الأخوة

بقلم الأستاذ : إبراهيم بن ساسي
الأخوة منحة قدسية وإشراقة ربانية ونعمة إلهية يهبها الله زمرة من أصفائه فتغدو النفوس مؤمنة والعواطف صادقة والنوايا خالصة والأحاسيس نبـيـلة فلا يكون بين جوانحها سوى حب ورحمة وتعاون وإيثار ، تلك هي ثمار الإيمان حين يملك النفوس فيخضعها لبارئها متحررة من أي جموح أو جنوح ، وعلى هذا الأساس هـيّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة المسلمين الأولى وبمثل هذا الإيمان الصادق يقام منهج الله في الأرض وبه وحده يكون للمسلمين عزتهم وسعادتهم وأستاذيتهم على العالمين .
ولذلك عمد المربون إلى تعميقها فهما وتطبـيقا من خلال برامجهم ، يقول الإمام البنأ رحمه الله : " وأريد بالأخوة أن تربط القلوب والأرواح برياط العقيدة ، والعقيدة أوثـق الروابط وأعلاها ، والأخوة أخت الإيمان والتـفرق أخــو الكفر ، وأول القوة قـوة الوحدة ولا وحدة بغير حب وأقل الحب سلامة الصدر وأعلاها مرتبة الإيثـار .

من فـضائل الأخوة أن امتـنّ الله بها على عباده حين دعاهم للإعتـصام بحبله ، قال الله تعالى  واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تـفـرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنـتـم أعداء فألف بين قلوبكم وأصبحتم بنعمته إخواناً 
كما أن المتآخين المتحابين في ظل عرش الله لقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يقول يوم القيامة « أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلّي يوم لا ظل إلا ظلــّـي » رواه مسلم .
ومن فضائل الأخوة أن المتحابـين في أمان الله وحـفـظه ، وذلك لما رواه أبو داود عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال « إن من عباد الله لأناسا ماهم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى قالوا يا رسول الله من هم ؟ قال هم المتحابون بروح الله بينهم على غير أرحام بـينهم ولا أموال يتعاطونها والله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس »
إنهم في كنف المولى عز وجل ، روى الإمام مالك بن أنس رحمه الله أنه قال : قال الله تعالى " وجبت محبتي للمتحابـين فيّ والمتزاورين فـيّ والمتـباذلين " . ولله در الشــاعــر :
زُر من تحّب ودع مقـالة حـاسد ليس الحسودُ على الرضا بِمساعد
لم يخلق الرحمن أحسن مـنظـر من مسلمين على طريق واحــد
مـتعاونين عليهم حِللُ الرّضــا متساندين بــدرهم وبــساعـد
فـإذا تآلفت القلوب على الرضـا فالناس تضرب فـي حديد بـارد
وإذا صــفا لك من زمانك واحد فهو المـراد وعش لذلك الواحد
فإذا رآك المؤمنون تذكـــروا أهل الجـنان لدى النعيم الخالـد
إنها أثمن منحة ربانية للعبد بعد نعمة الإسلام لقول الفاروق عمر رضي الله عنه : « ما أعطي عبد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح فإذا رأى أحدكم ودّاً من أخيه فليستمسك » .
إنها خير ذخائر المرء ، وقد قيل " أفضل الذخائر أخ وفي "
لعــمرك ما مالُ الفتى ذخـيرة ولكنّ إخوان الثـقـاتِ هم الذخـائر
و الأخوة أجمل ما في الوجود من لذة ووصال بعد الفرائض والواجبات لذلك سماها التابعي الجليل مالك بن دينار رَوح الدنيا حين قال لم يـبق من روح الدنيا إلا ثلاث :
لقــاء الإخوان
والتهجـد بالقرآن
وبـيت خال يذكر فيه الله تعالى .

أولا : أن تكلَّـل بالإخلاص لله تعالى .
ثـانـيا : أن تـقرن بالإيمان والتـقوى وخوف الله .
قال الله تعالى { إنما المؤمنون إخوة } وقال أيضا { الأخلاء يومئذِ بعضهم لبعض عدو إلا المتـقـين}
قال رسول الله  : « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل »
وقال ابن عطاء الله السكندري : " لا تصحب من لا ينـهضك حاله ولا يدّلك على الله مقـاله "
أنـت فـي الناس تـقاس بالذي اخـتـرت خـلـيلا
فاصـحب الأخـيار تعلو وتـنـل ذكـرا جمـيــلا
فلا بد من مصاحبة الأخيار ذوي الأخلاق الرفـيعة والإستقامة ديناً ودنيا ، قال بعض البلغاء " اصطف من إخوانك ذا الدين والحسب والرأي والأدب " .
وأنشد بعـضهم :
مجالسة السـفـيه سـفاهُ رأي ومن عـقل مجالسة الحـكـيم
فـإنك والقـرين معا سـواء كما قـُدًّ الأديـمُ من الأديــم
لذا وجب الـتـفـنـن في اختـيار الأصحاب ، قال الحسن البصري رحمه الله " إن لك من خليلك نصيبا وإن لك نصيب من ذكر من أحببت فتنقوا الإخوان والأصحاب والمجالس " .
ثـالـثـا : أن تكون أخوة ملـتـزم فيها بمنهج الإسلام ولا يمكن أن تكون كذلك حتى يتعاهد المتآخان على تحكيم شرع المولى عز وجل وإقامة شرائعه والدفاع عن حياض دينه بعمل واضح وأهداف معلومة وخطى ثابتة ومنهج وسطي منبثـق عن فهم صحيح ،وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يــظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله " ورجلان تحابّا في الله اجـتـمعا عليه وتـفـرقا عليه " ، أي تعاهدا في حال اجتـماعهما على التزام الشـرع وتعاهدا في حال تفـرقـهما على العمل بشريعـتـه سبحانه ، معـنى ذلك أن تعاهدهما مبني على الإيـمـان بالله ورسوله والعمل الصالح والدعوة لله تعالى والتواصي بالصـبر ، لذلك فـقه الإمام الشافعي هذه الأسرار وفك الرموز حين قال : " لو لم ينزل من القرآن غير سورة العصـر لكـفـت الناس " .
رابعا : أن تكون أخوة مبـنـية على النصح وقـبـوله وهو ما يمثـله جيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه : " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم " رواه الشيخان
وخير النـصح ما خَـلُص فيه لله تعالى وألّـم أصحابُـه بـفـقه النـصح وآدابه .

مـن أجـلِّ النـعم وأعـظمها أن يهبك الله إخوانا للاصطفاء تعيش معهم حياة الإسلام وتصنع وإيّـاهم حياة المجد والعطاء ، ولأجل ذلك تـفـنـن العقلاء في البحث عن مواصفات الأخيار ومما قرأت لبعض البلغاء " صديق مساعد عضد وساعد " .وأنشد أحدهم في هـذا المعـنـى :
هموم رجال فـي أمور كـثـيـرة وهـمـّـي من الدنـيـا صديـق مسـاعد
نـكون كروح بـين جسمين قسمت فـجسماها جـسمانِ والــرّوح واحـــد
وهذه أبرز السمات التي يـقام عليها ميزان التـآخي والتـصاحب :
أ - « طـيـبة القـول » يقول الفاروق عمر رضي الله عنه : " لولا أن أسير في سبيل الله أو أضع جنبي في التراب أو أجالس أقواما يلتقطون طيب القول كما يـُـلتقط طيب لثمر لأحببت أن أكون لحقت بالله "
( كتاب الزهد ) لابن مبارك
ب – ومن صفات هؤلاء الأخيار الذين وجب أن نحرص على اصطفائهم والجلوس إلى موائدهم ، التواضع والبساطة وعدم التكلف ، إذ يرفع عنك أخوك الحرج ويسقط ما بينكما مؤونة التـحـفظ ، كان جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه يقـول : " أثـقلُ إخواني عليّ من يتكلف لي أو تحفظ منه وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي
( إحياء علوم الدين )
جـ - ومن صفاتهم الجميلة سعة الصدر وقبول العذر ، إذ لا يمكن أن يوجد في الصف من لا عيب له ، قال الفضيل بن عياض " من طلب أخـاً بلا عيب صار بلا أخ " ، ولله در من قـال :
إذا كـنـت في كل الأمور معاتبا أخـاك لم تـلق الذي لا تـعـاتـبـه
فعش واحداً أو صل أخــاك فـإنــه مقـارف ذنـب مرةً ومجـانبه
فلا بدّ من حسن ظن وقبول عذر وإقالة عثرات ، ولا يجوز أن يتـنـاسى الإخوان ما كان بـيـنهم من فضل وعطاء ، وليتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه : " ما يدريك يا عمر لعّل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غـفرت لكم " . جاء ذلك في قصة سيدنا حاطب بن أبي بلتعة يوم الفتح الأعظم فكان منه صلى الله عليه وسلم الصفح الأعظم بعد اجـتـياز العمل الأعظم .
ولله در الشاعر القـائل :
أحب من الإخوان كل مّواتـي وكل غـضـيـض الطرف عن عـثراتي
يوافـقـني في كل أمر أريده ويـحــفــظني حيـّا وبعد مماتــي
د – ومن صفاتهم مذاكرة الآخرة ، فأول ما يستقبلك به أحدهم وثغره باسم " إني أحبك في الله " ، قال الحسن البصري رحمه الله " إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا وإخواننا يذكروننا بالآخرة "
( إحياء علوم الدين )
وقد أحسن الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في ذكر بعض مواصفاتهم ومآثرهم :
جيل على الحب والإيمان مرتـبط قد عبرت عنه أرواح وأفواه
وكلهم بات بالـقرآن مندمجـــا كأنه الدم يسري في خلايـاه
فالأذن سامعة والعين دامعــــة والروح خاشعة والقلب أواه
وشرح محمد إقبال هذه المعاني قبل ذلك حين توجه لله داعيا متبتلا في محرابه :
هب نجيا يا ولي النـعمة محرما يدرك ما في فطرتي
هب نجيا لـقّنا ذا جـنة ليس بالدنيا له من صلــة
إنه القـول الفصل ، إن صاحب الداعية المسلم داعية آخر ليس له بالدنيا من كثير صلة ، صلته بالآخرة وشوقه إلى جنة الخلد أكثر من من أي صلة ، بـيـنـه وبين الدنيا إنقطاع وجفاء ، إن تحريت عنه وجدته ، إنه صاحبك
آخـِـه واحببه وأعطه مثل الذي يعطيك وإلا فإنك أنت العاجز فإنه كان يـُقال " أعجز الناس من فرّط في طلب الإخوان وأعجز منه من ضيّع من ظفر بهم فاطلب الإخوان ترفع عنك صفة العجز " (الرقائق لمحمد أحمد الراشد)
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال .
هـ - ومن صفاتهم الوفاء والتزام العهود مهما كانت الظروف والمدلهمات ، يثبت أحدهم على فكرته ثبـاتَ الشمِّ الرواسي لا يعرف للغدر طريقا .
أولئك إخواني الذين أحبهم وأوثرهم بالجدّ من بين إخواني
وما منهم إلا كريم مهذب حببت إلى إخوانه غير خـوان
وهذه لعمري صفات الرجولة الحقـّة
و – ومن صفاتهم أيضا الإيثار وقد فقهوه خلقا كريما كلّلوا به تاج الحب فاصطبغت به حياتهم فكانت أمثلة ونماذج فـذّة في الجود والكرم والعطاء وبذل المال والنفس والجهد ، تأمل قول الشاعر صالح حياوي في شأنهم :
أبـداُ أظلُّ مع التـقاة مع الدعاة العاملــين
الناشرين لواء أحمـد عاليا في العالميــن
المنصفين للمؤثريـن على النفوس الآخرين
معهم أظل مع التقـاة مع الدعاة المسلميـن
(الرقائق للشيخ الراشد )

ز – ومن صفات هؤلاء الأصحاب صدق وبر وصمود وصفاء نـفس ، وصون عرض وصلابة في دين


سيظل عقد الأخوة متماسكا مادام لهذا العقد عهود تحـفظه وترعاه وما دامت الأخوة شرعه دعوتنا وشعارها بل وميثاقها الذي بيننا نتذكره ونتذاكره بما حولنا من محبة وتكافل وتسامح وغيرها من الكمالات التي لا تثمر غير وحدة في الفكر والخيال والرجاء والمصير ، ووحدة القلب والروح وربما وحدة اللفظ فلا يكون هناك غير صيحات واحدة بحروف متقاربة تعبر عن مفهوم واحد كما أراد محمد إقبال حين قال :
نحن من نعمائه حلفُ إخاء قلبنا والروح واللفظ سواء
فلم يـقـنع رحمه الله بوحدة القلب حتى توحدت الألفاظ ، وهذا العقد يزيد الواجب الإيماني ثبوتا حين نتواصى بحفظه ونمائه عند كلّ لـقاء ، وما نراه إلا كبيعة سلمة بن الأكوع الثانية رضي الله عنه تؤكد بيعته الأولى حين حدثتنا في ساعة واحدة يوم الحديبية تحت الشجرة كما جاءت في صحيح البخاري فقال لي : يا سلمة ألا تبايع قلت : يا رسول الله قد بايعت في الأول قال : وفي الثاني " وهو ما يوجبه علينا فقه هذه الدعوة بيعة أولى وثانية وثالثة نبتغي بها زيادة في الصفّ والتماسك لتنشأ الجماعة المؤتلفة المتماسكة المستحكمة التي وصفها محمد إقبال :
كــلّ أخ بأخيه ائـتـلـفا مثل در في سموط ألـفا
لــفهم في عيشهم معترك كل فرد بأخيه ممســك
من حداث تتوالى الأنجـم كوكب من كوكب مستحكم




هذه هـي الأخوة شجرةٌ وجب أن تسقى جذورها بالإيمان الصادق والنوايا الحسنة وروح التعاون والتكافل لتـؤتـي أكلها حين بإذن ربـها فـتـسـتـكمل حلقات هـذا التـكويـن بـين أشجار الفـهـم والإخلاص والعمل الجاد والثـقـة المتـبادلة تحت ظلال الطاعة والإجتهاد وهو ما وجب أن نرفعه شعارا ونـعـيشه واقعا حيا بـيـننا لـتظل الدعوة قائمة في مجتمعاتنا ، بها نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وبها نقـيم الشهادة على العالمين متى خـلُـصت النوايا وصدقت العزائم وتاقت الأنفـس للتـغـيـيـر ، وحـينها فقط نـصـِّل بدعوتنا شواطئ الإيمان بلا وجل ولا عجل
واها أتـخـرق والرحمن صانعها والله حارسها من كل من خانا
أم هل تظل سفين بيت إبرتهــا وحي من الله يهدي كل حيرانا
أم كيف لا تصل الشطآن باخـرة ربّانها خير خلق الله إنسانــا
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد 


1/ إحــيــاء عــلوم الديــن للغـزالي
2/ أدب الدنـيا والديــن للمارودي
3/ الـرقـائــق لمحمد أحمد الراشد
4/ الأخوة الإســلامية عبد الله ناصح علوان
5/ حادي المسير إشـارات تربوية وأدبـية
6/ نـفحات ولـفحات للشيخ القرضاوي ديوان الشعر
 
أعلى