.

([31]) محمد صقر وعبد السلام العبادي ونور الدين تقي الدين، دور الاقتصاد الإسلامي في إحداث نهضة معاصرة. ط2، عمان: جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية، 1986، ص ص 27 - 46.

([32]) عطية عبد الحليم صقر، اقتصاديات الوقف. القاهرة: دار النهضة العربية، 1998، ص 6 وما بعدها.

([33]) فوزي عطوي، الاقتصاد والمال في التشريع الإسلامي والنظم الوضعية. بيروت: دار الفكر العربي، 1988، ص 73.

([34]) المرجع السابق، ص 6 وما بعدها.

([35]) كمال منصوري، استثمار الأوقاف وآثاره الاقتصادية والاجتماعية مع الإشارة لوضعية الأوقاف في الجزائر. (رسالة ماجستير غير منشورة، معهد العلوم الاقتصادية، الجزائر)، 2000/2001، ص 114.
 

inconnu_007

مشرفة منتدى العلوم الإقتصادية
رد: الاقتصاد الاسلامي ( مدكرة تخرج )

الفرع الثاني: الحرية الاقتصادية المقيدة.

إن حرية الأفراد في ممارسة نشاطهم الاقتصادي مقيدة وليست مطلقة، وهذه القيود لا تتعلق بتحديد ملكية الأفراد الخاصة أو وضع حد أقصى لها، إنما تتعلق بكيفية استعمالها بما لا يسيء بالصالح العام([1])، فيسمح للأفراد بممارسة حرياتهم على الصعيد الاقتصادي ضمن نطاق القيم والمثل التي تهذب الحرية وتصقلها.
والقيود التي تفرض على الحرية الاجتماعية في الحقل الاقتصادي على قسمين([2]):
أولا: قيود ذاتية.
وتتكون طبيعيا في ظل التربية الخاصة التي ينشئ الإسلام عليها الفرد، والإطارات الفكرية والروحية التي يصوغ الإسلام الشخصية ضمنها قوتها المعنوية، وتأثيرها الكبير على القيود الذاتية من الحرية الممنوحة لأفراد المجتمع دون أن يشعر الأفراد بسلب حرياتهم، لان تلك القيود نبع من واقعهم الروحي والفكري، والقيود الذاتية ليست تحديد للحرية إنما هي إنشاء للمحتوى الداخلي للفرد إنشاء معنويا صالحا.
ثانيا: قيود موضوعية.
وهي القيود التي تفرض على الفرد في المجتمع من خارج، أي بقوة الشرع، وتقوم هذه القيود على أنه لا حرية للفرد فيما نصت عليه الشريعة من ألوان النشاط التي تتعارض مع المثل والغايات التي يؤمن بها الإسلام.
الفرع الثالث: التكافل الاجتماعي.
لقد جعل الله التكافل الاجتماعي في مقدمة أعمال البر نظرا لما له من أهمية كبرى في حياة الأفراد وبالتالي في حياة الجماعة، حيث تصبح الملكية الفردية عبارة عن ملكية جماعية قائمة على الإحسان والتعاون([3])، والإسلام يقرر مبدأ التكافل في كل صوره وأشكاله، فهناك تكافل بين الفرد وذاته، من حيث أن يمتع نفسه في الحدود التي لا تفسد فطرتها، وأن يمنحها حقها من العمل والراحة فلا ينهكها ويضعفها، بل يمنحها حقوقها الشرعية.
وهناك تكافل بين الفرد وأسرته القريبة، وقيمة هذا التكافل أنه قوامها الذي يمسكها، ومن مظاهره التوارث المادي وهو وسيلة من وسائل تفتيت الثروة لئلا تتضخم تضخما يؤذي المجتمع، ولا يمكن لنا أن نتجاهل التكافل القائم بين الفرد والجماعة وبين الجماعة والفرد، فكل فرد مكلف بأن يرعى مصالح الجماعة ومسؤول عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كذلك الجماعة مسؤولة عن حماية الضعفاء ورعاية مصالحهم وصيانتها.
وهكذا يفرض الإسلام التكافل الاجتماعي في كل صوره وأشكاله، تمشيا مع نظرته الأساسية إلى وحدة الأهداف الكلية للفرد والجماعة، فيدع للفرد حريته الكاملة في الحدود التي لا تؤذيه ولا تأخذ على الجماعة الطريق، ويجعل للجماعة حقوقها ويكفلها لتسير الحياة في طريقها السوي وتصل إلى أهدافها العليا التي يخدمها الفرد وتخدمها الجماعة سواء([4]).
فالإسلام حين نادى بالتكافل الاجتماعي لم يتصوره مبدأ مجردا خاليا من أي مضمون، وإنما حدد هذا المضمون وبلوره في نظام متكامل للإنفاق يشمل الزكاة والصدقات، ومؤدى التكافل الاجتماعي أن تضمن الدولة لكل فرد فيها مستوى لائقا للمعيشة، بحيث إذا حال الفقر أو المرض أو الشيخوخة دون تحقيق هذا المستوى تكفلت الدولة عن طريق الزكاة بتحقيقه([5]).
والتكافل الاجتماعي هو التزام الأفراد بعضهم نحو بعض، بالتعاطف المعنوي والتعاطف المادي بحكم حق القرابة وحق الضيافة وحق الصدقة([6]).











المبحث الثاني
دور الدولة وأهدافها في الاقتصاد الإسلامي
إن الدولة في نظر الإسلام هي السلطة التي تقوم بحماية الحقوق الفردية ورعاية المصالح الجماعية، ومن هذه الوجهة نفهم أن للدولة دور تسعى من خلال أدائه إلى تحقيق أهداف معينة.
والدولة في الاقتصاد الإسلامي تؤدي دورها من حيث إقامة العدل الاجتماعي بالقضاء على الطبقية ومحاولة تقريب الفوارق، وذلك من خلال نظام الزكاة وغيره من الأنظمة المساعدة على تحقيق التكافل الاجتماعي، كما تضع الدولة مخططاتها الاقتصادية عن طريق أجهزتها المختصة بهدف تحقيق التنمية الشاملة، بالإضافة إلى توليها عمليات الرقابة على الأنشطة الاقتصادية.
وتهدف الدولة أيضا إلى تحقيق الضمان الاجتماعي، أي إيجاد المستوى اللائق من المعيشة لكل فرد لا يمكنه تحقيق ذلك الحد من الكفاية لسبب من الأسباب، وهذا الهدف بدوره يحقق هدفا آخر وهو التوازن بشقيه الاجتماعي والاقتصادي، كما تسعى الدول جاهدة لإقامة التنمية الشاملة والمتوازنة وكسر الحواجز المعيقة للنمو والتقدم.
وسوف نوضح دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من خلال تناول العناصر التالية:
- شرعية تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
- دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
- أهداف الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
المطلب الأول: شرعية تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
لقد فطر الإنسان على حب المال، إلا أن الانحراف في ممارسة الحرية الفردية عن حدود المنهج الإسلامي سوف يهدد مصالح المجتمع، وهذا يستلزم تدخل الدولة للحد من التجاوزات وضمان الحقوق الفردية والجماعية.
فالاقتصاد الإسلامي يقدم المبررات الخاصة لتدخل الدولة وضمانات ذلك وحدوده ومجالاته، وهو ما سوف نتناوله فيما يلي:




الفرع الأول: مبررات تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
تميل النظم الرأسمالية إلى إبقاء نفوذ الدولة خارج دائرة النشاط الاقتصادي كلما أمكن ذلك، وتتفق على وجود حد أدنى لتدخل الدولة في تنظيم حياة المجتمع وضمان استقراره بشكل عام، وهو الحد الذي يسمح بمزاولة الدولة لوظائفها التقليدية من حيث إقرار العدل وتوفير الأمن والحماية للمواطنين([7])، إلا أنه في إطار الاقتصاد الإسلامي، نجد من المبررات ما يوجب تدخل الدولة بما يتفق والمصلحة العامة للمجتمع، وأهم تلك المبررات ما يلي([8]):
أولا: تحقيق المقاصد الشرعية.
إن كل تصرف من تصرفات الفرد يجب أن يكون منسجما مع مقاصد الشريعة وأهدافها، فإذا كان العمل الذي قام به الفرد منافيا للمقاصد الشرعية، فعندئذ يعتبر هذا العمل ممنوعا لا لذاته ولكن لمنافاته لتلك المقاصد التي ترتبط بمصالح الناس، لهذا فقد جاءت قواعد كثيرة في الشريعة الإسلامية تؤكد على تقديم درء المفاسد على جلب المصالح.
فالإسلام يقرر حرية الفرد في ممارسة النشاط الاقتصادي ويحرص على الحرية كفطرة طبيعية للإنسان، كما يعترف بالملكية الخاصة ويؤكد على ضرورة حمايتها، إلا أنه يخضع هذه الحقوق والحريات للضوابط الشرعية التي تتفق والطبيعة الاستخلافية للبشر والوظيفة الاجتماعية للمال([9]).
ثانيا: حماية المصالح الجماعية.
لقد نصت الشريعة الإسلامية على كثير من الأحكام الجزئية حماية لمصلحة عامة، ومنها: مبدأ النزع الجبري للملكية لتحقيق مصلحة عامة، كانتزاع الأرض المجاورة للمسجد أو للطريق لتوسيعهما، كما أجازت الشريعة لولي الأمر أن يبيع الأموال المحتكرة جبرا عن أصحابها بسعر المثل حماية لمصلحة المستهلكين.
إن مفهوم المصالح الجماعية ليس جامدا ولا محددا بصورة ثابتة، لذلك فإن الدولة مكلفة بوضع القوانين والأحكام التي تستطيع من خلالها حماية المصالح الجماعية، ويجوز للدولة نزع الملكية الخاصة إلا لتحقيق مصلحة عامة ضرورية، وفي كل الحالات يتعين عليها إذا ما اضطرت لنزع ملكية خاصة تعويض أصحابها تعويضا عادلا([10]).




ثالثا: تدعيم المبادئ الأخلاقية.
تهدف المقاصد الشرعية إلى تحقيق المصالح الجماعية، لأن الشريعة ما جاءت بأحكامها إلا لإقرار المبادئ الأخلاقية ورعايتها وتدعيمها عن طريق القوة الإلزامية التي يتصف بها التشريع، حيث أن معظم المبادئ الشرعية الأساسية كالعدالة والإحسان وتحريم الاستغلال ما هي إلا مبادئ أخلاقية.
ورعاية لمثل هذه المبادئ، فإنه يمنع التشريع أي فعل ولو كان مباحا في الأصل، إذا كان يتضمن معنى الإضرار أو يهدف إليه.
الفرع الثاني: حدود وضمانات تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
إن تدخل الدولة محدود بتحقيق المصلحة العامة وبمقدار الحاجة التي تدعو إلى التدخل، كما يحتاج هذا التدخل إلى قدر كبير من الضمانات، حتى لا يؤدي تحقيق مصلحة أو درء مفسدة إلى إهدار المصالح الاجتماعية أو تسخيرها لخدمة السلطة.
أولا: حدود تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
تتدخل الدولة لحمل الأفراد على الاستجابة لتعاليم الإسلام إذا هم لم يستجيبوا لها بصفة تلقائية، وبالتالي فإن هذا التدخل يضيق ويتسع تبعا لمستوى السلوك الخلقي السائد في المجتمع ومدى التزامه تلقائيا بتعاليم الإسلام([11]).
وأهم المبادئ التي يجب أن تراعى في حالة تدخل الدولة، ما يلي([12]):
1- استهداف المصلحة العامة.
لابد أن تكون الغاية من تدخل الدولة هو المصلحة العامة، بحيث يترتب على عدم التدخل إلحاق الضرر بالمجتمع، وإذا كان التدخل مشروطا بحالة وجود الحاجة إلى دفع مفسدة أو جلب مصلحة، فإن انعدام هذه الحاجة أو الضرورة يمنع الدولة من التدخل.
2- حصر التدخل بمقدار الحاجة.
يكون حجم التدخل بمقدار ما تدعو إليه الحاجة، فيكون التدخل غير مشروع إذا استهدف أموال الناس وحرياتهم وتجاوز حده وتعدى غايته، لذلك لابد من الاعتماد على لجان علمية متخصصة تقوم بدور الدراسة الواعية، فتضع الإطار الصحيح للعلاقات الاجتماعية وتحدد مواطن التجاوز.




3- عدم التعسف في التدخل.
لا يراد بالتعسف تجاوز الحق، فالتجاوز لا يعتبر مشروعا في الأساس، وإنما يراد في التعسف استعمال الحق الممنوح بطريقة خاطئة، وأهم مظهر لذلك وجود القصد السيئ، فالقصد السيئ ينقل الفعل من صفة الإباحة إلى صفة التحريم، فكل فعل مباح إذا قصد صاحبه إلحاق الضرر بالآخرين تحول إلى الممنوع.
4- وجوب التعويض عن الأضرار.
إن رعاية هذا المبدأ لحماية فئة من الناس لا يبرر إيقاع الضرر بفئة أخرى، لذلك يتوجب على الدولة أن تراعي مصالح الفئة التي قد تتضرر من جراء هذا التدخل، وفي هذه الحالة لابد لتحقيق العدالة من التعويض المادي والمعنوي على كل من لحقه الضرر.
ونستنتج أن حق الدولة في التدخل محدود، بما يضيق على الناس أو يضيع حقوقهم أو يسلبهم حرياتهم المشروعة، أو أن تنزع الملكية الخاصة لمجرد التسلط أو الانتقام([13]).
ثانيا: ضمانات تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
لابد من وضع الضمانات الكافية التي تكفل لنا عدم تجاوز التدخل أهدافه المشروعة، ومن أهم تلك الضمانات ما يلي([14]):
1- شرعية الحكم.
يشترط في السلطة التي يجوز لها التدخل في حريات الأفراد أن تكون سلطة شرعية، وعلة هذا الاشتراط أن السلطة الشرعية تملك أن تعبر عن مصالح الأمة، وأن تتخذ من الإجراءات والإصلاحات ما تراه محققا للمصلحة العامة، ولابد لهذه الصفة الشرعية للسلطة أن تنبثق عن الإرادة الشعبية المتمثلة في التزام المنهج الإسلامي في الاختيار.
2- خضوع الدولة للأحكام الشرعية.
بمعنى الالتزام بكل ما جاءت به الشريعة من القواعد والأحكام، وتملك الدولة الحرية التامة في وضع القواعد الكفيلة بتحقيق المصالح العامة بشرط ألا تتعارض هذه القواعد مع المبادئ الشرعية الثابتة...، ويعني خضوع الدولة لأحكام الشريعة تقليص دور الدولة في اتخاذ قرارات ذات صفة استبدادية، وإعطاء الأفراد الحق في الاحتكام في حالة النزاع إلى أحكام الشريعة، وإعطاء القضاء دورا أساسيا مستقلا في عملية الفصل بين المنازعات التي تنشأ بين الدولة والأفراد.


3- عدالة الحاكم.
لكي يكون تدخل الدولة بعيدا عن الأهواء والمصالح الشخصية يشترط في فعل الحاكم أن يكون عادلا، وهذا ضمان لابد منه لكي يشعر الناس بقدر من الاطمئنان إلى مصالحهم.
الفرع الثالث: أعباء الدولة ومجالات تدخلها في الاقتصاد الإسلامي.
لم تعد وظيفة الدولة تقتصر على حفظ الأمن الداخلي والخارجي، لأن الدولة بحكم إمكاناتها وبحكم صلاحيتها ومسؤولياتها مكلفة بالقيام بالأعمال التي يعجز عنها الأفراد، سواء من حيث تملك الثروات الطبيعية والنفطية والمعادن، أو من حيث إدارة عملية الاستثمار للفوائض النقدية والإشراف على القروض وما إلى ذلك، مما يتفق مع كونها السلطة الشرعية التي تقوم بالإشراف على تنظيم المجتمع عن طريق إقرار الحقوق ورعاية المصالح والدفاع عن هذا المجتمع وإقرار الأمن فيه.
ويمكن حصر مجالات تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي فيما يلي([15]):
أولا: الإشراف على الثروات الطبيعية.

لم يعد من الممكن أن تبقى الثروات الدفينة تحت إشراف الأفراد، لأن مثل هذه الثروات هي ملك خاص لجميع أفراد المجتمع، فإنه من واجب ومن أعباء الدولة المكلفة بحماية المصالح العامة أن ترعى وتصون تلك الثروات، وذلك بأن تصنع سياسة متكاملة تتناول فيها حجم إنتاج تلك الثروات، كالنفط أو الغاز أو الفوسفور...، وتستفيد من الفوائض النقدية في إيجاد مؤسسات إنتاجية تتناسب مع البنية الاجتماعية والطاقة البشرية، ولا أحد ينكر كبر المجال الذي تقوم فيه الدولة بالإشراف على الثروات الطبيعية من حيث اكتشافها واستخراجها وتصنيعها وتسويقها ثم استثمار قيمتها عن طريق رسم سياسة إنمائية شاملة.
ثانيا: المحافظة على الاستقرار المالي.
تستخدم الدولة وسائلها النقدية والمالية لتفادي التضخم من خلال إعادة النظر في عمل البنوك التجارية، حيث تضع قيود على ما يسمى: بخلق الائتمان، فخطر التوسع في الائتمان يضيق مداه عندما يلغى التعامل الربوي للبنوك، لأن خلق الائتمان هو خلق قوة شرائية غير حقيقية تمكن المصارف من الاستحواذ على طاقة مالية دونما وجه حق، مما يعيد توزيع الدخل من باقي أفراد المجتمع إلى الممولين، كما يجب على الدولة أن ترسم سياستها الخارجية على أساس تشجيع الصادرات والإنتاج البديل للواردات، وتتيح من السياسات الجمركية ما يحقق التوازن والقوة في ميزان المدفوعات([16]).



ثالثا: الإشراف على علاقات العمل.
تهدف الدولة من خلال إشرافها على العلاقات التي تنشأ بين العامل ورب العمل إلى إيجاد الحماية للعمال، من حيث تأمينهم ضد الأخطار الاجتماعية، وضمان الحد الأدنى من الأجور والحد الأعلى من ساعات العمل، وضمان التوقف عن العمل بسبب بطالة مفروضة أو عجز أو شيخوخة.
وترعى الدولة ظروف العمل، وتطمئن على عدم وجود احتكار للمنتجين يبخس العمال أجورهم وكذلك عدم وجود احتكار بيع العمل، بحيث تغالي النقابات في رفع الأجور دونما مراعاة لحالة السوق ولنمو إنتاجية العامل، كما لها أن تتدخل لإقرار أجر المثل في بعض الصناعات والمهن، وفي كل الحالات مطلوب من الدولة أن تسن من القوانين والتشريعات فيما يتعلق بتنظيم الإجازات والمكافآت السنوية، وما يكفل تحسين الظروف الصحية والثقافية والتدريبية والترفيهية للعمال([17]).
المطلب الثاني: دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
تعتبر الدولة مؤسسة أساسية في حفظ نمط الحياة الاجتماعية وتلعب دورها بجدية وحكمة ورؤية شاملة تنبثق من التصور الإسلامي للحياة، حيث تتولى المشاريع التي يعجز الخواص عن أدائها مثل إنشاء الهياكل القاعدية أو تولي عمليات استخراج النفط والمعادن، وذلك لقصور من الناحية المالية أو لأن الدولة بحكم ملكيتها العامة ومسئوليتها في خدمة الصالح العام تتولى مثل هذه الأدوار، وبالنظر إلى ذلك يمكن إبراز دور الدولة من خلال توضيح أهم الوظائف التي تسعى إلى تحقيقها في الاقتصاد الإسلامي.
الفرع الأول: إقامة العدل الاجتماعي.
إذا كان من الظلم الاجتماعي الذي يتنافى مع العدالة أن تطغى مطامح الفرد على الجماعة، فإنه من الظلم أيضا أن تطغى الجماعة على فطرة الفرد وطاقته، لأن تحطيم نشاط الفرد بتحطيم ميوله ونوازعه لا يقف أثره السيئ عند حرمان هذا الفرد ما هو حق له، بل يتجاوزه إلى حرمان الجماعة أن تنتفع بكامل طاقته.
فالعدالة في نظر الإسلام مساواة إنسانية ينظر فيها إلى تعادل جميع القيم مما فيها القيمة الاقتصادية البحتة، وترك المواهب بعد ذلك تعمل في الحدود التي لا تتعارض مع الأهداف العليا للحياة([18])، والدولة مسؤولة على إيجاد العدالة الاجتماعية، ومن أهم مظاهرها تحقيق الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي، لذلك شرعت النظم المالية في الإسلام من أجل تحقيقها([19]).



أولا: الضمان الاجتماعي.
يقصد بالضمان الاجتماعي، ضمان الحد اللائق لمعيشة كل فرد أو ما يعبر عنه باصطلاح "حد الكفاية" تمييزا له عن "حد الكفاف" الذي هو الحد الأدنى للمعيشة، والضمان الاجتماعي هو التزام من الدولة نحو مواطنيها بتقديم المساعدة للمحتاجين في الحالات الموجبة لذلك كمرض أو عجز أو شيخوخة متى لم يكن لهم دخل أو مورد يوفر لهم حد الكفاية.
ولم تقتصر الدعوة إلى الضمان الاجتماعي بكفالة المستوى اللائق لمعيشة كل فرد، إنما أنشئ لذلك مؤسسة مستقلة هي مؤسسة الزكاة أو بالتعبير الحديث مؤسسة الضمان الاجتماعي.
وإلى جانب الدور الرئيسي لمؤسسة الزكاة في ضمان حد الكفاية، فإنها توفر فرص العمل للقادرين عليه، وذلك بمنحهم رأسمال لإقامة مشاريع صغيرة أو تجارة أو صناعة، كما تمنح كل مولود عطاء يزيد كلما نما المولود([20]).
إن الزكاة هي الأداة الفعالة في توفير الضمان الاجتماعي، وتقع على الدولة مسؤولية ضمان حد الكفاية لكل فرد، سواء تحملتها بصورة مباشرة من ماليتها العامة أو بصورة غير مباشرة من خلال أنشطة الأفراد أو بصورة مشتركة من خلال التكافل الاجتماعي.
ولضمان حد الكفاية يتعين على الدولة القيام بالمهام التالية([21]):
1- جباية الزكاة.
حيث يتعين على الدولة تحصيل الزكاة من المكلفين بأدائها، وتوزيعها وفقا للمصارف الثمانية التي حددها الله تعالى.
2- التدخل في سوق العمل.
يكون هذا التدخل لغرضين أولهما محاربة البطالة وثانيهما إقرار الأجر العادل لخدمات العمل، وتتصدى الدولة لظاهرة البطالة بإعطاء القادرين على العمل من أموال الزكاة ما يمكنهم من الاكتساب، وبقضاء ديون الغارمين لحثهم على مواصلة الإنتاج والعمل والتوظيف المباشر في الأنشطة التي تقوم بها الدولة، وتوجيه السياسة الاستثمارية للدولة بما يحقق التنمية المتوازنة لمختلف الأنشطة لتنويع الهيكل الاقتصادي وتفادي موجات الكساد التي تجتاح نشاط معين، والعمل على تنمية العنصر البشري بالتعليم والتدريب.


أما بالنسبة لإقرار الأجر العادل، فالأصل أن يكون الأجر مناسبا ويضمن حد الكفاية، كما يسمح بالتفاوت بحسب المشقة والإنتاجية، وإذا اختلت مستويات الأجور، فإنه يتعين على الدولة أن تمنع الاستغلال، حيث تتولى سداد الفجوة بين أجر الفرد ومتطلبات حد الكفاية إذا لم تكن إنتاجية العامل بالقدر الذي يفي بالاحتياجات المعيشية.
3- توجيه الإنتاج وفقا لأولويات المصالح الاقتصادية.
يتعين على الدولة تحديد الإمكانات وتوجيه الموارد الاقتصادية بما يتفق وسلم أولويات المصالح، بحيث تأتي الضروريات قبل الحاجيات والحاجيات قبل التحسينات، ويتم هذا التوجيه بصورة مباشرة من قبل الدولة بتدخلها في دائرة الإنتاج، لملئ منطقة الفراغ التي يعجز عن شغلها الأفراد في ظل جهاز الثمن، كما يتم بصورة غير مباشرة بالتدخل لتحسين كفاءة جهاز الثمن في الوفاء بمتطلبات توفير حد الكفاية، وكذلك دورها في رفع مستوى الطلب الفعال من خلال إقرارها الأجر العادل واستخدام الزكاة والضرائب كأدوات لإعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء.
ثانيا: التوازن الاجتماعي.
تسعى الدولة جاهدة لإيجاد التوازن الاجتماعي بين الأفراد من خلال إقرار التوازن في الإنفاق عن طريق البعد عن الإسراف والتقتير والاعتدال والتوسط فيما بين ذلك، وكذلك من خلال التوازن في الحرية، وذلك بأن يكفل للأفراد الحرية في إدارة اقتصاد المجتمع، بحيث تكون هذه الحرية مقيدة بضوابط معينة منها: الوفاء بحقوق الفقراء، ومنع الاحتكار والاستغلال، فتكون حرية منضبطة تحقيقا للتوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، كما تكفل التوازن من ناحية الملكية بإقرار الملكية العامة والملكية الخاصة اللتين تعيدا التوازن الضروري لإصلاح حال المجتمع([22]).
وتهدف الدولة إلى منع تمركز الثروة والتقليل من التفاوت الاقتصادي بين أفراد المجتمع، وذلك من خلال نظام الإرث وتحصيل الزكاة وتوزيعها، وتوزيع الفائض من المواد الاستهلاكية بين أفرد المجتمع([23]).
وتستخدم الدولة أساليب عديدة هدفها إيجاد التوازن الاجتماعي الذي من خلاله يتحقق التوازن الاقتصادي، من بينها: الزكاة كأداة لإعادة توزيع الثروة والدخل على النحو الذي تستهدفه العدالة الاجتماعية، ومما يزيد من فعالية الزكاة أنها أداة مستمرة وقائمة بصورة دائمة، وتوفر للدولة حصيلة تمكن الاعتماد عليها في إقامة العدل الاجتماعي، وتسعى الدولة جاهدة إلى تقريب التفاوت بين الأفراد وإيجاد المساواة التامة في مجال الضروريات بالتوظيف على الأغنياء([24]).


إن بعد توفر المستوى الضروري لمعيشة كل فرد يسمح بأن يكون هناك تفاوت بين الأفراد، وهذا التفاوت يكون مقيد ومنضبط، يحول دون تراكم الثروة في أيدي فئة معينة، أي التسوية التي بموجبها أن يتساوى الناس في تهيئة الفرص، ونعلم أن المساواة التامة بين الأفراد من شأنها أن تؤدي لتجميد العملية الإنتاجية ويفقد النشاط الاقتصادي ككل غرضه، ولذلك فإن إقرار التفاوت يكون على أسس ومعايير مشروعة لا تقوم على الغش والاحتكار، والله -عز وجل- جعلنا درجات في الرزق ليتخذ بعضنا البعض سخريا.
والنتيجة المحققة من إقامة المساواة التامة بين الأفراد في حد الكفاية، وكذا التفاوت المنضبط من شأنه أن يحقق ويحفظ التوازن الاجتماعي ويمنع ظهور التقسيم الطبقي بين الأفراد على أساس الثروة والدخل([25]).
الفرع الثاني: الإشراف على أموال الزكاة.
الزكاة تنظيم اقتصادي واجتماعي تشرف عليه الدولة، ويتولاه جهاز إداري مستقل مجهز بفيض من التمويل المستمر، فهي أداة إعادة توزيع الدخل بصفة دورية حيث تمثل تيارا نقديا دائم التدفق بين من يملكون ومن لا يملكون، وبذلك فالزكاة تلعب دورا حيويا في تحسين القدرة الشرائية لمحدودي الدخل، وتساهم في تحقيق التضامن الاجتماعي مما يؤدي إلى تحقيق التوازن الاجتماعي([26]).
ويمكن للدولة أن تستخدم أسلوب النظم الضريبية من حيث ضبط الأموال التي تجب فيها الزكاة، وإيجاد الوسيلة الفعالة التي تستطيع الدولة أن تلجأ إليها لضمان الجباية العادلة، أما من حيث تطوير طرق توزيع أموال الزكاة، يمكن تقسيم من يستحقون أموال الزكاة إلى زمر متفاوتة من حيث الحاجة، كالعاجز الذي يستحق الإعالة الكاملة ويعطى مرتبا شهريا ثابت يتناسب مع حالته، وصاحب الدخل المحدود فيعطى مقدار ما يغطي نفقاته، أو تقديم قروض بدون فائدة أو إيجاد نوع من التأمينات الاجتماعية للذين لا يجدون عملا([27]).
والزكاة فريضة إلزامية يستوفيها ولي الأمر من المكلفين بها ويصرفها على المستحقين لها، ولا يقبل من أية دولة إسلامية إهمال الزكاة بدعوى تفويض الأفراد في ذلك، لأن تحصيلها هو من أهم مظاهر التزام الدولة، ولا بد من انفراد الزكاة بمؤسسة مستقلة مخصصة لأهداف الضمان الاجتماعي([28]).





ولا شك في أن قيام مؤسسة مستقلة للزكاة بنشاطها وأموالها والعاملين عليها من شأنه مساعدة الدولة في القضاء على الفقر وضمان حد الكفاية، لكي تفرغ بجهودها لمسئوليتيها الرئيسيتين ألا وهما: الحفاظ على الأمن الداخلي والخارجي ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية([29]).
وتستهدف الدولة من تحصيل الزكاة تعميم الأمن العام، لأن نجاح الزكاة في التقليل من التفاوت الطبقي من شأنه أن يخلق الطمأنينة ويخلص المجتمع من الاضطرابات الطبقية، والجرائم المالية بصفة خاصة([30])، لأن هدف الجباية بالنسبة للضرائب هو تمويل النفقات العامة للدولة أما الزكاة فإن مصارفها وردت على سبيل الحصر، وهي موكلة إلى الدولة تأخذها وتعاقب من يمتنع عن أدائها أو يتهرب منها أو يحاول إنقاصها، وللزكاة ميزة ضخمة عن أي أسلوب آخر لتحقيق الرعاية الاجتماعية وعدالة التوزيع، وهذا يرفع كل حرج عن إعطائها للدولة عادلة كانت أو ظالمة لأن في ذلك حماية اجتماعية وضمان لحقوق المستحقين لها([31]).
الفرع الثالث: التخطيط الاقتصادي.
يقصد بالتخطيط الاقتصادي أن تقوم الدولة عن طريق أجهزتها المختصة بوضع خطة للتنمية الاقتصادية لمدة محددة، وتتولى هذه الخطة تحديد الأهداف الاقتصادية التي تبغي الدولة تحقيقها خلال فترة محددة وبالطاقات البشرية والمادية اللازمة([32]).
ويعتبر التخطيط أسلوب لتجنيد كافة طاقات المجتمع وموارده المتاحة بغية تحقيق أهدافه بأقل تكاليف ممكنة، ويأخذ التخطيط شكل خطط مختلفة الآجال شاملة على برامج ومشروعات متكاملة في قطاعات النشاط الاقتصادي، والتخطيط إما أن يكون شاملا لكل قطاعات الاقتصاد أو يشمل قطاعا واحد، أو يكون عاما للدولة بأكملها، ومنها ما يكون إقليميا، ويختلف التخطيط أيضا من حيث إعداد الخطة وتنفيذها بين تخطيط مركزي تتولاه الدولة ممثلة في لجنتها العليا للتخطيط، أو تخطيط غير مركزي تتحدد أهدافه من قبل الدولة إلا أن برامجه تنبع من الهيئات والمؤسسات المختلفة، وتقوم الدولة بإعداد خطة محكمة تظم هذه البرامج([33]).





وإزاء تطور النشاط الاقتصادي فإن تدخل الدولة يرتفع اليوم إلى مرتبة التخطيط الاقتصادي الدقيق الذي هو من قبل المصلحة، وأصبح مطلبا شرعيا والتخطيط الشامل لا ينفي نشاط الفرد أو وجود القطاع الخاص، وإنما الاستعانة بالقطاع الخاص وفقا للخطة المرسومة لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية([34]).
إن مدى التوسع في التخطيط يتوقف على حسب الظروف القائمة، فإذا ما كان للقطاع الخاص نشاطا إيجابيا يرتاد مجال الصناعة والنشاطات المرغوبة فإن دور الدولة التخطيطي يضيق ليقتصر على التوجيه ووضع السياسات المساعدة، ولكن إذا ما تقوقع القطاع الخاص على نفسه وارتاد مجالات هامشية، توجب على الدولة أن تخطط برنامجا استثماريا يكفل تجهيز المجتمع بالصناعات الأساسية والإستراتيجية، وفي مثل هذه الحالة يكون للدولة قطاع عام نشط، مع مراعاة ألا يتجاوز التخطيط مداه ليقضي على الحوافز الفردية وحق الملكية الفردية([35]).
أولا: شروط الخطة الاقتصادية.
إن الإصلاح الاقتصادي وتنمية المستوى الاقتصادي والاجتماعي يبيح للمجتمع الأخذ بكل ما يفيده من تخطيط وأساليب تنفيذ ومتابعة ورقابة مادامت تحقق الشروط التالية([36]):
- مصلحة عامة المجتمع، وليس مصلحة جماعة معينة على حساب الآخرين.
- أن تكون مصلحة ثابتة وضرورية.
- أن لا يكون هناك أسلوب أفضل في تحقيق التنمية.
- أن يكون منسجما مع الأساليب الأخرى لتنظيم الحياة الإسلامية في مختلف جوانبها.
ثانيا: عناصر الخطة الاقتصادية.
يقوم التخطيط على أسس موضوعية قوامها الأرقام والإحصائيات، ويعتبر تدخل الدولة في العصر الحديث لوضع خططها مطلب شرعي، وواجب يستند إلى ضرورة العمل على النهوض باقتصاد الأمة، والتخطيط السليم يقوم على عناصر أهمها([37]):




- تحديد الأهداف القومية، لأن هذا يدفع إلى العمل بإخلاص في تنفيذ الخطة والتغلب على ما يعترضها من عقبات.
- تقدير احتياجات المجتمع، ويختلف ذلك من دولة إلى أخرى على حسب ما تقتضيه المصلحة.
- حصر الموارد المتاحة والطاقات البشرية والمادية بتعبئتها وتوجيهها إلى تنفيذ الخطة في أقل مدة وأقل تكلفة وجهد .
ثالثا: مبادئ الخطة في الإسلام.
تقوم مبادئ الخطة الاقتصادية في الإسلام على أساس التعاون بين جميع أفراد المجتمع في دعم اقتصادياته وفقا للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يجتازها المجتمع، وهذه المبادئ هي([38]):
- تحقيق أهداف التنمية في الاقتصاد الإسلامي والمتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
- الالتزام بأولويات التنمية في الاقتصاد الإسلامي مع البدء بالضروريات ثم الحاجيات فالتحسينات والتكميليات.
- إتباع أيسر الطرق وأفضلها لتحقيق أهداف الخطة الاقتصادية، وذلك من حيث السهولة وقلة التكاليف، وسرعة وضمان وتحقيق الأهداف ما أمكن مع التزام مبادئ الرشد الاقتصادي.
- التعاون بين الأفراد والدولة في حدود ما تسمح به كل منهما، ومن ذلك القيام بالاستثمارات الخاصة وتحقيق أهداف المجتمع من خلالهما.
الفرع الرابع: الرقابة على النشاط الاقتصادي.
تسعى الدولة في أداء دورها في الرقابة على النشاط الاقتصادي إلى منع العمل غير المشروع، وتقوم مؤسسة الحسبة بدورها الرقابي باعتبارها جهاز يهدف إلى رعاية تطبيق المبادئ الأخلاقية وذلك بقصد منع الإضرار بالناس، وهذه المبادئ هي قوانين التعامل الاقتصادي، وهي بمثابة أحكام تحدد سلوك الأطراف المتعاملة في السوق([39]).
أولا: القضاء على الاحتكار.
يؤدي وجود العناصر الاحتكارية في السوق إلى تضييق نطاق المنافسة وتقييد الإنتاج وخفض كفاءة التشغيل، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ناهيك عن تركيز الثروات والدخول([40]).



ويراد بالاحتكار حبس السلع التي يحتاج إليها الناس حتى يرتفع ثمنها وعندئذ تباع بربح كبير، ويشمل الاحتكار جميع المعاملات([41])، ومن حق الدولة التدخل للحد من حرية الأفراد في ممارستهم للنشاط الاقتصادي، لأن مصلحة الأمة تعرضت للخطر من قبل المحتكرين([42]).
وفي سبيل منع الاحتكار، يمكن للدولة أن تتدخل بوسائل شتى أهمها([43]):
- توجيه النصح والإرشاد للمتعاملين في السوق بالابتعاد عن كل ما يؤدي إلى الاحتكار.
- إجبار المحتكر على بيع سلعته بثمن المثل، إذا امتنع أرباب السلع عن بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة القيمة المعوضة.
- تشجيع الجلب إلى الأسواق وهو الأسلوب الفعال لمواجهة الضائقة بزيادة المعروض من السلع في المدى القصير، ولتيسير الجلب يتعين على ولي الأمر تمكين الجالبين من بلوغ السوق للعلم بأحوال البيع والشراء والتعرف على مستويات الأسعار السائدة، والجلب يقصد به الاستيراد ويشترط ألا يحط الجالبون السعر بما يضر أحوال عامة التجار والصناع.
- توسيع دائرة الإنتاج لكسر الاحتكار، وذلك بإجبار بعض العاملين في السوق على إنتاج ما هو ضروري لعامة الناس إذا ما افتقروا إليه وامتنع أهل الصنائع.
ثانيا: منع البيوع المنهي عنها.
لا يقتصر تدخل الدولة في السوق على التصدي لظاهرة الاحتكار درءا لمساوئه، وإنما يمتد هذا التدخل لمنع كافة البيوع المنهي عنها لما فيها من غبن وأضرار بمصالح الناس، وأهم هذه البيوع ما يلي([44]):
1- المعاملات الربوية.
تمنع في إطار الاقتصاد الإسلامي كافة المعاملات الربوية، وكافة صور توظيف الأموال التي تأخذ شكل إيداعات مصرفية أو إقراض نظير فائدة ثابتة معلومة مسبقا، ولا يقتصر التعامل الربوي على التكاسل عن الاستثمار والعمل وإنما يتطرق الأثر السلبي إلى مجال توظيف الأموال، فيتم تفضيل عمليات المضاربة وما يترتب عليها من إفساد القرار الاستثماري، أضف إلى هذا تأثير العامل الربوي على معدلات التضخم حيث تنقل أعباء الفائدة إلى المستهلك النهائي من خلال ارتفاع تكلفة الإنتاج وبالتالي أسعار السلع والخدمات، وخير دليل ما تعانيه الشعوب النامية من أزمات الديون الخارجية وتفاقم أعباء الفوائد واعادات الجدولة، وهذا راجع لخطورة التعاملات الربوية.
لذا فإنه يتعين على الدولة أن تتدخل لمنع التعامل الربوي، درءا لمفاسد هذا التعامل ما يقتضي إقرار البديل المشروع وتعميم النظام غير الربوي في المعاملات.
2- بيع الغرر.
تمنع كافة البيوع القائمة على الغش والتدليس والاستغلال في إطار الاقتصاد الإسلامي، وبيع الغرر هو بيع ما لا يقدر الإنسان على تسليمه فورا موجودا كان أو معدوما، والغرر في الأصل الخطر، وتحريم هذا النوع من البيوع ثابت بسنة الرسول-صلى الله عليه وسلم–، والحكمة من ذلك هي سد باب الخلافات والمنازعات التي تحدث بين المتعاملين([45]).
ثالثا: التسعير عند الضرورة.
إذا قررت الدولة تحديد الأسعار لمنع الاحتكار وجب أن يكون السعر عادلا لا يجحف بالبائع أو المبتاع، وأن يكون هذا التسعير علاج مؤقت وألا يقضي على المنافسة في السوق، على أن تكون هذه المنافسة خيرة، فالتسعير جائز بشرطين([46]):
- أن يكون التسعير فيما حاجته عامة لجميع الناس.
- ألا يكون سبب لغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب.
فمتى تحقق فيه الشرطان كان عدلا وضربا من ضروب الرعاية العامة، فمصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير فعلى الدولة أن تسعر عليهم فيما تحقق فيه الشرطان المتقدمان، وإذا قامت المصلحة العامة بدون التسعير، فلا حاجة له.
المطلب الثالث: أهداف الدولة في الاقتصاد الإسلامي.
تهدف الدولة من خلال تدخلها في الاقتصاد الإسلامي إلى تحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والتوزيع الكفء للموارد، والمحافظة على الحرية الاقتصادية وتوزيع أفضل للدخل، وتهدف الدولة جاهدة لإحداث التوازن الاقتصادي، من خلال تحقيق الكفاءة في عمليات إنتاج السلع والخدمات، وإحداث تغيير شامل يصيب موارد المجتمع المادية باتخاذ السياسات المناسبة لتحقيق النمو الاقتصادي.
وسوف نتناول هذه العناصر بالتحليل من خلال ما يلي:



الفرع الأول: إيجاد التوازن الاقتصادي.
يقصد بالتوازن الاقتصادي أن يتحقق توازن كلي أي تعادل العرض مع الطلب على مستوى الاقتصاد، وتوازن بين الناس بحصول كل فرد منهم على نصيب عادل من الدخل يتناسب مع جهده المبذول([47]).
وفي إطار الاقتصاد الإسلامي تتفاوت الدخول بسبب التفاوت في المواهب والقدرات ممثلة في العمل والملكية، فاغتناء الناس وتفاوتهم ورفع بعضهم فوق بعض في الدرجات يكون بقدر ما يبذلون من جهد وعمل، والتفاوت في الدخول والثروات أمرا طبيعيا وحافزا على الجد والعمل، ويشترط أن يكون منضبطا ومتوازنا بالقدر الذي لا يكون المال متداولا بين فئة قليلة من الناس أو أن تستأثر أقلية بخيرات المجتمع مما يفقده توازنه، خاصة والعالم اليوم يسعى جاهدا إلى ضرورة حفظ التوازن الاقتصادي([48]).
وتساهم الزكاة كفريضة مالية في توزيع الدخل والثروة، بالإضافة إلى الإرث الذي يجعل تفتيت الثروة مستمرا جيلا بعد جيل، كما يتحقق التوازن الاقتصادي بالتمسك بالمبادئ العامة للاقتصاد الإسلامي، وذلك بالابتعاد عن التعاملات الربوية لما فيها من استغلال للمحتاجين، ولظهور طبقة غير عاملة يأتيها دخلها دون أن تضيف طاقتها في العملية الإنتاجية.
وتسعى الدولة جاهدة لإحداث التوازن الاقتصادي من خلال تحقيق الكفاءة في عمليات إنتاج السلع والخدمات، بما يحول دون تبديد الموارد أو الإسراف في استخدامها، وبما يرفع من مستوى الإنتاجية تبعا لذلك، والتقويم الصحيح للعوائد التي تستحق لأصحاب عناصر الإنتاج دون شبهة الاستغلال([49]).
ومهمة الزكاة لا تقتصر على إقامة التكافل فحسب، بقدر ما توجد قوة شرائية جديدة في الاقتصاد فيزيد الاستهلاك وتنمو وسائل الإنتاج لمواجهة الطلب الجديد، وتزداد فرص العمل وبالتالي تقل معدلات البطالة، كما أن الحكمة في منع المعاملات الربوية ما فيها من استنزاف للثروات([50]).
فإذا كان النشاط الاقتصادي في ظل الاقتصاد الإسلامي يسعى إلى النفع المادي فهو لا يسعى إليه وحده ولا يستهدفه كفاية في حد ذاته، وإنما يعتبره وسيلة لغاية أكبر وهدف أسمى هو العمل على تحقيق الرفاهية والنفع العام لكل أفراد المجتمع، وبالتالي إيجاد التوازن الاقتصادي والتقارب الاجتماعي([51]).




وتستخدم الدولة في ظل الاقتصاد الإسلامي بعض الأساليب لحفظ التوازن الاقتصادي أهمها([52]):
- عدم السماح بتراكم الثروة والغنى إلا بعد ضمان حد الكفاية، فضلا عن عدم السماح بكنز المال أو حبسه عند التداول.
- عدم السماح باستئثار أقلية بخيرات المجتمع، لأن ذلك يتنافى والعدل ويقضي على الانسجام بين أفراد المجتمع.
- إعادة التوزيع عند افتقاد التوازن، كما فعل الرسول –صلى الله عليه و سلم- بفيء بني النضير عند اختلال المراكز بين المهاجرين والأنصار.
الفرع الثاني: تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة.
يتطلب تحديث الاقتصاد ملاءمة متطلبات التنمية الاقتصادية وزيادة الدخول الفردية الحقيقية في المجتمع، الإفادة من عناصر الإنتاج المتاحة بأفضل سبل الاستغلال الممكنة، وهو ما يعني أيضا اختيار الفن الإنتاجي الملائم.
هذا وتعد مشكلة نقل الفنون الإنتاجية عن الدول الغربية المتقدمة، من أهم المشاكل التي تواجه الإفادة من فنون الإنتاج هذه، وذلك لأن نقل واستخدام هذه الفنون يجب أن يتوافق مع المقدرة المحلية داخل الأقطار المنقولة إليها لاستيعاب فنون الإنتاج الحديثة، كما يتعين وضع إجراءات لعلاج ما يترتب على إتباع الفنون الحديثة من آثار سيئة([53]).
ويتطور ويتبلور مفهوم التنمية الاقتصادية في إحداث تغيير شامل يصيب موارد المجتمع المادية كما يصيب الفرد، وينعكس في مستوى الدخل القومي مثل: حسن استغلال الموارد وتشغيل وتوسيع الطاقات، وتحقيق العدالة في التوزيع([54]).
وتسعى الدولة من خلال تدخلها لتحقيق هذا الهدف إلى الاستخدام الأمثل للموارد الوطنية وحمايتها من سوء التوجيه، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي باتخاذ السياسات المناسبة للتقلبات الاقتصادية وتحقيق النمو الاقتصادي([55]).






ومن ضمن أهداف التنمية الشاملة والمتوازنة توفير الحاجات الأساسية والضرورية والتي هي من فروض الكفاية، وكلما ارتفعت الأمة في سلم الحضارة كلما اتسعت هذه الفروض الكفائية لتشمل رسم خطط الإنتاج والاستثمار والتوزيع والاستهلاك، كما تشمل وضع السياسات المالية والنقدية، والتنسيق بين هذه السياسات التي تكفل تحقيق النمو والاستقرار، وتجعل مسؤولية تحقيقها تقع مباشرة على الدولة([56]).
والتنمية في ظل الاقتصاد الإسلامي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي بل تمتد لتشمل مختلف جوانب الحياة، بما فيها تنمية الفرد تنمية أخلاقية تهدف إلى تكوين الإنسان الصالح، وتنمية هذا العنصر البشري لا تكون إلا بتوفر الإمكانيات المادية اللازمة كإنشاء المدارس والجامعات ومراكز البحث المهني والفني، وتوفير الوحدات العلاجية لبناء الجسم السليم القادر على تحمل مشاق إعمار الأرض، وإتباع المنهج السليم في تربية المجتمع وتقوية الوازع الديني فيهم.
أما التنمية التي تمس الجوانب المادية فتكون في إقامة البنية الأساسية والمرافق العامة، أو ما يسمى بالرأسمال الاجتماعي، وتبرز أهمية إقامة هذه المشروعات من ارتباطها بالمصالح العامة ولضرورتها لتيسير الحياة الاقتصادية.
وما يزيد من أهميتها عزوف الأفراد عن القيام بها لكبر تكلفتها، كما تمتلك الدولة موارد الثروة الطبيعية التي تستغلها في إقامة الصناعات الرئيسية والمغذية للأنشطة الإنتاجية والخدمية، وتكييف هذا الإنتاج على النحو الذي يتفق وأوليات المصالح الاقتصادية في التنمية والعدالة، وتسمح الدولة للأفراد باستصلاح الأراضي البور وتوفير فرص العمل لهم، كما تحثهم على الاستثمار من خلال ما تقره من سياسات نقدية ومالية من شأنها تهيئة المناخ المناسب لتوظيف الأموال، ومن ذلك أن تسمح بالتوسع في إنشاء البنوك والشركات القابضة التي تعمل في إطار الشريعة الإسلامية، وتتبع سياسة الإنفاق العام لرفع الطلب الفعال لتحفيز الأفراد على مزيد من الاستثمار والإنتاج([57]).





المبحث الثالث
علاقة السياسة المالية بالسياسة الاقتصادية
في الاقتصاد الإسلامي
هناك مجموعة واسعة من الأدوات والوسائل التي يمكن للسياسة الاقتصادية أن تستخدمها، شرط أن تكون هذه الوسائل منسجمة مع الأهداف العامة للسياسة الاقتصادية، وتعتبر السياسة المالية إحدى أهم وسائل السياسة الاقتصادية وترتبط بها ارتباطا وثيقا وتكمل دورها في إيجاد التوازن الاقتصادي.
وتقوم السياسة المالية بتأدية وظائف المحرك والمنظم والمعدل للتوازن الاقتصادي من خلال مختلف أدواتها، وسوف نتطرق إلى العلاقة الوظيفية بين السياستين الاقتصادية والمالية من خلال التعرض إلى مفهوم السياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي، ثم مكانة السياسة المالية وعلاقتها بالسياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي، وذلك من خلال العناصر التالية:
- ماهية السياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي.
- السياسة المالية كإحدى وسائل السياسة الاقتصادية.
المطلب الأول: ماهية السياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي.
يقصد بالسياسة الاقتصادية مجموع السياسات المتخذة من طرف الدولة والتي منها: السياسة المالية، والسياسة النقدية، ومختلف السياسات الأخرى التي تعتمدها الدولة في المجالات المختلفة كالإنتاج والتوزيع والأجور وغيرها.
الفرع الأول: مفهوم السياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي.
السياسة الاقتصادية هي أداة تستخدمها الحكومة لتحقيق أهداف النظام الاقتصادي، والسياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي تمثل جزءا من السياسة الشرعية فيما يتعلق بالنواحي الاقتصادية، بحيث تهدف إلى تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية لذلك عرفت بأنها: " الإجراءات والوسائل العملية التي تباشرها الدولة في تحقيق أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي، وحل المشكلات التي تواجه المجتمع " ([58]).
وتملك السياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي بعض الخصائص التي تميزها، منها([59]):
- أنها سياسة ثابتة، لأنها تقوم على الأصول الاقتصادية الثابتة وغير قابلة للتبديل في أي مرحلة تاريخية.
- أنها سياسة مرنة ومتطورة، لأنها تقوم بتطبيق الأصول والمبادئ الاقتصادية الإسلامية بما يتلاءم وظروف كل مجتمع، وذلك ضمن الإطار الذي تقبله النصوص الشرعية.
الفرع الثاني: أهداف السياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي.
يمكن تقسيم أهداف السياسة الاقتصادية إلى أهداف عامة تسعى جل الأنظمة الاقتصادية إلى تحقيقها، وأهداف خاصة بالاقتصاد الإسلامي.
أولا: الأهداف العامة.
تسعى الأنظمة الاقتصادية المختلفة إلى تحقيق الكفاءة الاقتصادية والوصول إلى التوظيف الكامل والعدالة في توزيع الدخل([60]).
1- تحقيق الكفاءة الاقتصادية.
على السياسة الاقتصادية العامة التي تتبعها الدولة أن تعمل على استخدام الموارد المتاحة بأفضل طريقة ممكنة، فإذا كانت مجموعة من الموارد المستخدمة تعطي حجما معينا من الإنتاج، فإن هذا الاستخدام لا يكون أكثر كفاءة لو أمكن عن طريق استخدام آخر بنفس القدر من الموارد الحصول على حجم أكبر من الإنتاج ولو بنفس الحجم، ومعنى ذلك أن معيار تحقيق الكفاءة الاقتصادية في استخدام مجموعة الموارد أي التخصيص الكفء للموارد يقتضي تحقيق أكبر حجم ممكن من الإنتاج.
2- تحقيق التوظف الكامل.
بدأ هذا الهدف يلقى اهتماما متزايدا بعد أزمة الكساد العالمي، فإذا زادت الأجور النقدية دون أن يقابلها الزيادة في إنتاجية العمل، فلابد وأن يتبع ذلك أما ارتفاعا في الأسعار وأما زيادة في نسبة البطالة، والسياسة الحكومية يجب أن يكون لها أثرا فعالا لتحديد مستوى العمالة ومن ثم مستويات الأجور والأسعار.
3- تحقيق العدالة في توزيع الدخل.
يقتضي تحقيق العدالة في توزيع الدخول تقليل التفاوت بين مستويات الدخل المختلفة، ويعتبر متوسط نصيب الفرد من السلع والخدمات الحقيقية مقياسا لمدى التقدم الاقتصادي في مستوى معيشة الأفراد وهذا هو هدف النمو الاقتصادي.
ثانيا: الأهداف الخاصة بالاقتصاد الإسلامي.
تتبنى السياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي الأهداف العامة السابقة، وتتميز بأهداف أخرى منها: الوصول في استعمال الموارد إلى حده الأقصى وتخفيض الفارق التوزيعي إلى حده الأدنى، والمحافظة على قواعد النشاط الاقتصادي ورعايتها([61]).
1- الوصول في استعمال الموارد الاقتصادية إلى حده الأقصى، وهذا ما يسمى عادة بهدف التنمية أو الاستخدام الكامل على الأمد الطويل، وهو يصل في النهاية إلى الاستخدام الكامل للموارد البشرية والطبيعية المتوفرة للجميع.
إن مسؤولية التنمية هذه تقع على عاتق الدولة لأسباب منها:
- أن الدولة مطالبة بضمان حد لائق للمعيشة لرعاياها والتنمية الاقتصادية ضرورية لهذا الضمان.
- إن الدولة مطالبة ببناء اقتصاد قوي يمكن المجتمع اتخاذ الموقف العقائدي دون أن يكون معرضا لضغوط اقتصادية من الخارج.
2- تخفيض الفارق التوزيعي إلى حده الأدنى، ويرتكز هذا الهدف على مبدأين: مبدأ المساواة ومبدأ كراهية تركز الثروة والدخل في أيدي فئة قليلة، وينبغي أن يفهم أن هذا الهدف غاية تسعى إليها السياسة الاقتصادية دائما...، فالسياسة الاقتصادية للدولة ينبغي أن تبنى على نظام دائم هو التقليل من الفوارق في التوزيع بين الأفراد، مستعملة في ذلك الوسائل النابعة من تركيب السوق في الاقتصاد الإسلامي.
3- مراعاة قواعد التعامل الاقتصادي ورعايتها، ذلك أن القيمة الأخلاقية تشكل الإطار العام للقيمة الاقتصادية، لذلك أقام الاقتصاد الإسلامي نظام الحسبة كجزء من مكونات النظام نفسه، حتى يكون رقيبا على مراعاة قواعد التعامل من جميع أطراف التعامل الاقتصادي.
إن سلطة هذه الرقابة قد تتوسع بحيث تشمل السعي لإيجاد تناسق بين سياسات الأفراد وقراراتهم الاقتصادية، وخاصة في قضايا وعلاقات العمل والإنتاج.
المطلب الثاني: السياسة المالية كإحدى وسائل السياسة الاقتصادية.
تعتبر السياسة المالية كوسيلة من الوسائل الرئيسية للسياسة الاقتصادية من حيث التغييرات التي يمكن إجراءها على إدارة النفقات العامة وإدارة الإيرادات العامة وإدارة المدفوعات التحويلية الناجمة عن ذلك، غير أن أية وسيلة تستعمل في السياسة الاقتصادية ينبغي أن تكون منسجمة مع الأهداف العامة لهذه السياسة.
وتحدث السياسة المالية باعتبارها وسيلة الدولة للتدخل في النشاط الاقتصادي آثارا على السياسة الاقتصادية من حيث إعادة تخصيص الموارد من القطاع الخاص إلى القطاع العام، وتغيير نمط توزيع الدخل، والتأثير على مستوى النشاط الاقتصادي العام.
كما تحقق السياسة المالية أهداف تتركز في تحقيق المستويات المرغوبة والمناسبة من الأسعار وتوظيف الموارد الإنتاجية، وعدالة توزيع الدخل، وهو ما سوف نتناوله من خلال العناصر الموالية:



الفرع الأول: أثر السياسة المالية على السياسة الاقتصادية.
من بين الآثار التي يمكن أن تحدثها السياسة المالية على السياسة الاقتصادية ما يلي([62]):
أولا: إعادة تخصيص الموارد من القطاع الخاص إلى القطاع العام.
يتطلب النشاط الاقتصادي الحكومي استخدام جزء من موارد المجتمع، فعند قيام الحكومة بتعبيد الطرق أو إقامة الأبنية العامة، فإنها تحتاج إلى موارد بشرية مما لو كان يمكن للقطاع الخاص أن يستخدمها في إنتاج سلع وخدمات استهلاكية، وكان يمكن للقطاع الخاص أيضا أن يستخدم هذه الموارد لتقديم خدمات بعض المرافق التي تديرها الدولة، ولكن من المؤكد أن الكميات التي تقدمها الدولة من تلك الخدمات تختلف اختلافا جوهريا عن تلك التي كان يمكن أن يقدمها القطاع الخاص، مما يبرر تحويل خدمات بعض الموارد إلى القطاع الحكومي.
ثانيا: تغيير نمط توزيع الدخل.
إن القيام بجباية الضرائب وانفاق حصيلتها يمكن أن يؤثر بطريقة مباشرة في توزيع القوة الشرائية، فبعض الانفاقات الحكومية مثل: التعويضات والمعاشات تمثل تحويلا مباشرا للقوة الشرائية لصالح المستفيدين.
وإن المدى الذي تنخفض به دخول بعض أفراد المجتمع حتى يمكن زيادة دخول أفراد آخرين، لابد أن يؤثر على النمط الإنتاجي والاستهلاكي للمجتمع، وسبب ذلك هو أن تفضيلات هؤلاء الذين ستزداد دخولهم ستختلف بالقطع عن تفضيلات أولئك الذين انخفضت دخولهم.
ثالثا: تغيير المستوى العام للنشاط الاقتصادي.
من المؤكد أن تأثير النشاط الحكومي على تخصيص الموارد وتوزيع الدخول والثروات سيؤدي إلى تغيير حجم الإنتاج ومستويات الأسعار، ويراقب المستثمر الخاص النشاط الحكومي من زاويتين:
الأولى: أن الدولة تنافسه في طلبه على الموارد المتاحة، وأنها تطالبه دائما بدفع ضرائب عن نشاطه الاقتصادي، وذلك لتحويل مختلف المشروعات التي تقوم بها، أي أنها تقوم بمنافسته في الحصول على الموارد الاقتصادية بأمواله التي تكون جزء من إيراداتها.
والثانية: هناك من ينظر إلى النشاط الحكومي بالنسبة لمشروعات المرافق العامة واهتمامها بتنمية مصادر الطاقة إلى أنه يساعد المنتجين في القيام بعملياتهم الاستثمارية، والتي تستفيد كثيرا من هذه المشروعات الحكومية، ومن ثم فإن قيامها بالاشتراك في تمويل النشاط الحكومي بدفع الضرائب المستحقة يعود عليهم بفوائد أكبر، لأنه ليس في مقدورهم القيام بهذه المشروعات الحكومية.
وهكذا نجد أنه في الحالتين لابد وأن يؤدي النشاط الحكومي إلى إحداث تغيرات واسعة في هيكل الإنتاج ومستويات الأسعار في المجتمع.
الفرع الثاني: أهداف السياسة المالية التي تخدم السياسة الاقتصادية.
تسعى السياسة المالية إلى تحقيق عدة أهداف مساعدة من شأنها دعم السياسة الاقتصادية ومنها([63]):
أولا: التوظيف الكامل لعناصر الإنتاج، وبالتالي استقرار الوضع الاجتماعي والسياسي للدولة.
ثانيا: المحافظة على قيمة النقود من خلال إجراءات مالية كالاعتماد على الموارد المحلية، ما يؤدي إلى استقرار الأسعار.
ثالثا: إعادة توزيع الدخل والثروة والعمل على زيادتها.
رابعا: تحقيق التنمية الاقتصادية بتشجيع القطاع الخاص وإعداد الخطط الملائمة.
خامسا: تكييف نمط الاستهلاك في المجتمع بتوفير الضروريات التي تكفل مستوى معيشي لائق للمواطنين.
وهذه الأهداف تخدم السياسة الاقتصادية من خلال التوسع في النفقات العامة، مثل النفقات التحويلية التي تؤدي لزيادة في الإعانات لذوي الدخول المحدودة أو العاطلين عن العمل، كما أن تخفيض الإيرادات الضريبية يبث قوة شرائية جديدة، لأن تخفيض الضرائب يزيد من صافي الدخل الفردي وبالتالي زيادة الإنفاق الاستهلاكي.
وقد تزيد الإيرادات الضريبية بهدف امتصاص القوة الشرائية للأفراد خاصة وقت التضخم، كما أن الحد من الائتمان المصرفي يؤثر على كمية النقود المعروضة وسعر الفائدة، وبالتالي حجم الاستثمار، ولا يخفى أن تخفيض أسعار السلع الأساسية أو تقديم الدعم للأنشطة الإنتاجية المخصصة لإنتاج السلع الأساسية يؤدي إلى تقليل الفجوة في الدخول بين الأغنياء والفقراء([64]).












خلاصة الفصل الأول.
يستخلص من الفصل الأول الذي عنوانه: مدخل للدراسات المالية في الاقتصاد الإسلامي ما يلي:
- يعرف الاقتصاد الإسلامي بأنه: مجموعة الأصول العامة الاقتصادية التي نستخرجها من القرآن الكريم والسنة النبوية، والبناء الاقتصادي الذي نقيمه على أساس تلك الأصول بحسب كل بيئة وكل عصر. ويتأسس بنيانه على مختلف أشكال الملكية كما يقيد نمط حرية الأفراد بما لا يسيء بالصالح العام، وينادي بالتكافل الاجتماعي في كل صوره وأشكاله بهدف ضمان المستوى اللائق للمعيشة.
- تتكفل الدولة بتحقيق حد الكفاية باعتبارها السلطة الشرعية التي تقوم بالإشراف على تنظيم المجتمع ورعاية المصالح الاجتماعية وتحقيق المقاصد الشرعية وحماية الحقوق الفردية، ويكون تدخلها مشروط بعدم التعسف وبوجود حاجة إلى دفع مفسدة أو جلب مصلحة، فضلا على ذلك تتولى الإشراف على الثروات الطبيعية التي لم يعد من الممكن أن تبقى تحت إشراف الأفراد، والمحافظة على الاستقرار المالي من خلال استخدام مختلف الوسائل النقدية والمالية لتفادي التضخم، وإشرافها من خلال استخدام مختلف الوسائل النقدية والمالية لتفادي التضخم، وإشرافها على علاقات العمل من حيث التأمين ضد الأخطار الاجتماعية ومراعاة ظروف العمل بمنع احتكار المنتجين وإقرار الأجر العادل.
- تقوم الدولة من خلال أجهزتها المختصة بالتخطيط الاقتصادي كأسلوب لتجنيد طاقات المجتمع وموارده المتاحة، كما تسعى في أداء دورها في الرقابة على النشاط الاقتصادي إلى منع العمل غير المشروع، كالقضاء على الاحتكار والمعاملات الربوية والتدخل للتسعير كإجراء مؤقت.
- تهدف الدولة في الاقتصاد الإسلامي إلى إيجاد التوازن الاقتصادي من خلال تحقيق الكفاءة في عمليات إنتاج السلع والخدمات بما يحول دون تبديد الموارد أو الإسراف في استخدامها، وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة بما فيها تنمية العنصر البشري وتوعيته.
- تعتبر السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي إحدى أهم وسائل السياسة الاقتصادية، وتقوم بتأدية وظائف المحرك والمنظم والمعدل للتوازن الاقتصادي من خلال مختلف أدواتها، كما تستخدم الدولة السياسة الاقتصادية لتحقيق أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي باعتبارها جزءا من السياسة الشرعية فيما يتعلق بالنواحي الاقتصادية.
- تهدف السياسة الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي إلى الوصول في استعمال الموارد الاقتصادية إلى حده الأقصى، الذي يصل في النهاية إلى الاستخدام الكامل للموارد البشرية والطبيعية المتوفرة، كذلك تخفيض الفارق التوزيعي إلى حده الأدنى ومراعاة قواعد التعامل الاقتصادي من خلال نظام الحسبة، والسعي لإيجاد تناسق بين سياسات الأفراد وقراراتهم الاقتصادية وخاصة في قضايا وعلاقات العمل والإنتاج.


- تحدث السياسة المالية باعتبارها وسيلة الدولة للتدخل في النشاط الاقتصادي آثارا على السياسة الاقتصادية من حيث إعادة تخصيص الموارد من القطاع الخاص إلى القطاع العام، وتغيير نمط توزيع الدخل والمستوى العام للنشاط الاقتصادي بالتوظيف الكامل لعناصر الإنتاج، والمحافظة على قيمة النقود وتوفير الضروريات التي تكفل مستوى معيشي لائق الأفراد.
ونظرا للمكانة الرئيسية للسياسة المالية في المجتمع الذي يتبنى النظام الاقتصادي الإسلامي، فإنه يجدر بنا عرض الإطار العام لها بالتعرف على مفهومها وأهدافها ومختلف أدواتها من حيث التغييرات التي يمكن إجراءها على إدارة النفقات العامة وإدارة الإيرادات ا

([1]) محمد شوقي الفنجري، مرجع سابق، ص 222.

([2]) باقر الصدر، اقتصادنا، مرجع سابق، ص 260.

([3]) إدريس خضير، فلسفة الاقتصاد في الإسلام. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1982، ص 89.

([4]) سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام. ط9، بيروت: دار الشروق، 1983، ص 53.

([5]) أحمد محمد العسال وفتحي أحمد عبد الكريم، النظام الاقتصادي في الإسلام مبادئه وأهدافه. ط7، القاهرة: مكتبة وهبة، 1985، ص99.

([6]) محمد شوقي الفنجري، الإسلام والضمان الاجتماعي. ط3، القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1990، ص31.

([7]) محمد فتحي صقر، تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي في إطار الاقتصاد الإسلامي. القاهرة: الرسالة للطباعة والنشر، 1988، ص9.

([8]) محمد فاروق النبهان، أبحاث في الاقتصاد الإسلامي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1986، ص 119.

([9]) محمد فتحي صقر، مرجع سابق، ص 10.

([10]) المرجع السابق، ص 14.

([11]) أحمد محمد العسال وفتحي أحمد عبد الكريم، مرجع سابق، ص 95.

([12]) محمد فاروق النبهان، مرجع سابق، ص 122.

([13]) محمد فتحي صقر، مرجع سابق، ص 13.

([14]) محمد فاروق النبهان، مرجع سابق، ص 125.

([15]) المرجع السابق، ص 97.

([16]) محمد صقر وآخرون، مرجع سابق، ص 82.

([17]) المرجع السابق، ص 74.

([18]) سيد قطب، مرجع سابق، ص 27.

([19]) محمد فاروق النبهان، مرجع سابق، ص 106.

([20]) محمد شوقي الفنجري، المذهب الاقتصادي الإسلامي، مرجع سابق، ص 172.

([21]) محمد فتحي صقر، مرجع سابق، ص 80.

([22]) حسين عمر، اقتصاديات البنوك الإسلامية. القاهرة: دار الكتاب الحديث، 1995، ص 15.

([23]) محمد منذر قحف، الاقتصاد الإسلامي دراسة تحليلية للفعالية الاقتصادية في مجتمع يتبنى النظام الاقتصادي الإسلامي. الكويت: دار القلم، 1979، ص 92.

([24]) عطية عبد الواحد، مرجع سابق، ص 111.

([25]) المرجع السابق، ص 115.

([26]) جمال لعمارة، اقتصاد المشاركة نظام اقتصادي بديل لاقتصاد السوق. القاهرة: مركز الإعلام الغربي، 1420/2000، ص 84.

([27]) محمد فاروق النبهان، مرجع سابق، ص 109.

([28]) محمد شوقي الفنجري، الإسلام والضمان الاجتماعي، مرجع سابق، ص 86.

([29]) محمد شوقي الفنجري، المذهب الاقتصادي الإسلامي، مرجع سابق ، ص 190.

([30]) أحمد محمد العسال وفتحي أحمد عبد الكريم، مرجع سابق، ص 117.

([31]) جمال لعمارة، " اقتصاديات الزكاة ودورها في التخفيف من حدة المشكلات الاقتصادية المعاصرة ". البصيرة الصادرة بالجزائر، العدد الأول، 1417/1997، ص 93

([32]) أحمد محمد العسال وفتحي أحمد عبد الكريم، مرجع سابق، ص 97.

([33]) محمد عبد المنعم عفر، السياسات الاقتصادية والشرعية وحل الأزمات وتحقيق التقدم. القاهرة: دار الغد العربي، 1986، ص489.

([34]) محمد شوقي الفنجري، المذهب الاقتصادي الإسلامي، مرجع سابق، ص 230.

([35]) محمد صقر وآخرون، مرجع سابق، ص 81.

([36]) محمد عبد المنعم عفر، التخطيط والتنمية في الإسلام. جدة: دار البيان العربي، 1405/1985، ص 281.

([37]) حسن سري، الاقتصاد الإسلامي مبادئ وخصائص وأهداف. الإسكندرية: مركز الإسكندرية للكتاب، 1999، ص 184.

([38]) محمد عبد المنعم عفر، التخطيط والتنمية في الإسلام، مرجع سابق، ص 284.

([39]) منذر قحف، مرجع سابق، ص 99.

([40]) محمد فتحي صقر، مرجع سابق، ص 19.

([41]) محمد فاروق النبهان، مرجع سابق، ص 61.

([42]) عوف محمود الكفراوي، الرقابة المالية في الإسلام. ط2، الإسكندرية: مكتبة الإشعاع، 1997، ص 217.

([43]) محمد فتحي صقر، مرجع سابق، ص 22.

([44]) المرجع السابق، ص 28.

([45]) أحمد محمد العسال وفتحي أحمد عبد الكريم، مرجع سابق، ص 86.

([46])عوف محمود الكفراوي، تكاليف الإنتاج والتسعير في الإسلام. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1405/1985، ص 160.

([47]) يوسف إبراهيم يوسف، النظام الاقتصادي الإسلامي خصائصه أهدافه آثار تطبيقه. ط4، القاهرة: مكتبة الرسالة الدولية، 2000، ص243.

([48]) محمد شوقي الفنجري، المذهب الاقتصادي الإسلامي، مرجع سابق، ص 199.

([49]) حسين عمر، مرجع سابق، ص13.

([50]) عبد السميع المصري، نظرات في الاقتصاد الإسلامي. القاهرة: دار الطباعة والنشر الإسلامية، (دون تاريخ)، ص21.

([51]) أحمد محمد العسال وفتحي أحمد عبد الكريم، مرجع سابق، ص24.

([52]) محمد شوقي الفنجري، المذهب الاقتصادي الإسلامي، مرجع سابق، ص209.

([53]) محمد عبد المنعم عفر، السياسات الاقتصادية والشرعية وحل الأزمات وتحقيق التقدم، مرجع سابق، ص485.

([54]) يوسف إبراهيم يوسف، مرجع سابق، ص265.

([55]) مصطفى حسام داود وعماد الصعيدي وأخضر عقل، مبادئ الاقتصاد الكلي. عمان: دار ميسرة للنشر والتوزيع، 2000، ص266.

([56]) محمد عمر زبير، دور الدولة في تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي. جدة: المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية، 1986، ص 26.

([57]) محمد فتحي صقر، مرجع سابق، ص 45.

([58]) صالح حميد العلي، مرجع سابق، ص52.

([59]) المرجع السابق، ص53.

([60]) نعمة الله نجيب إبراهيم، أسس علم الاقتصاد التحليلي الجمعي. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 2001، ص153.

([61]) محمد منذر قحف، مرجع سابق، ص 201.

([62]) نعمة الله نجيب إبراهيم، مرجع سابق، ص 155.

([63]) طارق الحاج، المالية العامة. عمان: دار صفاء للنشر، 1999، ص201.

([64]) المرجع السابق، ص 202.
 

inconnu_007

مشرفة منتدى العلوم الإقتصادية
رد: الاقتصاد الاسلامي ( مدكرة تخرج )


الفصل الثاني

السياسـة الماليـة

في الاقتصاد الإسلامي

تتميز السياسة المالية للدولة عن غيرها من السياسات الاقتصادية بالأدوات المستخدمة، وهي الإيرادات العامة والنفقات العامة، ويجمعهما الموازنة العامة. فالسياسة المالية تباشر عن طريق التأثير الذي تقوم به الدولة على الإيرادات العامة أو النفقات العامة أو عليهما معا.
وتكتسي السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي أهمية بالغة، إلا أن غياب التجربة الإسلامية المعاصرة يحول دون تجاوز البحث مرحلة الدراسة النظرية، واقتصاره على تحليل ما ينبغي أن يكون ابتداءً من تحديد الأهداف والأولويات التي يجب الانطلاق منها.
ويتضمن هذا الفصل مفهوم السياسة المالية في الاقتصاد إسلامي باعتبارها وسيلة من وسائل الدولة الرئيسية للتدخل في النشاط الاقتصادي، نظرا لارتباطها الوثيق بكافة نواحي الحياة الاقتصادية، وسيتم التعرف على مختلف أهدافها وأسسها التي تستطيع الدولة من خلالها التأثير على التنمية الاقتصادية، وتحقيق الرفاهية الاقتصادية والاستقرار والعدالة الاجتماعية، مع توضيح الدور الهام للزكاة وأثر على السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي، علما بأن الدولة تعتمد على أدوات السياسة المالية في القيام بوظائفها المالية والاقتصادية من إيرادات عامة وهي المصادر التمويلية، ونفقات عامة وهي المصارف التي تغطي مصالح الدولة.
ولذلك سوف نتناول السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي من خلال تحليل العناصر التالية:
- الإطار العام للسياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
- دور الزكاة في السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
- أدوات السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.










المبحث الأول
الإطار العام للسياسة المالية
في الاقتصاد الإسلامي
تعتبر السياسة المالية عنصرا أساسيا في السياسة الاقتصادية للدولة في الاقتصاد الإسلامي، فهي دراسة تحليلية للنشاط المالي لما تتضمنه من تكييف كمي لحجم النفقات العامة والإيرادات العامة، وتكييف نوعي لأوجه الإنفاق العام ومصادره، وتسعى إلى تحقيق أهدافها في حدود الإمكانيات المتاحة لها، بما يدفع عجلة التنمية إلى الأمام ويوجد الاستقرار الاقتصادي، في إطار المبادئ التي تتبناها، والأسس التي تقوم عليها، وهو ما سوف نوضحه من خلال تناول العناصر التالية:
- ماهية السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
- أهداف وأسس السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
المطلب الأول: ماهية السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
تستخدم السلطات المالية مختلف إجراءات السياسة المالية لتحديد نشاطها المالي والاقتصادي، طالما أن السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي لم تتخذ مبدأ الحياد المالي، وأن لها أهمية كبيرة في تصحيح الآثار الناجمة عن الإجراءات الكمية التوسعية للسياسة النقدية، وتعديل كل من الهيكل الاقتصادي والاجتماعي فضلا عن الخصائص التي تتميز بها عن باقي السياسات المالية في الفكر الوضعي.
الفرع الأول: مفهوم السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
نتناول مفهوم السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي من خلال التطرق إلى تعريفها، ثم توضيح أهميتها في الاقتصاد الإسلامي.
أولا: تعريف السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
تعد السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي فرع من فروع السياسة الشرعية، وتعرف بأنها: " جميع القرارات ذات الصبغة المالية التي يتخذها ولي الأمر أو من ينوب عنه، سواء كان اجتهادا منه لتطبيق نص شرعي أو اجتهادا منه لتحقيق مقاصد الشريعة بصفة عامة ([1]) ".



كما تعرف السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي بأنها : " استخدام الدولة الإسلامية لإيراداتها ونفقاتها لتحقيق أهدافها في ضوء القواعد والأصول الإسلامية الحاكمة في هذا المجال([2]) ".
فهي الطريق الذي تنتهجه الدولة في تخطيط الإنفاق العام وتدبير وسائل تمويله كما يظهر في الموازنة العامة للدولة([3])، بما يحقق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ظل ما تعتنقه الدولة من عقائد وفي حدود إمكانيتها المتاحة([4]).
ومن هذا المنطلق يجدر بنا أن نشير إلى أن السياسة المالية تتعلق بالإجراءات التي تستخدمها السلطات المالية لتحديد النشاط المالي، والأدوات التي تمكنها من التدخل في النشاط الاقتصادي وتكييف إنفاقها العام مع إيراداتها العامة بالأسلوب الذي يكفل لها تحقيق الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية([5]).
ومنذ البداية يتضح أن السياسة المالية في ظل الاقتصاد الإسلامي لم تأخذ بمبدأ الحياد المالي، بل أن الدولة بتحصيلها للإيرادات لتغطية نفقاتها المختلفة تشبه المضخة الماصة الكابسة تمتص الإيرادات من الطبقات القادرة، لتعيد توزيعها على الطبقات المحتاجة([6]).
ثانيا: أهمية السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
تنبع أهمية السياسة المالية من كونها الأداة التي يمكن استخدامها لتصحيح آثار السياسة النقدية والناتجة عن الإجراءات الكمية التوسعية، فضلا عن كونها الأسلوب الأمثل لإعادة توزيع الدخل والاستثمارات على الاستخدامات الاقتصادية المختلفة، وبذلك تصبح السياسة المالية الأداة الفعالة لتشجيع الاستثمارات للاتجاه نحو المجالات الحيوية وأيضا لحماية الصناعات الوطنية من المنافسة الأجنبية([7]).
كما أنها تنظيم مالي يستقيم به ميزان الحياة، فلو أمعنا النظر في ما حوته الشريعة من تنظيمات مالية لأدركنا مبلغ ما أحرزته السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي من تقدم وارتقاء، فنجد نظاما ضريبيا متكامل كالضرائب على الدخل وتتضح من خلال زكاة الزروع والثمار، وضرائب على رأس المال كزكاة الأنعام والذهب والفضة وضرائب غير مباشرة كعشور التجارة أو ما يسمى بالضرائب الجمركية، مع الالتزام بالمبادئ التي يجب أن تراعى في فرائض المال من مبادئ العدالة والملاءمة واليقين والاقتصاد، إضافة إلى الدعوة إلى عدم الاكتناز وضرورة تثمير فائض الأموال في ما ينمي ثروة المجتمع ويكفل الاستقرار ويشيع العدالة الاجتماعية([8]).

وما يزيد أهمية السياسة المالية أنها تركز جل اهتمامها في تمويل برامج التنمية الاقتصادية فضلا عن تمويل الميزانية العامة للدولة، من خلال تسخير كل إمكانيتها لتوفير الموارد المالية اللازمة لدفع التنمية، وهذا ليس معناه أنها لا تولي اهتمام لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، إذ أن جانبا من النجاح في معركة بناء المجتمع واستقراره إنما يرجع أولا وأخيرا إلى مدى مساهمتها في التغلب على أية موجة تضخمية حال ظهورها([9])، كما تركز على معالجة المشاكل الاقتصادية المختلفة، بما يسهم في تحقيق أهداف السياسة الاقتصادية الكلية وما يجعل أدواتها أكثر تأثيرا في مستويات الإنفاق والاستثمار([10]).
الفرع الثاني: خصائص السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
تنفرد السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي بطابعها الخاص الذي يبرز تميزها بالمبادئ التالية([11]):
أولا: مبدأ المصلحة العامة.
إن المصلحة العامة مبدأ يحكم تصرف ولي الأمر في السياسة المالية، غير أنه في الاقتصاد الإسلامي ليس من الضروري أن تتساوى المصالح العامة في الأهمية والأولويات، وإنما هناك مصلحة عامة على مستوى الضروريات، وهناك مصلحة عامة أخرى على مستوى الحاجيات، ومصلحة عامة ثالثة على مستوى الكماليات، وإذا تنافست المصالح العامة قدمت المصالح العامة الضرورية على المصالح الأخرى، وإذا تنافست المصالح العامة الحاجية على المصالح العامة التحسينية قدمت المصالح الحاجية، فرغم أن المصلحة العامة تمثل معيارا موضوعيا لإنفاق المال العام، فإن اختيارها يخضع لضوابط معينة في الاقتصاد الإسلامي.
ثانيا: مبدأ التخصيص.
من الصعب القول أن الإيرادات العامة في ظل الاقتصاد الإسلامي تخضع لقاعدة عدم التخصيص، لأن هناك من الإيرادات العامة قد تم تخصيصها بنص شرعي على جهات صرف محدودة، منها ما يتكرر بصفة دورية كالزكاة ومنها إيرادات غير دورية لعدم تكرارها بانتظام مثل خمس الغنائم، والهدف من تخصيص هذه الإيرادات بالذات توفير حد الكفاية لكل محتاج في المجتمع وتوفير الرعاية والقضاء على الفروق الاجتماعية، أما باقي الإيرادات العامة غير المخصصة بنص شرعي فتوجه إلى إنجاز المصالح العامة حسب ترتيبها.





ثالثا: مبدأ الرشد.
تتميز السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي بالحكمة والعدل والرشد في جباية وإنفاق الأموال العامة، حيث تتسم الإيرادات العامة التي مصدرها الزكاة بالمحلية جمعا وإنفاقا غالبا، ومع ذلك إذا استغنى أفراد البلد الذي جمعت منه الزكاة أو إنعدمت مصارفها، يمكن لولي الأمر أن ينفقها في ما يراه للصالح العام، والتوظيف (فرض الضرائب) أمر غير وارد في السياسة المالية إلا في ظروف استثنائية لها ضوابط تحددها، أو بعد إصدار قروض عامة بدون فوائد، كما أن الضرائب الجمركية (عشور التجارة) تجبى على المصدر الأجنبي تطبيقا لمبدأ المعاملة بالمثل.
رابعا: مبدأ المرونة والتطور.
تحمل السياسة المالية في ثناياها عوامل التطور والمرونة التي تجعلها تتلاءم مع كل زمان ومكان، وبذلك فهي صالحة لمقابلة التطورات المستمرة بشرط أن لا يخل التطور بمبادئ الشريعة الإسلامية([12])، وأن لا تتسم المبادئ المالية بالجمود الذي يجعلها عاجزة عن تحقيق دواعي المصلحة العامة، وألا تكون كثرة الإجراءات حائلا دون انطلاق العملية المالية، كأن تجمع الزكاة وتنفق على المستحقين لها في البلد الذي جمعت فيه، وأن تتسم بالوضوح الكافي الذي يمكّن من تفهم أوضاعها سواء بالنسبة للأفراد أو القائمين على تنفيذ أحكامها، طالما أن الفرد هو الذي يقع عليه عبئ المالية العامة لما يسدده من فرائض أو ضرائب([13]).
المطلب الثاني: أهداف وأسس السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
تهدف السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي إلى توزيع الدخول والثروات بطريقة عادلة، تكفل لكل فرد في المجتمع حد الكفاية، من خلال أدوات منها الزكاة والتوظيف على الأغنياء، كما تسعى جاهدة لتوظيف القوى البشرية من خلال الاستثمارات العامة، وبالسماح للقطاع الخاص بذلك ما لم يضر بمصلحة المجتمع.
ومن أجل بلوغ الأهداف السابقة تراعي السياسة المالية بعض الأسس التي تقوم عليها، وذلك بترك الحرية للأسعار تتحدد بتفاعل العرض والطلب مع التدخل لتوفير تلك الحرية، باستخدام أساليبها المختلفة، والعمل على تكييف نمط الاستهلاك بتوفير الضروريات والحد من الإسراف، وإتباع سلوك الرشادة الاقتصادية بالتوفيق بين النفقات الاستهلاكية والنفقات الإنتاجية والاستثمارية.






الفرع الأول: أهداف السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
تندرج أهداف السياسة المالية في إطار أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي الذي تتبناه، وتنصب الأولويات في كيفية تحقيق العدالة في توزيع الدخول والثروات، وحسن استغلال وتخصيص الموارد، وإيجاد الاستقرار الاقتصادي من خلال تحقيق معدل مرتفع من العمالة، والمحافظة على استقرار الأسعار ودعم التنمية الاقتصادية.
أولا: التوزيع العادل للدخول والثروات.
تسعى الدولة جاهدة من خلال سياستها المالية إلى تفتيت الثروة من خلال نظام الإرث([14])، كما تمكن الزكاة بشكل أساسي من ضمان الحاجات لمن لم يتمكن من توفيرها لنفسه، فتتولى الدولة مهمة جباية الزكاة وتوزيعها على مستحقيها، وتقوم بتمويل مصالح المحتاجين والإنفاق على حاجاتهم من فائض الإيرادات الموجودة لديها في حالة عدم كفاية الزكاة، وتفرض ضرائب على الموسرين في حالات الضرورة القصوى([15])، كما يهدف الإنفاق الحكومي إلى توزيع الدخل من خلال تقديم الإعانات للعاطلين عن العمل، وللمنتجين لدعم مشروعاتهم الإنتاجية([16]).
وتملك السياسة المالية حجما من الإيرادات العامة، الأمر الذي يستدعي توزيع ذلك الحجم بكفاءة وتخصيصه على أوجه الإنفاق المحددة.
ثانيا: تحقيق التنمية الاقتصادية.
هناك متسعا لأهداف أخرى تدخل تحت الوظيفة العامة للدولة، وهي رعاية المصالح العامة الدينية والدنيوية متى كانت الوسائل والأدوات المالية المتبعة لتحقيق الأهداف تمارس بطريقة شرعية، ومن هذه الأهداف تحقيق الاستقرار الاقتصادي ودعم النمو.
إن الدولة مسؤولة عن القيام بعملية التنمية الاقتصادية، كما أنها مسؤولة عن المشاريع الضرورية للمجتمع التي قد يحجم عنها الأفراد إما لكبر حجمها أو عدم خبرتهم بها، كالأنشطة المتعلقة بتنمية الثروات الطبيعية([17]).
ثالثا: إيجاد الاستقرار الاقتصادي.
تملك السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي ضوابط لها دورا وقائيا من حدوث التضخم، فضبط الإصدار النقدي بما يتلاءم مع حاجة الاقتصاد والإشراف على عملية الائتمان وضبطها طبقا لحاجة النشاط الاقتصادي، يحقق استقرار الأسعار وعدم انخفاض القوة الشرائية للنقود.
كما أن منع التعاملات الربوية والاحتكار لهما أثر كبير في الوقاية من الارتفاعات الشديدة في المستويات العامة للأسعار، والتي لا تنشأ عن ظروف عادية وطبيعية في السوق، بل تحدث نتيجة التدخلات غير المشروعة قصد تحقيق أرباح كبيرة([18]).
وتعمل السياسة المالية جاهدة على دعم التشغيل في المجتمع، بدعمها الاستثمار ومكافحة كل من الانكماش والتضخم وأثارهما الضارة على كل من الدخل والتشغيل([19])، ويتعين على الدولة لبلوغ هذا الهدف أن توازن بين نشاط القطاع الخاص والقطاع العام للوصول إلى أقصى إنتاج ممكن، فكلما كانت المشروعات الخاصة أقدر على الإنتاج فينبغي على الدولة أن تقصر نشاطها على التوجيه ما لم يكن ذلك على حساب المصلحة العامة([20]).
الفرع الثاني: أسس السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
إن للمال أهمية كبيرة في بناء الدولة، لذا نجد أن قواعدها تستقر على أمرين: تأسيس وسياسة فتأسيس الدولة يقوم على تأسيس الدين وتأسيس القوة وتأسيس الثروة للقيام بالنفقات الضرورية، وأما سياسة الدولة فتقوم على تنمية البلاد وتوفير الأمن وتكوين الجيش وإعداد الميزانية([21])، ما يستوجب وجود بعض الأسس التي تقوم عليها السياسة المالية، نوضحها من خلال ما يلي:
أولا: حرية السوق.

في ظل الاقتصاد الإسلامي تتحدد الأسعار بتفاعل العرض والطلب بحرية في السوق مع التدخل لتوفير حرية التفاعل إذا ما حدث انحراف عنها، ليتحدد نوع وحجم النشاط وفقا لحاجة المجتمع مع التزام هذا الأخير بتكملة إنتاج ما لا يوفره التفاعل الحر لقوى العرض والطلب من ضروريات لازمة([22])، فتمنع كل أساليب التعامل السلبية كالغش، والربا والاحتكار والتمييز في الأسعار، واستخدام أساليب الحوافز والإعانات والضرائب أو القيود على الإنتاج في تنشيط مجالات معينة من الإنتاج أو التوزيع، ما يعمل على سيادة المنافسة التامة في الأسواق، التي تكفل حسن أداء الأثمان لمهامه في توزيع الموارد المتاحة على الاستخدامات المختلفة بين القطاعات والأنشطة الاقتصادية، لأن جهاز الأثمان في السوق يعبر تعبيرا دقيقا ومناسبا عن أهمية السلع والخدمات، المختلفة ويعكس التكاليف الاقتصادية الحقيقية للمنتجات المختلفة([23]).
وتعمل السياسة المالية على حماية الصناعات الناشئة من خلال فرض ضرائب إضافية على السلع المنافسة لها والمستوردة، مما يعمل على زيادة تكاليفها وينعكس ذلك على أسعارها فيدفعها إلى الارتفاع، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع المحلية([24]).
ثانيا: تكييف نمط الاستهلاك.
ويكون ذلك بتوفير الضروريات والقدر اللازم من السلع التي تكفل مستوى معيشيا لائقا للمواطنين، والحد من الاستهلاك الترفي وتشجيع الادخار والاستثمار، بإلغاء الاكتناز والفائدة على رأس المال وفرض الزكاة لتوفير الاحتياجات اللازمة لتطوير الاقتصاد([25])، فتقرير الإنفاق العام ينبغي أن يقدر بما يشبع الضروريات التي يحتاجها الأفراد أولا، ثم الحاجيات، ثم التحسينات، لأنه يترتب على عدم إشباع الضروريات الإخلال ببقية المصالح، فحين تتضح مثل هذه الضوابط فلن نشاهد ولن نسمع عن إقامة الحفلات المكلفة أو اقتناء السيارات الفاخرة وغيرها من مظاهر الإسراف، في الوقت الذي لا يتوافر حتى الحد الأدنى للمعيشة لباقي الأفراد في المجتمع([26]).
كما يجب أن يلائم الاستهلاك الحالة الاقتصادية السائدة، ففي حالات التضخم يتعين الحد من الإنفاق العام وتقليل الاستهلاك من السلع والخدمات، وفي حالات الكساد يتعين العكس أي زيادة الإنفاق وتنشيط حركة الاقتصاد([27]).
وتعمل السياسة المالية على تكييف نمط الاستهلاك، بالحد من الاستهلاك الترفي من خلال فرض ضرائب عالية على هذا النوع من السلع، فيرتفع ثمنها ويقل الطلب عليها ويمتنع عن استهلاكها من لا تتحمل دخولهم الأثمان الجديدة للسلع([28]).
ثالثا: توظيف الموارد الإنتاجية وترشيد استخداماتها.
يقتضي سلوك مبدأ الرشد الاقتصادي أن لا توجه كل النفقات العامة للوفاء بالأغراض الاستهلاكية فقط، بل ينبغي أن يخصص جزء منها للأغراض الإنتاجية والاستثمارية، باستخدام أفضل الأساليب والوسائل العملية الممكن أن يستفاد منها، وأن لا تمول المشاريع التي لا تعود بالنفع على المجتمع ككل([29]).
كما يقتضي تشجيع القطاع الخاص وإعداد الخطط الملاءمة التي ينفذها المجتمع ككل([30])، وأن تعفى كافة الأصول الإنتاجية من الالتزامات المالية المقررة عليها، سواء أكانت أصول إنتاجية زراعية أو صناعية أو تجارية أو حربية، طالما تشكل طاقة يعتمد عليها المجتمع في عمليات الإنتاج([31]).

المبحث الثاني

دور الزكاة في السياسة المالية

في الاقتصاد الإسلامي

تلعب الزكاة دورا هاما في الاقتصاد الإسلامي بصفة عامة وفي السياسة المالية بصفة خاصة، باعتبارها إحدى الأدوات المرتبطة بالإيرادات العامة، لما تحققه من آثار اقتصادية واجتماعية، وهذا بفضل تخصيص إنفاقها في أوجه محددة وتنوع أوعيتها وتجددها سنويا.
وسوف نتعرض في هذا المبحث إلى دور الزكاة في السياسة المالية من خلال العناصر التالية:
- ماهية الزكاة.
- أثر الزكاة على السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
المطلب الأول: ماهية الزكاة.
تعتبر الزكاة فريضة مالية تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، وتختلف أوعية وجوبها باختلاف نوع المال، ما يجعل لها من الأهمية البالغة في تحريك المال وتصحيح وظيفة النقود، لذا فإنه يشترط في وجوبها توافر بعض الشروط، منها ما يتعلق بالمال المزكى، ومنها ما يتعلق بالشخص المزكي، ولها من الخصائص التي تميزها باعتبارها اقتطاع مالي عادل لا يثقل كاهل المكلف بها.
الفرع الأول: مفهوم الزكاة.
تحقق الزكاة التكافل الاجتماعي بين دافعيها ومستحقيها والاستقرار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والسياسي.
أولا: تعريف الزكاة.
الزكاة لغة النماء والزيادة والبركة والطهارة والصلاح، وتطلق في الشرع على الحصة المقدرة من المال التي فرضها الله للمستحقين، كما تطلق على نفس إخراج تلك الحصة، وقد عرفها الماوردي وغيره بأنها: اسم لأخذ شيء مخصوص من مال مخصوص على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة([32]).
وهي إخراج حصة مقدرة من المال فرضها الله للمستحقين، وهي بهذا المعنى تصدق على الفعل الذي هو الإخراج، كما أنها تصدق على العين أي على ذات المال المتصدق به، ويسمى زكاة لأنه يزكي بقية المال ويحميه من الآفات.


والزكاة واجبة بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله –عليه الصلاة والسلام- وإجماع أمته، فأدلتها من القرآن الكريم تكررت أكثر من ثلاثين آية، ومعظم الآيات جاء الأمر فيها مقرونا بالصلاة لأهميتها، قال تعالى: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم "([33]).
والحكمة من مشروعية الزكاة أن أداءها من باب إعانة الضعيف واقدار العاجز، كما أنها تطهر نفس المؤدي من الذنوب وتزكي أخلاقه بخلق الجود والكرم، وأداءها من باب شكر النعمة، لذلك فهي فريضة في المال وحقا لمستحقيها لا تفضلا من مخرجها([34]).
ثانيا: أوجه إنفاق الزكاة.
على الرغم من أن جباية الأموال وتحصيلها مهم، لكن الأهم هو أين تصرف هذه الأموال بعد تحصيلها؟ فهنا يميل الميزان، وتلعب الأهواء ويأخذ المال من لا يستحقه ويحرم منه من يستحقه، لذا فإن القرآن الكريم اهتم بهذا الأمر وتعرض على وجه التحديد لطرق إنفاق المال.
ولما كانت الزكاة مظلة الطبقات الفقيرة فإن الله –عز وجل- حدد مصارفها بحيث لا تصرف لغير الفئات التي ذكرها الله بنص الآية([35])، فجزأها ثمانية أجزاء يجمعها صنفان من المستحقين أحدهما من يأخذ لحاجة، بحيث يأخذ المستحق بحسب شدة الحاجة وضعفها وقلتها وكثرتها، وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل والثاني من يأخذ لمنفعته، وهم العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون وفي سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجا ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة.
ومن زاوية أخرى تنفق حصيلة الزكاة بين طوائف المستحقين الثمانية بطريقتين هما: التمليك بالنسبة للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم، والصرف في مصالح المستحقين الآخرين، أي في الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل([36]).
الفرع الثاني: وعاء الزكاة.
يقصد بوعاء الزكاة الأموال الخاضعة للزكاة، فكل مال يستجد ويقع فيه النماء حقيقة أو تقديرا أي بالتمكن من النماء، تجب فيه الزكاة أيا كان([37]).



أولا: الثروة الحيوانية.
تخضع الأنعام إلى الزكاة بما فيها الإبل والبقر والغنم، وتؤخذ من وسط المال، فلا زكاة في الإبل حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة، وكلما زادت خمسا زادت شاة، ولا زكاة في البقر حتى تبلغ الثلاثين بسائمة، وحال عليها الحول ففيها تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، أما الغنم إذا بلغت أربعين سائمة وحال عليها الحول ففيها شاة([38]).
ثانيا: الثروة التجارية.
يقصد بالثروة التجارية جميع الأموال التي اشتريت بنية المتاجرة بها، سواء بالاستيراد الخارجي أو الشراء من السوق المحلية، وزيادة على الشروط السابق ذكرها لتحصيل الزكاة، فإنه يشترط في زكاة مال التجارة توافر العمل وهو الشراء، والنية بقصد تحصيل الربح ببيع ما اشتراه.
أما في الثروات الصناعية فتكون الزكاة في الربح دون رأس المال، الذي غالبا ما يتحول إلى أصول ثابتة لا زكاة فيها مثل الآلات والمعدات والمباني التي تحوي المصانع، فهي تعد أدوات إنتاج ولا تخضع أدوات الإنتاج للزكاة([39]).
فإذا حل موعد الزكاة، تقوم قيمة البضاعة الموجودة وتضم إلى ما لدى التاجر من نقود سواء استعملها في التجارة أو لم يستعملها، ويضيف ما لديه من ديون مرجوة القضاء وغير ميؤوس منها، ويخرج من الكل ربع العشر أي 2,5 %، وذلك بعد طرح ديونه من جملة أمواله([40]).
ثالثا: الثروة النقدية.
المراد بالنقود جميع العملات الورقية والمعدنية، ونصاب الذهب والعملات الذهبية هو عشرون مثقالا وتعادل خمسة وثمانون غراما من الذهب الخالص، أما نصاب الفضة والعملات الفضية مئة درهم، وتعادل خمسمائة وخمسة وتسعون غراما من الفضة الخالصة، والمقدار الواجب في زكاة الذهب والفضة والعملات النقدية هو ربع العشر([41]).
رابعا: الثروة الزراعية.
تؤخذ الزكاة من الشعير والحنطة والزبيب والتمر، وتعفى من ذلك الفواكه والخضراوات([42]).


خامسا: العسل ومستخرجات الأرض والبحر.
يرى الشيخ يوسف القرضاوي، أن يؤخذ العشر في صافي إيراد العسل أي بعد رفع النفقات والتكاليف، أما مستخرجات البحر فصح أنه تجب فيها الخمس، في حين إذا بلغت قيمة السمك نصاب عروض التجارة وجبت فيها الزكاة([43]).
ويؤخذ من المعادن الخمس إذا كان المعدن ركازا، والركاز هو المعدن الذي يوجد مدفونا في الأرض([44]).
الفرع الثالث: أهمية وخصائص الزكاة وشروط تحصيلها.
تحتل الزكاة أهمية بالغة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، نظرا لما تتميز به من خصائص لذا فإن لها من الشروط ما يجعلها واجبة التحصيل.
أولا: أهمية الزكاة.
تعتبر الزكاة من أهم وسائل تصحيح وظيفة النقود، فهي تؤدي إلى دوران حقيقي للمال، بما يعمل على زيادة الإنتاج، ويحقق النفع لكل من تعطى لهم وأيضا لكل من تؤخذ منهم، مما يترتب عليه تحريك الأموال ومواجهة الاضطراب الذي قد يحصل في قيمة نوع واحد من الأموال كالنقود، إذ ترتفع وتنخفض قوتها الشرائية باستمرار مما يؤدي إلى تذبذب المعاملات وما قد يصاحبه من أكل لأموال الناس بالباطل، كما أن من يأخذون الزكاة ينفقونها مباشرة ومن ثم تأخذ سبيلها الصحيح نحو تحريك الموارد البشرية أيضا إلى جانب تحريك الموارد المالية المأخوذة منها([45]).
والزكاة تكليف من الله تعالى لا يجوز التهاون به ولا التقصير في أدائه، ولشدة أهميتها خاض أبو بكر –رضي الله عنه- حربا ضد مانعي الزكاة، لأن منعها معصية وإنكارها كفر صريح، كذلك لأن الزكاة مصدرا هاما من موارد الدولة، خصص لها ميزانية مستقلة وإدارة تعني بشؤونها، ولم تكن أموال الزكاة تختلط بالإيرادات الأخرى للدولة، كما لم يكن يصرف من أموال الزكاة خارج المصارف المحددة لها، ويؤدي تطبيق الزكاة إلى أن ينتفي الفقر، حتى أنه في عهد عمر بن عبد العزيز-رضي الله عنه- لم يجد للزكاة مستحقا لها([46]).





ثانيا: شروط تحصيل الزكاة.
يشترط لوجوب الزكاة أن تتوفر بعض الشروط منها: ما يتعلق بالشخص المزكي، ومنها: ما يتعلق بالمال المزكى كما يلي:
1- شروط في المال المزكي([47]).
أ- يجب أن يكون المال ناميا نموا فعليا أو حكميا، بحيث يمكن النماء من تنمية الثروة، فلا تجب في الأموال التي تعد من الحاجات الأصلية.
ب- أن يكون المال مملوكا ملكا تاما، حيث تدفع الزكاة عن المال الذي لم يخرج من يد صاحبه، أو المال الذي أودعه لدى أمين.
ج- حولان الحول، ويستثنى من ذلك زكاة الخارج من الأرض، لأن وقت أداء زكاة الزرع يوم حصاده.
د- بلوغ النصاب لكل نوع من الأنواع التي تجب فيها الزكاة، وأن يكون النصاب خاليا من الديون.
2- شروط في الشخص المزكي.
تجب على المسلم الحر، وتجب في سائر أموال الصبي وأموال اليتيم([48])، وذلك لقطع الطريق أمام كل من يريد التهرب في دفعها بتفريق أمواله على الأولاد القصر([49]).
ثالثا: خصائص الزكاة.
تتميز الزكاة باعتبارها اقتطاعا ماليا من دخول الثروات المكلفين بجملة من الخصائص، أهمها ما يلي([50]):
1- اتساع وتنوع الوعاء الخاضع للزكاة.
تعتبر جميع الأموال القابلة للنماء سواء كانت القابلية للنمو حقيقية أم تقديرية وعاء للزكاة بشروط معينة، ومن ثم يدخل ضمن هذا التعريف كل الأصول المالية سواء كانت منقولة أو ثابتة، وكذلك منافع الأصول المادية وهي الخدمات حيث يمكن تملك مصدرها، وجميع ما يتم إنتاجه من سلع وخدمات نهائية في المجتمع خلال فترة سنة، إضافة إلى الثروة الحيوانية والأرصدة النقدية السائلة وما يتراكم لدى الأفراد من معدني الذهب والفضة بأي شكل من أشكالها.



2- نمو حصيلة الزكاة وتجددها سنويا.
إذا نظرنا إلى طبيعة الوعاء الخاضع للزكاة، نجد أنه يرتبط بالنشاط الاقتصادي، حيث يتكون من الدخل أو الناتج المتولد من استخدام عناصر الإنتاج المتاحة في المجتمع، بمعنى أن حصيلة الزكاة تنمو وتتزايد مع نمو النشاط الاقتصادي، لذلك فهي لا تأكل وعاءها بل تزيد من معدلات نمو النشاط الاقتصادي، ولا شك أن هذه الحصيلة تتجدد سنويا مما يجعل الآثار الاجتماعية والاقتصادية تتميز بالثبات والاستقرار.
3- عدالة الزكاة.
إن الزكاة هي أعدل اقتطاع مالي يمكن أن يكون في أي نظام مالي تستخدمه الحكومات، حيث تتمثل جوانب تلك العدالة في ذات الزكاة أو في الآثار المترتبة عليها، فمن جهة العوامل الذاتية في الزكاة، أنها تتناسب مع مقدرة المكلف على الدفع، فلا تدفع إلا عن ظهر غنى ويخصم من وعاءها كل الحاجات الأساسية اللازمة للمكلف ولمن يعولهم شرعا، كما أن الطرق الشرعية في تقدير الأوعية تجعلها تعكس المركز المالي الحقيقي للمكلف، ووضوح تشريع الزكاة بالنسبة للمكلف ووضوح الهدف الذي فرضت من أجله، وملاءمة أساليب تحصيلها من ناحية التوقيت أو الدفع يجعل عبء الزكاة مقبولا ماديا ونفسيا، كما نص تشريع الزكاة بعدم جواز ازدواجيتها على نفس الوعاء في ذات السنة.
4- اعتدال معدلات الزكاة.
تتراوح نسب اقتطاع الزكاة من الوعاء الذي تجب فيه بين 2.5% إلى 20%، فمثلا يبلغ معدل النقود والذهب والفضة وعروض التجارة وإيرادات المستغلات العقارية والدخول المستفادة نسبة 2.5% من قيمة الوعاء، في حين نجد معدل الزكاة يرتفع في الإنتاج الزراعي ليكون ما بين 5% إلى10%، حسب تكاليف الإنتاج المستخدمة في إنتاج الوعاء، ولا يتجاوز معدل الزكاة نسبة 20% في وعاء إنتاج السمك، لذا نجد هذا التباين في معدلات الزكاة حسب كل وعاء.
5- طبيعة الزكاة باعتبارها إيراد مالي.
الزكاة فريضة وليست ضريبة، فرضها الله –عز وجل- في حين الضريبة تفرض من قبل الدولة، كما أنها ليست جزية، لأن الجزية تفرض على أهل الكتاب للحفاظ على دينهم والتمتع بالأمان، ووجوه إنفاق الزكاة محددة بنص شرعي بينما إنفاق الجزية غير محدد، واعتبر البعض الزكاة إتاوة وهنا ينبغي الإشارة أن الإتاوة مبلغ من المال تفرضه الدولة جبرا، وتحصل عليه من الغير نظير منحه حق استغلال أحد امتيازاتها، كحق استغلال منجم في أراضي الدولة، في حين الزكاة أبدية غير موقوتة بمدة انتفاع([51]).


المطلب الثاني: أثر الزكاة على السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
تهتم السياسة المالية بتحديد حاجات الفقراء والمساكين من خلال توجيه الفائض من المال من الجهات الغنية نحو الجهات الأقل غنى، وهنا يتجلى الدور الرئيسي للزكاة باعتبارها إحدى الإيرادات العامة المخصصة، بمساهمتها الفعالة في إتمام وظائف السياسة المالية.
وينتج من إنفاق أموال الزكاة بعض الآثار الاقتصادية منها: إيجاد التوازن بين فئات المجتمع وزيادة الدخل، فضلا عن زيادة الاستثمارات، وزيادة في عنصر العمل من ناحيتي الطلب والعرض عليه، ومن الآثار الاجتماعية ما يحقق علاج النفس من الشح بالنسبة لدافعها والبغض بالنسبة لمستحقها، وإيجاد مجتمع التكافل والتضامن ومحاربة الفقر، وتقليل التفاوت بين الطبقات ما ينتج عنه استقرار عام وأمن داخلي في الدولة.
وتساهم الآثار الاقتصادية والاجتماعية للزكاة في تجسيد أهداف السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
الفرع الأول: الزكاة كأداة للسياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي.
قد تعجز موارد الزكاة عن تغطية كل النفقات اللازمة، وهنا يتأتى الدور التكميلي الذي يجب أن تلعبه موارد الدولة في إطار السياسة المالية، وهذه الأخيرة هي التي لها الصلاحية في تحديد حاجات الفقراء والمساكين وذلك حسب الجهات وحسب مستوى الأسعار والمداخيل، كما أنها تخطط لكيفية توجيه فائض الجهات الغنية نحو الجهات الأقل غنى، ليس فقط لضمان حد أدنى من الموارد لكل فرد بل لضمان الشغل للمجتمع كذلك، وموارد الزكاة لن تكون كافية لمعالجة كل المشاكل حتى ولو افترضنا توفر كل الموارد عند الدولة، فإنه من الصعب في غياب اللامركزية إحصاء كل الحالات لمعالجتها بالسرعة التي تفرضها الحالة، وفي هذا الإطار يظهر مدى أهمية دور الزكاة على الصعيد المحلي، إذ أن خصوصياتها تؤهلها أكثر من سواها لمعالجة مشاكل فئات معينة، لم تستطع الاستفادة بصفة مباشرة من استثمارات الدولة أو استثمارات الخواص، وفي هذا الإطار بالذات يمكن تقسيم المهام بين دور الزكاة ودور الموارد العامة الأخرى في إطار سياسة مالية واحدة.
والجانب الاجتماعي للصدقات من شأنه تقوية التعاون، فالتعاونيات الإنتاجية فيما بين المستحقين مجالها واسع، ومن بين المشاريع التي يمكن تبنيها، بناء السدود الصغيرة ومد قنوات لسقي أراضي الفلاحين للفقراء وغيرها، شريطة أن يتم التملك الجماعي للمستفيدين المستحقين، والاهتمام المحلي لهذه المشاريع يكون بمثابة امتداد لنفقات الدولة واستثماراتها التي تهتم أكثر بالمشاريع الكبرى أو الجهات التي تتمركز فيها البطالة أكثر، ومثل هذا التكامل بين موارد الزكاة والدولة يجب أن يعم كل الجوانب في إطار سياسة مالية معينة([52]).


فبافتراض أن الدولة تقوم بمسؤولياتها في تنظيم شؤون الزكاة جباية وصرفا، فإن لحصيلة الزكاة دورا هاما في زيادة الادخار العام، فهناك من المجالات التي تنفق فيها الدولة جزءا لا يستهان به من الإنفاق العام، ويعد من مجالات مصارف الزكاة، كنفقات الإعانات الجماعية التي تقدم إلى كبار السن أو إعانات البطالة الإجبارية تعتبر جميعها من ضمن ما يسمى بالإنفاق العام الاستهلاكي، فلو أن الدولة جمعت الزكاة واستخدمت جزءا من حصيلتها التي تدخل ضمن المصارف الشرعية للزكاة، فإنه سيتم بذلك تحرير جزء هام من الإيرادات العامة يمكن استخدامه في الإنفاق العام الاستثماري.
ومما سبق يتضح أن الزكاة أداة مالية هامة، تساهم مساهمة فعالة في تحقيق هدف تنمية المجتمع، وهي الأساس الذي يدور حوله التنظيم المالي للدولة، فإن وجدت إمكانية أن تغني حصيلة الزكاة عن الضرائب فإن الضرائب لا تغني عن الزكاة أبدا([53]).
الفرع الثاني: الآثار الاقتصادية للزكاة.
ينتج عن إنفاق أموال الزكاة آثار اقتصادية بالغة الأهمية، من حيث ارتقاء حالة الفرد الاقتصادية بما يحقق الاستقرار والتنمية الشاملين، ومنها:
أولا: إعادة توزيع الدخل والثروة.
إن مشكلة اختلال التوازن في الثروة لا تجد حلولها الناجعة من خلال فكرة الإحسان الاختياري الذي يتطوع به الأغنياء لصالح الفقراء، لذلك انفرد تشريع الزكاة بإلزام الغني بأداء جزء من ماله في شكل زكاة كما تعلق حق الفقير بهذا الجزء من المال، بهدف إقامة التوازن المادي بين الفئات الاجتماعية وتوفير حد الكفاية لكل فرد.
ويتضح تأثير الزكاة في دخول الذين تصرف لهم، من أنها تحقق وتغطي كل معاني التضامن والتكافل الاجتماعيين، فضلا على أنها دخلا مناسبا يسمح بمواصلة النشاط الاقتصادي لمستحقيها([54]).
وبتطبيق ظاهرة تناقص المنفعة، التي مؤداها أنه عندما يستهلك الفرد عدة أشياء من نوع واحد يكون الإشباع الذي يحصل عليه من كل وحدة متتابعة أقل من الإشباع الذي يحصل عليه من سابقتها([55])، نجد أنه كلما زادت وحدات السلع المستهلكة يمكن التدليل على تناقص المنفعة الحدية " أي الوحدة الأخيرة " كلما زادت عدد وحداته، فالغني تكون لديه منفعة الوحدة الحدية للدخل أقل من منفعة الوحدة الحدية للدخل لدى الفقير، وعليه فإن نقل عدد من وحدات دخل الغني عن طريق الزكاة إلى الفقير، هو كسبا للفقير أكثر من خسارة للغني، والنتيجة هي أن النفع الكلي للمجتمع يزيد بإعادة توزيع الدخل([56]).
ذلك أن الزكاة لا تخرج إلا بعد بلوغ النصاب أي من الفائض عن الحاجيات الأصلية والضرورية للمكلف، وواضح أن الزكاة لو وجبت بدون اشتراط النصاب لكان معنى ذلك أنها تدفع من وحدات الدخل المخصصة للحاجيات الرئيسية للشخص وهي ذات منفعة أكبر من وحدات الدخل التي تزيد عن النصاب، وبالتالي تكون الخسارة أكبر على دافع الزكاة.
ولكن اشتراط توافر النصاب، يجعل الزكاة تخرج من وحدات الدخل الأخيرة ذات النفع الأقل للغني وتؤدى إلى الفقير الذي تزيد عنده المنفعة للوحدات الأخيرة من الدخل، وعليه تزيد المنفعة الكلية للمجتمع كأثر من الآثار التوزيعية للزكاة([57]).
ثانيا: جذب المدخرات نحو الاستثمارات.
إن فرض الزكاة على الموارد الاقتصادية غير المستغلة في العملية الإنتاجية، سوف يدفع بأصحاب هذه الأموال إلى بيعها والتخلص من تحمل مبلغ الزكاة عليها، كالأرصدة النقدية والأراضي التي يحتفظ بها أصحابها، لأن الزكاة سوف تعمل على أكل وعائها تدريجيا، لذا يفترض أن يعمل على تثمير أمواله([58]) بهدف الحصول على عائد منها، وربما يفكر في استغلالها في أوجه نشاط لا تفرض عليها زكاة بمعدلات عالية، أي المشروعات الصناعية والتجارية التي تعطي فرصة لزيادة العمالة، كما سيكون هناك حافزا لزيادة الاستثمارات رغم انخفاض العائد، طالما أنها تحقق ما يكفي لسداد الزكاة والمحافظة على قيمة الأموال([59]).
فالزكاة تعمل على سرعة دوران رأس المال، لأنها تفرض على رأس المال والدخل المتولد عنه معا وليس على الدخل فقط، فالإنفاق من حصيلتها لفئة الرقاب من شأنه أن يحرر قوة عاملة تساهم في الأعمال الاقتصادية بما يعود على المجتمع بمزيد من الإنتاج الذي من شأنه تزيد فرص الاستثمار([60]).
وكما أن سداد ديون الغارمين " المدينين " يضمن للدائن سداد دينه، فإن المجتمع ممثلا في الدولة سوف يؤدي عنه دينه، وبذلك يتجنب الإفلاس وما يؤدي إليه من حرمانه من المساهمة في النشاط الاقتصادي، وكذلك المقرض لما يطمئن إلى سداد دينه فإنه لا يحجم عن الإقراض، وبذلك تعمل الزكاة على تيسير الائتمان وتشجيعه الأمر الذي له الأثر الكبير على تمويل التنمية الاقتصادية([61]).




ثالثا: تأثير الزكاة على العمل.
إن مقدار عرض العمل المتاح في مجتمع ما خلال فترة زمنية معينة، يتوقف على عاملين: القدرة على العمل والرغبة في العمل، فمن جانب القدرة على العمل فإنها تتوقف على كمية ونوعية العمل المتاح للعملية الإنتاجية، وكمية العمل هذه تعتمد على مستوى الطاقة الجسمانية الكامنة في الأفراد القادرين على العمل، وهذه بدورها تتوقف على مستوى ما يحصل عليه هؤلاء القادرون على العمل من كميات مناسبة من الغذاء، ومن العلاج ضد الأمراض، وهنا يتضح أثر الزكاة في زيادة كمية العمل من خلال ما خصص من حصيلتها للمساكين، طالما أن المسكين هو الذي يكون مستوى دخله منخفض ما يجعله-المسكين- قادرا على المحافظة على كمية العمل المبذول.
كما يتضح أثرها من زاوية سهمي الغارمين وابن السبيل، ومن أنواع الغارمين التاجر أو أي منتج استدان لصالح نفسه وعجز عن السداد ويستدعي عجزه أن يعلن إفلاسه، ومن ثم يخرج من العملية الإنتاجية، فحصول مثل هذا العنصر الإنتاجي على حصة من الزكاة سيحافظ على استمرار وجوده كمنتج، كذلك حصول ابن السبيل على سهم من حصيلة الزكاة، سوف يعيد هذه العناصر الإنتاجية التي انقطعت عن مواقع عملها إلى تلك المواقع ما يترتب عليه زيادة كمية العمل المتاحة.
أما تأثير الزكاة على نوعية العمل المبذول، فيكون بالإنفاق من حصيلة الزكاة على طلبة العلم النافع إذا تعذر الجمع بين طلب العلم والعمل للكسب، لأن العلم إنما يقوم بفرض كفاية، وأن فائدة علمه ليست مقصورة عليه بل تعود بالنفع على المجتمع ككل، ويترتب على ذلك أن إنفاق جزء من حصيلة الزكاة في مجال العلم سوف يرفع مستوى نوعية العمل المتاحة في المجتمع، مما يزيد من قدرة عنصر العمل على مساهمة أكبر في العملية الإنتاجية.
أما الجانب الثاني الذي يتوقف عليه عرض العمل وهو وجود الرغبة فيه، ففعل الزكاة لا يكون إلا بتوافر النصاب، وهذا الأخير لا يتحقق إلا إذا اكتسب الفرد دخلا، ولعل هذا الدخل لم يتأتى إلا بوجود رغبة في العمل وبالتالي نمو المال، كما أن الزكاة يمنع صرفها للقادر على العمل ويمتنع، لأن العمل بقصد الاكتساب فرض عين على كل قادر عليه، حتى يكون ذلك تشجيعا لهم على بذل الجهد والرغبة في العمل والسعي ليحقق كل قادر على العمل دخلا يفي بحاجاته الأساسية([62]).
الفرع الثالث: الآثار الاجتماعية للزكاة.
إن الحكمة من مشروعية الزكاة هو تحقيق الكثير من الأهداف السامية التي تضمن لأفراد المجتمع الجمع بين سعادة الدنيا والآخرة، ولذلك يترتب على إخراجها آثار نفسية وأخرى اجتماعية منها:



أولا: آثار نفسية.
إن الزكاة فريضة إنسانية يبذلها الغني رابطة بينه وبين ربه راضية بها نفسه، فهي تطهر نفس معطيها من رجس البخل والطمع التي هي مثار التحاسد والعدوان، لقوله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" ([63])، فالمسلم الحق يعطي الزكاة للتقرب إلى الله موقنا بأن المال لا تنقصه الصدقة بل تنميه وتطهره، وتحقق لآخذيها استقرارا نفسيا وتأمينا لحياته، وهدوء ينتزع قلق الاحتياج وذل السؤال، كما تنمي رابطة الأخوة بين أفراد المجتمع([64]).
فدفع الفرد للزكاة مع حبه الشديد للمال في مواعيدها وبالمقادير المحدودة لمن يستحقها، من صور الإيمان بفرضيتها والامتثال لأمر الله –عز وجل-، كما أن إخراجها علاج للشح المتأصل في الإنسان لأنه من طبيعة المرء حب الاستئثار بالخيرات والمنافع، والفائدة من علاج النفس هو تحريرها من ذل العبودية للمال الذي قد يؤدي للذهول والغفلة([65]).
ثانيا: الآثار الاجتماعية.
تحقق الزكاة تآلفا بين الأفراد، بحيث لا نجد مجتمعا يتكفل فيه الأغنياء طواعية وبنفس راضية سد حاجات الفقراء والمحتاجين، ما يترتب عنه حماية للمجتمع من آفات خطيرة كالسرقة والجرائم والانحراف([66])، ومن أهم تلك الآثار:
1- وجود مجتمع التكافل والتضامن.
إن أداء الزكاة وإيصالها إلى مستحقيها يعكس مدى التزام الأفراد ببعضهم البعض لتحقيق صورة من صور التكافل وتحمل المسؤولية، لإحداث التغييرات الاجتماعية اللازمة لحماية الفرد في حاضره ومستقبله، بحيث يعيش هو وأسرته في مستوى لائق من المعيشة، وتمتد هذه الحماية إلى أسرته من بعده([67]).
فمصارف الزكاة من شأنها إقامة التكافل الاجتماعي، وإحساس الفرد بأن عليه واجبات لهذا المجتمع يجب أداؤها من شأنه إقامة التضامن الاجتماعي([68]).




2- محاربة الفقر وتقليل التفاوت بين الطبقات.
حيث تؤدي الزكاة دورها من خلال سد الحاجات الضرورية التي لا غنى للإنسان عنها([69])، وتقليل التفاوت مما يزيل الضغائن، وذلك لتفادي آثار الديون بمساعدة الغارمين([70])، وبالتالي إعادة التوازن الاجتماعي بين الأفراد وإشاعة العدالة([71]).
3- المحافظة على الأمن العام للدولة.
نجاح الزكاة في التقليل من التفاوت الطبقي، من شأنه أن يخلق جوا من الأمن والطمأنينة، ويزيل كل ما يكون قد ترسب في النفوس من حقد والتقليل من الجرائم التي قد تحدث وخاصة المالية منها([72]).
ويتضح مما سبق، أن إنفاق حصيلة الزكاة إنما خصص لمجالات حيوية تقع في الدائرة التي تهدف السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي التكفل بها، مما يجعل الزكاة تحل محل الإنفاق العام وتلعب دور أداة من أدوات السياسة المالية.
المبحث الثالث
أدوات السياسة المالية
في الاقتصاد الإسلامي
تسعى الدولة جاهدة لتحقيق أهداف المجتمع، من خلال استخدام كافة أدوات ووسائل السياسة المالية التي تمكنها من التأثير في حجم الإيرادات العامة واتجاهات النفقات العامة.
ويتضح من ذلك أن أدوات السياسة المالية هي على نوعين هما:
- أدوات السياسة المالية المرتبطة بالإيرادات العامة.
- أدوات السياسة المالية المرتبطة بالنفقات العامة.
المطلب الأول: أدوات السياسة المالية المرتبطة بالإيرادات العامة
في الاقتصاد الإسلامي.
يقصد بالإيرادات العامة مجموعة الأموال التي تحصل عليها السلطات الحكومية لتنفيذ السياسات المالية المرسومة، والإنفاق على المرافق والمشروعات العامة، وتتنوع الإيرادات العامة في الاقتصاد الإسلامي بين إيرادات دورية، وهي التي تتكرر بصفة دورية في الموازنة العامة وتعتبر الدعامة الأساسية للنظام المالي في الاقتصاد الإسلامي، ومنها مالا يرد في الموازنة العامة إلا بصفة منقطعة وهي إيرادات غير دورية.
الفرع الأول: الإيرادات الدورية في الاقتصاد الإسلامي.
وهي الإيرادات التي تمول الميزانية العامة بموارد ثابتة وبصفة دورية، وهي الزكاة والخراج والجزية وعشور التجارة وإيرادات الأملاك العامة للدولة، وتتميز بانتظام ودورية الانسياب سنويا ووفرة حصيلتها، ما يمكن الدولة من القيام بمسؤوليتها في تحقيق مقاصد الشريعة.
أولا: الزكاة والخراج والجزية.
تتميز الإيرادات العامة في الاقتصاد الإسلامي بتحقيق درجة عالية من العدالة، تتضح في تحقيق المساواة بين المسلمين وغير المسلمين من أفراد المجتمع، فيفرض على كل منهم مجموعة تكاليف متساوية، فبينما يدفع المسلمون الزكاة بأنواعها، يفرض على غير المسلمين دفع الجزية وخراج الأراضي التي يملكونها.
1- الزكاة.

تعتبر الزكاة المورد الرئيسي الدائم لتمويل النفقات العامة وتتميز بوفرة حصيلتها([73]) وأنها أقوى أدوات السياسة المالية من حيث التأثير على الاقتصاد بما يحقق له النمو والاستقرار([74])، فهي إيراد عام تجبيه الدولة ويدخل خزانتها، وإن كان يختلف عن غيره بأن إنفاق حصيلته مخصص لمصارف محددة شرعا تغطي جانبا من حاجات الإنفاق العام للدولة، فهي تشمل بصورة خاصة أنواع الضمان الاجتماعي بأشكاله المختلفة.
فرغم أن الدولة لا تملك حرية التصرف في حصيلة الزكاة في غير المصارف المحددة شرعا، إلا أن مبالغ الزكاة المحصلة سوف تحرر جزءا هاما من الموارد العامة من مصادر أخرى، تستخدم في نفس مصارف الزكاة (نفقات الخدمات الاجتماعية) مما يوفر مبالغ طائلة لها أبلغ الأثر في تمويل التنمية([75]).
وتأتي الزكاة من بين الإجراءات التصحيحية بنقل جانب من فضول أموال الأغنياء إلى الفقراء([76])، حيث يختار ولي الأمر ما يناسب ظروف المجتمعات المحلية والمجتمع ككل، في إمكان نقل الزكاة أو جزء منها مع تفضيل أهل الحاجة من موطن استحقاقها، حتى تتحقق العدالة الاجتماعية بين مختلف أقاليم الدولة([77]).
فالزكاة جهاز مستقل مجهز بفيض من التمويل المستمر، وقد حملت الشريعة هذا الجهاز مسؤولية تقديم خدمات اجتماعية كثيرة ترفع، عن كاهل ميزانية الدولة عبئا كبيرا، يصرف في المشروعات الاجتماعية ما يخفف من الضغط على الميزانية ويقلل من عجزها إن وجد([78]).
2- الخراج.
الخراج هو أجرة الأراضي التي تعتبر ملكيتها للمسلمين عامة، يدفعها المستثمر المنتفع بها([79]) وتحصل عليها الدولة عن طريق إلزام أصحاب الأراضي بالمساهمة في الأعباء العامة([80])، ويعتبر مصدرا هاما من مصادر الإيرادات العامة للدولة التي تمنع تفتيت الملكية الزراعية([81]).



3- الجزية.
وهي فريضة مالية تفرض جبرا على الرؤوس ممن يدخل في ذمة المسلمين من أهل الكتاب ومن في حكمهم وذلك تحقيقا لمبدأ التوازن بين رعايا الدولة([82])، فالجزية نظيرا لحماية المسلمين لأهل الذمة من الأعداء دون مشاركة منهم في الدفاع عن أنفسهم وتسقط عنهم متى ما عجز المسلمون عن حمايتهم([83])، فهي في مقابل الحماية وتحقيق الأمن والإعفاء من الجندية([84]).
ثانيا: إيرادات الأملاك العامة للدولة وعشور التجارة.
وهي الإيرادات التي تحصل عليها الدولة بحكم صفتها وسلطتها كشخص قانوني له حق التملك، وأهم هذه الإيرادات ما يلي:
1- عشور التجارة.
من التنظيم المالي الذي اقتضته سياسة الدولة فرض ضرائب على تجارة أهل الذمة أو ما يسمى بالضرائب الجمركية([85]فقد روعي معاملة التجار الأجانب بمثل ما يعاملون به التجار المسلمين تطبيقا لمبدأ المعاملة بالمثل ما لم يتعارض ذلك مع مصلحة المجتمع([86]).
ويتضح أن عشور التجارة هي ضريبة عينية لا تراعي شخص المكلف، كما أنها ضريبة قيمية تفرض على أساس نسبة مئوية معينة من قيمة السلعة([87])، فتفرض لحماية التجارة الداخلية من المنافسة، بتحميل الوافد قدرا من النفقات المالية ليتساوى مع نظيره المال الموجود في الداخل([88]).
فمن المنطقي أن يساهم التجار بجزء من أرباح تجارتهم، في تغطية تكاليف الخدمات والمرافق العامة التي في ظلها تنمو وتثمر المبادلات التجارية بين أفراد المجتمع([89]).





2- إيرادات الأملاك العامة للدولة.
تباشر الدولة بعض المشروعات العامة في مجال الثروات الطبيعية، والمشروع العام هو نشاط اقتصادي أو اجتماعي أو خدمي تقوم به الدولة لتلبية حاجة اجتماعية أو للحصول على إيرادات للخزينة تغطي بها أوجه الإنفاق المختلفة، ويتحتم على الدولة القيام بهذه المشاريع للحصول على مصادر إضافية للدخل، كي لا تلجأ إلى فرض ضرائب أو إلى طلب قروض، وتستهدف الدولة القيام بالمشاريع الصناعية والزراعية والخدمية لتحقيق إيراد مالي([90]).
كما تتولى المشروعات التي لا يقدم عليها الأفراد، وهذه المشروعات لها عوائد وأرباح تمثل إيرادا من إيرادات الدولة، على أن تراعي الدولة أن لا تتوسع في ذلك توسعا يضر بالأفراد في واستثماراتهم([91])، وتمتلك الدولة الأملاك الخاصة أو ما يسمى بالدومين الخاص بحيث تديره وتستثمره باعتبارها مالكة له، ويمكن التصرف فيه بالبيع وغيره، كما أنه يفل في الغالب إيراد، ويشمل أملاك الدولة من الأراضي والعقارات والمناجم والغابات، كما يشمل كل ما تملكه الدولة من رؤوس أموال ممثلة في أسهم وصكوك استثمار وكذلك كافة المنشآت التجارية والصناعية([92]).
الفرع الثاني: الإيرادات غير الدورية في الاقتصاد الإسلامي.
أما الإيرادات غير الدورية فهي إيرادات ليست سنوية، فلا تتسم بالانتظام والدورية، وتسهم الموارد غير الدورية في مواجهة ما قد يطرأ على المجتمع من ظروف استثنائية.
أولا: التوظيف " الضرائب ".
يعرف الفكر المالي الإسلامي التوظيف بأنه: إجراء مؤقت يلجأ إليه ولي الأمر لمواجهة ظروف غير عادية، إذا كانت الخزينة عاجزة عن تمويل الأعباء العامة التي تتطلبها مثل هذه الظروف وهو محدد بالمقدار الذي يكفي لدفع هذه الظروف ومواجهتها([93]).
فالتوظيف يكون بفرض تكاليف إضافية في أموال الأغنياء بما يكفي حاجة الفقراء، فتسد حاجتهم من بيت مال الزكاة ثم من بيت مال المصالح([94])، فإذا لم تكف، فإنه يؤخذ من أموال القادرين ما يسد هذه الحاجات، شرط أن يعلن ولي الأمر وجه الإنفاق المطلوب تمويله وأن يحدد مقدار الأموال المطلوبة ولا يجبي أكثر من حاجة وجه الإنفاق المعلن عنه وأن تجبى ممن تنطبق عليه المقدرة التكليفية([95]).
ففرض الضرائب ينبغي أن يراعى فيه قواعد الشريعة الإسلامية في رعاية مصالح الناس وعدم التضييق عليهم، وتوفير العدالة الكاملة في فرضها وجبايتها وصرفها، وأن تكون هناك حاجة حقيقية للمال مع عدم وجود مصدر آخر سوى الضرائب([96]).
إن تلك الشروط تجعل من الضريبة المشروعة ضريبة تمويلية تجبى لتنفق في الأوجه المشروعة، فيمكن اعتبارها أداة مالية لتحقيق العدالة الاجتماعية التي هي أحد أهداف النظام المالي([97]).
ثانيا: القروض.
يمكن الالتجاء إلى القروض كمورد غير دوري إذا لم تكن موارد الدولة العادية كافية لتغطية الإنفاق العام([98])، وتعتبر مصدرا استثنائيا من مصادر الإيرادات العامة في المالية العامة الإسلامية، تلجأ إليه الدولة في حالات الأزمات والحروب من أجل تغطية نفقات غير متوقعة([99])، وتحصل الدولة على القروض من الأفراد والشركات والمؤسسات المالية غير المصرفية والمصارف المقيمة داخل إقليمها، لتغطية النفقات الضرورية عندما لا تكفي الإيرادات السابقة العادية، ولا شك أن تكون عمليات الاقتراض خالية من الربا([100]).
ثالثا: الإصدار النقدي.
يقصد بالإصدار النقدي لجوء الدولة إلى إصدار كمية جديدة من النقود لتغطية العجز في الميزانية العامة وتوفير احتياجات الدولة في الحالات غير العادية([101])، وتلجأ إليه الدولة في حالة عدم كفاية الموارد التي تتيحها الأساليب الأخرى([102]).
وأهم الضوابط الشرعية للإصدار النقدي هو توحيد جهة الإصدار في مؤسسة عامة كالمصرف المركزي أو إدارة حكومية، لتصدر من النقود ما يكفي لتقوم هذه النقود بوظائفها كما ينبغي لصالح الفرد والدولة على السواء، فالضابط الشرعي هو المصلحة المعتبرة شرعا([103])، فإذا كان التمويل يستخدم لقيام مشروعات إنتاجية توظف العمال وتحد من البطالة وتزيد إنتاج السلع، فإنه في المدى الطويل لا ضرر في ذلك لأن المالية العامة الإسلامية تقر الإصدار النقدي الذي يمول مشروعات إنتاجية([104]).


المطلب الثاني: أدوات السياسة المالية المرتبطة بالنفقات العامة
في الاقتصاد الإسلامي.
يستخدم الإنفاق العام كأداة فعالة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية سواء من خلال ضغطه وترشيده أو التوسع فيه، لذا نجد أن النفقات العامة في النظام المالي الإسلامي تقسم إلى نفقات مخصصة المصارف، وهي التي حددت مصارفها لجهات معينة ونفقات غير مخصصة المصارف وهي التي تنفق في سائر مصالح الأمر حسب اجتهاد ولي الأمر .
الفرع الأول: مفهوم النفقات العامة في الاقتصاد الإسلامي.
تتحدد النفقات العامة بمدى قدرة الدولة على الحصول على الإيرادات العامة، ويرتبط تحديد ضوابط الإنفاق العام إلى حد كبير بقواعد السياسة الشرعية في تحقيق الصالح العام.
أولا: تعريف وطبيعة النفقة العامة في الاقتصاد الإسلامي.
إن دور الإنفاق العام في النظام المالي الإسلامي يجب أن يتعدى تسيير المرافق التقليدية كالأمن والدفاع، إلى تحقيق أهداف الدولة الاقتصادية والاجتماعية، ما يترتب عليه زيادة الإنتاج ومضاعفة العمران.
1- تعريف النفقة العامة في الاقتصاد الإسلامي.
تقوم الدولة بأداء خدمات عامة مختلفة، ويستلزم أداء تلك الخدمات إستخدام جزء من خزينة الدولة في تلبية الحاجات العامة للرعايا([105])، فالنفقة العامة هي قدر من المال داخل في الذمة المالية للدولة، يقوم ولي الأمر أو من ينوب عنه باستخدامه في إشباع حاجة عامة وفقا لمعايير الشريعة الإسلامية.
ولا يشترط أن تكون النفقة العامة مبلغا من النقود، وإنما يكفي إستخدام نوع من أنواع المال أيا كان ذلك المال، مادامت له منفعة مباحة شرعا، لأن القاعدة في المالية العامة الإسلامية هي إستخدام الصورة التي تراها الدولة محققة لفائدة الأفراد الذين تدفع النفقة العامة إليهم.
ولاعتبار النفقة عامة يجب أن يكون مصدرها خزينة الدولة، أما النفقات التي ينفقها ولي الأمر أو نوابه من أموالهم الخاصة فلا تعد من النفقات العامة حتى ولو كانت تهدف لتحقيق منفعة عامة، ولابد أن يكون الهدف من الإنفاق العام هو سد الحاجات العامة، وهي التي يعود إشباعها بالنفع على جميع المواطنين أو دفع الضرر عنهم ويحقق مصلحة عامة([106]).



2- طبيعة النفقة العامة في الاقتصاد الإسلامي.
يمكن حصر طبيعة النفقة العامة في كونها وسيلة لزيادة الدخل القومي والثروة وأداة للعمران والتقدم، حيث تساهم النفقة العامة في تنمية المجتمع ورفع مستوى معيشته، فهي سبب مباشر لإحداث الرواج الاقتصادي بما يترتب عليها من زيادة في المعاملات، يتبعها زيادة في الأرباح وارتفاع دخول الأفراد([107])، كما تعمل على زيادة الإنتاج وعرض السلع وترفع من معدلات الطلب والعمالة وتحفز الحركة في السوق وتضاعف الثروة المالية المتداولة.
والفكر المالي الإسلامي لا يرى في الإنفاق العام عامل تحطيم الثروة أو استهلاك لجزء من ثروة المجتمع، بل يقرر وجوب مضاعفة الإنفاق العام حتى لا يعم الكساد وتتوقف حركة النمو في القطاعات الإنتاجية ومن ثم ينقص العمران([108]).
كما أنها تعمق دور السياسة المالية في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية حيث تستخدم لتحقيق الأغراض الاقتصادية كعمارة الأرض وتنمية موارد البلاد، كما تستخدم لتحقيق أغراض اجتماعية مثل نفقات الضمان الاجتماعي التي تكفل لكل فرد حد الكفاية من خلال إنفاق حصيلة الزكاة([109]).
ونظرا للدور الموسع للنفقة العامة فإنه يسمح بإشباع الحاجات والأغراض الاجتماعية، في حالة عجز حصائل الزكاة بالإنفاق من إيرادات العشور والخراج([110]).
ثانيا: ضوابط الإنفاق العام في الاقتصاد الإسلامي.
أرسى النظام المالي الإسلامي ضوابط وقواعد فريدة في الإنفاق العام، جعلته أكثر ضبطا وصلاحية ونفعا وتحقيقا للأغراض المرجوة منه.
1- ضابط الصالح العام.
أو ما يسمى بضابط المنفعة العامة، ويتأصل ضابط الصالح العام في الإنفاق العام في النظام المالي الإسلامي في مبدأين اثنين، أما المبدأ الأول: شرعية الصالح العام فهي سند الإنفاق العام بعدم مخالفة أي حكم في الإنفاق ثبت بالنص أو الاجتهاد، لأن الصالح العام هو سند الإنفاق في ترتيب أولويات الإشباع للتفاوت بين أهميات المصالح بعدم التجاوز، والإنفاق العام إلزامي في أساسه اختياري في مجاله إذا ما جرد النص بشأنه، وسنده قواعد الشرع الكلية كقاعدة " درء المفاسد أولى من جلب المصالح"، فشرعية الصالح العام تقتضي تفويت النفقة التي يترتب عليها تحقيق المنفعة لصالح النفقة التي ثبت عليها تحقيق منع المفسدة.


([1]) شعبان فهمي عبد العزيز، " السياسة المالية ودورها في إصلاح الاقتصاد الإسلامي ". محاضرة مقدمة إلى مؤتمر التحديات المعاصرة للاقتصاد المصري، القاهرة: من 2 إلى 3 جويلية، 1995، ص5.

([2]) شوقي دنيا، دروس في الاقتصاد الإسلامي (النظرية الاقتصادية). الرياض: مكتبة الخريجي، 1404، ص 356.

([3]) عبد المطلب عبد الحميد، السياسات الاقتصادية تحليل جزئي وكلي. القاهرة: مكتبة زهراء الشرق، 1997، ص239.

([4]) عوف محمود الكفراوي، بحوث في الاقتصاد الإسلامي. الإسكندرية: مؤسسة الثقافة الجامعية، 2000، ص111.

([5]) محمد عبد المنعم عفر وأحمد فريد مصطفى، الاقتصاد المالي الوضعي والإسلامي بين النظرية والتطبيق. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1999، ص331.

([6]) عوف محمود الكفراوي، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص398.

([7]) محمد عبد المنعم عفر وأحمد فريد مصطفى، مرجع سابق، ص 331.

([8]) عبد المنعم فوزي، المالية العامة والسياسة المالية. بيروت: دار النهضة العربية، (دون تاريخ)، ص 419.

([9]) مجدي عبد الفتاح سليمان، علاج التضخم والركود الاقتصادي في الإسلام. القاهرة: دار غريب، 2002، ص131.

([10]) خالد واصف الوزني وأحمد حسين الرفاعي، مبادئ الاقتصاد الكلي بين النظرية والتطبيق. ط3،عمان: دار وائل للنشر،1999، ص380.

([11]) شعبان فهمي عبد العزيز، مرجع سابق، ص 21.

([12]) قطب إبراهيم محمد، السياسة المالية للرسول. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988، ص267.

([13]) قطب إبراهيم محمد، السياسة المالية لعمر بن الخطاب. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ص ص 219- 222.

([14]) لحسن الداودي، " السياسة المالية، أهدافها وأدواتها "، السياسة الاقتصادية في إطار النظام الإسلامي، مرجع سابق، ص496.

([15]) سعد بن حمدان اللحياني، الموازنة العامة في الاقتصاد الإسلامي. جدة: المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية، 1997، ص 205 وما بعدها.

([16]) محمد عبد المنعم عفر، السياسات الاقتصادية والشرعية وحل الأزمات وتحقيق التقدم، مرجع سابق، ص314.

([17]) سعد بن حمدان اللحياني، مرجع سابق، ص ص 203-207.

([18]) سعد بن حمدان اللحياني، مرجع سابق، ص ص 270-271.

([19]) محمد عبد المنعم عفر، السياسات الاقتصادية والشرعية وحل الأزمات وتحقيق التقدم، مرجع سابق، ص 314.

([20]) عبد المطلب عبد الحميد، مرجع سابق، ص241.

([21]) عبد السلام بلاجي، المالية العامة عند الماوردي وابن خلدون. المنصورة: دار الكلمة، 1991/1992، ص59.

([22]) محمد عبد المنعم عفر وأحمد فريد مصطفى، مرجع سابق، ص396.

([23]) محمد عبد المنعم عفر، السياسات الاقتصادية والشرعية وحل الأزمات وتحقيق التقدم، مرجع سابق، ص ص92- 98.

([24]) قطب إبراهيم محمد، السياسة المالية للرسول، مرجع سابق، ص271.

([25]) محمد عبد المنعم عفر وأحمد فريد مصطفى، مرجع سابق، ص396.

([26]) عطية عبد الواحد، مبادئ واقتصاديات المالية العامة. القاهرة: دار النهضة العربية، 2000، ص429.

([27]) حسن سري، مرجع سابق، ص226.

([28]) قطب إذبراهيم محمد، السياسة المالية للرسول، مرجع سابق، ص269.

([29])عطية عبد الواحد، مبادئ واقتصاديات المالية العامة، مرجع سابق، ص 429.

([30]) محمد عبد المنعم عفر وأحمد فريد مصطفى، مرجع سابق، ص 396.

([31]) عطية عبد الواحد، مبادئ واقتصاديات المالية العامة، مرجع سابق، ص 1173.

([32]) نزيه حماد، معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء. الولايات المتحدة الأمريكية:المعهد العالمي للفكر الإسلامي،1401/1981، ص149.

([33]) سورة التوبة، الآية رقم 60.

([34]) مجدي عبد الفتاح سليمان، مرجع سابق، ص ص 183 - 187.

([35]) إبراهيم القاسم رحاحلة، مالية الدولة الإسلامية. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1999، ص ص 71- 83.

([36]) جمال لعمارة، اقتصاديات الزكاة ودورها في التخفيف من حدة المشكلات الاقتصادية المعاصرة، مرجع سابق، ص93.

([37]) محمد شوقي الفنجري، المذهب الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص186.

([38]) عز العرب فؤاد، الزكاة في ضوء رؤية معاصرة. القاهرة: دار الأقصى للكتاب، 1986، ص ص 42- 46.

([39]) بيت الزكاة، زكاة الثروة التجارية والصناعية. الكويت: مطبعة الفيصل،(دون تاريخ)، ص ص 3- 9.

([40]) إبراهيم القاسم رحاحلة، مرجع سابق، ص 32.

([41]) بيت الزكاة، أحكام زكاة الثروة التجارية والصناعية الشركات والأسهم والسندات والنقود والحلي.(دون دار النشر)،(دون تاريخ)، ص17.

([42]) قطب إبراهيم محمد، السياسة المالية للرسول، مرجع سابق، ص 71.

([43]) عز العرب فؤاد، مرجع سابق، ص 81 ومابعدها.

([44]) قطب إبراهيم محمد، السياسة المالية لعمر ابن عبد العزيز. القاهرة: الهيئة العامة المصرية، 1998، ص 75.

([45]) عبد الحميد محمود البعلي، اقتصاديات الزكاة وإعتبارات السياسة المالية والنقدية. القاهرة: دار السلام، 1991، ص 25.

([46]) عبد الله الطاهر، " حصيلة الزكاة وتنمية المجتمع "، ندوة موارد الدولة في المجتمع الحديث من وجهة النظر الإسلامية. القاهرة: من3–10 شعبان 1406هـ الموافق 12- 19 أفريل 1986، البنك الإسلامي للتنمية، 1989، ص 258.

([47]) قطب إبراهيم محمد، السياسة المالية للرسول، مرجع سابق، ص55.

([48]) إبراهيم القاسم رحاحلة، مرجع سابق، ص23.

([49]) عوف محمود الكفراوي، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص203.

([50]) عبد الله الطاهر، مرجع سابق، ص ص259 - 261.

([51]) قطب إبراهيم محمد، السياسة المالية لأبي بكر الصديق. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990، ص ص211- 214.

([52]) لحسن الداودي، مرجع سابق، ص508.

([53]) عبد الله الطاهر، مرجع سابق، ص ص 268 - 278.

([54]) عوف محمود الكفراوي، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 201.

([55]) أحمد محمد العسال وفتحي أحمد عبد الكريم، مرجع سابق، ص114.

([56]) مجدي عبد الفتاح سليمان، مرجع سابق، ص209.

([57]) عوف محمود الكفراوي، بحوث الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 205.

([58]) عبد الله الطاهر، مرجع سابق، ص267.

([59]) كمال خليفة أبو زيد وأحمد حسين علي حسين، محاسبة الزكاة. الإسكندرية: الدار الجامعية، 1999، ص34.

([60]) عوف محمود الكفراوي، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص ص 199 - 201.

([61]) أحمد محمد العسال وفتحي أحمد عبد الكريم، مرجع سابق، ص 113.

([62]) عبد الله الطاهر، مرجع سابق، ص 265.

([63]) سورة التوبة، الآية رقم 103.

([64]) عوف محمود الكفراوي، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص189.

([65]) كمال خليفة أبوزيد وأحمد حسين علي حسين، مرجع سابق، ص ص26 - 30.

([66]) نفس المرجع السابق، ص31.

([67]) فؤاد عبد الله العمر، "حصيلة الزكاة وتنمية المجتمع"، موارد الدولة المالية في المجتمع الحديث من وجهة النظر الإسلامية، مرجع سابق، ص 365.

([68]) عوف محمود الكفراوي، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 192.

([69]) حسين عمر، مرجع سابق، ص27.

([70]) فؤاد عبد الله العمر، مرجع سابق، ص 365.

([71]) طاهر حيدر حردان، الاقتصاد الإسلامي المال الربا الزكاة. عمان: دار وائل للنشر، 1999، ص 183.

([72]) عوف محمود الكفراوي ، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 196.

([73]) عوف محمود الكفراوي، السياسة المالية والنقدية في ظل الاقتصاد الإسلامي. الإسكندرية: مكتبة الإشعاع، 1997، ص 45.

([74]) عوف محمود الكفراوي، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 399.

([75]) عبد العزيز بن محمد الحامد، " الموازنة العامة للدولة في الاقتصاد الإسلامي ". (رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الاقتصاد الإسلامي، جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية)، 1409 ، ص361.

([76]) محمد عبد المنعم عفر، السياسات الاقتصادية والشرعية وحل الأزمات وتحقيق التقدم، مرجع سابق، ص213.

([77]) المرجع السابق، ص263.

([78]) منذر قحف، تمويل العجز في الميزانية العامة للدولة من وجهة نظر إسلامية. جدة : البنك الإسلامي للتنمية، 1997، ص26.

([79]) محمد المبارك، نظام الإسلام. ط3، بيروت: دار الفكر، 1972، ص 142.

([80]) محمود حمودة ومصطفى حسنين، أضواء على المعاملات المالية في الإسلام. ط2، عمان: مؤسسة الوراق، 1999، ص164.

([81]) نعمت عبد اللطيف مشهور، اقتصاديات المالية العامة الإسلامية والوضعية. القاهرة: مطبعة العمرانية، 1998، ص70.

([82]) إبراهيم القاسم رحاحلة، مرجع سابق، ص53.

([83]) محمد هاشم عوض،" الهيكل الضريبي المعاصر في ضوء المبادئ الضريبية الإسلامية "، موارد الدولة المالية في المجتمع الحديث من وجهة النظر الإسلامية، مرجع سابق، ص 82.

([84]) حسن سري، مرجع سابق، ص97.

([85]) عبد الكريم الخطيب، السياسة المالية في الإسلام وصلتها بالمعاملات المعاصرة. ط2، بيروت: دار المعرفة، 1975، ص 67.

([86]) نعمت عبد اللطيف مشهور، مرجع سابق، ص 71.

([87]) عوف محمود الكفراوي، السياسة المالية والنقدية في ظل الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص77.

([88]) إبراهيم القاسم رحاحلة، مرجع سابق، ص65.

([89]) جمال لعمارة، النظام المالي في الإسلام. الجزائر: دار النبأ، 1996، ص24.

([90]) المرجع السابق، ص28 وما بعدها.

([91]) سعد بن حمدان اللحياني، مرجع سابق، ص359.

([92]) محمد حسين الوادي وزكريا أحمد عزام، المالية العامة والنظام المالي في الإسلام. عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع، 2000، ص245.

([93]) نعمت عبد اللطيف مشهور، مرجع سابق، ص ص74- 75.

([94]) رفيق يونس المصري، أصول الاقتصاد الإسلامي. ط3، دمشق: دار القلم، 1999، ص 235.

([95]) محمد عبد المنعم عفر، السياسة الاقتصادية والشرعية وحل الأزمات وتحقيق التقدم، مرجع سابق، ص ص 165- 167.

([96]) محمد عبد المنعم عفر، السياسة المالية والنقدية ومدى إمكانية الأخذ بهما في الاقتصاد الإسلامي. القاهرة: الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامي، (دون تاريخ)، ص ص 35 - 36.

([97]) سعد بن حمدان اللحياني، مرجع سابق، ص 238.

([98]) عوف محمد الكفراوي، السياسة المالية والنقدية في ظل الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 81.

([99]) نعمت عبد اللطيف مشهور، مرجع سابق، ص 74.

([100]) جمال لعمارة، النظام المالي في الإسلام، مرجع سابق، ص 52.

([101]) سعد بن حمدان اللحياني، مرجع سابق، ص 242.

([102]) محمد عبد المنعم عفر، السياسات المالية والنقدية ومدى إمكانية الأخذ بهما في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 53.

([103]) إبراهيم صالح العمر، النقود الائتمانية دورها وأثارها في اقتصاد إسلامي. الرياض: دار العاصمة، 1414، ص 251.

([104]) قطب إبراهيم محمد، السياسة المالية للرسول، مرجع سابق، ص 277.

([105]) عبد المنعم فوزي، مرجع سابق، ص 41.

([106]) نعمت عبد اللطيف مشهور، مرجع سابق، ص ص 174 - 176.

([107]) المرجع السابق، ص 179.

([108]) حسن صادق حسن،" الإنفاق وضوابطه في الاقتصاد الإسلامي"، السياسة الاقتصادية في إطار النظام الإسلامي، مرجع سابق، ص519.

([109]) نعمت عبد اللطيف مشهور، مرجع سابق، ص 180.

([110]) حسن صادق حسن، مرجع سابق، ص 522.
 
أعلى